Indexed OCR Text

Pages 181-200

فقاتل أهلها سبعةَ أشهرٍ ثمّ فتحها، فاستعمله عثمان عليها أيضاً، وكان
ابنَ خالةِ عثمان. ويقال: تفل النَّبِيُّ وََّ فِي فِيهِ وهو صغيرٌ.
وفيها قال خليفة(١) : أحرم عبدالله بنُ عامر من نَيْسابور، واستخلف
قيس بن الهيثم وغيرَه على خُرَاسان، وقيل: إنَّ ذلك كان في السنّة
الماضية .
وفيها غزوة الأساود، فغزا عبدالله بن سعد بن أبي سَرْح من مصر في
البحر، وسار فيه إلى ناحية مِصِّيصَةٍ(٢).
سنة اثنتين وثلاثين
فيها كانت وقعة المضيق بالقرب من قُسْطَنْطِينيّة، وأميرُها معاوية .
وتُوُفِّي فيها(٣):
سِنان بن أبي سنان بن محصن الأسديّ، حليف بني عبد شمس.
وكان أسنّ من عمّه عُكاشة، هاجر هو وأبوه وشهدا بدْراً. تُؤُفِي
أبوه والشَّبِيُّ ◌َّهَ يحاصرُ بني قُرَيْظة، وكان سِنان من سادة الصّحابة، قال
الواقدي: هو أوّلُ مَنْ بايعَ تحت الشَّجرة.
الطُّفَيْلِ بن الحارث بن المطّلب، فيها في قَوْلٍ، وقد ذُكر .
(١) تاريخ خليفة ١٦٦ .
(٢) تأتي بعد هذا ترجمة الحكم بن أبي العاص، وترجمة أبي سفيان، حذفناهما
لأن المؤلف ترجم لهما في هذا الكتاب.
(٣) حذفنا من وفيات هذه السنة مَنْ ترجم لهم المؤلف في هذا الكتاب، وهم:
العباس بن عبدالمطلب، وعبدالله بن زيد الأنصاري، وعبدالله بن مسعود،
وعبدالرحمن بن عوف، وكعب الأحبار، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري.
١٨١

وأخوه الحُصَيْنِ تُؤُقِّي بعده بأربعة أشهر، وقد شهدا بذْراً. قال:
رسول الله وَّهُ: ((إنَّما بنو هاشم وبنو المطّلب شيءٌ واحدٌ لم يفارقونا في
جاهليّة ولا إسلام)).
سنة ثلاث وثلاثين
فيها كانت غزوة قُبْرس - قاله ابن إسحاق وغيره - وغزوة إفريقية،
وأميرُ النَّاس عبدُالله بن سعد بن أبي سَرْح. قاله اللَّيْث.
وفيها قال خليفة (١) : جمع قارن جَمْعاً عظيماً بباذَغِيس وهرَاة،
وأقبل في أربعين ألفاً فترك قيسُ بن الهَيْثم البلادَ وهربَ، فقام بأمرٍ
المسلمين عبدُالله بن خازم السُّلَميّ، وجمع أربعة آلاف مقاتل، والتقى
هو وقارن، ونصره الله وقتل وسَبَى، وكتب إلى ابن عامر بالفتح،
فاستعمله ابنُ عامر على خراسان. ثمّ وجَّه ابنُ عامر عبدالرحمن بن
سَمُرَة على سجستان، فصالحه صاحب زَرَنْج(٢) وبقي بها حتّى حُوصِر
عثمان .
قال خليفة(٣): وفيها غزا معاوية مَلَطْية وحِصْن المرأة من أرضٍ
الرُّوم.
قال(٤): وفيها غزا عبدُالله بن أبي سَرْح الحَبَشَة، فأصيبت فيها عينُ
معاوية بنُ حُدَيْج (٥) .
(١) تاريخه ١٦٧ .
(٢) هي قصبة سجستان.
(٣) تاريخه ١٦٧ .
(٤) تاريخه ١٦٨ .
(٥) تأتي بعد هذا ترجمة المقداد بن الأسود، وقد حذفناها لكون المؤلف ترجم له =
١٨٢

سنَة أربع وثلاثين
فيها وثب أهلُ الكوفة على أميرهم سعيد بن العاص فأخرجوه،
ورضوا بأبي موسى الأشعريِّ، وكتبوا فيه إلى عثمان فولاَهُ عليهم، ثُمَّ
إنَّه بعد قليل ردَّ إليهم على الإمْرة سعيدَ بنَ العاص، فخرجوا ومنعوه.
وفيها كانت غزوة ذات الصَّواري في البحر من ناحية الإسكندرية
وأميرُها ابن أبي سَرح.
سنَة خَمس وثلاثين
فيها غزوة ذي خُشُب، وأمير المسلمين عليها معاوية(١).
وفيها حجَّ بالنَّاس وأقام الموسم عبدُالله بن عباس.
(مقتل عثمان)
وفيها مَقْتَلُ عثمان رضي الله عنه(٢) : خرج المصرّيون وغيرُهم على
=
في هذا الكتاب.
(١) هكذا في النسخ وهو وهم بيّن، فالعبارة غير مستقيمة ولا تصح، فذي خُشب
موضع معروف بالقرب من المدينة المنورة، فأي غزوة هذه التي تأمَّر فيها
معاوية؟! وإنما كان في هذه السنة نزول المتآمرين على عثمان من أهل مصر
هذا الموضع، قال الطبري في مفتتح سنة خمس وثلاثين من تاريخه: ((فمما
كان فيها من ذلك نزول أهل مصر ذا خُشُب، حدثني بذلك ... عن أبي معشر
قال: ذو خشب سنة خمس وثلاثين، وكذلك قال الواقدي)) (٤/ ٣٤٠).
(٢) استوعب حافظ الشام أبو الحسن ابن عساكر ترجمة عثمان ومقتله في تاريخه
لمدينة دمشق، ومنه أفاد المؤلف، فلم نر كبير فائدة في الإشارة إليه في جميع
النصوص، إلا عند الضرورة، فمن أراد استزادة، فليراجعه.
١٨٣

