Indexed OCR Text

Pages 481-500

م-٣١
٤٨١
ج ا
١٣: من يأتيني بخبر سعيد بن الربيع؟ فقال رجل: (١) يارسول
الله. فذهب الرجل يطوف بين القتلى فقال له سعد بن الربيع : ماشأنك؟
قال بشي النِي ◌َّةٍ لَآتيه بخبرك . قال: فاذهب إليه واقرئه
مني السلام وأخبره أني قد طُمنت اثنتي عشرة طعنة وأني قد أُنْفِذَتْ
مَقالي (٢)، وأخبر قومك أنه لاعذر لهم عند الله إِن قُتل رسول الله
حَّهِ وَأَحَدٌ منهم حي (٣).
قال ابن سعد: قال الواقدي : ومات من جراءاته تلك .
٤٦ - عبد اللهبن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس
يكنى أبا محمد . أحد النقباء الاثني عشر . شهد العقبة مع
السبعين، وبدراً، وأحداً، والخندق، والحديدية، وخَيبر وعُمرة
(١) هذا الرجل هو ((أبي بن كعب، كما في الاستيعاب.
(٢) أصبت بطعنات قاتلة ولم يعد لي أمل في الحياة، فأنا ميّت لا محالة .
(٣) الحديث أخرجه الامام مالك في الموطأ كتاب الجهاد برقم ٤١ وكل ما في
موطأ الإمام مالك صحيح حتى قال عنه الامام الشافعي : ماظهر على الارض
كتاب بعد كتاب اللّه أصح من كتاب مالك ، يعني موطأ مالك .

٤٨٣
القضية (١). واستخلفه رسول الله عَّي على المدينة في غزوة بدر
الموعد (٢) ، وبشه سرية في ثلاثين إِلى أسير بن رزام (٣) اليهودي
بخير فقتله، وأرسله إلى خيبر خارصاً (٤) فلم يزل بخرُص عليهم إلى
أن قتل بمؤته .
وعن أبي الدرداء قال: لقد رأيتُنا مع النبي ◌َُّّه في بعض
أسفاره في اليوم الحار الشديد الحرّ ، حتى إن الرجل ليضع يده على
رأسه من شدة الحرُ، وما في القوم صائم إلا رسول الله عَ امٍ وعبد الله
ابن رواحة - أخرجاه في الصحيحين (٥) -.
وعن قيس ، عن عبد الله بن رواحة: أه بكى فبكت امرأته
فقال : مايُبكيك ؟ قالت : رأيتك بكيتَ فبكيتُ لبكائك . قال :
٨٠٠
(١) كذا في المطبوع وطبقات ابن سعد (٧٩/٣) وهو اسم كالقضاء. والمعروف
في كتب التاريخ والسيرة أنها ((عمرة القضاء)، وكانت في ذي القعدة
سنه (٧) مـ بعد خيبر .
(٢) هي غزوة بدر الآخرة سنة (٤) هـ، وكان الرسول صَق ◌ّه قد خرج إلى
بدر ، لميعاد أبي سفيان ، وانتظر أبا سفيان ثمان ليالٍ ، ولكن هذا لم
يلبث أن رجع بقومه إلى مكة . ثم انصرف رسول اللّه إلى المدينة.
(٣) قط والطبقات : رازم .
(٤) خرصَ : كذب ، واخترص القول: افتعله، وتخرّص على فلان: تكذَّب.
(٥) الحديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في كتاب الصيام .
:

٤٨٣
إني أُبتت أني وارد ولم أُنبأ أني صادر (١) (رواه الإمام أحمد).
وعن النعمان بن بشير قال : أغمي على عبد الله بن رواحة ،
فجعلتْ أخته تبكي عليه وتقول: واجبلاه، وآكذا ، واكذا. وتعدّد
عليه . فقال ابن رواحة لما أفاق : ماقلتِ شيئاً وقد قيل لي : أنتَ
كذا .
وعن عروة بن الزبير قال: لما تجهز الناس وتهيئوا للخروج إلى
مؤنة (٢) قال المسلمون: صبحكم الله ودفع عنكم. فقال عبد الله
ابن رواحة :
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وضربةً ذاتَ فَرْغٍ تَعِذْف الزَّبدا(٣)
بحربةٍ تَنفذ الأحشاء والكبدا (٤)
أوطعنة بيدي حرّان مجهزة
(١) يشير إلى قوله تعالى: ((وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتماً
مقضياً)). وفي الحلية (١١٨/١) أنّ ابن رواحة لما سئل عن سبب
بكائه قرأ هذه الآية ثم قال: (( فقد علمت أني وارد النار ولا أدري
كيف الصدَر بعد الورود؟)) وفي رواية أخرى أنه قال: ((فأيقنت
أني واردها ولم أدر : أنجو منها أم لا ؟ )).
(٢) موضع من أرض الشام، من عمل البلقاء . وكان ذلك سنة (٨) هـ.
(٣) ذات فَرْغ: واسعة . والفرغ: السعة. الزبد : رغوة الدم.
(٤) رجل حر ان : شديد العطش . والمراد هنا الحرص الشديد على الطعن،
مجهزة : سريعة القتل . تنفذ : تخترق .

