Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ ٣ - الوحدة الزمنية : ولم يُراع الذهبيُّ وحدةً زمنية ثابتة في كتبه التي نظمها على الطبقات ، وهو بذلك لم يدخل سني وفيات المترجمين باعتباره بشكل دقيق حيث نجدها متداخلة بين طبقة وأخرى من جهة ، كما نلاحظ في الوقت نفسه تبايناً كبيراً جداً في المدة الزمنية التي تستغرقها كل طبقة من الطبقات . ففي (( تذكرة الحفاظ)) مثلاً نجد أن وفيات المترجمين في الطبقة الأولى تمتد من سنة ١٣ هــ وهي سنة وفاة الصديق - إلى سنة ٩٣ هـ وهي السنة التي تُوفي فيها أنسُ بن مالك ، وهذا يعني أن مدتها ثمانون سنة . أما التابعون فقد جعلهم في (( التذكرة)) ثلاث طبقات : كبار التابعين وتمتد وفيات أصحابها من سنة ٦٢ هـ وهي سنة وفاة علقمة بن قيس النَّخَعي - إلى سنة ١٠٧ هـ وهي سنة وفاة رجاء العطاردي في ترجيح الذهبي ، فتكون مدتها (٤٥) سنة . ثم الطبقة الوسطى منهم وتمتد وفيات المترجمين فيها من سنة ٩٣ هـ إلى سنة ١١٧ هـ، فتكون مدتها (٢٤) سنة. ثم طبقة ثالثة من التابعين تمتد وفيات أصحابها من سنة ١١٣هـ إلى سنة ١٥١، فمدتها (٣٨) سنة. أما الطبقة الخامسة فتمتد من ١٤٤ هـ إلى سنة ١٨٠هـ، فهي (٣٦) سنة وهلم جراً . وهذا الذي ذكرته عن التباين في مدد الطبقات الأولى من ((التذكرة)) ينطبق على الطبقات المتأخرة أيضاً، فالطبقة العشرون تمتد من سنة ٦٦٧ إلى سنة ٧٠٨، فتكون مدتها" (٤١) سنة أما الحادية والعشرون - وهي آخر الطبقات - فتمتد من سنة ٦٧٢ هـ إلى سنة ٧٤٢ هـ سنة وفاة الحافظ المزي - فتكون مدتها (٧٠) سنة . وهذا الذي أبنته من الخلف في مدة الطبقات في (( التذكرة )) والتباين الشديد نجده أيضاً في (( سير أعلام النبلاء))، فقد بلغت مدة الطبقة الثلاثين ١٠٢ من السير (١٩) سنة تمتد من سنة ٥٦٨ هـ - سنة وفاة خوارزمشاه - إلى سنة ٥٨٧ هـ - سنة وفاة ابن مغاور الشاطبي - وامتدت وفيات المترجمين في الطبقة الحادية والثلاثين من سنة ٥٧٥ هـــ سنة وفاة ابن عَيّاد الأندلسي - إلى سنة ٦٠١ هـ - وهي سنة وفاة الأرتاحي، فتكون مدتها (٢٦) سنة . أما الطبقة الخامسة والثلاثون فلم تتجاوز تسع سنوات حيث أن جميع وفيات المذكورين فيها تمتد من سنة ٦٥١ إلى سنة ٦٦٠ (١) أما كتابه (( المعين في طبقات المحدثين)) فقد جعل الذهبي الطبقات الأولى فيه تتخذ أسماء المشهورين فيها نحو قوله مثلاً ((طبقة الزهري وقتادة)) (٢)، و((طبقة الأعمش وأبي حنيفة (٣))) و((طبقة ابن المديني وأحمد (٤))) ونحو ذلك . ثم غير هذه الطريقة حينما وصل إلى مطلع القرن الثالث الهجري ، فصار يستعملُ السنواتِ التقريبية في الطبقة نحو قوله : (( الطبقة الذين بقوا بعد الثلاث مئة وإلى حدود العشرين والثلاث مئة (٥) )) و ((طبقة من الثلاثين وإلى ما بعد الخمسين وخمس مئة (٦)))، وهلم جراً. وقد تبين لنا من دراسة هذه الوحدات الزمنية التي ذكرها أن الطبقة قد تكون - في هذا الكتاب - في حدود عشرين سنة (٧)، أو خمس وعشرين (٨) ، أو (١) استثنينا من ذلك ما ذكره الذهبي من تأخر وفاة المنصور ابن المعز أيبك إلى سنة ( ٧٠٠ ) تقريباً وقد بينا أنه إنما ذكره بسبب توليه السلطنة بين ٦٥٥ - ٦٥٧ حسب (نسختي المصورة ) . (٢) المعين ، الورقة : ٧ (٣) نفسه ، الورقة : ٨ (٤) نفسه ، الورقة : ١٤ (٥) نفسه ، الورقة : ١٩ (٦) نفسه ، الورقة : ٣٢ (٧) نفسه ، الورقة : ٣٢،٢١ (٨) نفسه ، الورقة ٢٢، ٢٤ ١٠٣ ثلاثين سنة(١)) . أما كتابه (( المجرد في أسماء رجال كتاب سنن الإِمام أبي عبد الله بن ماجة)) فقد جعله في ثماني طبقات اتخذت كل طبقة أسماء أعلام فيما عدا طبقة الصحابة (٢) ، فالطبقات السبع الباقية هي : طبقة زمن الأعمش وابن عون (٣) ، وطبقة الزهري وأيوب (٤) ، وطبقة ابن المسيب ومسروق (٥) ، وطبقة الحسن وعطاء (٦) ، وطبقة عفان وعبد الرزاق (٧)، وطبقة علي ابن المديني وأحمد بن حنبل (٨)، وطبقة البخاري ومن تبقى (٩) ، ويُلاحظ أن هذه الطبقات لم تُراع التناسق الزمني أيضاً . ولكن الذهبي جعل الطبقة عشر سنوات في كتابه العظيم (( تاريخ الإِسلام )) فتألف كتابُه من سبعين طبقة ، فهل يعني هذا أنه وضع تحديداً زمنياً واضحاً للطبقة مخالفاً طريقته في كتبه الأخرى؟ علماً أن عمله هذا لم يسبقْه فيه أحد فيما نعلم . وقد أدى عملُ الذهبي هذا إلى دفع بعض الباحثين المعنيين بعلم التاريخ إلى القول : بأنه خالف الأقدمين ، بل خالف نهجه هو في كتبه الأخرى (١٠). على أن دراستنا الموسعة لكتاب ((تاريخ الإِسلام)) قد أبانت أنه لم يقصد بالطبقة هنا غير ((العقد))، وهو مفهوم يدل على وحدة (١) نفسه، الورقة: ٢٠، ٢١ (٢) المجرد ، الورقة : ١ - ٦ (٣) المجرد ، الورقة : ٨ - ١٢ (٤) المجرد ، الورقة : ٨ - ١٢ (٥) نفسه، الورقة: ١٢ - ١٣ (٦) نفسه ، الورقة : ١٣ - ١٤ (٧) نفسه ، الورقة : ١٤ - ١٥ (٨) نفسه ، الورقة : ١٥ - ١٦ (٩) نفسه ، الورقة ١٦ - ٢٠ (١٠) انظر: روزنثال: علم التاريخ: ١٢١، والعمري: بحوث : ١٩١. : ١٠٤ زمنية محددة قدرُها عشر سنوات ، وأنه إنما استخدم هذا المفهوم لحاجات تنظيمية صرفة جاءت في الأغلب مِن عدم توافر تواريخ وفيات المترجمين بصورة كاملة ، وكثرة الاختلاف فيها لا سيما في المئات الثلاث الأولى . وقد أبانت دراستي أن هذا التنظيم لا علاقة له بأدب الطبقات بل من الأفضل أن يربط بأدب التنظيم على السنين (١) . مِن كُلِّ الذي مرَّ يتضح أن الذهبي استعمل الطبقة للدلالة على القوم المتشابهين من حيث اللقاءُ أي : في الشيوخ الذين أخذوا عنهم ، ثم تقاربهم في السن من حيثُ المولد والوفاة تقارباً لا يتناقضُ مع اللقيا ، وهو أمر يُتيح تفاوتاً في وفيات المترجمين من جهة ، وتفاوتاً في عدد الطبقات أيضاً . ولكن كيف نفسِّرُ هذا الاختلاف الكبير في تقسيم الطبقات عند مؤلف واحد مثل الذهبي. بحيث جعل (( معرفة القراء)) في سبع عشرة طبقة . بينما قسم (( السِّيَر)) إلى أربعين طبقة تقريباً؟ وجواب ذلك فيما نرى يعتمِدُ بالدرجة الأولى على نوعية المذكورين في الكتاب الواحد ، فإن كتاباً مثل (( التذكرة )) ليس فيه غيرُ كبار الحفاظ من الممكن أن يُنظم بطبقات أقل من غيره نظراً لنوعية المذكورين فيه ، وكلهم أو معظمهم من ذوي الإِسناد العالي ؛ بحيث تتباعد المدة الزمنية بينَ طبقة وأخرى ، فيقِلُّ عدد الطبقات ، وهو أمر لا يناقض مبدأ اللقيا . أما (( السير)) فنوعية المترجمين فيه تشملُ كل رجال ((التذكرة)) تقريباً مضافاً إليهم مَن هم أقلُّ منهم مرتبة بحيث يضطر إلى زيادة عدد الطبقات . وطبيعي أنه ليس من المفروض أن يكون كلُّ أحد من طبقة ما قد التقى (١) انظر تفاصيل موسعة في كتابي: الذهبي ومنهجه: ٢٨٢ - ٣٠٢. . ١٠٥ بجميع رجال الطبقة السابقة مع إمكان التقائهم . ومن أجل توضيح هذا الذي ذكرتُه عن نوعية المُترجَمين أُشير إلى أنه من الممكن نَظْم جميع الرواة من الصحابة في طبقة واحدة ، ولكن من الممكن تقسيم الصحابة إلى أكثر من طبقة حسب الرواية أيضاً ، لأن الصحابي قد يروي عن النبي ◌َّر، وقد يروي عن الصحابي أيضاً . ومن الممكن إذا ذكرنا كبار التابعين أن نجعلهم طبقة واحدة ، ولكن التوسع في ذكر التابعين يقضي - من أجل الدقة - تقسيمَهم الى أكثر من طبقة ، فكبارُ التابعين إنما هم الذين رَوَوْا عن كبار الصحابة ، وصغار التابعين هم الذين رَوَوْا عن صغار الصحابة ، لعدم لحاقهم بكبار الصحابة ، فضلاً عن أن بعض التابعين لم يروِ عن غير التابعين ، وهو أمر يعرفه أهلُ العناية بهذا الفن الجليل . وعليه فإن الذهبي لو أراد مثلاً أن يُؤلِّف كتاباً في جميع القراء وليس في (( الكبار)) منهم لاضطره الأمر إلى زيادة عدد الطبقات ، وهلم جراً . وبهذا يتضح أن كل مترجم إنما تتحدد طبقته حسب الكتاب المذكور فيه وأننا لا يمكن أن نجد توزيعاً موحداً للمترجَمين في جميع كتب الذهبي المرتبة على الطبقات فلا نستطيع القول : إن فلاناً من أهل الطبقة الفلانية عند الذهبي ، بل يَصِحُ القول : إنه من أهل الطبقة الفلانية في الكتاب الفلاني . فإذا كان الأمرُ كذلك ، فمن البداهة أن لا نجد تقسيماً موحداً للطبقات عند المؤلفين المسلمين ، فمكحول - مثلاً - في الطبقة الثالثة من أهل الشام عند ابن سعد (١) ، بينما هو في الطبقة الثانية عند خليفة (٢) ، وفي الطبقة الرابعة عند الذهبي في (( التذكرة)) (٣)، وهو من أهل الطبقة الخامسة عند ابن حجر في (١) الطبقات : ٧ / ٤٥٣ (٢) طبقات خليفة : ٣١٠ (ط. العمري ) (٣) التذكرة : ١ / ١٠٧ ١٠٦ ((التقريب)) (١). لقد اخترع المحدثون التنظيمَ على الطبقات لخدمة دراسة الحديث النبوي الشريف ومعرفة إسناد الحديث ونقده ، فهو الذي يُؤدي إلى معرفة فيما إذا كان الإِسناد متصلاً، أو ما في السند من إرسال (٢) أو انقطاع(٣) أو عضل (٤) أو