عثمان وصاروا إليه ليخلعوه من الخلافة .
قال إسماعيل بن أبي خالد: لمّا نزل أهل مصر الجُحْفَة، وأَتَوْا
يعاتبون عثمانَ صعِد عثمانُ المِنْبَر، فقال: جزاكم الله يا أصحاب محمد
عنّي شرّاً: أَذَعْتُمُ السَّيِّئَةَ وكتمتم الحَسَنَةِ، وأغريتم بي سُفَهاءَ النّاس،
أيُّكُم يذهب إلى هؤلاء القوم فيسألهم ما نقموا وما يريدون؟ قال ذلك
ثلاثاً ولا يُجيبه أحد. فقام عليٌّ فقال: أنا. فقال عثمان: أنت أقربهم
رَحِماً. فأتاهم فرخَّبوا به، فقال: ما الذي نَقَمْتُم عليه؟ قالوا: نَقَمْنا أنّه
محا كتابَ الله - يعني كونه جمع الأمَّة على مُصْحَفٍ -، وحمى الحِمَى،
واستعمل أقرباءه، وأعطى مروانَ مئة ألف، وتناولَ أصحابَ رسولِ الله
وَلّ. قال: فردَّ عليهم عثمان: أمَّا القرآنُ فمن عند الله، إنَّما نهيتُكم عن
الاختلافِ فاقرؤوا عَلَى أَيِّ حرفٍ شئتم، وأمّا الحِمَى فَوَاللهِ ما حميته
لإبلي ولا لغَنَمي، وإنّما حَمَيْتُه لإِل الصَّدَقَة. وأمَّا قولُكُم: إنّي أعطيتُ
مروانَ مئة ألفٍ، فهذا بيتُ مالِهِم فليستعملوا عليه مَنْ أحبَّوا. وأمّا
قولكم: تناول أصحابَ رسولِ الله وَ له. فإنَّما أنا بشرٌ أغضبُ وأرضى،
فمن ادَّعَى قِبَلي حقّاً أو مَظْلمَةً فها أنا ذا، فإنْ شاء قَوَداً وإنْ شاء عَفْواً.
فرضي النَّاسُ واصطلحوا ودخلوا المدينة .
وقال محمد بن سعد (١): قالوا: رحل من الكوفة إلى المدينة:
الأشتر النَّخَعِيّ - واسمه مالك بن الحارث -، ويزيد بن مُكنِفٍ (٢)،
وثابت بن قيس، وكُمَيل بن زياد، وزيد، وصعصعة ابنا صُوحان،
والحارث الأعور، وجُنْدُب بن زُهَير، وأصفر بن قيس، يسألون عثمانَ
عزْلَ سعيد بن العاص عنهم. فرحل سعيد أيضاً إلى عثمان فوافقهم
(١) طبقاته ٣٣/٥.
(٢) في طبقات ابن سعد: ((مكفّف)) وما أثبتناه مجود في النسخ كافة.
١٨٤

عنده، فأبى عثمانُ أن يعزله. فخرج الأشترُ من ليلته في نفرٍ، فَسَرَى(١)
عشراً إلى الكوفة واستولى عليها وصعد المنبر، فقال: هذا سعيد بن
العاص قد أتاكم يزعم أنَّ السَّواد بستان لأُغَيلِمَةٍ من قريشٍ، والسَّواد
مساقِطُ رؤوسِكم ومراكزُ رِماحِكم، فَمَنْ كان يرى الله عليه حقاً فلْيَنهض
إلى الجَرَعة(٢). فخرج النَّاسُ فعسكروا بالجَرَعَة، فأقبل سعيد حتى نزل
العُذَيب (٣) ، فجهَّز الأشترُ إليه ألفَ فارس مع يزيد بن قيس الأرحبيِّ،
وعبدالله بن كِنَانَة العَبْدِيِّ، فقال: سِيرُوا وَأَزْعِجاه وأَلْحِقاه بصاحبه، فإنْ
أَبَّى فاضْرِبا عُنُقَه. فَأَتَيَاهُ، فلمَّا رأى منهما الجدَّ رجع. وصعد الأشترُ
منبرَ الكوفة، وقال: يا أهلَ الكوفة ما غضبتُ إلّ الله ولكم، وقد ولَّيت
أبا موسى الأشعريَّ صلاتكم، وحُذَيْفَةَ بنَ اليَمَان فَيْتَكُم، ثمّ نزلَ وقال:
يا أبا موسى اصعَدْ. فقال: ما كنتُ لأفعل، ولكنْ هَلُمُّوا فبايعوا لأميرٍ
المؤمنين وجَدِّدوا البيعةَ في رِقابكم، فأجابه النَّاسُ. وكتب إلى عثمان
بما صنع، فأعجب عثمان، فقال عُتْبَة بن الوعل شاعر أهل الكوفة:
تصدَّقْ علينا يا ابن عفّان واحتسِبْ وأَمِّرْ علينا الأشْعَرِيَّ لَيالِيا
فقال عثمان: نعم وشهوراً وسنين إنْ عِشْتُ، وكان الذي صنع أهل
الكوفة بسعيد أول وهْنٍ دخل على عثمان حين اجتُرِىء عليه.
وعن الزُّهْرِيّ (٤) ، قال: وَلِيَ عثمان، فعمل ستَّ سِنين لا ينقمُ عليه
النَّاسُ شيئاً، وإنَّه لأحبُّ إليهم من عمر، لأنَّ عمرَ كان شديداً عليهم،
فَلَمّا ولِيَهم عثمانُ لاَنَ لهم ووَصَلَهم، ثمّ إنَّه توانى في أمرهم، واستعمل
(١) في طبقات ابن سعد: ((فسار)) وما أثبتناه من النسخ، وهو الأصح.
(٢)
موضع قرب الكوفة .
(٣) موضع بين القادسية والمغيثة.
(٤) طبقات ابن سعد ٣/ ٦٤ .
١٨٥

أقرباءه وأهل بيته في السِّتِّ الأواخرِ، وكتب لمروان بخُمْس مصر أو
بخُمْس إفريقية، وآثر أقرباءه بالمال، وتأوّل في ذلك الصِّلةَ الَتي أمرَ اللهُ
بها، واتَّخَذَ الأموالَ، واستسلفَ من بيتِ المال، وقال: إنَّ أبا بكر وعمر
تركا من ذلك ما هو لهما، وإنِّي أخذته فقسَمته في أقربائي، فأنكر
النَّاسُ عليه ذلك.
قلتُ: وممَّا نقموا عليه أنَّه عزل عُمَيْر بن سعد عن حمص، وكان
صالحاً زاهداً، وجمع الشامَ لمعاويةَ، ونزع عَمْرو بن العاص عن مصر،
وأمَّرَ ابنَ أبي سَرْحِ عليها، ونزع أبا موسى الأشعريّ عن البصرة، وأمَّرَ
عليها عبدَالله بن عامر، ونزع المُغِيرة بن شُعْبة عن الكوفة وأمَّرَ عليها
سعید بن العاص .
وقال القاسم بن الفضل: حدثنا عَمْرو بن مُرَّة، عن سالم بن أبي
الجَعد، قال: دعا عثمانُ ناساً من الصَّحابة فيهم عمَّار. فقال: إنِّي
سائِلُكم وأحبُّ أنْ تَصْدُقُوني: نَشَدْتُكُم الله أتعلمون أنَّ رسولَ اللهِ وَلـ
كان يُؤْثر قريشاً على سائر النَّاس، ويؤثرُ بني هاشم على سائر قريش؟
فسكتوا، فقال: لو أنَّ بيدي مفاتيح الجنّة لأعطيتُها بني أُميَّة حتّى
يدخلوها .
وعن أبي وائل أنَّ عبدالرحمن بن عَوْف كان بينه وبين عثمان كلامٌ،
فأرسل إليه: لِمَ فَرَرْتَ يوم أُحُد وتخلَّفْت عن بدْر وخالفتَ سُنَّةَ عمر؟
فأرسل إليه: تخلَّفْت عن بدْرٍ لأنّ بنتَ رسولِ الله ◌ِ ◌ّر شغلتني بمرضها،
وأمّا يوم أُحُد فقد عفا الله عنّي، وأمّا سُنَّةُ عمر فَوَاللهِ ما استطعتها أنا ولا
أنتَ.
وقد كان بين عليٍّ وعثمان شيءٌ فمشى بينهما العبّاس، فقال عليّ:
واللهِ لو أمرني أن أخرج من داري لفعلت، فأمّا أُدَاهِنُ أنْ لا يُقام بكتاب
١٨٦