٤٨٤
حتى يقولوا إِذا صرواعلى جدثي: أرشَدْك(١) ربك من غازٍ وقد رَشدا
قال : ثم مضوا حتى نزلوا أرض الشام . فبلغهم أن هرقل قد
نزل من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم وانضمت إليه المستعربة
من لَخْم وجذام وبَلْقَيْن وبَهراء وَبِلِيّ ، في مائة ألف. فأقاموا
ليلتين ينظرون في أمم، وقالوا: نَكتب إلى رسول الله عَّ له تخبره
بعدد عدوّنا . قال : فشجّع عبد الله بن رواحة الناس ثم قال: والله
ياقوم إن الذي تكرهون : الذي خرجتم له تطلبون الشهادة ، وما نقائل
الناس بعدَّة ولا قوة ولاكثرة، مانقاتلهم إلا لهذا الدين الذي أكرمنا
الله به ، فانطلقوا فانما هي إِحدى الحُسنَيين: إِما ظهور وإِما شهادة .
فقال الناس : صدق والله ابن رواحة . فضى الناس .
وعن الحكم بن عبد السلام بن نعمان بن بشير الأنصاري : أن
جعفر بن أبي طالب حين قُتل دعا الناس : ياعبدَ الله بن رواحة ،
ياعبد الله بن رواحة . وهو في جانب العسكر ومعه ضلع جملٍ ينهشه
ولميكن ذاق طعاماً قبل ذلك بثلاث . فرمى بالضلع ثم قال : وأنتِ
مع الدنيا . ثم تقدم فقاتل فأصيبت إِصبعه فارتجز فجعل يقول:
(١) الحلية: ((أرشدك الله)). وسيرة ابن هشام. ((أرشده الله)). ويروى
أيضاً: ((يا أرشد الله))
٠
م

٤٨٥
وفي سبيل الله مالقيت
هل أنتِ إِلا إِصبعِ دَمیتٍ
هذا حياض الموت قدصَليت(١)
يانفسُ إِلا تُقتلي تموتي
إِن نفعلي فعلها هُديت
وما تمنيتٍ فقد لقيتِ
وإِن تأخَّرتِ فقد شَقيتٍ
ثم قال: يانفس إلى أي شيء تَتُوِقين؛ إلى فلانة : هي طالق
ثلاثاً . وإلى فلانٍ وإِلى فلان ؟ غلمان له ، وإلى معجف ، حائط له ،
فهو لله ولرسوله .
أقسم بالله لَتَنزِلِنَّه
يانفسُ مالكِ تكرهين الجنّهْ؟
فطال ماقد كنتِ مطمئنّه
طائعةً أُوْلا لَتُكرَهنّه
قد أجلب الناس وشدوا الرّنه (٢)
هل أنت إِلا نُطفة في شَنّهْ
٤٧- أبو دُجاة سماك بن خرسة
ان لوذان . شهد بدراً وأحداً وثبت مع رسول الله
يومئذ وبايعه على الموت ، وقتل يوم اليمامة .
صَلالله
(١) صَلِي النار": قلى حرّها. ورواية الحلية: ((حمام الموت)).
(٢) النطفه: الماء القليل الصافي - الشنَّه: السقاء البالي - أجلب الناس:
صاحوا واجتمعوا - الرَّه : صوت فيه ترجيع شبيه بالبكاء .

