Indexed OCR Text

Pages 121-140

وقال أبو عُبَيْدة بن المُثَنَّى: فيها حاصر هرِم بن حيَّان أهلَ
دَسْتَ هِرّ، فرأى ملكُهُم امرأةً تأكل ولَدَها من الجوع، فقال: الآن
أُصالحُ العربَ، فصالحَ هَرِماً على أن خَلَّى لهم المدينة .
وفيها نزل النّاس الكوفةَ، وبناها سعد باللَّبِن، وكانوا بَنَوْها بالقَصَب
فوقع بها حريقٌ هائل .
وفيها كان طاعون عَمَواس بناحية الأُرْدُنّ، فاستُشْهِد فيه خلْقٌ من
المسلمين. ويقال: إنّه لم يقع بمكة ولا بالمدينة طاعون(١).
وفيها: افتتح أبو موسى الأشعري الرُّها وسُمَيْساط عَنْوةً.
وفي أوائلها: وجَّه أبو عُبَيْدة بن الجرَّاحِ عياضَ بنَ غَنْمِ الفِهْريّ إلى
الجزيرة، فوافق أبا موسى قد قَدِمَ من البَصْرةِ، فمضيا فافتتحا حَرَّان
ونَصِيبين وطائفة من الجزيرة عَنْوةً، وقيل: صُلْحاً.
وفيها: سار عياض بن غَنْم إلى المَوْصِل فافتتحها ونواحيها عَنْوةٌ.
وفيها: بنى سعد جامع الكوفة .
سنَة تِسِع عَشَرة
قال خليفة(٢): فيها فُتِحَت قيسارية، وأميرُ العسكر معاوية بن أبي
سُفيان وسعد بن عامر بن حِذْيَم، كلٌّ أميرٌ على جُنْدِهِ، فهزم اللهُ
المشركين وقتل منهم مَقْتَلَةً عظيمة، ورَّخَها ابن الكلبي. وأمَّا ابنُ
(١) ذكر المؤلف بعد هذا من توفي بهذا الطاعون، فترجم لأبي عبيدة، ومعاذ بن
جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس،
والحارث بن هشام بن المغيرة، فحذفناهم جملة، إذ ستأتي تراجمهم مفصلة
في الكتاب.
(٢) تاريخ خليفة ١٤١ .
١٢١

إسحاق فقال: سنة عشرين.
وفيها كانت وقعةُ صُهاب - بأرض فارس - في ذي الحجّة، وعلى
المسلمين الحَكَم بن أبي العاص، فقُتِلَ سَهْرَك(١) مُقَدَّم المشركين.
قال خليفة(٢): وفيها أسرت الرومُ عبدالله بن حُذَافة السَّهْميّ.
وقيل: فيها فُتِحَت تكريت.
ويقال: فيها كانت جلولاء، وهي وقعة أخرى كانت بالعجم أو
بفارس .
وفيها وجّه عمر عثمانَ بن أبي العاص إلى أرمينية الرابعة، فكان
عندها شيء من قتال، أصيب فيه: صفوان بن المعطّل بن رَحْضَة السُّلمي
الذَّكواني(٣).
وفيها: تُوُفِّي يزيد بن أبي سفيان في قولٍ، وقد تقدّم.
سنة عِشرين
[فتح مصر]
فيها فتحت مصر .
روى خليفة (٤) - عن غير واحد - وغيره أنَّ فيها كتب عمر إلى
(١) قيده المؤلف بالسين المهملة وصحح علامة الإهمال، وفي بعض المصادر:
شهرك .
(٢) تاريخه ١٤٢ .
(٣) حذفنا ترجمته هنا لأن المؤلف سيترجمه في هذا الكتاب. كما حذفنا ترجمة
أبي بن كعب للسبب نفسه.
(٤) تاريخ خليفة ١٤٢ .
١٢٢

عَمْرو بن العاص أنْ يسيرَ إلى مصر، فسار وبعث عمر الزُّبَيْر بنَ العوّام
مدداً له، ومعه بُشْر بن أرطاة، وعُمَيْر بن وهب الجُمحِيّ، وخارجة بن
حذافة العَدَوِيّ، حتى أتى باب أليون(١) فتحصّنوا، فافتتحها عَنْوةً
وصالحه أهلُ الحصن، وكان الزُّبَيْرِ أوّل من ارتقى سورَ المدينة ثمّ تبعهُ
النَّاسُ، فكلَّمَ الزُّبَيْر عمراً أنْ يقسمها بينَ مَنِ افتتحها، فكتب عَمْرو إلى
عمر، فكتب عمر: أكلةٌ، وأكلاتٌ خيرٌ من أكلة، أَقِرُّوها.
وعن عَمْرو بن العاص أنّه قال على المنبر: لقد قَعَدْتُ مقعدي هذا
وما لأحدٍ من قبط مصرَ عليَّ عهدٌ ولا عقْدٌ، إنْ شئت قتلتُ، وإنْ شئت
بعتُ، وإنْ شئت خمَّسْتُ إلّ أهل أنطابلس(٢) فإنَّ لهم عهداً نَفِي به .
وعن عُلَيّ بن رباح، قال: المغربُ كلُّه عَنْوة .
وعن ابن عمر، قال: افتُتحت مصرُ بغير عهدٍ. وكذا قال جماعة.
وقال يزيد بن أبي حبيب: مصر كلُّها صُلحٌ إلا الإسكندرية .
غزوة تُسْتَر
قال الوليد بن هشام القَحْذَميّ، عن أبيه وعمّه أنّ أبا موسى لمّا فرِغ
من الأهواز، ونهر تِيرَى، وجُنْدَيسابور، ورامَهُرْمُز، تَوَجَّه إلى تُسْتَر،
فنزل باب الشرقي، وكتب يستمدُّ عمرَ، فكتب إلى عمَّار بن ياسر أنْ
أمِدَّهُ، فكتب إلى جرير وهو بحُلوان أنْ سِرْ إلى أبي موسى، فسار في
ألفٍ فأقاموا شهراً (٣) ، ثمّ كتب أبو موسى إلى عمر: إنّهم لم يُغْنُوا
حصن بقرب الفسطاط بمصر القديمة .
(١)
(٢)
مدينة طرابلس في ليبيا .
(٣) هكذا بخط المؤلف، وفي تاريخ خليفة: ((أشهراً)).
١٢٣