الله فلم أكن لأفعل.
وقال سيف بن عمر (١)، عن عطيّة، عن يزيد الفَقْعَسِيّ(٢)، قال:
لمَّا خرج ابنُ السَّوداء(٣) إلى مصر نزل على كنانة بن بِشْر مرَّةً، وعلى
سُؤْدان بن حُمران مَرَّة، وانقطع إلى الغافقيّ فشجَّعه الغافقيُّ فتكلَّمَ،
وأطاف به خالد بن مُلْجَم، وعبدالله بن رزين، وأشباهٌ لهم، فصرف لهم
القول، فلم يجدهم يُجيبون إلى شيء ما يُجيبونَ إلى الوصيّة، فقال:
عليكم بناب العرب وحجرهم، ولسنا من رجاله، فأروه أنَّكُمْ تَزرعون،
ولا تزرعوا العام شيئاً حتّى تنكسر مصر، فَتَشْكُوهُ إلى عثمانَ فيعزله
عنكم، ونسأل مَنْ هو أضعف منه ونخلوا بما نريد، ونُظْهر الأمرَ
بالمعروف والنَّهْيَ عن المُنْكَر. وكان أسرعهم إلى ذلك محمد بن أبي
حُذَيْفَةٍ، وهو ابنُ خالِ معاوية، وكان يتيماً في حِجْر عثمان، فكبُرَ،
وسأل عثمانَ الهجرةَ إلى بعضٍ الأمصار، فخرج إلى مصر، وكان الذي
دعاه إلى ذلك أنَّه سألَ عثمانَ العملَ، فقال: لست هناك.
قال: ففعلوا ما أمرهم به ابنُ السَّوْداء، ثمّ إنَّهم خرجوا ومَنْ شاء الله
منهم، وشكوا عَمْراً واستعفوا منه، وكلَّما نهنه (٤) عثمانُ عن عَمْرو قوماً
وسكَّتَهُم انبعث آخرون بشيءٍ آخر، وكلُّهم يطلبُ عبد الله بن سعد بن أبي
سَرْح، فقال لهم عثمان: أمَّا عَمْرو فسنزعه عنكم ونُقِرُّه على الحرب.
ثمَّ ولّى ابنَ أبي سَرْح خراجَهم، وترك عَمْراً على الصَّلاة. فمشى في
ذلك سُودان، وكِنانة بن بِشْر، وخارجة، فيما بين عبدالله بن سعد،
وعَمْرو بن العاص، وأغروا بينهما حتَّى تكاتبا على قَدْر ما أبلغوا كلَّ
تاريخ الطبري ٣٤٠/٤ فما بعد بتصرف.
(١)
(٢) نسبة إلى فقعس بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.
(٣) هو عبدالله بن سبأ اليهودي.
(٤) أي: كَفَّهم.
١٨٧

واحد، وكتبا إلى عثمان، فكتب ابنُ أبي سَرْحٍ: إنَّ خراجي لا يستقيمُ ما
دام عَمْروٌ على الصَّلاة. وخرجوا فصدَّقوه واستعفوا من عَمْرو، وسألوا
ابنَ أبي سرح، فكتب عثمان إلى عَمْرو: إنَّه لا خيرَ لك في صُحْبةٍ مَنْ
يكرهك فأقبل. ثم جمع مصرَ لابنِ أبي سَرْح.
وقد رُوي أنَّه كان بين عمَّار بن ياسر، وبين عبَّاس بن عُتْبة بن أبي
لهب كلام، فضربهما عثمان .
وقال سَيْف، عن مُبَشّر، وسهل بن يوسف، عن محمد بن سعد بن
أبي وقَّاص، قال: قدِم عمّار بن ياسر من مصر وأبي شاكٍ، فبلغه،
فبعثني إليه أدعوه، فقام معي وعليه عمامةٌ وسخةٌ وجُبَّة فِرَاء. فلمّا دخل
على سعد قال له: ويْحَك يا أبا اليقظان إنْ كنتَ فينا لِمِنْ أهلِ الخير،
فما الذي بلغني عنك من سعْيك في فسادٍ بين المسلمين والتأليب على
أمير المؤمنين، أَمَعَك عقلُكَ أم لا؟! فأهوى عمّار إلى عِمامته وغضب
فنزعها، وقال: خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه. فقال سعد: ((إنّا
لله وإنّا إليه راجعون)) ويْحَكَ حين كَثُرَت شَيْبَتك ورقّ عظْمُكَ ونفد
عُمْرَك خلعت رِبْقَةَ الإسلام من عُنُقِك وخرجت من الدّين عُرْياناً. فقام
عمّار مُغْضباً مُوَلياً وهو يقول: أعوذ بربّي من فتنة سعد. فقال سعد: ألا
في الفتنة سقطوا، اللَّهُمَّ زِدْ عثمان بعفوه وحِلْمه عندك درجات. حتّى
خرج عمّار من الباب، فأقبل عليَّ سعد يبكي حتّى أخضلَ لحيته وقال:
مَنْ يأمن الفتنة يا بُنَّيَّ لا يخرجنّ منك ما سمعتَ منه، فإنَّه من الأمانة،
وإنِّي أكره أنْ يتعلَّق به النَّاسُ عليه يتناولونه، وقد قال رسول الله مَالآن:
((الحقُّ مع عمَّار ما لم تغلب عليه دَلْهَةُ(١) الكِبَر))، فقد دَلِه وخَرِفَ.
وممّن قام على عثمان محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، فَسُئِلَ سالم بن
(١) أي: ذهابُ الفؤاد من هَمٍّ أو نحوه، كما يَدْلَهُ عقلُ الإنسان من عشقٍ أو غيره.
١٨٨