٤٨٦
عن أنس: أن رسول الله عَ م أخذ سيفاً يوم احد فقال :
من يأخذ هذا السيف ؟ فأخذه قوم فجعلوا ينظرون إليه. فقال: من
من يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم . فقال أبو دُجانة سيماك: أنا آخذه
بحقه. فأخذه فَفَلَقَ هامَ المشركين (رواه الإمام أحمد) (١).
وعن زيد بن أسلم قال : دُخل على أبي دجانة وهو مريض ،
وكان وجهه يتهلل. فقيل: مالوجهك يتهلل ؟ فقال: مامن عملي شيء
أوثق عندي من اثنتين: أما إِحداهما (٢) فكنت لاأتكلم فيما لا
يعنيني ، وأما الأخرى : فكان قلبي للمسلمين سليماً .
٤٨- عبد اللّه عمرو بن حرام بن ثعلبة ابو جابر
أحد النقباء. شهد العقبة مع السبعين ، وبدراً ، وأحداً ، وقتل يومئذ
عن جابر بن عبد الله ، قال : لما قتل أبي يوم أحد جعلت
أكشف الثوب عن وجهه وأبكي ، وجعل أصحاب رسول الله
يُهوني والنبي ◌َّةٍ لا ينهاني، قال: وجعلتْ عمتي فاطمة بنت عمرو
(١) الحديث صحيح أخرجه أيضاً مسلم في صحيحه - انظر مختصر صحيح مسلم
للمنذري رقم ١٧١٠ .
(٢) في المطبوع: ((أحدهما)، والصواب ما أثبت .

٤٨٧
مبكي عليه. فقال الني عَّةٍ: ابكيه أولا تبكيه ما زالت الملائكة
تظله بأجنحتها حتى رفعتموه (١).
وعن جابر قال: قُتل أبي يوم أُحد فبلغني ذلك فأقبلت فاذا
هو بين يدي النبي صَّةٍ مُسَجَّى . فتناولت الثوب عن وجهه وأصحاب
رسول الله عَ لّ ينهوني، كراهية أن أرى مابه من المُثْلة (٢)،
ورسول الله عَي لاينهاني فلما رفع قال رسول الله عَّ ﴾: مازالت
الملائكة حافةً بأجنحتها حتى رُفع . ثم لقيني بعد أيام فقال: أي بني
ألا أبشّرك؟ إن الله تعالى أحيا أباك فقال: تَمنَّهْ . فقال : يارب ،
أتمنى يارب أن تعيد روحي وتردني إلى الدنيا حتى أُقتل مرةً أخرى .
قال : إِني قضيت أنهم إليها لا يُرجَعون (٣).
(١) الحديث صحيح أخرجه البخاري في المغازي وذكره ابن عبد البر في
الاستيعاب في ترجمة عبد الله بن عمرو بن حرام .
(٢) المُثْلة : ما يصيب القتيل من تشويه أو قطعٍ لبعض أطرافه .
(٣) الحديث ضعيف أخرجه الطبراني والبزار من طريق الفيض بن وثيق عن
أبي عبادة الزرقي وكلاهما ضعيف .
وأخرجه الترمذي في كتاب الجهاد ، باب ماجاء في ثواب الشهداء والبخاري
في الجهاد باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا ، والنسائي في الجهاد ،
باب تمني القتل في سبيل الله كلهم رووه مختصراً بألفاظ مختلفة ، ولفظ
البخاري: ((ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على=

X
٤٨٨
وعن جابر قال: صُرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى
معاوية العين، فأخرجنام بعد أربعين سنةً لينةً أجسادُم تشى أطرافهم.
٩ - حُميد بن الحمام
قتل ببدر. قال عاصم بن عمر: هو أول قتيل قُتل من الأنصار
في الإسلام .
عن أنس، قال: انطلق رسول الله عَّم وأصحابه حتى سبقوا
المشركين في بدر. فدنا المشركون فقال النبي صَّةٍ: قوموا إِلى
جنة عرضها السموات والأرض قال: نعم. قال: بَخِ بَخٍ . قال
رسول اللّه عَّة: ماحملك على قولك بخ بخ ؟ قال : لاوالله يارسول
الله إِلاّ رجاء أن أكون من أهلها. قال: فانك من أهلها . قال :
= الأرض من شيء إلا الشهيد ، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات
لما يرى من الكرامة»
أخرج مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعه أنه بلغه أن عمرو
بن الجموح وعبد الله بن حرام كانا قد حفر السيل لمن قبرهما - وكانا في
قبر واحد مما يلي السيل - فحفر عهنما فوجدا لم يتغيرا كانها ماتا بالأمس
وكان أحدهما وضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك ، فأميطت يد.
عن جرحه ثم ارسلت فرجعت كما كانت - وكان بين الوقعتين ست
وأربعون سنة - أقول : وكل مافي الموطأ صحيح ، على الصحيح .