شيئاً. فكتب عمر إلى عمّار أنْ سِرْ بنفسك، وأمَدَّه عمرُ من المدينة (١).
وعن عبدالرحمن بن أبي بكرة، قال(٢): أقاموا سنة أو نحوها،
فجاء رجلٌ من تُسْتَر فقال لأبي موسى: أسألك أنْ تحقنَ دمي وأهل بيتي
ومالي، على أنْ أدُلَّكَ على المدخل، فأعطاه، قال: فابْغِني إنساناً سابحاً
ذا عقلٍ يأتيك بأمر بيِّنٍ، فأرسل معه مَجْزَأة بن ثور السَّدُوسيّ، فَأُدخِلَ
من مدخل الماء ينبطح على بطنه أحياناً ويَحْبُوا حتى دخل المدينةَ وعرف
طُرُقَها، وأراه العِلْجُ الهُرْمُزَان صاحبَها، فَهَمَّ بقتْلُه ثمَّ ذكر قولَ أبي
موسى: ((لا تسبقني بأمرٍ)) ورجع إلى أبي موسى، ثمّ إنَّه دخل بخمسةٍ
وثلاثين رجلاً كأنّهم البطُّ يسبحون، وطلعوا إلى السُّور وكَبَّروا، واقتتلوا
هم ومَنْ عندهم على السُّور، فقُتِلَ مَجْزَأة وفتح أولئك البلد، فتحصَّن
الهُرْمُزان في بُرْج.
وقال قَتَادة، عن أنَس: لم نُصَلِّ يومئذِ الغَدَاة حتى انتصفَ النَّهارُ فما
يسُرُّني بتلك الصَّلاة الدنيا كلها .
وقال ابن سيرين: قُتِلَ يومئذٍ البراءُ بن مالك.
وقيل: أوَّلُ مَنْ دخل تُسْتُر عبدُالله بنُ مُغَفَّل المُزَنِيُّ.
وعن الحَسن، قال: حُوصرت تُشْتَر سنتين.
وعن الشَّعْبِيِّ، قال: حاصرهم أبو موسى ثمانية عشر شهراً، ثُمَّ نزل
الهُرْمُزان علی حُكم عمر.
فقال حُمَيْد، عن أنَس: نزل الهُرْمُزان على حُكم عمر. فلما انتهينا
إليه - يعني إلى عمر - بالهُرْمُزان قال: تَكَلَّمْ، قال: كلام حَيٍّ أو كلام
(١) تاريخ خليفة ١٤٤- ١٤٥ .
(٢) نفسه ١٤٥.
١٢٤

ميِّتٍ؟ قال: تكلّم فلا بأس، قال: إنَّا وإِيَّكم معشرَ العربِ ما خلّى الله
بيننا وبينكم، كُنَّا نغصِبُّكُم ونقتلكم ونفعل، فلما كان اللهُ معكم لم تَكُنْ
لنا بكم يدان. قال: يا أنَس ما تقول؟ قلت: يا أميرَ المؤمنين تركت
بعدي عدداً كثيراً وشوكة شديدة، فإنْ تقتُلُهُ بَيْأس القومُ من الحياة ويكون
أشدّ لشَوْكتهم، قال: فأنا أستحيي قاتل البراء ومجْزأة بن ثور!؟ فلمّا
أحسست بقتله قلت: ليس إلى قتلِه سبيلٌ، قد قلتَ له: تكلّم فلا بأس،
قال: لَتَأْتِينّي بمن يشهد به غيرك، فلقيت الزُّبَيْرِ فشهد معي، فأمسك عنه
عمر، وأسلم الهُرْمزان، وفَرَضَ له عمر، وأقام بالمدينة .
وفيها هلك هِرَقْلُ عظيمُ الروم، وهو الذي كتب إليه النَّبِيُّ ◌َّل يدعوه
إلى الإسلام، وقام بعده ابنُه قُسْطَنْطِين .
وفيها قَسَمَ عمر خَيْبَر وأجلى عنها اليهود، وقَسَم وادي القُرَى،
وأجلى يهود نَجْران إلى الكوفة. قاله محمد بن جرير الطَّريّ(١).
سنة إحدى وعشرين
قيل: فيها فتح عَمْرو بن العاص الإسكندرية. وقد مرَّتْ.
وفيها شكا أهلُ الكوفة سعدَ بنَ أبي وقّاص وتعتَّتُّوه، فصرفه عمر
وولّى عمّار بن ياسر على الصَّلاة، وابنَ مسعودٍ على بيت المال،
وعثمانَ بنَ حُنَيّف على مساحة أرض السّواد.
وفيها سار عثمان بن أبي العاص فنزل تَوَّج(٢) ومَصَّرَها.
(١) تاريخه ١١٢/٤. وقد حذفنا وفيات السنة لوجودها في الكتاب.
(٢) مدينة بفارس قريبة من كازرون.
١٢٥