عبدالله فيما قيل عن سببٍ خروج محمد، قال: الغضب والطَّمَع، وكان
من الإسلام بمكانٍ، وغرَّه أقوامٌ فَطَمِعَ، وكانت له دالَّة، ولزِمَهُ حقٌّ،
فأخذه عثمان من ظهره.
وحجَّ معاوية، فقيل إنَّه لمَّا رأى لِينَ عثمانَ واضطَرابَ أمرِه، قال:
انطلِقْ معي إلى الشَّام قبل أنْ يهجمَ عليك مَنْ لا قِبَلَ لك به، فإنَّ أهلَ
الشَّام على الطّاعة. فقال: أنا لا أبيعُ جِوارَ رسول الله وَر بشيءٍ وإنْ كان
فيه قطْعُ خَيْطِ عُنُقي. قال: فأبعثُ إليك جُنْداً. قال: أنا أُقَتِّر على جيرانِ
رسولِ اللهِ وَّ الأرزاقَ بجُنْدٍ تُساكِنُهُم! قال: يا أمير المؤمنين واللهِ
لَتُغْتَالَنَّ ولَتُغْزَيَنَّ. قال: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْم الوكيل(١) .
وقد كان أهلُ مصر بايعوا أشياعَهم من أهلِ الكوفة والبصرة وجميع
من أجابهم، واتَّعَدُوا يوماً حيث شَخَصَ أُمراؤهم، فلم يستقم لهم ذلك،
لكنَّ أهلَ الكوفة ثار فيهم يزيدُ بن قيس الأرحبيُّ واجتمع عليه ناسٌ،
وعلى الحرب يومئذٍ القَعْقَاعِ بن عَمْرو، فأتاه وأحاط النَّاسُ بهم
فناشدوهم، وقال يزيد للقَعْقَاعِ: ما سبيلك عليَّ وعلى هؤلاء، فَوَاللهِ إِنِّي
لَسَامِعٌ مُطيعٌ، وإنِّي لازمٌ لجماعتي إلّا أنّي أستعفي من إمارة سعيد. ولم
يُظْهِرُوا سوى ذلك، واستقبلوا سعيداً فردّوه من الجَرَعة، واجتمع النَّاسُ
على أبي موسى، فأقرَّهُ عثمان.
ولمَّا رجع الأمراءُ لم يكن للسََّّةَ (٢) سبيلٌ إلى الخروج من
الأمصار، فكاتبوا أشياءهم أنْ يتوافوا بالمدينةِ لينظروا فيما يريدون،
وأظهروا أنَّهم يأمرون بالمعروف، وأنّهم يسألون عثمانَ عن أشياء لتطِيرَ
في النَّاس ولتُحَقَّقَ عليه. فتَوَافَوْا بالمدينة، فأرسل عثمانُ رجلين من بني
(١) تاريخ الطبري ٤ /٣٤٥.
(٢) أي: المنسوبون إلى عبدالله بن سبأ اليهودي.
١٨٩

مخزوم ومن بني زُهْرَة، فقال: انْظُرًا ما يريدون، وكانا مِمَّنْ ناله من
عثمانَ أدبٌّ، فاصطبرا للحقِّ ولم يضطغنا، فلمَّا رأوهما بالُوهما
وأخبروهما، فقالا: مَنْ معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة.
قالا: فكيف تصنعون؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياءَ قد زرعناها في
قلوبِ النَّاس، ثمّ نرجع إليهم ونزعم لهم أنَّا قد قَرَّرناه بها، فلم يخرج
منها ولم يَتُبْ، ثمّ نخرج كأنَّنَا حُجَّاج حتَّى نَقدِمَ فنحيطَ به فنخلَعَهُ، فإنْ
أبى قتلناه.
فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك، وقال: اللَّهُمَّ سلِّم هؤلاء فإنَّك
إنْ لم تُسَلِّمهم شَقُوا، فأمّا عمّار فحمل عليَّ ذنب ابنُ أبي لهب وعَرَكه
بي(١) ، وأمّا محمد بن أبي بكر فإنّه أُعْجِب حتّى رأى أنَّ الحقوقَ لا
تلزمه، وأما ابن سارة فإنَّه يتعرَّضُ للبلاء.
وأرسل إلى المِصْريين والكوفيين، ونادى: الصَّلاة جامِعَة - وهم
عنده في أصل المنبر - فأقبل أصحابُ رسولِ الله وَّ فحمد الله وأثنى
عليه، وأخبرهم بالأمر، وقام الرجلان، فقال النَّاسُ: اقتل هؤلاء فإنَّ
رسولَ اللهِ وَ ﴿ قال: ((مَنْ دعا إلى نفسه أو إلى أحدٍ، وعلى النَّاس إمامٌ
فعليه لعنةُ الله، فاقتلوه) .
وقال عثمان: بل نَعْفُو ونقبل، ونُبَصِّرُهم بجهدنا، إنّ هؤلاء قالوا:
أَتَّمَّ الصلاةَ في السَّفرِ، وكانت لا تُتَمُّ، ألا وإنِّي قدِمتُ بلداً فيه أهلي
فأتممتُ لهذا.
قالوا: وحميتَ الحِمَى، وإنِّي واللهِ ما حَمَيْتُ إلّ ما حُمِيَ قبلي،
وإنِّي قد وُلِّيتُ وإنّي لأَكْثَرُ العربِ بعيراً وشاءً، فمالي اليوم غيرُ بعيرَيْنِ
لحَجَّتي، أكذاك؟ قالوا: نعم.
(١) أي: حَمّله ذنبه وتركه، وابن أبي لهب هو عباس بن عتبة بن أبي لهب.
١٩٠