٤٨٩
فأخرج تمرات من قَرَنة (١) فجعل يأكل منهن ثم قال : لئن أنا
حبيت حتى آكل تمراتي هذه إِنها لحياة طويلة . قال : فرمى ما كان
معه من التمر ، ثم قائلهم حتى قُتل رضي الله عنه (٢) .
٥٠ - قطبةبن عامر بن حديدة
يكنى أبا زيد. لقي رسول الله عية في الستة الذين أسلموا
أول من أسلم من الأنصار وشهد العقبتين وبدراً ورمى يوم بدر حجراً
بين الصفين وقال : لاأفر حتى يغر هذا الحجر .
وشهد المشاهد كلها مع رسول الله تَ ◌ّه وكان من الرماة المذكورين
وجرح يوم أحد تسع جراءات . وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنهما .
٥١- معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس
يكني أبا عبد الرحمن . وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد
العقبة مع السبعين وبدراً والمشاهد كلها مع رسول الله تَّةٍ . وأردفه
رسول الله عَج وراءه، وبعثه إلى اليمن بعد غزوة تبوك، وشيعه
(١) القَرّن: جَعبة من الجلد.
(٢) اخرج القصة ان اسحق في السيرة ٢٧٩/٢.

٤٩٠
ماشياً في مخرجه وهو راكب .
وكان له من الولد : عبد الرحمن ، وأم عبد الله، وولد آخر لم
يُذكر اسمه .
ذكر صفت
عن أبي بحرية قال : دخلت مسجد حمص فاذا أنا بفتى حوله
الناس جَعْدٍ قَطَطٍ (١) ، فاذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ
فقلت : من هذا ؟ قالوا : معاذ بن جبل .
اسم أبي بحرية: يزيد بن قطيب السَّكونى .
وعن أبي مسلم الخولاني قال : أتيت مسجد دمشق فاذا حلْقةٌ
فيها كهولٌ من أصحاب محمد عَّهِ، وإِذا شاب فيهم أكحل العين
برّاق الثنايا. كما اختلفوا في شيء ردّوه إلى الفتى . قال: قلت
الجليسٍ لي : من هذا ؟ قالوا : هذا معاذ بن جبل .
وعن الواقدي ، عن أشياخ له قالوا : كان معاذ رجلاً طُوالاً
أبيض حسن الشّعر عظيم العينين مجموع الحاجبين جعداً قَطَطاً.
(١) القطط: الشديد الجعودة، وقيل: الحسن الجمودة.

٤٩١
ذكر نبذة من زهده
عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة
دينار فجعلها في صرَّة فقال للغلام اذهب بها إلي عبيدة بن الجراح ثم
ثَلَّه ساعةً في البيت حتى تنظر ما يصنع .
فذهب الغلام ، قال: يقول لك أمير المؤمنين : اجعل هذه في
بعض حاجتك. قال: وصله الله ورحمه. ثم قال: تعالَيْ ياجارية
اذهبي بهذه السبعة إلى فلان ، وبهذه الخمسة إلى فلان ، وبهذه الخمسة
إِلى فلان ، حتى أنفذها .
فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل
فقال : اذهب بها إلى معاذ بن جبل ، وقلّه في البيت ساعة حتى
تنظر ما يصنع . فذهب بها إِليه قال : يقول لك أمير المؤمنين : اجعل
هذه في بعض حاجتك فقال : رحمه الله ووصله . تعالي ياجارية اذهبي
إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا. فاطلعت امرأته (١)
فقالت: ونحن والله مساكين فأعطينا، ولم يبق في الخرقة إِلا ديناران،
فدما (٢) بهما إِليها فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك فقال: إنهم
(١) قط : امرأة معاذ.
(٢) دحا: رمى وألفى.

