Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
واعتبر مطلع القرن الرابع الهجري هو الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر،
وأنه لو فَتَحَ على نفسه تناول المتأخرين لما سلم معه إلا القليل (١)، إلا أنه فتح
هذا الباب في كتبه الأخرى ومنها ((معجم الشيوخ)) و((تاريخ الإِسلام))، و(سير
أعلام النبلاء)) وغيرها.
ب - إن الذهبي - وهو الناقد العظيم - لم يتقبّل آراء النقاد السابقين
باعتبارها مسلمات لا يُمكن ردها أو الطعن فيها دائماً بالرغم من احترامه
الشديد للثِّقات منهم، ومدحه الكثير لهم، وهو بهذا اعتبر باب الاجتهاد في
النقد ما زال مفتوحاً، فعُنِيَ به كل هذه العناية، يدل على ذلك رده لآراء كثير
من كبار النقاد وعدم قبولها مثل أحمد بن صالح المصري المتوفى سنة
٢٤٨ هـ، وأحمد بن عبد الله العِجلي المتوفى سنة ٢٦١ هـ، وإبراهيم بن
يعقوب الجُوزجاني السعدي المتوفى سنة ٢٥٩ هـ ، والبَرْذعي المتوفى سنة
٢٩٢، والنَّسائي المتوفى سنة ٣٠٣ هـ، والعُقَيْلي المتوفى سنة ٣٢٢ هـ،
وابنِ عَدِي الجُرجاني المتوفى سنة ٣٢٣ هـ، وابن حِبَّان البُسْتِي المتوفى سنة
٣٥٤ هـ، وأبي الفتح الأزدي المتوفى سنة ٣٦٧ ، وابنٍ مَنْدَة المتوفى سنة
٣٩٥ هـ، والخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ ، وابن عساكر المتوفى
سنة ٥٧١٠ هـ، وابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ ، وغيرهم مما يطولُ
ذكرهم وتعدادهم.
جـ - إن النقد أصبح جزءاً من مفهومه التاريخي لذلك حاول تطبيقه في
كل كتبه. وقد أخطأ كثير ممن فسَّر نقدَه لكبار العلماء من غير الرواة، أو
الملوك، أو أرباب الولايات أو نحوهم بأنه من صنف ((نقد الرجال))، بل هو
حكم تاريخي كانت الغايةُ منه تقويم المترجم.
(١) الميزان : ١ / ٤ .

١٢٢
والحق أن الذهبي لم ينظُرْ إلى أمثال هؤلاء بالمنظار الذي نظر به إلى
الرواة وأشباههم في الأغلب، بل نظر إلى كل طائفة منهم بمنظار يختلفُ عن
الآخر، وهي مسألة قلما انتبه إليها الباحثون، فوقعوا بآفة التعميم، وخرجوا بما
ظنوا أنه حقيقة، فذكروا أن المؤرخين المسلمين المتأثرين بالحديث الشريف
وعلومه نظروا إلى جميع الناس بمنظار واحد هو منظار الحديث والمحدثين.
وقد استطاع الذهبي في ((السِّير)) وغيره أن ينظر إلى كل طائفة منهم بمنظار آخر
كوَّن في الأغلب صورة لجماع رأيه في المترجم.
إن تعدد المناظير هذا جعل آراء الذهبي في المترجَمين تبدو لأول وهلة
متناقضة مضطربة، نحو قوله في ترجمة صدقة بن الحسين الحداد المتوفى
سنة ٥٧٣ هـ ((العلامة .... الفرضي المتكلم المتهم في دينه))(١)، فهو هنا قد
فَرَّق بين علم الرجل ودِينه، وأعطى لكل ناحية تقويماً خاصاً. ومن ذلك قوله
في ترجمة الشهاب السُّهْرَوردي المقتول سنة ٥٨٧ هـ: ((العلامة
الفيلسوف .. مَن كان يتوقد ذكاءً، إلا أنه قليل الدين)) ثم عَلَّق الذهبي على
افتاء علماء حلب بقتله، بقوله: ((أحسنوا وأصابوا))، وأنه ((كان أحمق طياشاً
منحلاً))، ومثل هذا كثير.
وهذا الاختلاف في المناظير وتعددها عند الذهبي جعله يُراعي في كل
طائفة صفات معينة بصرف النظر عن اتفاقه أو اختلافه معهم، فكان ينظر إلى
الخلفاء والملوك والوزراء وأرباب الولايات مثلاً من زاوية الحزم والدهاء،
والقوة والضعف، والسياسة، والظلم والعدل، وحب العلم والعلماء ونحوها،
(١) السير: ٢١ / الترجمة : ٢١ .
(٢) السير : ٢١ / الترجمة : ٩٩.

١٢٣
مثل قوله في ترجمة قايماز مولى المستنجد ((كان سمحاً كريماً .. قليل
الظلم))(١)، وقوله في ابن غانية: ((الأمير المجاهد))(٢)، وقوله في مجد الدين
ابن الصاحب: ((وكان قد تمرد وسفك الدماء وسب الصحابة وعزم على قلب
الدولة فقصمه الله))(٣)، وقوله في الملك المظفر تقي الدين عمر صاحب
حماة: ((كان بطلاً شجاعاً مقداماً جواداً مُمَدَّحاً له مواقف مشهودة مع عمه
السلطان صلاح الدين)) (٤)، وغير ذلك كثير (٥).
أما العلماء فكان يُراعي فيهم البراعة والمعرفة في العلم الذي تخصصوا
فيه، ومن ذلك مثلاً الشعراء، فإنه نظر إلى إبداعهم وجودة شعرهم فقوَّمهم
استناداً إلى ذلك(٦). ثم كثيراً ما نجده یقوِّم بعض المترجمین بعد دراسة بعض
كتبهم، ويُبين قيمتها العلمية بين الكتب التي من بابتها.
٢ - نقد الأحاديث والروايات:
أكثرَ الإِمامُ الذهبيُّ من إيراد الأحاديث النبوية الشريفة في كتبه التاريخية
وغيرها، ومنها كتابه ((سير أعلام النبلاء)). وقد عني دائماً بالتعليق على هذه
الأحاديث من حيث الإِسناد والمتن ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، قال تلميذه
(١) السير: ٢١ / الترجمة : ٢٠ .
(٢) السير: ٢١ / الترجمة : ٢٣ .
(٣) السير: ٢١ / الترجمة : ٧٩.
(٤) السير : ٢١ / الترجمة : ٩٧.
(٥) انظر مثلاً لا حصراً بعض تراجم المجلد الحادي والعشرين من السير: ١١، ١٨، ٢٥،
٨٠، ١٠٠، ١١٩ ... الخ.
(٦) انظر مثلاً: ٢١ / التراجم: ١٤، ٢٤، ٦٣، ٨٤، ٨٥، ١٠١، ١٠٢ ... الخ.