قال: وقالوا: كان القرآنُ كُتُباً فتركتها إلّ واحداً ألا وإنَّ القرآنَ
واحدٌ جاء من عند واحدٍ، وإنّما أنا في ذلك تابعٌ هؤلاء، أفكذاك؟
قالوا: نعم.
وقالوا: إنِّي رددت الحَكَمَ وقد سَيَّره رسولُ اللهِوََّ إلى الطَّائف ثمّ
ردّه، فرسولُ اللهِ وَ له سَيَّرَهُ وهو ردَّهُ، أَفَكَذاك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: استعملتَ الأحداث. ولم استعمِل إلّ مُجْتَمَعاً مَرْضِيّاً،
وهؤلاء أهلُ عملي فَسَلُوهم، وقد ولَّى مَنْ قبلي أحدثَ منه، وقيل في
ذلك لرسولِ اللهِ وَّ أشدَّ مِمَّا قيل لي في استعمالِه أُسامةَ، أكذاكَ؟ قالوا:
نعم.
وقالوا: إنِّي أعطيتُ ابنَ أبي سَرْح ما أفاءَ اللهُ عليه. وإنّي إنّما نَفَلْتُهُ
خُمْس الخُمْس، فكان مئة ألف، وقد نَفَل مثل ذلك أبو بكر وعمر،
وزعم الجُنْدَ أنَّهم يكرهون ذلك فردَدْتُهُ عليهم، وليس ذلك لهم،
أكذاك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: إنِّي أحبُّ أهل بيتي وأُعْطيهم. فأمّا حُبُّهُم فلم يُوجِبْ
جَوْراً، وأمَّا إعطاؤهم، فإنّما أُعطيهم من مالي، ولا استحلُّ أموالَ
المسلمين لنفسي ولا لأحدٍ. وكان قد قسم مالَهُ وأرضَهُ في بني أُميّة،
وجعلَ ولده كبعض مَن يُعطَى .
قال: ورجع أولئك إلى بلادهم وعفا عنهم، قال: فتكاتبوا
وتواعدوا إلى شؤَّال، فلمَّا كان شؤَّال خرجوا كالحُجَّاج حتى نزلوا بقرب
المدينة، فخرج أهلُ مصر في أربع مئة، وأمراؤهم عبدالرحمن بن
عُدَيْسِ البَلَوِيُّ، وكِنَانة بن بِشْر اللَّيْئِيُّ، وسُودان بن حُمْران السَّكُونِيُّ،
وقُتَيْرة السَّكُونيُّ، ومقدَّمهم الغافقيُّ بن حرب العَكِّيُّ، ومعهم ابن
السَّوْداء .
١٩١

وخرج أهلُ الكوفة في نحو عدد أهلِ مصر، فيهم زيد بن صُوحان
العَبْدِيُّ، والأشتر النَّخَعِيُّ، وزياد بن النَّضْر الحارثيُّ، وعبدالله بن
الأصَم، ومُقَدَّمهم عَمْرو بن الأَصَمّ.
وخرج أهلُ البصرة وفيهم حُكَيْم (١) بن جَبَلَة، وذَرِيح بن عبّاد
العبديَّان، وبِشْر بن شُرَيْح القَيْسيُّ، وابن مُحَرِّش الحنفيُّ، وعليهم
حُرْقُوص بن زُهَيرِ السَّعْدِيّ.
فأمّا أهلُ مصر فكانوا يشتهون عليّاً، وأمّا أهل البصرة فكانوا
يشتهون طلحة، وأمّا أهلُ الكوفة فكانوا يشتهون الزبير(٢) ، وخرجوا ولا
تشكُّ كُّ فِرْقةٍ أنَّ أمرها سيتمُّ دون الأخرى، حتَّى كانوا من المدينة على
ثلاثٍ، فتقدَّم ناسٌ من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب. وتقدَّمَ ناسٌ من أهل
الكوفة فنزلوا الأعْوَص، وجاءهم ناسٌ من أهل مصر، ونزل عامَّتُهم بذي
المَرْوَة، ومشى فيما بين أهل البصرة وأهلِ مصر زياد بن النَّضْر، وعبدالله
ابن الأصَمّ ليكشفوا خبرَ المدينة، فدخلا فلقيا أزواجَ النَّبِيِّ وَّةِ،
وطلحةَ، والزُّبَيْرَ، وعليّاً، فقالا: إنّما نَؤُمُّ هذا البيتَ، ونستعفي من
بعض عُمَّالنا، واستأذنوهم للنّاس بالدخول، فكلُّهم أَبَى ونَهَى، فرجعا.
فاجتمع من أهلِ مصرَ نفرٌ فأتوا عليّاً، ومن أهلِ البصرة نفرٌ فأتوا طلحة،
ومن أهل الكوفة نفرٌ فأتوا الزبير، وقال كلُّ فريقٍ منهم: إنْ بايعنا صاحِبَنا
وإلّ كِدْناهم وفرَّقْنا جماعَتهم، ثمّ كَرَرْنا حتَّى نَبْغَتَهُم.
فأتى المصريُّون عليّاً وهو في عسكرٍ عند أحجار الزَّيت، وقد سرَّح
(١) قيّده ابن حجر في التبصير ٤٤٦ .
(٢) حدث هنا بعض اضطراب في النسخ، فقد جاء في بعضها: ((وأما أهل البصرة
فكانوا يشتهون الزبير، وأما أهل الكوفة فكانوا يشتهون طلحة)). وما ذكرنا في
أعلاه ذكره الطبري (٣٤٩/٤) وهي رواية سيف، عن أشياخه، وكذلك نقلها
على الصواب ابن كثير في البداية ٧/ ١٨١ وغيره.
١٩٢

ابنَه الحَسَنَ إلى عثمانَ فيمن اجتمعَ إليه، فسلَّم على عليٍّ المصريُّون،
وعرضوا له، فصاحَ بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصّالحون أنَّكم
ملعونون، فارجِعُوا لا صَحِبَكُم اللهُ، فانصرفوا، وفعل طلْحةُ والزُّبَيْرُ نحوَ
ذلك.
فذهب القوم وأظهروا أنَّهم راجعونَ إلى بلادهم، فذهب أهلُ
المدينة إلى منازلهم، فلمَّا ذهَب القومُ إلى عساكرهم كَرُوا بهم، وبغتوا
أهلَ المدينة ودخلوها، وضجُّوا بالتّكبير، ونزلوا في مواضع عساكرهم،
وأحاطوا، بعثمان وقالوا: من كفَّ يدَه فهو آمِن.
ولزِمَ النَّاسُ بيوتَهم، فأتى عليّ رضي الله عنه فقال: ما رَدَّكُم بعد
ذَهَابِكم؟ قالوا: وجدنا مع بريدٍ كتاباً بقَتْلنا. وقال الكوفيُّون والبصريُّون:
نحنُ نمنعُ إخواننا وننصرهم. فعلم النَّاسُ أنَّ ذلك مكرٌ مِنهم.
وكتب عثمان إلى أهلِ الأمصار يستمدُّهم، فساروا إليه على الصَّعْب
والذَّلُول، وبعث معاويةُ إليه حبيبَ بن مَسْلَمَة، وبعث ابنُ أبي سَرْح
معاويةَ بن حُدَيْج وسار إليه من الكوفة القَعْقاع بن عَمْرو.
فلمَّا كان يوم الجمعة صلَّى عثمانُ بالنَّاس وخطب فقال: يا هؤلاء
الغُزَّاء اللَ اللهَ، فَوَاللهِ إنّ أهل المدينة لَيَعْلَمَونَ أنّكم ملعونون على لسان
محمد بَّ، فامْحُوا الخطأّ بالصَّواب، فإنَّ الله لا يمحو السَّيِّءَ إلّ
بالحَسَن. فقام محمدُ بن مَسْلَمَة، فقال: أنا أشهدُ بذلك، فاقعده حُكَيْم
ابن جَبَلَة، فقام زيد بن ثابت فقال: ابْغِني الكتابَ. فثار إليه من ناحيةٍ
أخرى محمد بن أبي قُتَيْرَة فأقعده وتكلّم فأفظَع، وثار القومُ بأجمعهم،
فحصبوا النَّاسَ حتّى أخرجوهم، وحَصَبُوا عثمانَ حتَّى صُرِعٍ عن المنبر
مَغْشِيَّاً عليه، فاحتُمِل وأُدْخِلِ الدَّار.
وكان المصريُّون لا يطمعونَ في أحدٍ من أهلِ المدينة أنْ يَنْصُرَهم
١٩٣