تدليس (٥) ، أو اتفاق في الأسماء مع اختلاف في الطبقة (٦) . وكان نظامُ الطبقات على غاية من الأهمية في العصور الأولى التي لم يعتن المؤلفون فيها بضبط مواليد الرواة ووفياتهم إنما كانت تُحدد طبقاتهم بمعرفة شيوخهم والرواة عنهم . على أن من أكبر عيوب التنظيم على الطبقات صعوبةً العثور على الترجمة لغير المتمرسين بهذا الفن تمرساً جيداً ، فضلاً عن عدم وجود تقسيم موحد للطبقة عند المؤلفين . وحينما توفرت للمؤلفين مادة كافية لضبط تاريخ المواليد والوفيات ازداد عددُ المؤلفين الذين ينظّمون كتبهم الرجالية على الوفيات ، أو على حروف المعجم . وقد كان من جملة انتقادات أبي الحجاج المِزِّي للحافظ عبد الغني المقدسي في تنظيمه لكتابه (( الكمال في أسماء الرجال)) أنه أفرد تراجم الصحابة عن بقية التراجم المذكورة في كتابه ، قال: (( وقد كان صاحب الكتاب رحمه الله ابتدأ بذكر الصحابة ، أولاً الرجال منهم والنساء على حدة ، ثم ذكر مَن بعدهم على حدة ، فرأينا ذكر الجميع (١) التقريب: ٢ / ٢٧٣. (٢) المُرْسَل: ما رواه التابعي عن رسول الله وَلهير . (٣) المُنْقَطِع : أن يسقط من السند رجل ليس بصحابي . (٤) المعضل : ما سقط من إسناده اثنان أو أكثر على التوالي . (٥) المدلِّس : هو الذي يروي عمن لقيه أحاديث لم يسمعها منه ، أو عمن عاصره ولم يلقه مُوهماً أنه سمعه منه .. (٦) وذلك كثير فيُعرف الشخص من طبقته وشيوخه. ١٠٧ على نسق واحد أولى ، لأن الصحابي ربما روى عن صحابي آخر عن النبي وَلّر فيظنه من لا خبرة له تابعياً فيطلبه في أسماء التابعين فلا يجده ، وربما روى التابعي حديثاً مرسلاً عن النبي بَّهُ، فيظنُّه من لا خبرة له صحابياً فيطلبه في أسماء الصحابة فلا يجده ، وربما تكرر ذكرُ الصحابي في أسماء الصحابة وفيمن بعدهم ، وربما ذكر الصحابي الراوي عن غير النبيِّ بَّر في غير الصحابة ، وربما ذكر التابعي المرسِل عن النبي ◌ُّ في الصحابة، فإذا ذكر الجميع على نسق واحدٍ ، زال ذلك المحذورُ ، وذكر في ترجمة كل إنسان منهم ما يكشِفُ عن حاله إن كان صحابياً أو غير صحابي (١)))، لذلك رتب المزي الرجال في كتابه على حروف المعجم وصعد في الترتيب إلى آبائهم وأجدادهم ، ثم رتب النساء على ذلك النسق أيضاً . (٢) وفائدة التنظيم على الطبقات إنما تظهرُ في العصور الإِسلامية الأولى كما ذكرت ، وكلما مضى الزمن بالكتاب صرنا لا نشعرُ بوجود الطبقة شعوراً واضحاً ، لذلك وجدنا في (( سير أعلام النبلاء)) نوعاً من التسلسل الزمني في الأقسام التي تلت تلك الأعصر الأولى ، فضلاً عن وجود عدد ليس بالقليل من التراجم التي لا علاقة لأصحابها بالرواية أو العلم فضلاً عن اللقيا ، مثل الملوك والوزراء والخلفاء والسلاطين والأطباء والشعراء ونحوهم ، ولكن مفهوم الذهبي للتاريخ ، وتكوينَه الفكري المتصل بالحديث والمحدثين جعله يتمسَّكُ بهذا التنظيم إلى آخر الكتاب بالرغم من عدم جدواه في القرون المتأخرة ودخول غير أهل الرواية في الكتاب . (١) انظر المجلد الأول من تهذيب الكمال بتحقيقنا ( منشورات مؤسسة الرسالة ). (٢) وقد وجدنا العلماء المتأخرين يعنون بإعادة تنظيم كتب الطبقات على حروف المعجم كما فعل نور الدين الهيثمي في إعادة ترتيب ((ثقات)) العجلي و ((ثقات)) ابن حبان ، وغيره . ١٠٨ إن نظرة واحدة للتراجم المذكورة في المجلد الثالث عشر مثلاً تُشير إلى نوع من التسلسل في ذكر المترجمين حسب وفياتهم ، وإن لم يكن ذلك بالدقة التي رتبت فيها الكتب المؤلفة على السنين . وقد وجدنا الذهبي في (( السير)) كثيراً ما يجمع تراجم الأقرباء في مكان واحد ، ولا سيما الإِخوة والآباء والأبناء ، وهو بعمله هذا إنما راعى الوحدة التاريخية، لكنه في الوقت نفسه كان على حساب (( الطبقة)) والزمان. فحينما ترجم الذهبي لعاقل بن البكير - أحد شهداء بدر - أتبعه بتراجم إخوته الثلاثة : خالد بن البكير الذي استشهد يوم الرجيع سنة أربع ، وإياس بن البكير المتوفى سنة ٣٤ هـ، وعامر الذي استشهد يوم اليمامة . وحينما ترجم لأبي جندل بن سهيل ترجم بعد ذلك لأخيه عبد الله بن سهيل ، ثم لأبيهما سهيل بن عمرو ، وحينما ترجم لأبي الحارث نوفل بن الحارث ، ابن عم رسول الله وَّل ، ترجم أيضاً لابنه الحارث بن نوفل، ثم لابن ابنه : عبد الله ابن الحارث بن نوفل ، ثم لابن ابن ابنه : عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، وأتبعهم بعد ذلك بأخويه : سعيد بن الحارث وأبي سفيان بن الحارث ، ثم ولد الأخير جعفر بن أبي سفيان بن الحارث . وهذا الذي ذكرته عن الجمع بين الأقرباء وتجاوز الطبقة منهج سار عليه الذهبي في جميع الكتاب ، وإن لم يلتزم به دائماً ، وقد وجدناه في الأقسام الأخيرة من كتابه يتبع هذا النهج ، ففي الطبقة الثلاثين ترجم لأبي العلاء الهمذاني المتوفى سنة ٥٦٩ هـ،ثم أتبعه بابنه محمد بن الحسن المتوفى سنة ٦٠٥ وهو من أهل الطبقة التي بعدها . وترجم لكمال الدين ابن الشهرزوري المتوفى سنة ٥٧٢ هـ ذكر والده الملقب بالمرتضى المتوفى سنة ٥١١هـ وهو من أهل طبقة سابقة . وترجم في الطبقة الثلاثين لقوام الدين أبي المحامد حَمّاد ١٠٩ ابن إبراهيم الصفّاري المتوفى سنة ٥٧٦ هـ، ثم ذكر والده ركن الدين الذي بقي إلى سنة ٥٣٢هـ، كما ذكر جده إسماعيل بن إسحاق الذي بقي إلى حدود سنة ٥٠٠ هـ. وترجم لأبي المواهب ابن صَصْرى المتوفى سنة ٥٨٦ هـ، وأتبعه بترجمة أبيه أبي البركات ابن صصرى المتوفى سنة ٥٧٣هـ ثم ترجمة جده محفوظ المتوفى سنة ٥٤٥ هـ. وحينما ترجم للسلطان الهُمام صلاح الدين يوسف المتوفى سنة ٥٨٩هـ ترجم معه لأبنائه : العزيز المتوفى سنة ٥٩٥ هـ، والظاهر المتوفى سنة ٦١٣هـ، والأفضل المتوفى سنة ٦٢٢ هـ وهلم جراً خامساً - طبيعة تراجم ((السير)) وأسس انتقائها: عرفنا من دراستنا لسيرة الذهبي أنه كان عالماً، واسع الاطلاع، غزير المعارف ولا سيما في التراجم، وهو الحقل الذي ألف فيه مجموعة من الكتب وبرع فيه البراعة التي جعلت العلماء يجمعون على أنه ((مؤرخ الإِسلام))، وألف كتابه العظيم ((تاريخ الإِسلام)) الذي احتوى على قرابة أربعين ألف ترجمة، وبذلك كانت لديه حصيلة ضخمة من التراجم كان عليه أن ينتقي منها ما يراه مناسباً لكتابه ((السير))، فهل كانت لديه خطة معينة سار عليها في ذلك؟ والجواب: ان دراستنا للكتاب تُبين أنه سار وفق خطة مرسومة في الانتقاء، سواء أكان ذلك في انتقاء التراجم أم في انتقاء المادة المذكورة في كل ترجمة، وقد انطلق في كل ذلك مِن ميزانه الذي وزن به المترجم من جهة، والأخبار التي تجمعت لديه عنه من جهة أخرى، وهو في كُل ذلك إنما يَصْدر عن مفهومه المعيَّن لفائدة كتاب من مثل ((السير)). ولعلنا نستطيع فيما يأتي أن نتبين أسس انتقاء التراجم: ١ - العَلَمِيَّة : كان الذهبي قد أورد في ((تاريخ الإِسلام)) جميع المشاهير والأعلام، ولم ١١٠ يورد المغمورين والمجهولين، بعرف أهل الفن في كل عصر لا بعرفنا نحن؛ إذ لا ريبَ في أن هناك آلافاً من التراجم التي ذكرها لم يسمع بها كثيرٌ من المتخصصين في عصرنا. أما في ((السير)) فإنه اقتصر فيه على ذكر ((الأعلام))، وأسقط المشهورين. وقد استعمل الذهبي لفظ ((الأعلام)) (١) ليدل على المشهورين جداً بعُرفه هو لا بعرف غيره، ذلك أن مفهوم ((العَلَم)) يختلف عند مؤلف وآخر استناداً إلى عمق ثقافته ونظرته إلى البراعة في علم من العلوم، أو فن من الفنون، أو عمل من الأعمال، أو أي شيء آخر، لذلك وجدنا أن سعة ثقافة الذهبي، وعظيم اطلاعه، وكثرة معاناته ودُرْبته بهذا الفن قد أدت إلى توسيع هذا المفهوم بحيث صرنا نجد تراجم في ((السير)) مما لا نجده في كتب تناولت المشهورين، مثل ((المنتظم)) لابن الجوزي، و((الكامل)) لابن الأثير، و((البداية)) لابن كثير، و((عقد الجمان)) لبدر الدين العيني، وغيرها. ٢ - الشمول النَّوعي: ولم يقتصر الذهبي في ((السِّيَر)) على نوع معين من ((الأعلام)) بل تنوعت تراجمه فشملت كثيراً من فئات الناس، من الخلفاء، والملوك، والأمراء والسلاطين، والوزراء، والنقباء، والقضاة، والقراء، والمحدثين، والفقهاء، والأدباء، واللغويين، والنحاة، والشعراء، وأرباب الملل والنحل والمتكلمين والفلاسفة، ومجموعة من المعنيين بالعلوم الصرفة. ومع أن المؤلف قصد أن يكون ((السِّير)) شاملاً لجميع ((أعلام)) الناس، إلا أننا وجدناه يُؤثر المحدثين على غيرهم، لذلك جاءت الغالبية العظمى من (١) كانت تراجم الأعلام في تاريخ الإِسلام أوسع من تراجم المشهورين، وقد أشار الذهبي في تراجمهم من هذا التاريخ بلفظة ((أحد الأعلام)) انظر على سبيل المثال الأعلام في الجزء الخامس من تاريخ الإسلام، ص: ٤٤، ٦٨، ٦٩، ٨٩، ٩٨، ١١٦، ١٢١، ١٢٨، ١٣٦، ١٥٢، ١٥٥، ١٧٩، ١٨٤، ٢٢٨، ٢٣٣، ٢٥٧ ... الخ. ١١١ المترجمين من أهل العناية بالحديث النبوي الشريف رواية ودراية، وهي - فيما نرى - ظاهرة طبيعية لِما عرفنا من تربية الذهبي ونشأته الحديثية، وحبه لرواية الحديث وشغفِه به، ذلك الشغف العظيم الذي ملك عليه قلبه، فهو من صنفهم واسعُ المعرفة بهم، عظيمُ الإِكبار لهم، شديدُ الكلف بهم، فضلاً عن أن المحدثين هم من أكثر الفئات التي عُنيت بالرواية نظراً للأهمية البالغة التي يحتلها الحديث الشريف في الحياة الإِسلامية، ولذلك فإن دراسةً أحوال نقلة الحديث وبيان مواليدهم ووفياتهم وآراءِ العلماء فيهم وشيوخهم والرواة عنهم ونحو ذلك، من الأمور التي تقوم عليها دراسة الأسانيد، ثم معرفة صحيح الحدیث من سقیمه. ٣ - الشمول المكاني: وقد عمل المؤلف أن يكون كتابه شاملاً لتراجم الأعلام من كافة أنحاء العالم الإسلامي من الأندلس غرباً إلى أقصى المشرق، وهو شمول قَلَّ وجودُه في كثير من الكتب العامة التي تناولت تراجم المسلمين، إذ كثيراً ما كانت مثل تلك الكتب تُعنى بايراد تراجم أعلام بلدها أو منطقتها، فابن الجوزي في ((المنتظم)) مثلاً عني بتراجم البغداديين عناية فاقت غيرهم من علماء وأعلام البلدان الأخرى مع أنه أراد لكتابه أن يكون عاماً شاملاً، ولم يُعن كثيرٌ من المؤلفين المشارقة الذين ألفوا في التراجم العامة بتراجم المغاربة والأندلسيين(١)، كما لم يُعن كثير من المؤلفين المغاربة والأندلسيين بتراجم المشارقة عنايتهم بتراجم أهل بلدهم، بينما نجد نوعاً جيداً من التوازن (١) ألف زكي الدين المنذري ((التكملة لوفيات النقلة)) ليكون كتاباً عاماً في ((النقلة)) لكل العالم الإسلامي، لكننا وجدناه يقصر تقصيراً كبيراً في تراجم الأندلسيين والمغاربة (انظر كتابنا: المنذري وكتابه التكملة: ٢٣٨ فما بعد - النجف ١٩٦٨). ١١٢ في كتاب ((السِّيَر)) يَقِلَّ نظيره في الكتب التي من بابته، وهو منهج سار عليه الذهبي في كثير من كتبه ولا سيما في كتابه الكبير «تاريخ الإِسلام»، مما يشير إلى شُمول نظرته، واتساع اطلاعه على المؤلفات في هذا الفن في كل منطقة، من مناطق العالم الإِسلامي وصلته بها. ٤ - التوازن الزماني: حاول الذهبي في هذا الكتاب أن يُوازِنَ في عدد الأعلام الذين يذكرهم على امتداد المدة الزمنية الطويلة التي استغرقها الكتاب والبالغة سبعة قرون، فلم نجد عنده تفضيلاً لعصر على آخر في هذا المجال. ومع أننا نجد تفاوتاً في عدد المترجمين بين طبقة وأخرى، لكننا لو نظمنا الكتاب على وفيات المترجمين ونظرنا الى عدد المذكورين في كل سنة لوجدنا نوعاً من التناسق في عدد المذكورين في كل سنة. نعم، قد نجد كثيراً من السنوات مما يخرج عن هذا القول لكن هذا لا يُناقض المسارَ العام الذي أشرنا إليه، بسبب وفاة عدد من الأعلام في بعض هذه السنوات لِعوامل كثيرة منها الأوبئة والحروب وغيرها . ٥ - طول التراجم وقصرها: وجد الذهبي، بسبب سعة اطلاعه وتمكنه العظيم في الرجال، مادة وفيرة احتوتها مئاتُ الموارد التراجمية، يساعده على ذلك سعة النطاق الزماني لكتابه الذي يمتد من أول تاريخ الإِسلام حتى نهاية المئة السابعة، والنطاق المكاني الذي يشمل العالم الإسلامي كله. وقد رأينا قبل قليل كيف استطاع أن يُحدد نوعيةَ المترجمين باختيار الأعلام منهم، إلا أن ما يبدو أكثر أهمية هو أن هؤلاء الأعلام تتوفر عنهم عند مثل هذا المؤلف الواسع الاطلاع كميةً ١١٣ عظيمة من المادة التاريخية التي لا بد أن ينتقي منها ما يتفق وخطته في صياغة الترجمة من أجل أن لا يتضخم الكتاب أزيد من هذا التضخم الكبير الذي قَدّره له. من هذا الذي ذكرتُ اجتهد الذهبيُ أن يُقدم ترجمة كاملة ومختصرة في الوقت نفسه لا تُؤثر فيها كمية المعلومات التي تتوافر لديه، فتخرجه عن خطته العامة. وقد تمكن الذهبيُّ أن يتخلص من مثل تلك المادة الضخمة التي تحصلت لديه عن بعض كبار الأعلام بإحالة القارىء إلى مصادر أوسع تناولت ذلك العَلَم بتفصيل أكثر مما ذكره هو في بعض جوانب الترجمة، نحو قوله في ترجمة عكرمة بن أبي جهل: ((استوعب أخباره أبو القاسم بن عساكر))، وقوله في ترجمة يزيد بن أبي سفيان: ((له ترجمة طويلة في تاريخ الحافظ أبي القاسم))، وقوله في ترجمة بلال بن رباح: ((ومناقبه جمة استوفاها الحافظ ابن عساكر))، وقوله في ترجمة الكمال ابن الأنباري بعد أن ذكر عدداً من تصانيفه: ((وسرد