١٢٤
الصلاح الصفدي: ((وأعجبني منه ما يُعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى حديثاً
يُورده حتى يُبين ما فيه من ضعف متن أو ظلام إسناد، أو طعن في رواته، وهذا
لم أر غيره يُراعي هذه الفائدة فيما يورده))(١). وقد انتقد الإِمام الذهبي
الحافظين: أبا نُعَيْم الأصبهاني والخطيب البغداديَّ، وذَنَّبَهما بروايتهما
الموضوعات في كتبهما وسكوتهما عنها(٢). ثم وجدنا الذهبي بعد ذلك
يسحب هذا النقد الحديثي ويُطبقه على الروايات التاريخية والأدبية ونحوها،
وبذلك تحصلت في هذا الكتاب ثروة نقدية على غاية من الضخامة، يلمسها
كُلُّ من يُطالع الكتاب، أو يتصفحه لا سيما في مجلداته الأولى. وقد وجدنا
الذهبي بعد ذلك لا يقتصِرُ على أسلوب واحد في النقد، بل يتوسل بكل
ممكن يُوصله إلى الحقيقة، فنقد السند والمتن، واستعمل عقله في رد كثير
من الروايات.
أ - نقد السند:
ويكون هذا النقد عادة بتضعيف السند بسبب الكلام في أحدٍ من رواته أو
أكثر، أو تقويته استناداً إلى مقاييس المحدِّثين، ويحكم عليه وفقاً لذلك
ويستعمل التعبيرات الفنية الدالة على قوة الإِسناد أو تقويته نحو قوله (٣).
((إسناده صالح))، و((إسناده جيد))، و((رواته ثقات))، و((له عِلَّة غير مؤثرة))، أو
العبارات الدالة على ضعف الإِسناد أو تضعيفه نحو قوله: ((إسناده ليس
بقوي))، و((في إسناده لين))، و((فيه انقطاع))، و((إسناده ضعيف))، و((إسناده
(١) الوافي: ٢ / ١٦٣.
(٢) الميزان: ١ / ١١١.
(٣) أمثلة ذلك مبثوثة في جميع الكتاب ولم نر كثير فائدة في إيراد أماكن وجودها حيث يستطيع
القارىء الوقوف على مئات من ذلك بمجرد تصفحه للكتاب.

١٢٥
واهٍ))، و((إسناده مظلم))، وهلم جراً. أو يبين سبب ضعف السند بتعيين أحد
رواته أو ما يشبه ذلك نحو قوله في إسناد فيه داود بن عطاء (وداود ضعيف))(١)،
وقوله عن سند فيه صُهيب مولى العباس: ((وصهيب لا أعرفه))(٢)، وقوله:
((الحسن مدلِّس لم يسمع من المغيرة))(٣).
ويؤدي هذا النقد إلى إصدار أحكام دقيقة تبين مرتبة الحديث يشير إليها
الذهبي من مثل قوله: ((صحيح))، أو ((متفق عليه))، أو ((هو في الصحيحين))،
أو ((صحيح غريب))، أو ((حسن))، أو ((غريب)) أو ((غريب جداً)، أو ((منكر))، أو
((موضوع)) ونحو ذلك مما يعرفه أهل العناية بهذا الفن الجليل.
ومن أجل توثيق الأحاديث والروايات عُنِيَ الذهبيُّ بنقلِ الأسانيد التي
وردت في المصادر التي نقلَ عنها، ولم يكتفِ بايراد المصدر حسب، وهي
طريقة تعينه على تقديم المصادر الأصلية التي اعتمدها المصدر الذي ينقل
منه وتتيح له، وللقارىء، الفرصة لتقويم الحديث أو الخبر استناداً إلى ذلك
الإِسناد، ولعل المثال الآتي يُوضِّح هذه المسألة، قال في ترجمة الزبير بن
العوام (٤): ((وقال الزبير بن بكار: حدثني أبو غزية محمد بن موسى، حدثنا
عبد الله بن مُصعب، عن هشام بن عُروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن جدتِها
أسماء بنت أبي بكر، قال :... ))، وقوله: ((الدُّولابي في ((الذُّرية الطاهرة)):
حدثنا الدقيقي، حدثنا يزيد، سمعت شريكا، عن الأسود بن قيس ... ))، فهو
كان يستطيع أن يكتفي بالقول ((وقال الزبير بن بكار)) أو ((الدُّولابي في الذرية
(١) السير : ٢ / الترجمة : ١١.
(٢) نفسه .
(٣) السير: ١ / الترجمة: ٤ (بتحقيق العالم شعيب الأرناؤ وط).
(٤) السير : ١ / الترجمة : ٣ .