٤٩٢
إخوةٌ بعضهم من بعض -
ذكر نبذة من ورهم
عن يحيى بن سعيد قال : كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان
فاذا كان عند احداهما لم يشرب في بيت الأخرى الماء .
وعن يحي بن سعيد أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان . فاذا
كان يوم إحداهما لم يتوضأ في بيت الأخرى ثم توفيتا في السقم الذي
بالشام ، والناس في شغل ، فدفنتا في حفرة فأسهمَ بيها أيّها تُقدّم
في القبر (١).
ذكر نبذة من تعبده واجتهاده
عن ثور بن يزيد قال قال : كان معاذ بن جبل إِذا تهجَّد من
الليل قال : اللهم قد نامت العيون وغارت النجوم وأنت حي قيوم ،
اللهم طلي للجنة بطيء ، وهربي من النار ضعيف ، اللهم اجعل لي
عندك هُدىّ ترده إليّ يوم القيامة إنك لاتخلف الميعاد.
(١) كان يفعل هذا عملاً بقوله تعالى ((فان لم تعدلوا فواحدة .. )) حيث شرط الله
تعالى العدل بين الزوجات حين التعدد .

٤٩٣
ذكر جوده و کرم
عن ابن كعب بن مالك قال : كان معاذ بن جبل شاباً جميلاً
سمحاً من خير شباب قومه لايُسأل شيئاً إلا أعطاه، حتى ادّان(١)
دَيْنَا أغلقَ مالَه (٢). فكلم رسولَ الله عَِّأن يكلم غُرَ مَاءه
أن يضعوا له شيئاً (٣) ففعل فلم يضعوا له شيئاً. فدعاه النبي
صَدالله
فلم يبرح حتى باع ماله فقسمه بين غرمانه ، فقام معاذ لامال له .
قال الشيخ رحمه الله : كان غرماؤه من اليهود فلهذا لم يضعوا
له شيئاً .
ذكر ثناء رسول اللّهم٣ّه على معاذ ومشيه مع، وهو راكب
عن أنس قال: قال رسول الله مَ: ((أعلم أمتي بالحلال
والحرام معاذ بن جبل)) (رواه الإِمام أحمد ) .(٤)
(١) ادَّان: أخذ ديناً، استدان. ومثله: أدانَ وتديَّن.
(٢) أي أنقله الدين ولم ينفسح ماله له ، استنفده ولم يف المال بهذا الدين .
(٣) ينقصوا له منه شيئاً .
(٤) الحديث صحيح وأخرجه أيضاً الترمذي برقم ٣٧٩٤ جزء من حديث
.
أوله ( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ...
قال في غاية المأمول وسنده صحيح . وأخرجه أيضاً : أبو يعلى عن ابن
عمر. وأبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد. والحديث مر في ترجمة عمر بن الخطاب

٤٩٤
وعن عاصم بن حميد ، عن معاذ بن جبل قال : لما بعثه رسول
رسول الله عٍَّ إلى اليمن خرج معه رسول الله عَُّلي يوصيه، ومعاذ
راكب ورسول الله عنّي يمشي تحت راحلته. فلما فرغ قال : يامعاذ
إنك عسى أن لانلقاني بعد علي هذا ، ولعلك تمر مجدى هذا
وقبري. فبكى معاذ خشعاً لفراق رسول الله عني سي ثم التفت فأقبل بوجهه
نحو المدينة فقال: إِن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا(١)
ذكر ثناء الصحابة عليه
عن شهر بن حوشب قال : قال عمر بن الخطاب : لو استخلفت
معاذ بن جبل فسألني عنه ربي عز وجل : ماحملك على ذلك ؛ لقلت:
سمعت نبيك فّ يقول: إِن العلماء إذا حضروا ربهم عز وجل كان
بين أيديهم رقوةً بحجَر (٢٧).
وعن الشعبي قال : حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال : قال
ابن مسعود: إِن معاذ بن جبل كان أمّة قانتاً لله حنيفاً. فقيل: ((إِنّ
(١) الحديث صحيح أخرجه الامام أحمد في المسند ٢٣٥/٥ وقال ابن حجر في
الاصابة بعد ان ذكره في ترجمة معاذ : الحديث صحيح .
(٢) كان: أي معاذ. والرقوة: الرمية. والمراد : قرب المسافة . وزاد في
المختصر: ((أي يتقدم عليهم بمقدار رمية حجر)).
والحديث ضعيف : أخرجه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في حلية الأولياء