وبعث سوار بن المُثَنَّى العبديّ إلى سابور، فاستُشْهِدَ، فأغار عثمان
ابن أبي العاص على سِيف البحر والسَّواحل، وبعثَ الجارودَ بن المُعَلَّى
فَقُتِلَ الجارود أيضاً.
عن المُفَضَّل بن فضالة، عن عيّاش بن عبّاس القِتْبانيّ، وعن غير
واحدٍ أنّ عَمْراً سار من فلسطين بالجيش من غير أمر عُمَر إلى مصر
فافتتحها، فعتب عمرُ عليه إذ لم يُعْلِمْه، فكتب يستأذنُ عمرَ بمناهضةٍ
أهلِ الإسكندرية، فسار عَمْرو في سنة إحدى وعشرين، وخلّف على
الفُسْطاط خارجة بنَ حُذافة العدويّ، فالتقى القبطَ فهزمهم بعد قتالٍ
شديد، ثمّ التقاهم عند الكِرْيَوْن(١) فقاتلوا قتالاً شديداً، ثم انتهى إلى
الإسكندرية، فارسلَ إليه المُقَوْقِس يطلبُ الصُّلِحَ والهدنةَ منه، فأبى
عليه، ثم جَدَّ في القتال حتى دخلها بالسيف، وغنم ما فيها من الروم،
وجعل فيها عسكراً عليهم عبدالله بن حُذافة السَّهْميّ، وبعث إلى عمر
بالفتح، وبلغ الخبرُ قسطنطين بن هِرْقَل فبعث خَصِيّاً له يقال له منْوِيل في
ثلاث مئة مركب حتى دخلوا الإسكندرية، فقتلوا بها المسلمين ونجا مَنْ
هرب، ونقض أهلها، فزحف إليها عَمْرو في خمسةَ عشر ألفاً، ونصبَ
عليها المجانيق، وجدَّ في القتال حتى فتحها عَنْوةً، وخرّب جُدُرُّها.
رُؤَّي عَمْرو يخرّب بيده. رواه حمَّاد بن سَلَمَة، عن أبي عمران، عن
عَلْقَمَة .
نهاوند
وقال النّاس بن قَهْم، عن القاسم بن عَوْف الشَّيْباني، عن السّائب
ابن الأقرع، قال: زحف للمسلمين زحْفٌ لم يُرَ مثله قطّ، زحف لهم
(١) اسم موضع بالقرب من الإسكندرية بمصر.
١٢٦

أهلُ ماه وأهلُ أصبهان وأهل هَمَذان والرّيّ وَقُومِس ونِهَاوَنْد وأذْرَبَيْجان،
قال: فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فشاور المسلمين، فقال عليٍّ رضي
الله عنه: أنت أفضلنا رأياً وأعلمُنا بأهلك. فقال: لأستعملنَّ على النَّاس
رجلاً يكون لأوّل أسِنَّةٍ يلقاها، يا سائب اذهب بكتابي هذا إلى التُّعمان
ابن مُقَرِّن، فلْيَسِرْ بُثُلُثَيْ أهلِ الكوفة، ولْيبعَثْ إلى أهلِ البصرة، وأنتَ
على ما أصابوا من غنيمة، فإنْ قُتِلَ النُّعمان فحُذَيفة الأمير، فإنْ قِتِلَ
حُذَيفة فجرير بن عبدالله، فإنْ قُتِلَ ذلك الجيش فلا أراك.
وروى عَلْقَمَة بن عبد الله المُزَنيّ، عن مَعْقِل بن يَسار أنّ عمر شاور
الهُرْمُزان في أصبهان وفارس وأذْرَبَيْجان فأيَّتهنَّ يبدأ، فقال: يا أميرَ
المؤمنين أصبهانُ الرأس، وفارس وأذْرَبَيْجان الجناحان، فإنْ قَطَعْتَ
أحدَ الجَنَاحَيْن مالَ الرأسُ بالجناح الآخر، وإنْ قَطَعْتَ الرأسَ وقع
الجناحان، فدخل عمر المسجد فوجد النُّعمان بن مُقَرِّن يصلِّي فسَرَّحه
وسرَّح معه الزُّبَيْر بن العَوَّام، وحُذَيْفَة بن اليَمَان، والمُغِيرَة بن شُعْبَة،
وعَمْرو بن مَعْدِ يكرِب، والأشعث بن قيس، وعبدالله بن عمر، فسار
حتَى أتى نَهَاوَنْد، فذكر الحديثَ إلى أنْ قال النُّعْمان لمّا التقى الجَمْعان:
إِنْ قُتِلْتُ فلا يَلْوِي عليَّ أحدٌ، وإنّي داعي الله بدعوةٍ فأمِّنُوا. ثمَّ دعا:
اللَّهُمَّ ارزُقْني الشّهادةَ بنصر المسلمين والفتْح عليهم، فأمَّن القومُ
وحملوا فكان الثُّعْمانُ أوَّلَ صريعٍ .
وروى خليفة(١) بإسنادٍ، قال: التقوا بنَهَا وَنْد يوم الأربعاء فانكشفت
مُجَنَبة المسلمين اليُمْنى شيئاً، ثم التقوا يوم الخميس فثبتت المَيْمَنَةُ
وانكشف أهلُ المَيْسَرة، ثم التقوا يومَ الجمعة فأقبل النُّعْمان يخطُبُهم
ويحُضُّهم على الحملة، ففتح الله عليهم.
(١) تاريخه ١٤٨.
١٢٧

وقال زياد الأعجم (١) : قَدِمَ علينا أبو موسى بكتابٍ عمرَ إلى عثمان
ابن أبي العاص: أمّا بعدُ، فإنّي قد أَمْدَدْتُك بأبي موسى، وأنتَ الأمير
فتطاوَعَا والسّلام. فلمّا طال حصار إصْطَخْر بعث عثمان بن أبي العاص
عدّة أمراء فأغاروا على الرَّساتيق.
وقال ابن جرير(٢) في وقعة نَهَاوَنْد: لمّا انتهى الثُّعْمان إلى نَهَاوَنْد
في جيشه طرحوا له حَسَك الحديد، فبعث عيوناً فساروا لا يعلمون،
فزجر بعضُهم فَرَسَه وقد دخل في حافره حَسَكةٌ، فلم يبرح، فنزل فإذا
الحَسَك، فأقبل بها، وأخبر الثُّعْمان، فقال النُّعْمان: ما تَرَوْن؟ فقالوا:
تقهقر حتَّى يروا أنّك هاربٌ فيخرجوا في طلبك، فتأخَّرَ الثُّعْمانُ،
وكَنَسَت الأعاجمُ الحَسَك وخرجوا، فعطف عليهم الثُّعْمانُ وعبَّأ كتائبه
وخطب النَّاس، وقال: إنْ أُصِبْتُ فعليكم حُذيفة، فإنْ أُصِيبَ فعليكم
جرير البَجَليُّ، وإِنْ أُصِيب فعليكم قيس بن مكشوح، فوجد المُغيرةُ في
نفسه إذا لم يستخلفْه، قال: وخرجت الأعاجمُ وقد شَدُّوا أنفُسَهم في
السلاسل لئلّ يفرُّوا، وحملَ عليهم المسلمون، فرُمي النُّعْمانُ بسهم
فقُتِل، ولفَّه أخوه سُوَيْد بن مُقَرّن في ثوبه وكتم قتْلَه حتّى فتحَ اللهُ
عليهم، ودفع الراية إلى حُذَيْفة .
وقتل الله ذا الحاجب، يعني مقدّمَهم، وافتُتِحت نَهَاوَنْد، ولم يكن
للأعاجم بعد ذلك جماعة.
وبعث عمر السَّائبَ بنَ الأقرع مَوْلى ثقيف - وكان كاتباً حاسباً -،
فقال: إنْ فتح اللهُ على النّاس فاقْسِم عليهم فَيْثَهم واعْزِلِ الخُمْسَ. قال
السّائب: فإنّي لأقْسِم بين النّاس إذ جاءني أعجميٌّ، فقال: أتُؤَّمِّنَنِي على
(١) نفسه ١٥٠.
(٢) تاريخ الطبري ٤ /١١٥ - ١١٧.
١٢٨