١٢٦
الطاهرة)»: وهذا منهج انتهجه في معظم أقسام كتابه وهو يدل على دقة ومنهج
متميز وعقلية نقدية في غاية الرقي .
ثم وجدنا الذهبي بعد ذلك لا يكتفي بنقد السند في كثير من الأحاديث
والروايات التي يُوردها ويُضعفها استناداً إلى ضعف في سندها، بل يُحاول
جاهداً إيراد ما يقوي هذا التضعيف من الأدلة التاريخية التي تتوافر له، من
ذلك مثلاً ما جاء في ترجمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (١): ((أبو
الحسن المدائني، عن يزيد بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال:
دخل عيينة بن حصن على رسول الله وَله، وعنده عائشة وذلك قبل أن يضرب
الحجاب فقال: من هذه الحميراء يا رسول الله ... الحدیثَ)) حيث علق
الذهبي بقوله: ((هذا حديث مرسل، ويزيد متروك، وما أسلم عيينة إلا بعد
نزول الحجاب))، ثم أفاض في نقد الحديث وكان يكفيه بعض من هذا الرد
الحدیث.
ب - نقد المتن :
وهو الذي يقوم على نقد متن الرواية وتحليلها وعرضها على الوقائع التي
هي أقوى منها، ومعارضتها بها، ودراسة لغة الخبر وغيرها، واستخدام جميع
الوسائل المُتاحة للناقد التي تُثبت دعواه. وقد عُني الإِمامُ الذهبي في هذا
النوع من النقد عناية بالغة في هذا الكتاب، فرد مئات الروايات وأبطلها بنقده
المتين وأسلوبه العلمي المتزن الذي ينبىء عن غزارة علم ونَبالة قصد، وقدرة
فائقة، وسعة اطلاع. فمن ذلك مثلاً تعليقه على الخبر الذي يشير إلى أن
العباس بن عبد المطلب أسلم قبل بدر وأنه طلب القدوم إلى المدينة وأن
(١) السير: ٢ / الترجمة : ١٩.

١٢٧
الرسول وَر طلب منه البقاء فأقام بأمره، بقوله: ((ولو جرى هذا لما طلب من
العباس فداء يوم بدر))(١). ومن ذلك حكاية عن عائشة: ((فَخَرتُ بمال أبي في
الجاهلية وكان ألف ألف أوقية ... الحكايةَ))، قال: ((وإسنادها فيه لين.
واعتقد لفظة ألف الواحدة باطلة، فإنه يكون أربعين ألف درهم، وفي ذلك
مفخر لرجل تاجر، وقد أنفق ماله في ذات الله. ولما هاجر كان قد بقي معه ستة
آلاف درهم فأخذها صحبته، أما ألف ألف أوقية فلا تجتمع إلا لسلطان
كبير))(٢). ومثل هذا كثير في كتابه وهو أمر يدحض رأي من قال: إن المحدثين
قصروا نقدَهم على إسناد الحديث ولم ينظُروا إلى متنه.
٣ - التعصب والإِنصاف في النقد:
كان مِن منهج الذهبي نقلُ آراء الموافقين والمخالفين في المترجَم ليقدم
صورة كاملة عنه، وهو طابع عام في كتابه تجده في كل ترجمةٍ من تراجمه،
بينما اقتصر آخرون على إيراد المدائح في كتبهم مثل السبكي ((ت ٧٧١ هـ))
وغيره. كما أن الذهبي عُني بترجمة عددٍ كبير من المعاصرين له ولا سيما في
معجمه الكبير، ومعجمه المختص بالمحدثين، ولا ريبَ أنه نقد بعضهم،
فلم يُعجبهم ذلك، وتأذَّى البعضُ منهم، وغضب غضباً شديداً مثل شمس
الدين محمد بن أحمد بن بصخان المقرىء المتوفى سنة ٧٤٣ هـ الذي ترجم
له الذهبي، وأورد بعض ما فيه من القدح. فكتب ابنُ بصخان هذا بخط غليظ
على الصفحة التي بخط الذهبي كلاماً أقذع فيه بحق الذهبي بحيث صار خطّ
الذهبي لا يُقرأ غالبه(٣).
(١) السير: ٢ / الترجمة : ١١.
(٢) السير: ٢ / الترجمة : ١٩.
(٣) السخاوي: ((الإعلان)) ص ٤٧٠، وانظر الذهبي: ((معجم الشيوخ)) م ٢ الورقة
٣٠ - ٣١.

١٢٨
وقد عرفنا من حياة الذهبي أنه رافق الحنابلة، وتأثَّر بشيخه ابن تيمية لا
سيما في العقائد ، فكان شافعيَ الفروع، حنبليَّ الأُصول، ولذلك عُني عند
النقد بإيراد العقائد على طريقة أهل الحديث، وعدَّها جزءاً منه كما بيَّنا قبل
قليل. ووجدنا في البيئة الدمشقية في الوقت نفسه من يتعصب للأشاعرة غاية
التعصب.
وبسبب العقائد انتُقِد الذهبيُّ من بعض معاصريه لا سيما تلميذه تاج
الدين عبد الوهاب السبكي (٧٢٨ - ٧٧١ هـ)) (١) في غير موضع من كتابه
((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢) وفي كتابه الآخر ((معيد النعم) (٣)، فقال في
ترجمته من الطبقات: ((وكان شيخنا - والحق أحقُّ ما قيل، والصدقُ أَولى ما
آثره ذو السبيل - شديدَ الميل إلى آراء الحنابلة، كثيرَ الازدراء بأهل السنّة،
الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا
يُنصفهم في التراجم، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنفُ الراغم. صَنَّف
التاريخ الكبير، وما أَحْسَنَهُ لولا تعصبٌّ فيه، وأكمله لولا نقصٌ فيه وأي نقص
يعتريه)) (٤) وقال في ترجمة أحمد بن صالح المصري من الطبقات أيضاً: ((وأما
تاريخ شيخنا الذهبي غفر الله له، فإنه على حُسنه وجمعه مشحونٌ بالتعصب
المفرط لا واخذه الله، فلقد أكثر الوقيعةَ في أهل الدين أعني الفقراء الذين هم
(١) اتصل السبكي بالذهبي سنة ٧٣٩ هـ ولم يبلغ آنذاك اثني عشر عاماً، ولازمه، فكان
يذهب إليه في كل يوم مرتين، وقد ترجم له الذهبي في ((معجمه المختص)) انظر مقدمة ((طبقات
الشافعية)).
(٢) انظر مثلاً ٢ / ١٣ فما بعد، ٣ / ٢٩٩، ٣٥٢ - ٣٥٣، ٣٥٦، ٤ / ٣٣، ١٣٣،
١٤٧، ٩ / ١٠٣ - ١٠٤ وغيرها.
(٣) ((معيد النعم))، ص ٧٤ ، ٧٧ .
(٤) ٢ / ٢٢.