إلّ ثلاثة، فإنّهم كانوا يُراسلونهم، وهم: محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق،
ومحمد بن جعفر، وعمّار بن ياسر.
قال: واستقتل أُناس: منهم زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وسعد بن
مالك، والحسن بن عليٍّ، ونهضوا لنُصْرَة عثمان، فبعث إليهم يعزمُ
عليهم لما انصرفوا، فانصرفوا، وأقبل عليٍّ حتَّى دخلَ على عثمانَ هو
وطلْحَة والزُّبَيْرِ يعودونه من صَرْعَتِه، ثم رجعوا إلى منازلهم.
وقال عَمْرو بن دينار، عن جابر، قال: بَعَثَنَا عثمانُ خمسين راكباً،
وعلينا محمدُ بن مَسْلَمَة حتّى أتينا ذا خُشُب، فإذا رجلٌ مُعَلِّقُ المُصْحَفَ
في عُنُقُه، وعيناه تَذْرِفان، والسيفُ بيده وهو يقول: ألا إنَّ هذا - يعني
المُصْحَف - يأمرنا أنْ نضربَ بهذا، يعني السيف، على ما في هذا، يعني
المُصْحَف، فقال محمد بن مَسْلَمَة: اجلس فقد ضربنا بهذا على ما في
هذا قبلكَ، فجلسَ فلم يزل يكلِّمهم حتَّى رجعوا.
وقال الواقديُّ(١) : حدّثني ابن جُرَيْج، وغيرُه، عن عَمْرو، عن
جابر، أنَّ المصريِّينَ لما أقبلوا يريدون عثمانَ دعا عثمانُ محمدَ بنَ
مَسْلَمَة، فقال: اخْرُجْ إليهم فاردُدْهم وأعْطِهم الرِّضا، وكان رؤساؤهم
أربعة: عبدالرحمن بن عُدَيْس، وسُودان بن حُمران، وعَمْرو بن الحَمِقِ
الخُزَاعِيّ، وابن البياعِ، فأتاهم ابن مَسْلَمَة، فلم يزل بهم حتَّى رجعوا،
فلمّا كانوا بالبُوَيْب (٢) رأوا جَمَلاً عليه مِيسم الصَّدَقَة، فأخذوه، فإذا
غلامٌ لعثمان، ففتّشوا متاعه، فوجدوا قَصَبَةً من رصاص، فيها كتابٌ في
جوف الإدارة في الماء: إلى عبدالله بن سعد بن أبي سَرْح أن أفعلْ بفُلانٍ
كذا، وبفُلانٍ كذا، من القومِ الذين شرعوا في قتلٍ عثمان، فرجع القوم
(١) طبقات ابن سعد ٦٥/٣.
(٢) هو مدخل أهل الحجاز إلى مصر.
١٩٤

ثانيةٌ ونازلوا عثمان وحصروه(١).
قال الواقديُّ(٢): فحذَّثني عبد الله بن الحارث، عن أبيه، قال: أنكر
عثمانُ أنْ يكونَ كتب ذلك الكتاب وقال: فُعِل ذلك بلا أمري.
وقال أبو نَضْرَةِ(٣) ، عن أبي سعيد مولى أبي أُسَيْد، فذكر طَرَفاً من
الحديث، إلى أنْ قال: ثم رجعوا راضين، فبينما هم بالطَّريق ظفروا
برسولٍ إلى عاملِ مصرَ أنْ يُصَلِّبهم ويفعل ويفعل، فردُّوا إلى المدينة،
فأتوا عليّاً فقالوا: ألم تَرَ إلى عدوِّ الله، فَقُمْ معنا. قال: واللهِ لا أقومُ
معكم. قالوا: فلِمَ كتبتَ إلينا؟ قال: واللهِ ما كتبتُ إليكم. فنظر بعضُهم
إلى بعض. وخرج عليٍّ من المدينة، فانطلقوا إلى عثمان، فقالوا:
أكَتَبْتَ فينا بكذا؟ فقال: إنَّما هما اثنان، تُقِيمون رجُلَين من المسلمين -
يعني شاهدَيْن -، أو يميني باللهِ الذي لا إله إلّ هو ما كتبتُ ولا عِلِمْتُ،
وقد يُكْتَبُ الكتابُ على لسانِ الرجلِ ويُنْقَشُ الخاتم على الخاتم.
فقالوا: قد أَحَلَّ اللهُ دَمَك، ونُقِضَ العهدُ والميثاق. وحصروه في
القصر.
وقال ابن سيرين(٤) : إنَّ عثمان بعث إليهم عليّاً، فقال: تُعْطَوْنَ
كتابَ الله وتُعَتَّبُون من كلِّ ما سخِطْتُم. فأقبل معه ناسٌ من وجوههم،
فاصطلحوا على خمس: على أنَّ المَنْفِيَّ يُقْلب، والمحروم يُعْطَى،
ويوفّر الفَيْء، ويُعْدَلَ في القَسْم، ويُسْتَعْمَلُ ذو الأمانةِ والقوّة، كتبوا
ذلك في كتاب، وأن يردُّوا ابنَ عامر إلى البصرة وأبا موسى إلى
الكوفة .
(١) طبقات ابن سعد ٦٥/٣.
(٢) طبقات ابن سعد ٦٥/٣.
تاريخ خليفة ١٦٨- ١٦٩ .
(٣)
تاريخ خليفة ١٦٩ - ١٧٠ .
(٤)
١٩٥