له ابن النجار تصانيف جمة))، والأمثلة كثيرة. ومع هذا الذي ذكرت فإن طولَ التراجم وقِصرَها في ((السِّيَر)) من الأمور الواضحة لمطالع الكتاب، فقد نجد ترجمة لا تزيد على بضعة أسطر، بينما نَجِدُ ترجمة أخرى قد تبلغ صفحات عديدة. وقد انتقده تلميذه التاج السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ على خطته في تطويل التراجم وتقصيرها في كتبه التاريخية وعدَّ ذلك من باب التعصب والهوى العقائدي(١). إلا أن دراساتنا لهذه المسألة توضح أن السبكي قد بالغ في نقده بسببٍ من تعصبه الشديد للأشاعرة، وتبين لنا أن الذهبي راعى في أكثر الأحايين قيمةَ الإِنسان وشهرته بين أهل علمه، أو مكانته بين الذين هم من بابته سواء أكان متفقاً معه في (١) انظر الطبقات الكبرى: ٢ / ٢٣ - ٢٤. سير ٨/١ ١١٤ العقيدة أم مخالفاً، فنراه مثلاً يُطوِّل في تراجم الشعراء البارزين، أو كبار النحويين، أو أعلام الصوفية، أو كبار الخلفاء والملوك والسلاطين، وقد ترجم للشهاب السُّهْرَ وَرْدي المقتول سنة ٥٨٧ هـ ترجمة طويلة باعتباره ((العلامة الفيلسوف السماوي المنطقي .. من كان يتوقد ذكاءً، مع قوله («إنه قليل الدين)) وأن مصنفاته ((سائرها ليست من علوم الإِسلام)) وأن الذين أفتوا بقتله ((أحسنوا وأصابوا)) (١)، وترجم ترجمة حافلة لراشد الدين سنان صاحب الدعوة النِّزارية الذي كان في رأيه: ((سخط وبلاء))(٢)، وأمثلة ذلك في ((السِّير)) كثيرة لا نرى كبير فائدة في إيراد المزيد منها. ومع أن الذهبي كان عظيم الاهتمام بالمحدثين، مُكْبِراً لهم، شديد الكَلَف بهم، إلا أننا وجدناه يترجم لهم تراجم قصيرة عموماً إذا استثنينا بعض كبار أعلامهم مقارنة بكثير من التراجم الطويلة التي خَصَّ بها بعض الشعراء والصوفية والمتكلمين والفلاسفة . على أن هذا الذي قلتُه لا يعني أنه لم يتأثر إطلاقاً بعقيدته وآرائه ونظرته إلى العلوم في فهم المترجمين وتطويل تراجمهم أو تقصيرها، فهذا أمر يجانب الطبيعة البشرية، وهو موجود عند جميع المؤرخين، لكننا نشير إلى محاولاته الجدية في الموازنة، وإلى أنه لم يفعل ذلك عن هوى وتقصد، إنما انطلق من تكوينه الفكري الذي كان يحدد أهمية ((العَلَم)» في خدمة الإِسلام، أو الإِضرار به، فكان ينطلق ليبين هذا أو ذاك فتطول التراجم. إن تقدير الإِمام الذهبي للعَلَم الذي يترجم له ويطول في ترجمته بسبب المكانة التي يحتلها هي التي دفعت به إلى تخصيص مجلد كامل للسيرة النبوية الشريفة، فسيرة سيدنا محمد * هي المثل الأعلى الذي يحتذيه (١) سير أعلام النبلاء: ٢١ / الترجمة ٩٩ (بتحقيقنا). (٢) السير : ٢١ / الترجمة : ٩٠. ١١٥ المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها فضلاً عن الأحكام المستفادة منها. وهذا الأمر هو الذي أدى به إلى تخصيص مجلد كامل عن سير الخلفاء الأربعة: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله تعالى عنهم - لما تُمثله من قدوة للمسلمين، ولما يُستفاد من دراستها في شتى مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ولما تحتله من المكانة في بناء الإِنسان المسلم . سادساً - صياغة تراجم ((السِّيَر)) وعناصرها: تختلف المادة الموجودة في ترجمة ما من تراجم ((السِّيَر)) عن الأخرى حسب طبيعة المترجم له وقيمته العلمية أو الأدبية أو مكانته السياسية من جهة، وتتوحد في الأسس العامة لمكونات الترجمة من جهة أخرى. ولا نجد تناقضاً في ذلك، فالذهبي يُعْنَى في معظم التراجم بذكر اسم المترجم ونسبه ولقبه وكنيته ونسبته، ثم مولده أو ما يدل على عمره (١)، ونشأته ودراسته وأخذه عن الشيوخ الذين التقى بهم وروى عنهم، وأفاد منهم، ثم تلامذته الذين أخذوا عنه وانتفعوا يعلمه، وتخرجوا به، وما خَلّف من آثار علمية أو أدبية أو اجتماعية ، ويبين بعد ذلك منزلته العلمية وعقيدته من خلال أقاويل العلماء الثقات فيه جرحاً وتعديلا ممن كان وثيق الصلة به، ثم غالباً ما ينهي الترجمة بتحديد تاريخ وفاة المترجَم ويدقق في ذلك تدقيقاً بارعاً . والمؤلف في الوقت نفسه يذكر في كل ترجمة أموراً متفرقة تتصل بطبيعتها، فهو يعنى مثلاً بايراد أعمال (١) لقد اعتنى الذهبي بذكر الولادات جهد طاقته فذكرها دائماً حينما توفرت له لما لذلك من أهمية كبيرة في الاطمئنان على لقاء المترجم لمشايخه وسماعاته عليهم أو إجازاته منهم. وكان