نفسي وأهلي على أنْ أدُلَّكَ على كنزٍ يَزْدَجِرْد يكون لك ولصاحبك؟
قلت: نعم، وبعثت معه رجلاً، فأتى بسَفَطَيْن عظيمين ليس فيهما إلّ
الدُّرّ والزَّبَرْجَد واليواقيت، قال: فاحتملتُهما معي، وقدِمْتُ على عمر
بهما، فقال: أَدْخِلْهُما بيتَ المال، ففعلتُ ورجعت إلى الكوفة سريعاً،
فما أدركني رسولُ عمر إلّ بالكوفة، أناخ بعيره على عُرْقُوب بَعِيري،
فقال: الْحَقْ بأمير المؤمنين، فرجعتُ حتَّى أتيتُه، فقال: ما لي ولابنٍ أُمّ
السّائب، وما لابنٍ أُمّ السّائب ولي، قلتُ: وما ذاك؟ قال: واللهِ ما هو
إلّ أنْ نمتُ، فباتتْ ملائكةٌ تسحبني إلى ذَيْنِك السَّفَطَيْن يشتعلان ناراً
يقولون: ((لَنَكْوِيَنَّك بهما))، فأقول: ((إنِّي سأقسِمُهما بين المسلمين))،
فخُذْهُما عَنِّي لا أبَالَكَ فالْحَقْ بهما فِعْهُما في أُعْطِية المسلمين
وأرزاقهم، قال: فخرجتُ بهما حتّى وضَعْتُهما في مسجد الكوفة،
وغَشِيني الثُّجَّار، فابتاعهما منّي عَمْرو بن حُرَيث بألفَيْ ألف دِرْهَم، ثم
خرج بهما إلى أرض العجم فباعهما بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثرَ
أهلِ الكوفة مالاً .
وفيها سار عَمْرو بن العاص إلى بَرْقَة فافتتحها، وصالحهم على
ثلاثة عشر ألف دينار.
وفيها صالح أبو هاشم بن عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس على أنطاكية
وملقية(١)، وغير ذلك. وأبو هاشم من مسلمةِ الفتح، حسُن إِسْلامُه،
وله حديثٌ في سُنَن النسائيِّ وغيرها (٢). روى عنه: أبو هريرة، وسَمُرَة
ابن سَهْم ، وهو خال معاوية. شهِد فتوحَ الشَّام.
(١) هكذا بخط المؤلف مجودة، ولعلها ((ملقونية)) التي ذكرها ياقوت في معجمه،
وقال: ((بلد من بلاد الروم قريب من قونية)) (٦٣٦/٤).
(٢) النسائي ٢١٨/٨، وهو عند أحمد ٤٤٤/٣، والترمذي (٢٣٢٧)، وابن ماجة
(٤١٠٣).
١٢٩

سنَة اثنتَيْن وعِشرين
فيها فُتِحت أذْرَبَيْجَان على يد المُغيرة بن شعبة، قاله ابن
إسحاق(١) ، فيقال: إنَّه صالحهم على ثمان مئة ألف درهم.
وقال أبو عُبَيْدة(٢): افتتحها حبيبُ بن مَسْلَمَة الفِهْرِيُّ بأهل الشام
عَنْوةً ومعه أهلُ الكوفة، وفيهم حُذَيْفة، فافتتحها بعد قتالٍ شديد. فالله
أعلم.
وفيها غزا حُذَيْفة مدينةَ الدِّينَوَر فافتتحها عنوةً، وقد كانت فُتِحت
لسعد ثم انتقضت.
ثم غزا حُذَيْفة ماه سندان فافتتحها عَنْوةً، على خُلْفٍ في ماه،
وقيل: افتتحها سعدٌ، فانتقضوا.
وقال طارق بن شهاب: غزا أهلُ البصرة ماه فأمدَّهم أهلُ الكوفة،
عليهم عمَّارُ بن ياسر، فأرادوا أن يُشْرَكوا في الغنائم، فأبى أهلُ البصرة،
ثم كتب إليهم عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة .
وقال أبو عُبَيْدة: ثم غزا حُذَيْفة هَمِذَان، فافتتحها عَنْوةً ولم تكن
فُتِحَت. وإليها انتهى فتوح حُذَيْفة. وكلُّ هذا في سنة اثنتين.
قال: ويقال هَمَذان افتتحها المُغيرة بنُ شُعبة سنة أربع وعشرين،
ويقال: افتتحها جرير بن عبدالله بأمر المغيرة.
وقال خليفة بن خياط(٣): فيها افتتح عَمْرو بن العاص أطرابُلُسَ
(١) تاريخ خليفة ١٥١ .
(٢) نفسه .
(٣) تاريخ خليفة ١٥٢ .
١٣٠