١٢٩
صفوةُ الخلق، واستطال بلسانه على أئمة الشافعيين والحنفيين، ومال فأفرط
على الأشاعرة، ومدح فزاد في المجسمة، هذا وهو الحافظ المِدْرَه، والإِمامُ
المبجل، فما ظنُّك بعوام المؤرخين)) (١). وذكر في موضع آخر أنه نقل من
خط صلاح الدين خليل بن كيلكلدي العلائي)) ٦٩٤ - ٧٦١ هـ))، وهو من
تلاميذ الذهبي والمتصلين به(٢)، أنه قال ما نصه: ((الشيخ الحافظ شمس
الدين الذهبي لا أشكُّ في دينه وورعه وتحرِّيه فيما يقولهُ الناس، ولكنه غلب
عليه مذهبُ الإِثبات، ومنافرة التأويل، والغفلة عن التنزيه، حتى أثَّر ذلك في
طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه، وميلًاً قوياً إلى أهل الإِثبات، فإذا ترجم
لواحدٍ منهم يُطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن، ويُبالغ في
وصفه، ويتغافلُ عن غلطاته ويتأوَّلُ له ما أمكن، وإذا ذكر أحداً من الطرف
الآخر كإمام الحرمين والغزالي ونحوهما لا يُبالغ في وصفه، ويُكثِرُ من قولٍ من
طعنَ فيه، ويُعيد ذلك ويُبديه، ويعتقده ديناً، وهو لا يشعر، ويُعْرِضُ عن
محاسنهم الطافحة، فلا يستوعِبُها، وإذا ظفر لأحدٍ منهم بغلطةٍ، ذكرها.
وكذلك فِعْله في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحدٍ منهم بتصريحٍ يقولُ في
ترجمته: والله يُصلحه، ونحو ذلك وسببه المخالفةُ في العقائد))(٣). ثم ذكر
السبكيُّ أن الحال أزيدُ مما وصف العلائي، ثم قال: ((والذي أدركنا عليه
المشايخ النهيُ عن النظر في كلامه ، وعدم اعتبار قوله، ولم يكن يستجرىء أن
يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يَغْلِبُ على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يُعاب عليه)) (٤)
(١) ٩ / ١٠٣ - ١٠٤.
(٢) ابن حجر: ((الدرر)) ٢ / ١٧٩ - ١٨٢.
(٣) ((الطبقات)) ٢ / ١٣.
(٤) نفسه ٢ / ١٣ - ١٤.
سير ٩/١

١٣٠
وبالغ السبكيُّ بعد ذلك، فقال: ((إن الذهبي متقصد في ذلك، وأنه كان
يغضبُ عند ترجمته لواحدٍ من علماء الحنيفية والمالكية والشافعية غضباً
شديداً، ثم يقرطم الكلام ويمزقه، ثم هو مع ذلك غير خبير بمدلولات الألفاظ
كما ينبغي، فربما ذكر لفظةً من الذم لو عقل معناها، لما نطق بها))(١).
وقد أثارت انتقاداتُ السبكي هذه نقاشاً بين المؤرخين، فرد عليه
السخاويُّ ((ت ٩٠٢ -هـ)) حيث اتهم السبكيَّ بالتعصب الزائد للأشاعرة،
ونقل قول عز الدين الكناني ((ت ٨١٩ هـ)) في السبكي: «هو رجلٌ قليلُ
الأدب، عديمُ الإِنصاف، جاهلٌ بأهل السنّة ورُتبهم (٢).
وقال يوسفُ بن عبد الهادي ((ت ٩٠٩ هـ)) في معجم الشافعية: «وكلامه
هذا في حق الذهبي غير مقبول فإن الذهبي . كان أجلَّ مِن أن يقول مالا
حقيقة له ... والإِنكارُ عليه أشدُّ من الإِنكار على الذهبي لا سيما وهو شيخهُ
وأستاذُهُ فما كان ينبغي له أن يُفرط فيه هذا الإِفراط(٣)).
والحق أن السبكيَّ أشعريٌّ جلدٌ متعصب غايةَ التعصب، ولا أدلَّ على
ذلك من شتيمته المقذعة في حق الذهبي في ترجمة أبي الحسن الأشعري من
الطبقات، فقد سفَّ بها إسفافاً كثيراً بسبب عدم قيام الذهبي بترجمته ترجمة
طويلة في ((تاريخ الإِسلام)) ولأنه اكتفى بإحالة القارىء إلى كتاب ((تبيين كذب
المفتري)» لابن عساكر، فعدَّ ذلك نقيصةً كبيرةً في حقِّ الأشعري (٤). وقد قرأ
(١) نفسه ٢ / ١٤.
(٢) ((الإعلان)) ص ٤٦٩ فما بعد.
(٣) ((معجم الشافعية))، الورقة ٤٧ - ٤٨ (ظاهرية).
(٤) الذهبي: ((تاريخ الإِسلام))، الورقة ١٣٢ - ١٣٣ (أحمد الثالث ٢٩١٧ / ٩). وقد وصف
الذهبيُّ الأشعريَّ بأحسن الأوصاف، وذكر تصانيفه: وقال ((مَن نظر في هذه الكتب عرف محله،
ومن أراد أن يتبحر في معرفة الأشعري، فليطالع كتاب تبيين كذب المفتري .... )).