٤٩٥
إبراهيم كان أُمّةً قانتاً لله حَنيفاً)) (١). فقال: مانسيتُ ، هل تدري
ما الأمّة، وما القانت ؟ فقلت . الله أعلى فقال، الأمّة ، الذي يعلم الخير
والقانت : المطيع الله عز وجل وللرسول . وكان معاذ بن جبل يعلّم
الناس الخير ، وكان مطيعاً لله عز وجل ورسوله .
وعن شهر بن هوشب قال. كان أصحاب محمد إذا تحدّتوا وفيهم
معاذ نظروا اليه هيبةً له ، والسلام -
ذكر نبذة من مواعظ وكلام
عن أبي إدريس الخولاني ، أن معاذ بن جبل قال : إن من
ورائكم فِتَنًا يكثر فيها المال ويُفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن
والمنافق ، والصغير والكبير، والأحمر والأسود، فيوشك قائل أن
يقول : مالي أقرأ على الناس القرآن فلا يتبعوني عليه فما أظنهم يتبعوني
عليه حتى أبتدع لهم غيره . اياكم واياكم وما ابتُدع فان ما اشُدِع
ضلالةٌ وأحذركم زَيْغه الحكيم فان الشيطان يقول : عليّ في الحكيم
كلمة الضلالة ، وقد يقول المنافق كلمة الحق فاقبلوا الحق فان على الحق
نوراً ، قالوا: وما يدرينا رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟
(١) النحل : ١٢٠
.
.

٤٩٦
قال: هى كلمة تنكرونها منه وتقولون ماهذه ؟ فلا يثْنِكُمْ، فانه
يوشك أن يفيء ويراجع بعضَ ماتعرفون .
وعن عبد الله بن سلمة قال : قال رجل لمعاذ بن جبل : علمني.
قال : وهل أنت مطيمي ؟ قال: إِني على طاعتك لخريص . قال :
صُمْ وأفطَر، وصلّ ونم، واكتسب ولا تأثم ، ولا تموتنّ الا
وأنت مسلم ، واياك ودعوة المظلوم .
وعن معاوية بن قُرّة قال : قال معاذ بن جبل لابنه : يابي اذا
صليت فصل صلاة مودّع لاتظن أنك تعود اليها أبداً ، واعلم يابني
أن المؤمن يموت بين حسنتين ، حسنةٍ قدَّمها وحسنة أخرها .
وعن أبي ادريس الخولاني قال : قال معاذ. انك تجالس قوماً
لامحالة يخوضون في الحديث فإذا رأيتهم غفلوا فارغب الى ربك عند
ذلك رغباتٍ ( رواهما الإِمام أحمد ) .
وعن محمد بن سيرين قال: أتى رجل معاذ بن جبل ومعه أصحابه
يسلمون عليه ويودعونه ، فقال . اني موصيك بأمرين ان حفظتها
حُفظتَ ، أنه لاغنى بك عن نصيبك من الدنيا وأنت الى نصيبك
من الآخرة أفقر ، فآثر من الآخرة على نصيبك من الدنيا حتى ينتظمه
لك انتظاماً فتزول به معك أينما زلت.

٢
٣٢
٤٩٧
ج١
وعن الأسود بن هلال قال: كنا نمشي مع معاذ فقال: اجلسوا
بنا نُؤْمِنُ ساعةً.
وعن أشعث بن سليم قال : سمعت رجاء بن حَيْوَة ، عن
معاذ بن جبل قال : ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم ، وستُبتلون بفتنة
السّراء ، وأخوف ماأخاف عليكم فتنة النساء إِذا تَسَوّرن الذهب ،
ولبسن رِياط الشام وعَصْبَ اليمن (١) فأمَّعين الغنيّ (٣) وكلَّفن
الفقير مالا يجد .
ذكر مرضه ووفاة
عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع الطاعون بالشام فاستغرقها (٣)
فقال الناس : ماهذا إلا الطوفان إلاّ أنه ليس بماء فبلغ معاذ بن جبل
فقام خطيباً فقال: إِنه قد بلغني ما تقولون، وإنما هذه رحمة ربكم
ودعوة نبيكم وكموت الصالحين قبلكم ، ولكن خافوا ماهو أشد من
(١) تسوَّرن: لبس الأسورة، جمع سوار. والرياط: مفردها ربطة وهي
كل ملاءة إذا كانت قطعة واحدة ونسجاً واحداً ، وقيل : كل ثوب رقيق
لين . والعَصْب : ضرب من برود اليمن مخطّط.
(٢) قط: الفتى.
(٣) في مختصر صفة الصفوة ((فاسْتَعَرّ فيها)).