وقال أبو الأشهب، عن الحَسَن، قال: لقد رأيتهم تحاصبوا في
المسجد حتَّى ما أبصر السّماء، وإنَّ رجلاً رفع مُصْحَفاً من حُجُرات النَّبيِّ
وَلَ ثُمَّ نادى: ألم تعلموا أنّ محمداً قد برىء مِمَّنْ فرَّقُوا دِينَهم وكانوا
شِيَعاً (١).
وقال سلّم: سمعت الحَسَن، قال: خرج عثمان يوم الجمعة، فقام
إليه رجلٌ، فقال: أسألك كتابَ الله. فقال: ويُحَك، أليس معك كتابُ
الله! قال: ثمّ جاء رجلٌ آخر فنهاه، وقام آخر، وآخر، حتّى كَثُرُوا، ثمّ
تحاصبوا حتَّى لم أرَ أديمَ السَّماء.
وروى بِشْر بن شَغَاف، عن عبدالله بن سلام، قال: بينما عثمان
يخطُب، فقام رجلٌ فنال منه، فَوَذَأْتُه فاتَّذَأْ، فقال رجل: لا يمنعك مكان
ابن سلام أنْ تسبَّ نَعْثَلاً، فإنَّه من شيعته، فقلتُ له: لقد قلتَ القولَ
العظيم في الخليفة من بعد نوح.
وَذَأْتُه: زَجَرْتُه وقمعتُه. وقالوا لعثمان (نَعْثَلاً)) تشبيهاً له برجلٍ
مصريّ اسمه نَعْثَل كان طويل اللّحْية. والنَّعْثَل: الذَّكَر من الضِّباع، وكان
عمر يُشَبَّه بنُوحٍ في الشِّدَّة.
وقال ابن عمر: بينما عثمان يخطبُ إذْ قام إليه جَهْجَاه الغفاريُّ،
فأخذ من يده العصا فكسرها على رُكْبَتَه، فدخلت منها شظِيَّةٌ في رُكْبته،
فوقعت فيها الأَكِلَة .
وقال غيره: ثمّ إنَّهم أحاطوا بالدَّار وحصروه، فقال سعد بن
إبراهيم(٢) ، عن أبيه: سمعتُ عثمانَ يقول: إنْ وجدتم في الحقِّ أنْ
تضعوا رِجْلَيَّ في القيود فضَعُوهما.
(١) وانظر تاريخ الطبري ٤ /٣٦٤.
(٢) طبقات ابن سعد ٣/ ٧٠.
١٩٦

وقال ثُمامة بن حَزْن القُشَيْرِيُّ: شهِدتُ الدّارَ وأشرف عليهم عثمان،
فقال: ائتوني بصاحبَيْكُم اللَّذَيّنِ أَلَّبَاكُم. فَدُعِيًا له، كأنَّهما جملان أو
حماران، فقال: انْشُدُكما اللهَ أتعلمون أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قدِم المدينةَ
وليس فيها ماءٌ عَذْبٌ غير بئر رومة، فقال: ((مَن يشتريها فيكون دَلْوُه
كدِلاء المسلمين، وله في الجنّة خيرٌ منها)) فاشتريتُها، وأنتم اليوم
تمنعوني أنْ أشرب منها حتّى أشرب من الماء المالح؟ قالا: اللَّهُمَّ نعم.
قال: أنشُدُكُما اللهَ والإسلامَ، هل تعلمون أنَّ المسجدَ ضاق بأهله، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ يشتري بُقْعَةً بخير له منها في الجنَّة))، فاشتريتُها
وزِدْتُها في المسجد، وأنتم تمنعوني اليوم أنْ أصلِّيَ فيها؟ قالا: اللَّهُمَّ
نعم. قال: أنشُدُكما اللهَ، هل تعلمون أنَّ رسولَ الله وَّرَ كان على ثَبِير
مَكَّة، فتحرَّك وعليه أبو بكر وعمر وأنا، فقال: ((اسْكُنْ فليس عليك إلّ
نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان))؟ قالا: اللَّهُمَّ نعم، فقال: الله أكبر شهِدا وربِّ
الكعبة أنِّي شهيد.
ورواه أبو سَلَمَة بن عبدالرحمن بنحْوه، وزاد فيه أنَّه جَهَّزَ جيشَ
العُسْرَة. ثم قال: ولكنْ طال عليكم أمري فاستعجلتم، وأردتم خلع
سِرْبالٍ سَرْبَلَنِيه اللهُ، وإنِّي لا أخلعه حتّى أموتَ أو أُقْتَل.
وعن ابن عمر (١) ، قال: فأشرف عليهم وقال: عَلَمَ تقتلونني؟ فإنَّ
رسولَ اللهِوَ ◌ّه قال: «لا يحلُّ دمُ امريٍ مسلم إلّ بإحدى ثلاث: كُفْرٌ بعدَ
إسلام، أو رجل زَنَى بعد إحصانٍ، أو رجلٌ قتل نفساً)»، فَوَاللهِ ما زنيتُ
في جاهليّةٍ ولا إسلام، ولا قتلتُ رجلاً ولا كفرت.
قال أبو أُمَامَة بن سهل بن حنيف(٢): إنِّي لَمَعَ عثمان وهو
(١) طبقات ابن سعد ٦٩/٣.
(٢) طبقات ابن سعد ٣/ ٦٧.
١٩٧

محصور، فكنّا ندخُل إليه مَدْخلاً - إذا دَخَلَ إليه الرجلُ - سَمِعَ كلامَ مَن
على البلاط، فدخل يوماً فيه وخرج إلينا وهو متغيِّرُ اللَّوْنِ فقال: إنّهم
يتوعَّدوني بالقَتْلِ، فقلنا: يَكْفِيكَهُمُ اللهُ.
وقال سهل السَّرَّاج، عن الحَسَن، قال عثمان: لَئِنْ قَتلوني لا يقاتلون
عدوّاً جميعاً أبداً، ولا يقتسمون فَيْئاً جميعاً أبداً، ولا يُصَلُّون جميعاً
أبداً.
وقال مثلَه عبدالملك بن أبي سُلَيمان، عن أبي ليلى الكِنْدِيّ (١)،
وزاد فيه: ثمّ أرسل إلى عبدالله بن سلام فقال: ما ترى؟ فقال: الكَفّ
الكَفّ، فإنَّه أبلغُ لكَ في الحُجَّة. فدخلوا عليه فقتلوه وهو صائمٌ رضيَ
الله عنه وأرضاه.
وقال الحسن(٢): حدَّثني وثَّاب، قال: بعثني عثمان، فدعوتُ له
الأشترَ، فقال: ما يريدُ النَّاس؟ قال: إحدى ثلاث: يُخَيِّرُونك بين
الخلع، وبين أنْ تقتصَّ من نفسك، فإنْ أبيتَ فإنَّهم قاتِلُوك. فقال: ما
كنتُ لأَخِلَعَ سِرْبالاً سَرْبَلَنِيهُ اللهُ، وبَدَني ما يقومُ لِقصاص.
وقال حُمَيْد بن هلال: حدثنا عبد الله بن مُغَفَّل، قال: كان عبدالله بن
سلام يجيءُ من أرضٍ له على حمارٍ يوم الجمعة، فلما هاجوا بعثمان
قال: يا أيُّها النَّاسُ لا تقتلوا عثمان، واسْتَعْتِبُوه، فَوَالذي نفسي بيده ما
قَتَلَتْ أمَّةٌ نبيَّها فصلُحَ ذاتُ بَيْنِهِم حتّى يُهْرِيقُوا دمَ سبعينَ ألفاً، وما قَتَلَتْ
امَّةٌ خليفتَها فيُصْلِحُ اللهُ بينهم حتَّى يُهْرِيقُوا دمَ أربعين ألفاً، وما هلكت
أمّةٌ حتّى يرفعوا القرآنَ على السلطان. قال: فلم ينظروا فيما قال،
وقتلوه، فجلس على طريقِ عليٍّ بن أبي طالب، فقال له: لا تأتِ العراقَ
(١) طبقات ابن سعد ٣/ ٧١.
(٢) تاريخ خليفة ١٧٠ .
١٩٨