المحدثون يعنون بتتبع المواليد ويسألون الشيخ عن مولده قبل السماع منه أو الأخذ عنه، فإذا ما وجدوا له رواية قبل هذا التاريخ أو في سن لا تحتمل السماع حكموا بكذبه في هذه الرواية . ١١٦ الخلفاء والملوك والأمراء والمتولين في تراجمهم، ويركز عنايته على ما قاموا به من نشر عدل أو بث ظلم او سفك دماء. وهو یعنی بایراد نماذج من شعر الشعراء ومختارات من نثر الأدباء، وأقوال للمتفلسفين وأرباب المقالات بما ینبیء عن حسن عقيدتهم أو سوئها ونحو ذلك . والذهبي له أسلوبُه المتميِّز في صياغة التراجم، وأساليب عرضها يختلف عن الموارد التي ينقُل منها، وقد دفعه هذا الأمرُ في أغلب الأحيان إلى إعادة صياغة المادة التاريخية المنقولة عن المؤلفات السابقة بأسلوبه الخاص، ولم ير في ذلك ضيراً طالما قد توخى الدقة والأمانة في نقل معاني الأقوال، لاسيما تلك التي لا تؤثر في قيمتها إعادة الصياغة مثل تاريخ وفاة، أو ميلاد، أو قيام بعمل ما، أو اختصار في أسماء الشيوخ ونحو ذلك، وقد بلغ الامر به حداً أنه أعادَ تركيب الترجمة في كثير من المواضع التي اعتمد فيها مصدراً واحداً. ولكنه ألزم نفسه في الوقت نفسه بنقل النصوص بألفاظها في الحالات التي تستحِقُّ ذلك. وتتطلبها، مثل أقوال العلماء في الجرح والتعديل، ونصوص الكتب والتوقيعات التي أوردها في ((السير))، والقطع النثرية، والقصائد الشعرية، والمناقشات بين العلماء، فضلا عن الروايات المسندة، ونصوص الأحاديث النبوية الشريفة . أما اذا انتقى من النص أو لخّصَه، فإنه يشير إلى ذلك للأمانة العلمية من جهة وبما يدفع عنه تهمة التلاعب به من جهة أخرى . أما أسلوبُه الأدبي في عرض الترجمة، فقد تميز بالطراوة والحبك، ولم يُعن بالصَّنْعَة البيانية وتزويق الألفاظِ مثل غيره من معاصريه وتلامذته، کابن سيد الناس اليَعْمري وتاج الدين السُّبْكي وصلاح الدين الصَّفَدي وغيرهم. وهذا أمر طبيعي فيما نرى، لأن للكلمة مكانتها عند الذهبي، وهو الناقِدُ الذي يختار ١١٧ العبارة المناسبة للتعبير عما يُريد بدقة وأمانة، ويصِفُ المترجَم بالعبارة التي تزنُه جرحاً أو تعديلاً، فهو أسلوبٌ علمي قبلَ كل شيء. ومن الواضح لكل ذي بصيرة أنه لا يُمكن وصف المترجمين بشكل متقن عند اتباع أسلوب الصنعة البلاغية الذي يتجلى فيه العناية بالأسلوب على حساب دقة المعاني ودلالات الألفاظ . وقد عرفنا من سيرة الذهبي ومكانته العلمية أنه قد حَصَّل طرفاً صالحاً من العربية في نحوها وصرفها وآدابها، كما أنه عُني عناية كبيرة في مطلع حياته بالقراءات التي تقومُ في أساسها على علم تام بالعربية، وقد تعاطى الشعر، فنظم اليسير منه، وأورد من شعر غيره جملة كبيرة في هذا الكتاب وغيره مِن كتبه. لكل ذلك أصبحت لغته قوية جداً بحيث يصعُب أن نجِدَ في كتابه لحناً أو غلطاً لغوياً، أو استعمالاً علمياً، فإذا كان النادرُ من ذلك، فإنه من سهو القلم، أو الذهول، أو بعض ما يغلط فيه الخواص، وليس ذاك بشيء. وقد أدت دراساتُه لعدد ضخم من المؤلفات التاريخية والأدبية والحديثية واشتهاره بقوة الحافظة الى وقوفه على أساليب عدد كبير من الكُتَّاب والمؤلّفين على مدى عصور طويلة تنوَّعت أساليب الكتابة فيها، فأكسبه كل ذلك خبرة أدبية قوية، وملكة جيدة على التعبير. إن معرفة اللغة العربية معرفة جيدة والتمتع بالأسلوب الرصين من العوامل المهمة التي تُخْرِج ترجمة جيدة يُنْتَفَعُ بها؛ والقول بأن المعْنِيَّ بعلم التراجم لا يحتاج كُلَّ هذه المعرفة قولٌ فاسد، وقد أشار شيخ الذهبي ورفيقه الحافظ أبو الحجاج المزي في نهاية تقديمه لكتابه العظيم ((تهذيب الكمال)) إلى هذه الضرورة فقال: ((وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حَصَّل طرفاً صالحاً ١١٨ من علم العربية نحوها ولغتها وتصريفها، ومن علم الأصول والفروع، ومن علم الحديث والتواريخ وأيام الناس، فإنه إذا كان كذلك، كثر انتفاعه به وتمكن من معرفة صحيح الحديث وضعيفه وذلك خصوصية المحدث التي من نالها وقام بشرائطها ساد أهل زمانه في هذا العلم، وحُشِرَ يوم القيامة تحت اللواء المحمدي إن شاء الله تعالى(١). سابعاً: المنهج النقدي: كان الإِمام الذهبي من المعنيين بالنقد كُلَّ العناية بحيث صار يحتلُّ مكاناً بارزاً في كتبه، وألف الكتبَ النافعة الخاصةً به، ولذلك وجدناه عظيمَ الاهتمام به في كتبه، ومنها