Indexed OCR Text

Pages 81-100

هذه، فيقول له: كلّ ما حدّثْتُكَ حقٌّ إلّ ما أمرتني أنْ أحبسَهُ.
وقال ابن مسعود: إذا ذُكر الصالحون فَحَيْهلا بعمر؛ إنَّ عمرَ كان
أعْلَمَنَا بكتابِ الله وأفْقَهَنا في دینِ الله.
وقال ابن مسعود: لو أنّ عِلْم عمر وُضِعَ في كفّه ميزان ووُضِعَ عِلْم
أحياء الأرض في كفّةٍ لَرَجَح عِلْم عمر بعِلْمِهِم.
وقال شِمْرٌ، عن حُذَيْفَة، قال: كأنَّ عِلْمَ النَّاس كان مدسوساً في
جُحرٍ مع عمر.
وقال ابن عمر: تعلّم عمرُ البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلمّا تعلّمها
نحر جَزُوراً .
وقال العَوّام بن حَوْشَب: قال معاوية: أمّا أبو بكر فلم يُرِدِ الدنيا
ولم تُرِده، وأمّا عمر فأرادته الدنيا ولم يُرِدْها، وأمّا نحنُ فتمرَّغْنا فيها
ظَهْراً لبطنِ .
وقال عِكْرمة بن خالد، وغيره: إنَّ حفصة، وعبدالله، وغيرهما
كَلَّموا عمرَ، فقالوا: لو أكلتَ طعاماً طيّباً كان أقوى لك على الحقِّ.
قال: أكُلُكُم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم. قال: قد علمتُ نُصْحَكُم
ولكنِّي تركتُ صاحبيَّ على جادّةٍ، فإنْ تركتُ جادَّتَهُما لم أُدْرِكْهُما في
المنزل .
قال: وأصاب النّاسَ سَنَةٌ(١) فما أكل عامَئِذٍ سَمْناً ولا سميناً.
وقال ابن أبي مُلَيْكة: كَلَّمَ عُثْبةُ بن فرقد عمرَ في طعامه، فقال:
ويحَكَ آكل طَيِّاتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟!
وقال مبارك، عن الحَسَن: دخل عمرُ على ابنه عاصم وهو يأكلُ
(١) أي: قحط .
٨١

لحماً، فقال: ما هذا؟ قال: قَرِمنا إليه. قال: أوَ كُلَّما قَرِمْتَ إلى شيءٍ
أكلتَه! كفى بالمرء سَرَفاً أنْ يأكل كلَّ ما اشتهى.
وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدِّه، قال عمر:
لقد خطر على قلبي شهوةُ السمك الطّريّ، قال: ورحَّل يَرْفَاً(١) راحلته
وسار أربعاً مقبلاً ومُذْبراً، واشترى مِكْتَلاً فجاء به، وعمد إلى راحلته
فغسلها، فأتى عمر، فقال: انْطَلِقْ حتّى أنظر إلى الراحلة، فنظر وقال:
نسيتَ أن تغسل هذا العَرقَ الذي تحت أُذُنها، عذَّبتَ بهيمةً في شهوةٍ
عمر، لا واللهِ لا يذوقُ عمر مِكْتَلَك.
وقال قَتَادة: كان عمر يلبس، وهو خليفة، جُبَّةً من صوف مرفوعةً
بعضُها بأدم، ويطوف في الأسواق على عاتقه الدِّرَّة يؤدِّبُ النَّاسَ بها،
ويمرُّ بالنَّكث(٢) والنَّوى فيلقطُه ويلقيه في منازل النَّاسِ لينتفعوا به .
قال أنس: رأيتُ بين كتِفَيْ عمر أربعَ رقاع في قميصه.
وقال أبو عثمان النَّهْديُّ: رأيتُ على عمر إزاراً مرقوعاً بأدم.
وقال عبدالله بن عامر بن ربيعة: حججتُ مع عمر، فما ضرب
فسطاطاً ولا خِباء، كان يلقي الكساء والنّطْع على الشجرة ويستظلُّ
تحته .
وقال عبدالله بن مسلم بن هُرْمز، عن أبي الغادية الشاميّ، قال: قَدِمَ
عمرُ الجابيةَ على جملٍ أوْرَقَ تَلُوحُ صَلْعَتُهُ بالشمس، ليس عليه قَلَتْسُوَة
ولا عمامة، قد طبّق رِجْلَيهِ بين شُعبَتَي الرَّحْل بلا رِكاب، ووطاؤه كِساء
أنبجانيٌّ من صوف، وهو فراشُه إذا نزلَ، وحقيبته محشُؤَّة ليفاً، وهي إذا
نزل وِساده، وعليه قميص من كرابيس(٣) قد دَسِم وتَخرَّقَ جيبُه، فقال:
(١) يرفأ: اسم غلام لعمر.
(٢) أي: بالغَزْلِ المنقوض.
(٣) أي: من قطن.
٨٢