المغرب، ويقال: في السنة التي بعدها.
وفيها عُزل عمّار عن الكوفة.
وفيها افتُتِحت جُرْجان.
وفيها فتحَ سُوَيْد بن مُقَرِّن الرّيَّ، ثم عسكر وسار إلى قُومِس
فافتتحها .
ووُلِد فيها يزيد بن معاوية .
وقال محمد بن جرير(١): إنَّ عمر أقرَّ على فَرج الباب عبدالرحمن
ابنَ ربيعة الباهِليّ وأمره بغزو التُّرْك، فسار بالنَّاس حتى قطع الباب،
فقال له شهريران: ما تريد أنْ تصنع؟ قال: أُنَاجِزُهم في ديارهم، وبالله
إنَّ معي لأقْواماً لو يأذن لنا أميرُنا في الإمعانِ لَبَلَغْتُ بهم السُّدَّ.
ولمَّا دخل عبدُالرحمن على التُّرك حالَ اللهُ بينهم وبين الخروج
عليه، وقالوا: ما اجْتَرأ على هذا الأمر إلّ ومعهم الملائكة تمنعهم من
الموت، ثم هربوا وتَحَصَّنُوا، فرجع بالظَّفَرِ والغنيمة. ثم إنَّ غَزَاهم
مرَّتين في خلافة عثمان فيَسْلَم ويَغْنَم، ثمّ قاتلهم فاستُشْهد - أعني
عبدالرحمن بن ربيعة رحمه الله تعالى - فأخذ أخوه سلمان بن ربيعة
الراية، وتحيّز بالنّاس، قال: فَهُم - يعني التُّرْك - يستسقون بجسد
عبدالرحمن حتى الآن.
خبر السُّدّ
الوليد: حدثنا سعيد بن بشير، عن قَتَادَة، قال: أخبرني رجُلان،
عن أبي بكرة الثَّقفي، أنَّ رجلاً أتى رسولَ اللهِوَّرَ فقال: إنِّي قد رأيتُ
(١) تاريخ الطبري ٤/ ١٥٥.
١٣١

السُّدَّ، قال: كيف رأيته؟ قال: رأيته كالبُرد المُحَبَّر. رواه سعيد بن أبي
عَرُوبة، عن قَتَادَة مُرْسلاً، وزاد: طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد
رأيته، قلتُ: يُريدُ حُمْرَةَ النُّحاس وسوادَ الحديد.
سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة،
يروي ذلك عن النَّبِّ وَّهِ قال: ((إنَّ يأجوجَ ومأجوج يحفرونه كلَّ يوم،
حتى إذا كادوا أنْ يروا شعاعَ الشمس قال الذي عليهم: ارجِعُوا
فستحفرونه غداً، فيُعِيدُهُ الله كأشدّ ماكان، حتّى إذا بَلَغَتْ مَّتُهم حفروا،
حتى إذا كادوا أن يروا الشمسَ قال الذي عليهم: ارجِعُوا فستحفرونه إنْ
شاء الله غداً، فيعودون إليه كهيئته حين تركوه فيحفرونه، فيخرجون على
النَّاس، ويتخصَّنُ النَّاسُ منهم في حصونهم، فَيَرْمُون بسهامهم إلى
السماء فترجع فيها كهيئة الدماء، فيقولون: قهرنا أهلَ الأرض وعَلَوْنا
أهلَ السماء، فيبعث الله نَغَفاً(١) فيقتلهم بها))(٢) .
ذكر ابنُ جرير في ((تاريخه)»(٣) من حديث عَمْرو بن معد يكرِب عن
مطر بن بلج التميميّ، قال: دخلتُ على عبدالرحمن بن ربيعة بالباب
وشهريران عنده، فأقبل رجلٌ عليه شُحُوبةٌ حتى دخلَ على عبدالرحمن
فجلس إلى شهريران، وكان على مطر قَباءُ بُرْد يمنيّ أرضُه حمراء ووشْيُه
أسود. فتساءلا، ثم إنَّ شهريران، قال: أيّها الأمير أتدري من أينَ جاء
هذا الرجلُ؟ هذا رجل بعثتُه نحو السّدِّ منذ سنتين ينظر ما حاله ومَن
(١) أي: دوداً.
(٢) أخرجه أحمد ٥١٠/٢و٥١١، والترمذي (٣١٥٣)، وابن ماجة (٤٠٨٠)، وأبو
يعلى (٦٤٣٦)، والطبري في تفسيره ٢١/١٦، وابن حبان (٦٨٢٩)، والحاكم
٢٨٨/٤. وإسناده صحيح، ولكن في رفعة نكارة، ولعله من كلام كعب
الأحبار، فانظر تعليقنا على سنن ابن ماجة ٥٣٧/٥ .
(٣) تاريخ الطبري ٤ /١٥٩ .
١٣٢

دونه، وزوَّدْتُه مالاً عظيماً، وكتبتُ له إلى مَنْ يَليني وأهديتُ له، وسألتُه
أن يكتب له إلى مَن وراءه، وزوَّدتُه لكلِّ مَلِك هديّة، ففعل ذلك بكلِّ
مَلِكِ بينه وبينه، حتّى انتهى إلى ذلك السّدّ في ظهره، فكُتِبَ له إلى
عامله على ذلك البلد فأتاه، فبعث معه بازِيارَهُ(١) ومعه عُقابه وأعطاه
حريرة، فلمّا انتهينا إذا جبلان، بينهما سُدٌّ مسدود حتى ارتفع على
الجبلين، وإنَّ دون الشُّدّ خندقاً أشدّ سواداً من اللّيل لِبُعْده، فنظرت إلى
ذلك كلّه وتفرَّسْتُ فيه، ثم ذهبتُ لأنصرف، فقال لي البازيار: على
رِسْلكَ أكافك لأنّه لا يَلِي ملِكٌ بعد ملِكِ إلّ تقرَّبَ إلى الله بأفضل ما
عنده من الدنيا فيرمي به هذا اللهب، قال: فشرّح بضعة لحم معه وألقاها
في ذلك الهواء، وانقضَّتْ عليها العُقاب، وقال: إنْ أدركَتْها قبل أن تقع
فلا شيء، فخرج عليه العُقاب باللَّحْم في مَخَاليبه، فإذا قد لصق فيه
ياقوتَةٌ فأعطانيها وها هي ذِه، فتناوَلَها شهريران فرآها حمراء، فتناولها
عبدالرحمن ثم ردّها، فقال شهريران: إنَّ هذه لخيرٌ من هذا - يعني
الباب - وأيْمُ الله لأنتم أحبُّ إليَّ مَلَكةً من آلِ كِسْرَى، ولو كنتُ في
سلطانهم ثُمَّ بلغهم خبرُها لانتزعوها مِنِّي، وأيْمُ الله لا يقومُ لكم شيءٌ ما
وفيتم أو وَفَى مَلِكُگُم الأكبر.
فأقبل عبدالرحمن على الرسول، وقال: ما حال السّدّ وما شبهه؟
فقال: مثُل هذا الثوبِ الذي على مطر، فقال مطر: صَدَقَ والله الرجلُ
لقد بَعَّد ورأى ووصف صفة الحديد والصُّفْر.
فقال عبدالرحمن لشهريران: كم كانت قيمة هاتيك؟ قال: مئة ألف
في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألفٍ في تلك البلدان.
وحدَّث سلام التَّرْجُمان، قال: لمّا رأى الواثقُ بالله كأنَّ السَّدَّ الذي
(١) أي: صاحب الباز أو الموكل به .
١٣٣