١٣١
السخاويُّ بخطه تجاه ترجمة سلامة الصياد المنبجي الزاهد ما نصه: ((يا مسلم
استحي من الله، كم تُجازف، وكم تضع من أهل السنّة الذين هم الأشعرية،
ومتى كانت الحنابلة، وهل ارتفع للحنابلة قط رأس))(١) .
ومع ذلك فإن هذه القضيةً جديرٌ بالدرس لأنها توضِّحُ أهميةً كتاب
الذهبي من جهة، ومنهجه ومدى عدالته في النقد والتحرِّي من جهة أخرى.
ولقد أبانت دراستنا لتاريخ الإِسلام أن الذهبي قد وُفِّق إلى أَنْ يكونَ
مُنصِفاً إلى درجةٍ غيرٍ قليلة في نقده لكثير من الناس، وما رأينا عنده تفريقاً كبيراً
بين علماء المذاهب الأربعة، وما كان يرضى الكلام بغير حقٍّ ولا حتى نقله في
بعض الأحيان، قال في ترجمة الحسن بن زياد اللؤلؤي الفقيه الحنفي ((قد
ساق في ترجمة هذا أبو بكر الخطيب أشياء لا ينبغي لي ذكرها(٢)) وقال في
ترجمة ابن الحريري الدمشقي الحنفي ((ت ٧٢٨)): ((قاضي القضاة علَّمة
المذهب ذو العلم والعمل (٣) وقوله في قاضي الحنفية شمس الدين الأذرعي
((ت ٦٧٣)): ((لم يخلف بعده مثله)) (٤) وترجم لأبي جعفر الطحاوي ترجمةً
رائقة، ودلل على سعة معرفته وفضله وعلمه الجم (٥) وقال في ترجمة عماد
الدين الجابري الحنفي المتوفى سنة ٥٨٤هـ من ((السِّيَر)): ((شيخ الحنفية نعمان.
الزمان))(٦)، وقال في ترجمة المرغيناني الحنفي: ((كان من أوعية العلم)) (٧)
(١) ((طبقات))، ٣ / ٣٥٢ - ٣٥٣.
(٢) الورقة ١٨ (أيا صوفيا ٣٠٠٧).
(٣) ((مُعجم الشيوخ)) م ٢ الورقة ٥١
(٤) الورقة ١٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٥) الورقة ١١٤ (أحمد الثالث ٩/٢٩١٧).
(٦) سير أعلام النبلاء ٢١ / الترجمة : ٨٢.
(٧) (نفسه ٢١ / الترجمة ١١٥ وانظر أمثلة أخرى في التراجم: ٣٦،٣، ١١٤ من المجلد
المذکور.

١٣٢
وهذا هو منهجه في معظم الحنفية لم نره تكلم في أحدهم بسبب المذهب، لا
من الشافعية ولا المالكية، ولا الحنفية.
ولو قال السبكيُّ : إنه كان يتعصَّبُ على الأشاعرة حسب، لوجد بعض
الآذان الصاغية، ولبحث له المؤيدون عن بضعة نصوصٍ قد تُؤيد رأيه، علماً
أني بحثتُ في ((تاريخ الإِسلام)) ((وسير أعلام النبلاء)) وغيرهما فلم أستطع أن
أحصل على مثل يَصْلُح أن يسمى انتقاداً لأشعري. نعم قد نجد بعض تقصير
في تراجم قسم من الأشاعرة. وفي هذا المجال صرتُ أشعرُ أن سبب قصر
بعض تراجم الأشاعرة، قد جاء من عدم قيام الذهبي بنقل آراء المخالفين
بتوسع حباً منه للعافية، كما في ترجمة أبي الحسن الأشعري الذي لم يأت
الذهبي بكلمة نقد فيه مع أنَّ الأشعري قضى القسم الأكبر من حياته معتزلياً ،
ونحن نعرف موقف الذهبي من المعتزلة. والواقع أن الذهبي ما بخس فضُلَ هذا
الرجل إلى درجة أنه عدّه مجدداً في أصول الدين على رأس المئة الرابعة(١)
أما كلام الذهبي في الصوفية، فصحيحٌ ما قاله السبكي، ولكن في النادر
منهم، وهذا رأيٌ ارتآه الذهبي، واعتقدَ فيه وآمنَ به؛ فقد ميَّز بين طائفتين
منهم .
أولا هما: كانت متمسكةً بالدين القويم، متبعةً للسنة، احترمهم الذهبيُّ / /
الاحترام كُلَّه ، بل لبس هو خرقة التصوف من الشيخ ضياء الدين عيسى بن
يحيى الأنصاري السبتي عند رحلته إلى مصر(٢)، وكان يعتقدُ ببعض كراماتٍ
كبارِ الزهاد، ويُعنى بإيرادها في كتابه، بل يِكثِرُ منها عادة(٣)، ويُورِدُ بعضَ
(١) تفسير للحديث الشريف ((يبعث الله من يجدد ... الحديث)) وقد فسر الذهبي ((من))
لصيغة الجمع. انظر السبكي ((طبقات))٢٦/٣.
(٢) تاريخ الإِسلام، الورقة ١٢٦ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٣) انظر تاريخ الإِسلام مثلاً الورقة ٦، ١٨، ٢٠، ١٠٠، ١٧٥ (أحمد الثالث ٩/٢٩١٧).