٤٩٨
ذلك، أن يغدو الرجل منكم من منزله لا يدري أمؤمنٌ هو أو منافق(١)
وخافوا إِمارة الصبيان .
وعن شهر بن حوشب ، عن رابّه - رجل من قومه ، كان
شهد طاعون عَمَواس - قال: لما اشتعل الوجَع (٢) قام أبو عبيدة
بن الجراح في الناس خطيباً فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة
ربكم ودعوةُ نبيكم وموتُ الصالحين قبلكم وإِن أبا عبيدة يسأل الله أن
يَقسم له منه حظه .
قال: وطُمن (٣) فمات رحمة الله عليه واستخلف على الناس
معاذ بن جبل فقام خطيباً بعده فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمةٌ
ربكم ودعوةُ نبيكم وموتُ الصالحين قبلكم، وإِن معاذاً يسأل الله أن
أن يقسم لآل معاذ منه حظه .
(١) قط: أفاسق هو أم مؤمن .
(٢) اشتد وانتشر، وهو من المجاز. وعَمَواس: بفتح العين والميم ، وهو
الأشهر : بُليدة في فلسطين بين الرملة وبيت المقدس ، بدأ فيها الطاعون
الجارف أيام عمر بن الخطاب ، مات فيه خمسة وعشرين ألفاً منهم أبو عبيدة
ومعاذ ويزيد بن أبي سفيان .
(٣) أصابه الطاعون .

٤٩٩
قال: فطعن ابنه عبد الرحمن . قال ثم قام فدعا ربه لنفسه فطُعن
في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه ثم يقول: ما أحب
أن لي بما فيك شيئاً من الدنيا . فلما مات استخلف على الناس عمرو
ابن العاص .
وعن عبد الله بن رافع قال : لما أصيب أبو عبيدة في طاعون
عَمَواس استخلف على الناس معاذ بن جبل. واشتد الوجع فقال الناس
لمعاذ: ادع الله أن يرفع عنا هذا الرِجْز (١). فقال: إنه ليس برِجز
ولكنه دعوة سيّكم وموتُ الصالحين قبلكم، وشهادةٌ يختص الله بها
من يشاء من عباده منكم ، أيها الناس ، أربع خلال من استطاع منكم
أن لا يدركه شيء منها فلا يُدركْه شيء منها قالوا: وما هنَّ ؟ قال:
يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر،
ويقول الرجل : والله لاأدري على (٢) ما أنا ؟ لا يعيش على بصيرة ولا
يموت على بصيرة ، ويُعطَى الرجلُّ من المال مالِ الله على أن يتكلم
بكلام الزور الذي يسخط الله ، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من
هذه الرحمة .
(١) الرجْز : العذاب المضيق ، وبه سمي الطاعون .
(٢) كذا ، والصواب : علامَ .

٥٠٠
فطُعن ابناه فقال: كيف تجدانكا؟ قالا: يا أبانا، ((الحقُّ
مِن رَبِّك فلا تكونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِين (١)))، قال: وأنا ستجدانى
إن شاء الله من الصابرين .
ثم طُعنت امرأتاه فهلكتا وطُعن هو في إِهامه نجعل يمسها
بفيه ويقول : اللهم إِنها صغيرة فبارِك فيها فانك تبارك في الصغيرة
حتى ھَلك .
وعن الحارث بن عمير قال: طُعن معاذ وأبو عبيدة وشُرَ حْبيل
ابن حَسنة ، وأبو مالك الأشعري في يوم واحد . فقال معاذ: إِنه رحمة
ربكم ودعوة نبيكم وقَبْضُ الصالحين من قبلكم، اللهم آت آل معاذ
النصيب الأوفر من هذه الرحمة. فما أمسى حتى طعن ابنه عبد الرحمن
بكره الذي كان يكنى به وأحب الخلق إليه . فرجع من المسجد
فوجده مكروبا فقال ياعبد الرحمن كيف أنت؟ فقال: ياأبة ((الحق
من رَبُك فلا تَكُنْ مِنَ الْمُمتَرِين (٢))) فقال معاذ: وأنا إن
شاء الله ستجدني من الصابرين . فأمسكه ليلته ثم دفنه من الغد .
(١) من سورة البقرة، الآية : ١٤٧
(٢) من آل عمران ، الآية : ٦٠
ـة