بناه ذو القَرْنَيْن قد فُتِح وجَّهني وقال لي: عَايِنْه وجِثْني بخبره، وضمَّ إليَّ
خمسين رجلاً، وزوّدنا، وأعطانا مئتي بَغْلِ تحمل الزّاد، فشخِصْنا من
سامرّاء بكتابه إلى إسحاق وهو بتفْلِيس، فكتب لنا إسحاق إلى صاحب
السرير، وكتب لنا صاحب السرير إلى ملك الّلان، وكتب لنا ملك الّلان
إلى فيلانشاه، وكتب لنا إلى ملك الخَزَر، فوجَّه معنا خمسةَ أدِلاء،
فسرنا من عنده ستةً وعشرين يوماً، ثم صرنا إلى أرض سوداء مُنْتِنَةٍ،
فكنّا نَشْتَمُّ الخَلَّ، فسرنا فيها عشرة أيام، ثُمَّ صرنا إلى مدائنَ خرابٍ ليس
فيها أحد، فسرنا فيها سبعةً وعشرين يوماً، فسألْنا الأدِلّء عن تلك
المدن، فقالوا: هي التي كان يأجوجُ ومأجوجُ يطرقونها فأخْرَبوها. ثم
صرنا إلى حصونٍ عند السّدّ بها قوم يتكلَّمون بالعربية والفارسية،
مسلمون يقرؤون القرآن، لهم مساجدُ وكتاتيب، فسألونا، فقلنا: نحن
رُسُلُ أميرِ المؤمنين، فأقبلوا يتعجبون ويقولون: أميرُ المؤمنين! فنقول:
نعم، فقالوا: أشيخٌ هو أم شاب؟ قلنا: شاب، فقالوا: أينَ يكونُ؟
فقلنا: بالعراقِ بمدينة يقال لها سُرَّ مَنْ رأى، فقالوا: ما سمعنا بهذا قطّ.
· ثم صرنا إلى جبلٍ أملس ليس عليه خضراء، وإذا جبل مقطوع بوادٍ
عرضه مئة ذراع، فرأينا عضَادَتَيْن مبنيَّتَيْنِ مِمَّا يلي الجبلَ من جنبتي
الوادي عرض كلّ عضادة خمسة وعشرون ذراعاً، الظاهر من تحتها
عشرة أذرُع خارج الباب، وكلُّه بناء بلبِنٍ من حديد مُغَيِّب في نُحاس، في
سُمْك خمسين ذراعاً، قد رُكِّبَ على العضادتين على كلِّ واحدةٍ بمقدار
عشرة أذرُع في عرض خمسة، وفوق الدروند بناءٌ بذلك اللَّبن الحديد
إلى رأس الجبل، وارتفاعه مَدَی البصر، وفوق ذلك شُرَف حدید لها
قَرنان يلجُ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، وإذا باب حديد له مِصْراعان
مُغْلَقَان عرضهما مئة ذِراع في طول مئة ذراع في ثخانة خمسة أذرُع،
وعليه قُفْلٌ طوله سبعة أذْرُع في غِلَظ باع، وفوقه بنحو قامتين غَلْقٌ طوله
١٣٤

أكثر من طول القُفْل، وقفيزاه كلّ واحدٍ منهما ذراعان، وعلى الغلق
مفتاح معلّق طوله ذراع ونصف، في سلسةٍ طولها ثمانية أذرُع، وهي في
حلقة كحلقة المَنْجَنيق.
ورئيس تلك الحصون يركب في كلِّ جمعةٍ في عشرة فوارس، مع
كلِّ فارس مِرْزيَّةٌ من حديد فيضربون القُفْلَ بتلك المرازب ثلاث
ضربات، يُسمع من وراء البابِ الضَّرْب فيعلمون أنَّ هناك حَفَظَة، ويعلم
هؤلاء أنّ أولئك لم يُحْدِثُوا في الباب حَدَثاً، وإذا ضربوا القُفْلَ وضعوا
آذانهم يتسمَّعُون، فيسمعون دَوِيّاً كالرَّعْد.
وبالقرب من هذا الموضع حِصنٌ كبير، ومع الباب حصنان يكون
مقدار كلّ واحدٍ منهما مئتا ذراع، في مئتي ذراع، وعلى باب كلّ حصن
شجرة، وبين الحصنين عين عَذْبة، وفي أحد الحصنين آلة بناء السّدّ من
قُدُور ومَغارِف وفضْلة اللّبن قد التصق بعضُه ببعضٍ من الصَّدأ، وطول
الَّلِنَةِ ذراع ونصف في مثله في سمْك شِبْر. فسألنا أهلَ الموضع هل رأوا
أحداً من يأجوج ومأجوج، فذكروا أنّهم رأوا مرَّةً أعداداً منهم فوق
الشُرَف، فهبّت ريحٌ سوداء فألقتهم إلى جانبهم، وكان مقدار الرجل
منهم شبْراً ونصفاً، فلمّا انصرفنا أخذ بنا الأدلاء، إلى ناحية خُراسان،
فسِرنا إليها حتى خرجنا خلف سَمَرْقَنْد بتسعة فراسخ، وكان أصحاب
الحصون زوَّدونا ما كفانا.
ثم صرنا إلى عبد الله بن طاهر، قال سلام التَّرْجُمان: فأخبرتُهُ خَبَرَنا،
فوصلني بمئة ألف دِرْهم، ووصل كلَّ رجلٍ معي بخمس مئة دِرْهم،
ووصلنا إلى سُرَّ مَنْ رأى بعد خروجنا منها بثمانية وعشرين شهراً. قال
مصنّف كتاب ((المسالك والممالك))(١): هكذا أملى عليَّ سلام الترجُمان.
(١) هو ابن خرداذبة، والخبر في كتابه ١٦٢ - ١٧٠ .
١٣٥