١٣٣
أقوالهم وحكاياتهم في الزهد والمحبة فيه(١).
أما الثانية : فقد عدهم الذهبيُّ مارقين عن الدين، مشعوذين، بهم مسَّ
من الجنون، ومنهم الأحمدية (٢) أتباع الشيخ أحمد الرفاعي، والقلندرية(٣)
وشيخُها جمال الدين محمد الساوجي فقد ذكر تُرَّهَاته وانغشاش الناس به،
وبحاله الشيطاني (٤)، ووصف بعضَ أحوالهم في ترجمة يوسف القميني ((ت
٦٥٧ هـ) فقال: ((وكان يأوي إلى قمين حمام نور الدين، ولما توفي، شيَّعَهُ
خلقٌ لا يُحصونَ من العامة، وقد بصّرنا الله تعالى وله الحمد وعرَّفنا هذا
النموذج ... فقد عمَّ البلاءُ في الخلق بهذا الضرب ... ومن هذه الأحوال
الشيطانية التي تضل العامة: أكلُ الحيَّات ودخولُ النار، والمشي في الهواء
ممن يتعانَى المعاصي، ويُخل بالواجبات ... وقد يجيءُ الجاهل، فيقول:
اسكتْ، لا تتكلمْ في أولياء الله، ولم يشعر أنَّه هو الذي تكلّم في أولياء الله
، وأهانهم إذْ أدخل فيهم هؤلاء الأوباش المجانين أولياء الشيطان(٥)).
ولم يكن الذهبيُّ متعصباً للحنابلة بالمعنى الذي صوَّره السبكي، فالرجلُ
كان مُحدثاً يُحبُّ أهل الحديث، ويحترمهم، إلا أنَّ هذا لم يمنعه من تناول
مساوىء بعضهم، فقد نَقَلَ عن الإِمام ابن خُزيمةَ في ترجمة الطبري المؤرخ
قوله: ((ما أعلمُ على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير، ولقد ظلمته
(١) تاريخ الإِسلام، مثلاً الورقة ١٥، ٢٠، ٢٦، ١٢٣، ١٥٥، ١٦٦، ١٥٤، ١٨٧، ٢٠٢،
٢١٥، ٢٣٧ (أحمد الثالث ٩/٢٩١٧)، وسير أعلام النبلاء، مثلاً: ٢١ / التراجم: ٨٩، ٩٣،.
١٠٦، ١٣٢ ... الخ.
،
(٢) ((معجم الشيوخ)) م١ الورقة ٤٠ علماً بأنه ترجم في ((السير)) للرفاعي ترجمة رائعة ووصفه
بأنه ((الإِمام القدوة العابد الزاهد شيخ العارفين)) ٢١ / الترجمة ٢٦.
(٣) القلندرية: المحلقون أي الذي يحلقون رؤوسهم ولحاهم.
(٤) الورقة ١٠٤ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
(٥) الورقة ١٧٤ (أيا صوفيا ٣٠١٣). وقمين الحمام: أتونه.
١

١٣٤
الحنابلة))، ثم قال الذهبي معقباً: ((كان محمدُ بنُ جرير ممن لا تأخذُه في الله
لومةُ لائم مع عظيم ما يلحقُه من الأذى والشناعات من جاهلٍ وحاسدٍ
وملحد(١)). وقال في ترجمة عبد الساتر ابن عبد الحميد تقي الدين الحنبلي
المتوفى سنة ٦٧٩ هـ: ((ومهر في المذهب .. وقلَّ من سمع منه لأنه كانَ فيه
زعارة، وكان فيه غلوُّ في السنة، ومنابذةٌ للمتكلمين ومبالغةٌ في اتباع
النصوص ... وهو فكان حنبلياً خشناً متحرقاً على الأشعري ... كثير
الدعاوى قليل العلم (٢)).
ومع ما كان للذهبي من إعجاب بشيخه ابن تيمية فإنه أخذ عليه («تغليظه
وفظاظته وفجاجة عبارته وتوبيخه الأليم المبكي المنكي المثير النفوس (٣)) كما
أخذ عليه ((الكِبْر والعجب وفرط الغرام في رياسة المشيخة والازدراء
بالكبار(٤)). وقد رأى في بعض فتاويه انفراداً عن الأمة، قال: ((وقد انفرد
بفتاوَى نيل من عِرضه لأجلها، وهي مغمورةٌ في بحر علمه - فالله تعالى
يسامحه ويرضى عنه - فما رأيتُ مثله، وكلُّ أحدٍ من الأمة فيُؤخذ من قوله
ويترك فكان ماذا(٥)؟)).
وقد بلغ حرص الذهبي في النقد وشدة تحريه أنه تكلّم في ابنه أبي هريرة
عبد الرحمن فقال: إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتى نسيه(٦).
ولستُ هنا في حال دفاعٍ عن الرجل فكتاباته خيرُ مُدافعٍ عنه، وهي
(١) الورقة ٤٥ (أحمد الثالث ٩/٢٩١٧).
(٢) الورقة ٦٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤).
(٣) الورقة ٣٣٢ من النسخة السابقة.
(٤) ((بيان زغل العلم)) ص ١٧ - ١٨ .
(٥) ((تذكرة الحفاظ)) ٤ / ١٤٩٧.
(٦) السخاوي: ((الإعلان)) ص ٤٨٨.

١٣٥
الحكم في تقويمه، ولكنني أقولُ: إنَّ تحقيقَ كثير من الإِنصاف، وإن لم یکن كُلَّه،
أمرٌ له قيمته العُظمى في كُلِّ عصر.
ثامناً - أهمية كتاب السير:
السير ليس مختصراً لتاريخ الإِسلام:
ذكرنا عند الكلام على منهج ((السير)) أن الذهبي عُني بذكر ((الأعلام))
وأسقط المشهورين، ولكن هذا لا يعني أن المؤلف استلَّ جميعَ تراجم
الأعلام من ((تاريخ الإِسلام)» فذكرهم في هذا الكتاب وإن كان كل عَلَم مذكور
في هذا الكتاب قد تناوله المؤلفُ في ((تاريخ الإِسلام)) تقريباً، فقد وجدنا بعد
دراستنا للكتابين جملة فروق أساسية بينهما، إضافة لما ذكرنا، من أبرزها:
١ - أن المؤلف كتب تراجم الصَّدر الأول من ((السِّيرَ)) بشكل يختلف
اختلافاً تاماً عما كتبه في ((تاريخ الإِسلام))، فمعظم تراجم الصدر الأول هذه
تراجم حافلة لا يُمكن مقارنتُها مِنْ حيث غزارة الأخبار، وجودةُ التنظيم
بمثيلاتها في ((تاريخ الإِسلام))، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً يلمسها الباحث
عند دراسته للكتابين المذكورين، واكتفي هنا بمثل واحد يدعم هذا الذي
أذهب إليه: فقد ترجم الذهبي في ((السِّير)) لأزواج النبي ◌ِّر وبناته تراجم
حافلة استغرقت عشرات الصفحات(١) مما لا نجد له مثيلاً من حيث غزارة
المادة والسعة في تاريخه حيث لم يذكر عنهن هناك إلا النزر اليسير.
٢ - ألف الذهبي مجموعة كبيرة من السير الخاصة بالرجال البارزين في
تاريخ الإِسلام وأفردها بمؤلفات مستقلة (٢)، فلما ألف ((سير أعلام النبلاء))
(١) أنظر المجلد الثاني من ((السير)) وقارن تاريخ الإِسلام: ٢ / ٤١٤ - ٤١٩ (ط. القدسي
الثانية).
(٢) أنظر كتابي: الذهبي ومنهجه: ٢٠٢ - ٢١١.