والزَمْ منبرَ رسولِ اللهِوَّ، فَوَالذي نفسي بيده لئن تركْتَهُ لا تراه أبداً.
فقال مَنْ حول عليٍّ: دَعْنَا نقتله. قال: دعوا عبدالله بن سلام، فإنَّه رجلٌ
صالح.
قال عبدالله بن مُغَفَّل: كنت استأمرتُ عبدَالله بن سلام في أرضٍ
أشتريها، فقال بعد ذلك: هذه رأس أربعين سنة، وسيكون بعدها صُلْح
فاشْتَرِها. قيل لحُمَيْد بن هلال: كيف ترفعون القرآنَ على السُّلطان؟
قال: ألم تَرَ إلى الخوارج كيف يتأوَّلُون القرآنَ على السُّلطان؟
ودخل ابن عمر على عثمان وهو محصور، فقال: ما ترى؟ قال:
أرى أنْ تُعْطِيهم ما سألوكَ من وراء عَتَبَة بابِك غير أنْ لا تَخْلَع نفسَك.
فقال: دونك عَطاءَك - وكان واجداً عليه - فقال: ليس هذا يوم ذاك. ثمّ
خرج ابنُ عمر إليهم فقال: إيَّكم وقَتْلَ هذا الشيخ، والله لئن قتلتموه لم
تحجُّوا البيتَ جميعاً أبداً، ولم تجاهدوا عدوَّكم جميعاً أبداً، ولم
تقتسموا فَيُئكم جميعاً أبداً إلّا أنْ تجتمع الأجسادُ والأهواءُ مختلفة،
ولقد رأيتنا وأصحاب رسولِ اللهِ نَّ متوافِرون نقول: أبو بكر، ثُمَّ عمر،
ثُمَّ عثمان. رواه عاصم بن محمد العُمَرِيّ، عن أبيه، عن ابن عمر .
وعن أبي جعفر القارئ(١) ، قال: كان المصريُّون الذين حصروا
عثمان ست مئة: رأسهم كِنَانة بن بِشْر، وابن عُدَيْس البَلَوِيُّ، وعَمْرو بن
الحَمِقِ، والّذين قدِمُوا من الكوفة مئتين، رأسهم الأشتر النَّخَعِيّ،
والّذين قدِموا من البصْرة مئة، رأسهم حُكَيْم بن جَبَلَة، وكانوا يداَ واحدة
في الشَّرِّ، وكانت حُثَالَةٌ من النّاس قد ضَوَوْا إليهم، وكان أصحابُ النَّبِيِّ
وَلَ﴿ الذين خذلوه كرِهُوا الفتنةَ وظَنُوا أنَّ الأمرَ لا يبلغ قتْلَه، فلمّا قُثِل
ندِموا على ما ضيَّعوا في أمره، ولَعَمْرِي لو قاموا أو قام بعضُهم فحثا في
(١) طبقات ابن سعد ٣/ ٧١.
١٩٩

وجوهِ أولئك التُّرابَ لانْصَرَفُوا خاسئين.
وقال الزُّبَير بن بكَّار: حدَّثني محمد بن الحسن، قال: لمّا كثُر
الطَّعْنُ على عثمان تَنخَّى عليٍّ إلى ماله بيَنْبُع، فكتب إليه عثمان: أمَّا بعد
فقد بلغ الحزامُ الطُّبْبَيْن، وخَلَّف السَّيْلُ الزُّبى، وبلغ الأمرُ فوقَ قدْره،
وطمع في الأمر مَنْ لا يدفع عن نفسه :
وإلّ فأدْرِكْني ولَمَّا أُمَزَّقِ
فإنْ كنتَ مأكولاً فكُنْ خير آكلٍ
والبيت الشاعر من عبدالقَيْس.
الطَّبِي: مَوْضِعُ الثَّدي من الخَيْلِ.
وقال محمد بن جُبَيْر بن مُطْعم: لمّا حُصر عثمان أرسل إلى عليٍّ :
إنَّ ابنَ عمِّك مقتول، وإنّك مسلوبٌ.
وعن أبان بن عثمان، قال: لمّا أَلَخُوا على عثمان بالرَّمْي، خرجتُ
حتَّى أتيتُ عليّاً فقلت: يا عمّ أهْلَكَتنا الحجارةُ. فقام معي، فلم يزل
يرمي حتَّى فَتَرَ مَنْكِبُهُ، ثم قال: يا ابن أخي، اجمع حَشَمَك، ثمّ يكون
هذا شأنُك .
وقال حبيب بن أبي ثابت(١) ، عن أبي جعفر محمد بن عليٍّ: إنَّ
عثمانَ بعث إلى عليٍّ يدعوه وهو محصور، فأراد أنْ يأتيه، فتعلَّقوا به
ومنعوه، فحسر عمامةً سوداء عن رأسه وقال: اللَّهُمَّ لا أرضى قَتْلَه ولا
آمُرُ به.
وعن أبي إدريس الخَوْلاني، قال: أرسل عثمان إلى سعد، فأتاه،
فكلَّمه، فقال له سعد: أرسِلْ إلى عليٍّ، فإنْ أتاك ورضيَ صَلُح الأمرُ.
قال: فأنتَ رسولي إليه، فأتاه، فقام معه عليٌّ، فمرَّ بمالك الأشتر، فقال
الأشتر لأصحابه: أين يريد هذا؟ قالوا: يريد عثمان، فقال: واللهِ لِئِنْ
(١) طبقات ابن سعد ٦٨/٣.
٢٠٠