سنَة ثَلاث وَعشرين
فيها: بينما عمرُ رضيَ الله عنه يخطب إذْ قال: ((يا ساريةُ الجبلَ))،
وكان عمر قد بعث ساريةً بن زُنَيم الدِّئليّ إلى فَسَا ودار ابَجِرد
فحاصرهم، ثمّ إنَّهم تداعوا وجاؤوه من كلِّ ناحية والتقوا بمكان، وكان
إلى جهة المسلمين جبلٌ لو استندوا إليه لم يُؤْتوا إلّ من وجهٍ واحد،
فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم. وأصاب ساريةُ الغنائمَ فكان
منها سَفَطُ جوهر، فبعث به إلى عمر فردَّه وأمره أنْ يقسمه بين
المسلمين، وسأل النَّجَّابَ أهلُ المدينة عن الفتح وهل سمعوا شيئاً،
فقال: نعم ((يا ساريةُ الجبَلَ الجبلَ)) وقد كِدْنا نهلك، فلجأنا إلى الجبل،
فكان النَّصر. ويُرْوَى أنّ عمر رضي الله عنه سُئل فيما بعْدُ عن كلامه ((یا
ساريةُ الجبلَ)) فلم يَذْكُرْه.
وفيها كان فتح كَرمان، وكان أميرها سُهَيْل بن عَدِيّ .
وفيها فتحت سجِسْتان، وأميرها عاصِم بن عَمْرو.
وفيها فُتِحت مُكَّران(١) ، وأميرها الحَكَم بن عثمان، وهي من بلاد
الجبل .
وفيها رجع أبو موسى الأشعريُّ من أصبهان، وقد افتتح بلادَها.
وفيها غزا معاوية الصّائفةَ حتى بلغَ عَمُورِية .
(١) هكذا بخط المؤلف، وتضبط ((مُكْران)) بسكون الكاف، لكن قال ياقوت:
((وأكثر ما تجيء في شعر العرب مشددة الكاف)).
١٣٦

ذكْر مَنْ توفِّي في خلافة عُمَر رضي الله عنه مُجْمَلاً(١)
الأقرع بن حابس الثَّمِيميُّ المُجاشِعِي.
أحد المؤلَّفة قلوبُهُم وأحد الأشراف، أقطعه أبو بكر، له ولعُيَيْنَة بن
بدر، فعطّل عليهما عمرُ ومحا الكتابَ الذي كتبَ لهما أبو بكرٍ، وكانا
من كِبار قومهما، وشهدَ الأقرُ مع خالد حربَ أهل العراق وكان على
المقدّمة .
وقيل: إنَّ عبد الله بن عامر استعمله على جيشٍ سيّره إلى خُراسان
فَأُصيبَ هو والجيش بالجُوزجان وذلك في خلافة عثمان.
وقال ابن دُرَيْد: اسمه فراس بن حابس بن عِقال، ولُقِّب الأقرع
الفَرَعِ برأسه.
الحُباب بن المنذر بن الجَمُوحِ، أبو عَمْرو الأنصاريُّ، أحد بني
سَلِمَة بن سعد، وقيل: كنيته أبو عمر، وكان يقال له ذو الرأي.
أشار يوم بدرٍ على النَّبِيِّ وَ ◌ّ ◌َ أنْ ينزل على آخر ماء ببدر ليبقى
المشركون على غير ماء، وهو الذي قال يوم سقيفة بني ساعدة: أنا
جُذَيْلها المَحَكَّك وعُذْيقها المُرَجَّب مِنَّا أمير ومنكم أمير. والجذل: هو
عُودٌ يُنْصب للإِبل الجَرْبَى لتَحْتَكَّ به. والعذق: النَّخلة، والمُرَجَّب: أن
تُدَعَّم النَّخلة الكريمة ببناء من حجارة أو خشبٍ إذا خيف عليها لكثرة
حَمْلها أنْ تقعَ، يقال: رَجَّبْتها فهي مُرَجَّبَة. روى عنه: أبو الطُّفَيْل،
(١) حذفنا منهم من ترجمه المؤلف في ((السير))، وهم: ربيعة بن الحارث بن
عبدالمطلب، وسودة أم المؤمنين، وعتبة بن مسعود الهذلي، وعويم بن
ساعدة .
١٣٧

وتُؤُفِّي بالمدينة في خلافة عمر .
علقمة بن عُلاثة بن عَوْف العامريُّ الكِلابيُّ، من المؤلّفَة قلوبُهُم.
أسلم على يد النَّبيِّ مَّ، وكان من أشرافِ قومه، وكان يكون
بتهامة، وقد قدِم دمشق قبل فتحها في طلبٍ ميراثٍ له، ووفَدَ على عمر
في خلافته. روی عنه: أنس .
علقمة بن مُجَزِّز بن الأعور المُدْلِجيُّ.
استعمله النَّبِيُّ وَِّ على بعض جيوشه، وولّه الصِّدِّيق حربَ
فلسطين، وحضر الجابية مع عمر، ثم سيَّره عمر في جيشٍ إلى الحَبَشَة
في ثلاث مئة، فغَرِقُوا كلُّهم، وقيل: كان ذلك في أيام عثمان بن عفّان.
وأبوه مُجَزِّز هو المعروف بالقيافة.
عَمْرو(١) بن عَوْف، حليف بني عامر من لُؤَّيّ، من مُولَّدي مكة،
سمّاه ابن إسحاق عَمْراً، وسمّاه موسى بن عُقْبَة عُمَيْراً. شهِد بدْراً
وأحُداً. وروى عنه المِسْوَر بن مَخْرَمَة حديثَ قدومٍ أبي عُبَيْدة بمالٍ من
البحرين. أخرجه البخاريُّ، وصلّى عليه عمر رضي الله عنه .
عُمَارَة بن الوليد، أخو خالد بن الوليد، المخزوميُّ.
قال الواقديُّ: حدّثني عبدالله بن جعفر، عن ابن أبي عَوْن (٢)،
قال: لمّا كان من أمر عَمْرو بن العاص ما كانَ بالحبشة، وصنع النَّجَاشيُّ
بعمارة بن الوليد ما صنع، وأمر السَّواحِر فنفخنَ في إحليله، فَهَامَ مع
الوحشِ، فخرج إليه في خلافة عمر عبدُالله بن أبي ربيعة ابن عمّه فرصده
على ماءٍ بأرضِ الحبشة كان يَرِدُه فأقبلَ في حُمر الوحش، فلمَّا وجد ریحَ
(١) تهذيب الكمال ١٧٤/٢٢ -١٧٧.
(٢) هو عبدالواحد بن أبي عون.
١٣٨