١٣٦
أدخل معظم هذه المادة الواسعة في الكتاب الجديد، وقد أشار تلميذه الصلاح
الصفدي إلى هذا الأمر حينما قال: ((وله في تراجم الأعيان لكل واحد مصنف
قائم الذات ... ولكنه أدخل الكل في تاريخ النبلاء))(١)، وهذه المادة لا نجد
لها مثيلاً من حيث السعة والدِّقة في تاريخه الكبير، والتراجم الموجودة في
((السير)) تشهد بذلك مثل تراجم: أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن
الحسن، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وابن حزم، وغيرها.
٣ - وقد لاحظنا في الوقت نفسه أن إضافات الذهبي إلى تراجم
((الأعلام)) في الأقسام الوسطى والأخيرة من الكتاب قليلة عما ذكره في ((تاريخ
الإِسلام)» لكننا وجدنا أيضاً استدراكات وتصحيحات وتصويبات ونقدات،
فضلاً عن إعادة صياغة الترجمة والانتقاء.
٤ - ووجدنا الذهبي يُضيف عناصرَ جديدة للترجمة في ((السِّيَر)) مما لم
يذكره في ((تاريخ الإِسلام))، من ذلك مثلاً عنايته بذكر عدد الأحاديث التي
رواها أصحاب الكتب المشهورة في الحديث للمترجم، كالصحيحين والسنن
الأربع ومسند بقي بن مخلد وغيرها نحو قوله في ترجمة أبي عبيدة ابن
الجراح: ((له في صحيح مسلم حديث واحد، وله في جامع أبي عيسى
حديث، وفي مسند بقي له خمسة عشر حديثاً))، وقوله في ترجمة سعد بن أبي
وقاص: ((وله في الصحيحين خمسة عشر حديثاً، وانفرد له البخاري بخمسة
أحاديث، ومسلم بثمانية عشرٍ حديثاً ... وقع له في مسند بقي بن مَعْلَد مئتان
وسبعون حديثاً))، وقوله في ترجمة عبد الله بن مسعود: ((اتفقا له في
الصحيحين على أربعة وستين، وانفرد له البخاري بإِخراج أحد وعشرين
(١) الوافي: ٢ / ١٦٣.

١٣٧
حديثاً، ومسلم بإخراج خمسة وثلاثين حديثاً، وله عند بقي بالمكرر ثمان مئة
وأربعون حديثاً))، وهلم جراً، وقلما ترك أحداً من رواة الحديث من غير
الإِشارة إلى ذلك، وهذه الإِضافات، فضلاً عن عدم ورودها في ((تاريخ
الإِسلام))، فإنها ثروة كبيرة مضافة يعرف حق قدرها الفضلاء المتخصصون،
وهي تدل على اطلاع عظيم وتدقيق كبير(١).
٥ - يضاف إلى كل الذي ذكرتُ أن الذهبي قد ألف (السِّيَر)) بعد («تاريخ
الإِسلام)) بل بعد تأليف عدد من كتبه الأخرى، وهو أمر يُؤدي إلى ميزتين
رئيستين: أولاهما الإضافات الجديدة وإعادة التنظيم، وثانيتهما تشير إلى أنه
أعاد النظر في المادة المقدمة طيلة تلك المدة فذكرها بعد أن زادها تحقيقاً
وتمحيصاً وأنها تمثل الشكل الذي ارتضاه في أواخر حياته العلمية الحافلة
بِجلائل المؤلفات.
أهميته في تاريخ الحركة الفكرية :
وكتاب ((السِّير)) من أضخم مؤلفات الإِمام الذهبي بعد كتابه العظيم
((تاريخ الإِسلام))، وقد حصر مادة ضخمة في تراجم الأعلام لمدة امتدت قرابة
السبع مئة سنة فضلاً عن التوازن في نطاقه المكاني الذي شمل جميع الرقعة
الواسعة التي امتد إليها الإِسلام من الأندلس غرباً إلى أقصى المشرق، وفي
الشمول النوعي للمترجمين في كل ناحية من نواحي الحياة وعدم اقتصاره
على فئة أو فئات معينة منهم، بحيث صار واحداً من الكتب التي يقل نظيرها
ويعزّ وجودها في تاريخ الحركة الفكرية العربية الإِسلامية، ونتيجة لذلك
(١) أنظر أمثلة من ذلك في ((السير)): ٢ / التراجم: ١، ٢، ٤، ١١، ١٩، ٢٠، ٢١، ٢٣،
٢٤، ٢٥، ٢٦، ٢٧ ... إلخ.

١٣٨
أصبح الكتاب مصوراً لجوانب كثيرة من الحركة الفكرية وتطورها عبرَ سبع مئة
سنة، لأن الإِنسان هو العنصر الحاسم في هذه الحركة، وبه تتحدد مميزاتها
وسماتها، ويؤثر تكوينه الفكري على تطورها سلباً أو إيجاباً.
أهميته في دارسة المجتمع :
ولما كان الكتاب قد اقتصر على التراجم، فإنه أشار إلى اتجاه الذهبي
وجملة كبيرة من المؤرخين المسلمين نحو تخليد المبرزين في المجتمع،
ولذا فهو في غاية الأهمية لدارسة أحوال المجتمع الإسلامي، ومنها الأصول
الاجتماعية والاقتصادية لمن عرفوا في التاريخ الإِسلامي باسم ((العلماء)).
ودراسة مثل هذه الكتب تُشير إلى إنعدام الطبقية بين المتعلمين، وأن تقدير
الإِنسان إنما يكون وفق مقاييس راقية أبرزها علمه ومعرفته ودرايتُه التي تجعله
في مكانة بارزة بين الناس، وهي موازين على غاية من الرقي الإِنساني. وقد
جربنا المؤلف وهو يمدح فقيراً ويذم غنياً، ويثني على عبد أسود، ويتكلم في
سيد كبير. وقد أبانت دراستنا لهذا الكتاب أن الغالبية العظمى من هؤلاء
((العلماء)) قد ظهرت من بين عوائل الحرفيين والمغمورين والمعدمين، تدل
على ذلك انتساباتهم التي ذكرها المؤلف، وهو أمر أتاحه الإِسلام لكل متعلم
حينما جعل طلب العلم من الضرورات، وحض عليه في غير ما مناسبة، كما
تميزت الدراساتُ بحرية التفكير والإبداع، وكانت متوفرةً لكل واحد يطلبها
متى أراد ومن غير كلفة، لأنها كانت في الأغلب في بيوت الله، مِن مساجد
وجوامع مما يستطيع كل مسلم دخولها، والإِفادة من الدروس التي تُلقى فيها.
نقول هذا في الوقت الذي اقتصرت فيه النواحي العلمية ومحتويات كتب
التراجم عند كثير من الأمم - ومنهم الأوربيون - في هذه الأعصر على فئات
معينة من الناس.