كتابه النفيس ((سير أعلام النبلاء)» مارسهُ في كل مادته، واعتبره جزءاً أساسياً من منهجه في تأليف الكتاب . والذهبي إنما ينطلِقُ في هذه العناية وذاك الاهتمام من تكوينه الفكري المتصل بدراسة الحديث النبوي الشريف وروايته ودرايته، والذي يُؤكِّد ضرورة تبيين أحوال الرواة، ودرجة الوثوق بهم بتمييز الصادقين منهم عن الكاذبين، فسَحَبَهُ بعد ذلك على جميع كتابه، سواء أكان ذلك في تراجم المحدِّثين، أم في تراجم غيرهم وسواء أكانوا من المتقدمين، أم من المتأخرين. والحق أنَّ المحدثين اخترعوا مناهجَ للبحث العلمي تُعَدُّ مِن أرقى المناهج العلمية التي لم يعرفها الأوربيون إلا في عصور متأخرة جداً. وقد انتفع بها المؤلفون في الفنون والعلوم الأخرى، منهم: المؤرخون واللغويون والأدباء والفقهاء وغيرهم(٢) . (١) انظر مقدمة تهذيب الكمال، بتحقيقنا. (٢) انظر ما كتبناه عن ((أثر دراسة الحديث في تطور الفكر العربي)) في كتاب ((رحلة في الفكر والتراث)) بغداد: ١٩٨٠. ١١٩ وقد اعتنى الذهبيُّ في ((السِّيَر)) بكل أنواع النقد، فلم يقتصِرْ على مجال واحد من مجالاته، فقد عُني بنقد المترجَمين، وتبيان أحوالهم، وأصدر أحكاماً وتقويمات تاريخية، وانتقد الموارد التي نقل منها، ونبَّه إلى أوهام مؤلفيها، وبَرَع في إصدار الأحكام على الأحاديث إسناداً ومتناً، وسحَبَ ذلك على الروايات التاريخية . ١ - نقد المترجمين : يقوم نقد المترجم عند الذهبي عادة على إصدار حكم في الرجل وتبيان حاله جرحاً أو تعديلاً، ويكون ذلك في الأغلب بإيراد آراء الثقات المعاصرين فيه وأحكامهم عليه وانطباعاتهم الشخصية عنه مما تحصَّل لديهم نتيجة لصلتهم به، ومعرفتهم بعلمه وسيرته. وفي مثل هذه الحال قد يكتفي بآرائهم، أو يرد عليها، أو يُرجح رأياً منها، وتكون نتيجةُ التعديل أو التجريح إصدار أحكام بعبارات فنية لها دلالاتُها الدقيقة جداً نحو ((ثقة))، و((صدوق))، و((صُويلح))، و((دجال))، و((متروك))، و((كذاب))، و((مجهول))، وما إلى ذلك مما فَصَّله في مقدمة كتابه النفيس ((ميزان الاعتدال)). وكانت الغاية الأساسية مِن نشوء هذا النقد هو تبيانَ أحوال رجال الحديث لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، لكننا وجدنا الذهبي في الوقت نفسه يسحبُه على معظم المترجمين في كتابه هذا وغيره من الكتب وإن لم يكونوا من المحدثين، بل سَحَبه إلى مترجمين لا علاقة لهم بالرواية أياً كانت. وقد أدى هذا الأمر إلى اعتراض بعض معاصريه عليه في عنايته الكبيرة باعتبار أن الدواعي التي دعت إلى قيام النقد عند المتقدمين هي الوصول إلى تصحيح الحديث النبوي الشريف، وأن الحديث قد استقر في الكتب الرئيسة . ١٢٠ فما عادت هناك من حاجة إليه، وأن فائدته قد انقطعت منذ مطلع القرن الرابع الهجري(١)، كما أَخذَ عليه بعضُهم نقده لغير الرواة واعتبروا أن ذلك لا فائدة فيه وأنه محض غيبة(٢). وقد أثارت هذه القضية نقاشاً بين العلماء فيما بعد، ولاحظنا أن العلماء المسلمين، ومنهم السخاوي، قد سوَّغوا استعمال النقد في غير مجال الرواة بالفائدة المتوخاة منه للنصيحة ودفع الضرر (٣). لكننا لاحظنا في هذا التفسير سذاجة، وآية ذلك أنه قد يَصِحُ في حالة نقد المعاصرين من غير الرواة، فكيف نفسِّر نقد الرواة المتأخرين، وكيف نفسر استمرار الذهبي وغيره في نقد السابقين وتأليف الكتب الخاصة بالجرح والتعديل إن كانوا يعتقدون بانقطاع الفائدة؟ الحق أن مثل هذا الأمر لا يفَسَّر بالسذاجة التي ناقشوها، فإن هناك عوامل أكثر عمقاً دفعت الإِمام الذهبي إلى مثل هذه العناية لعل من أبرزها: أ - استمرار العناية بالرواية في العصور التالية لظهور دواوين الإِسلام في الحديث، وبعض المجاميع الحديثية الأخرى، بل ازدادوا عناية بها تقليداً للسابقين من جهة، وتديناً وحباً بالحديث من جهة أخرى، ولأنها صارت جزءاً من الحركة التعليمية والفكرية عند المسلمين من جهة ثالثة. وهذا يعني استمرار الإِسناد ومن ثم ضرورة استمرار النقد في كل عصر لتبيان أحوال الرواة. ومع أن الإِمام الذهبي ركز في كتابه ((الميزان)) على الرواة القدماء، (١) ممن صرح بهذا أبو عمرو محمد بن عثمان الغرناطي المعروف بابن المرابط المتوفى سنة ٧٥٢ هـ (انظر الإعلان للسخاوي: ٤٦٠، ٤٧٠، ٤٧٤). (٢) السبكي: طبقات الشافعية: ٢ / ١٤. (٣) الإعلان : ٤٦١ - ٤٦٢.