الإنس هرب حتَّى إذا جهدَهُ العطشُ وردَ فشربَ، قال عبدالله: فالْتَزَمْتُهُ
فجعل يقول: يا بُخَيْرِ أرسِلْني إنِّي أموت إنْ أمسكوني. وكان عبد الله
يسمَّى بُحَيْراً، قال فضبطته فمات في يدي مكانَهُ، فوارَيْتُهُ ثمّ انصرفتُ،
وكان شعرهُ قد غَطَّى كلَّ شيءٍ منه.
غَيْلان بن سَلَمَة الثقفي .
له صُحْبة ورواية، وهو الذي أسلم وتحته عَشْرُ نِسْوة. وكان شاعراً
محسناً. وفَدَ قبلَ الإسلام على كِسْرى فسأله أن يبني له حصناً في
الطائف. أسلم زمن الفتح. روى عنه: ابنه عُرْوَة، وبِشْر بن عاصم.
مَعْمَر بن الحارث بن مَعْمَر بن حبيب بن وَهْب الجُمَحِيُّ، أخو
حاطب وخطّاب، وأمُّهم قيلة أخت عثمان بن مظعون.
أسلم مَعْمَر قبل دخول دار الأرقم، وهاجر، وآخى رسولُ اللهِ وَل
بينه وبين مُعاذ بن عفراء، وشهِدَ بدراً.
ميسرة بن مسروق العَنْسيُّ.
شيخ صالح، يقال: له صُحبة شهد اليرموك، وروى عن أبي عُبَيْدة.
وعنه أسلم مولى عمر. ودخل الرومَ أميراً على سِتَّةِ آلاف، فوغلَ فيها
وقتل وسَبَى وغنِمَ فجمعتْ له الرومُ، وذلك في سنة عشرين، فَوَاقَعَهُم
ونصره الله عليهم، وكانت وقعة عظيمة.
الهُرْمُزان صاحب تُسْتَرَ(١).
قد مَرَّ من شأنه في سنة عشرين، وهو من جُمْلة الملوك الذين تحتَ
يدِ یَزْدَجِرْد.
(١) كتب المصنف هذه الترجمة بأخرة فأضافها إلى نسخته بورقتين مستقلتين.
١٣٩

قال ابن سعد: بعثه أبو موسى الأشعريّ إلى عمر ومعه اثنا عشر
نَفْساً من العجم، عليهم ثيابُ الدّيباج ومناطقُ الذَّهب وأساورة الذَّهب،
فقدِمُوا بهم المدينة، فعجِب النَّاسُ من هيئتهم، فدخلوا فوجدوا عمرَ في
المسجد نائماً متوسِّداً رداءه، فقال الهُرْمُزَان: هذا ملِكُكُم؟ قالوا: نعم،
قال: أمَا له حاجبٌ ولا حارس؟! قالوا: اللهُ حارسه حتَّى يأتيه أجلُه،
قال: هذا المُلك الهَنِيُّ.
فقال عمر: الحمدُ لله الذي أذلَّ هذا وشيعتَه بالإسلام، ثمّ قال
للوفد: تكلَّموا. فقال أنس بن مالك: الحمدُ لله الذي أنجز وعده وأعزَّ
دينه وخذلَ مَنْ حَادَّهُ، وأورثَنَا أرضَهم وديارهم، وأفاء علينا أبناءهم
وأموالهم. فبكى عمر ثم قال للهرمُزَان: كيف رأيتَ صنيعَ الله بكم؟ فلم
يُجْبه، قال: مالك لا تتكلّم؟ قال: أكَلَامُ حِيٍّ أم كَلاَم مَيِّتِ؟ قال : أوَ
لَسْتَ حيّاً! فاستسقى الهُرْمُزان، فقال عمر: لا يُجْمَع عليك القَتْلُ
والعَطَشُ، فأتوه بماءٍ فأمسكه، فقال عمر: اشربْ لا بأسَ عليك، فرمى
بالإناء وقال: يا معشرَ العرب كنتم وأنتم على غير دين نتعبدكم ونقتلكم
وكنتم أسوأ الأمم عندنا حالاً، فلمّا كان اللهُ معكم لم يكن لأحدٍ بالله
طاقةٌ. فأمر عمرُ بقتله، فقال: أوَلَم تؤمِّنِّي! قال: كيف؟ قال: قلت لي:
تَكَلَّمْ لا بأسَ عليك، وقلت: اشربْ لا أقتلك حتَّى تشربه، فقال الزُّبَيْر
وأنس: صَدَقَ، فقال عمر: قاتله الله أخذ أماناً وأنا لا أشعرُ، فنزع ما
كان عليه، فقال عمر لسُراقة بن مالك بن جُعْشم وكان أسود نحيفاً:
البس سِوَارَيّ الهُرْمزان، فلبسهما ولبس كِسْوَتَه.
فقال عمر: الحمد لله الذي سَلَبَ كِسْرَى وقومَهُ حُلِيَّهم وكِسْوَتهم
وألبسها سُرَاقة، ثمّ دعا الهُرْمُزان إلى الإسلام فأبى، فقال عليّ بن أبي
طالب: يا أميرَ المؤمنين فرِّقْ بين هؤلاء. فحمل عمر الهُرْمُزان وجُفَيْنَةً
وغيرَهما في البحر، وقال: اللَّهُمَّ اكسِرْ بهم، وأراد أنْ يسيرَ بهم إلى
١٤٠