١٣٩
هذا التحقيق :
ومما يزيد في قيمة هذا الكتاب النفيس، ويُعلي مكانته بينَ الكتب أن الله
سبحانه قد يَسَّر ظهورَهُ بهيئةٍ علميةٍ رائعة، وصِفَةٍ بارعة نافعة تَسُرُّ كُلَّ محب
للتراث، حريص عليه .
وهذا المجهودُ العلمي الجليل في أُعْسر فَن من فنون التاريخ - وهو فن
التراجم - لم يتحقق عبثاً؛ فقد هيأ الله جل جلاله لتحقيقِ هذا الكتاب ونشره
عواملَ النُجح كلها، إذ يَسَّرَ له ناشراً فاضلاً هو الأستاذ رضوان دعبول الذي
وجَدَ نفسه بحقٍ صاحبَ رسالة في نشر العلمِ النافع من عيونٍ التراث العربي
الإِسلامي. وقد وجدتُ الرجلَ يبذُلُ مَله ويُسَخِّرُ كُل قدراته لهذا الغرض
النبيل، ويركبُ الصعبَ والذلول، فيُقْدِمُ على مشروعٍ أقلُّ ما يُقال فيه: إنه
أعجزَ جامعة الدول العربية التي أرادت نشر هذا الكتاب منذ ثلاثين عاماً ولم
تخرج منه غيرَ نزر يسير شوهه التصحيف والتحريف وأقلَّ قيمته ونفعه كثرةُ
السَّقْط حتى انعدمت فائدته أو كادت، فضلاً عن توقفها عن إتمامه، وعجزها
فيه .
وحين أزمع هذا الفاضل على تحقيق ((السِّيَر)) وَفَر له سُبلَ التوفيق والنجاح
على أحسن مَوْفِر بأن نَدَبِ إلى الاشتغال فيه عدداً من المحققين البارعين
الكُفاة، أجزلَ لهم العطاءَ، وحفظ حقوقهم كافةً، وهيَّ لهم مستلزمات
التحقيق الدقيق: من نُسَخٍ موثَّقَةٍ، ومصادر مكدسة في متناول أيديهم، فضلاً
عن بذل المال الوافر في الطباعة الأنيقة الدقيقة والورق الفاخر، والصناعة
المتقنة .
ثم تَوَّجَ عَمَلَهُ، وركب جُدَّةً من الأمر بأن نَدبَ لمراجعة الكتاب
والإِشراف على تحقيقه، وإصلاح ما قد يطرأ عليه من الغلط عالماً بَرَعَ

١٤٠
- أصحابَهُ في عِلْمه، متأبهاً عن الشُّهرة، قديراً على تذليل الصَّعب، فَطيناً
لإِيضاح المبهم، كَفِياً بتيسير العسير، هو الأستاذ المحدِّث الشيخ شعيب
الأرنؤ وط .
وقد عرفتُ لهذا العالم القدير فضلَهُ الكبير على هذا السِّفر النفيس آثَر ذي
أثير حين اشترط أن يُقام التحقيقُ على أفضل قواعده، لأنه وصاحبه، ليسا
ممن يؤثرون العاجل ويَذَرِون الآجل. وشاهدتُه وهو يُمسك أصلَ النسخة
الخطية والمُحقِّقُ يقرأ عليه عمله وهو لايسهو ولا يغفُل لحظة يُبَيِّن المبهم،
ويُوضح الخَفي، ويَصرِفُ الوقت الطويل الثمين في تدقيق لفظ، أو ضبط
حركة، ويُعيد ذلك ويُبديه، ويعدُّه أمانةً ودِيانةً، يَشُدُّ به أزرَ المحققين، فضلاً
عن قيامه بتخريج جميع الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب - وهي بليغة
الكَثْرَة - وفقَ الأصول والقواعد المتبعة في علم المصطلح، وهو اليوم فارس
هذا الميدان الخطير الذي ضرب آباطه ومغابنه، واستشف بواطنه .
ولستُ هنا في حال ذكر ما عليه تحقيق الكتاب من تجود في الصنعة،
وبراعة واتقان تمثلت في العناية الفائقة بتدقيق المقابلة، وتنظيم النص،
ووضع النقط، والفواصل، والأقواس المتنوعة، وضبط كثير من الألفاظ التي
يتعين ضبطها، والإِشارة إلى مناجم الكتاب بمقابلة نصوصه وأخباره على
. الموارد التي استقى منها المؤلف، وتخريج التراجم على أمهات الكتب
المعنية بها، وتخريج الأحاديث والآثار وبيان درجتها من الصحة والسقم،
وغيره مما يطول ذكره وتعداده، فإن العمل الذي بين يدي القارىء هو المُنبىء
بكل ذلك ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُوُلُه والمُؤمِنونَ وسَتُرَدُّونَ إِلى
عالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بما كُنتم تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: ١٠٥)
کتبه
الدكتور بشار عواد معروف
..-