ادعوا لي رأسَ القرية، فدعوه له فقال: اغسلوا قميصي وخيّطوه
وأعيروني قميصاً، فأُتيَ بقميصٍ كَتَّان، فقال: ما هذا؟ قيل: كَتّان، قال:
وما الكَتّان؟ فأخبروه فنزع قميصه فغسلوه ورقعوه ولبسه، فقال له رأس
القرية: أنت مَلِكُ العرب وهذه بلادٌ لا تصلحُ فيها الإبل. فأُتيَ بِرْذَوْن
فطرح عليه قطيفةً بلا سَرْجٍ ولا رَحْل، فلمّا سار هُنَيْهَةً قال: احبسوا، ما
كنت أظنُّ النّاسَ يركبون الشيطانَ، هاتوا جَمَلي.
وقال المُطَّلب بن زياد، عن عبدالله بن عيسى: كان في وجه عمر بن
الخطّاب خَطَّان أسودان من البكاء.
وعن الحَسَن، قال: كان عمر يمرُّ بالآيةِ من وِرْدِهِ فيسقط حتَّى يُعَادَ
منها أياماً .
وقال أنس: خرجت مع عمر فدخل حائطاً فسمعته يقولُ وبيني وبينه
جدار: عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين بخ، والله لَتَتَّقِيَنَّ الله بُنَّيَّ الخطاب
أو لَيُعَذِّبَنَّكَ.
وقال عبدالله بن عامر بن ربيعة: رأيتُ عمر أخذ تبنةً من الأرض،
فقال: ياليتني هذه التبة، ليتني لم أكُ شيئاً، ليت أُمِّي لم تلِدْني.
وقال عُبَيْد الله بن عمر بن حفص: إنَّ عمرَ بن الخطّاب حمل قِرْبَةً
على عُنُقِه، فقيل له في ذلك، فقال: إنَّ نَفْسي أعجبتني فأردتُ أنْ
أذلَّها .
٧ وقال الصَّلت بن بَهْرام، عن جُمَيْع بن عُمَيْر التَّيْمي، عن ابن عمر،
قال: شهِدْتُ جَلولاء فابتعتُ من المَغْنَم بأربعين ألفاً، فلمَّا قدِمتُ على
عمر، قال: أرأيتَ لو عُرِضْتُ على النّار فقيل لك: افتدِهِ، أَكُنْتَ مُفْتَدِيَّ
به؟ قلت: واللهِ ما من شيءٍ يؤذيكَ إلّ كنتُ مُفْتَديكَ منه، قال: كأنّي
شاهد النّاس حين تَّبَايَعوا فقالوا: عبدُالله بن عمر صاحبُ رسولِ اللهِ وَلـ
٨٣

وابنُ أميرِ المؤمنين وأحبُّ النَّاس إليه، وأنت كذلك فكان أن يرخَصُوا
عليك أحبّ إليهم من أنْ يَغْلُوا عليك، وإنّي قاسمٌ مسؤولٌ وأنا مُعْطِيك
أكثر ما ربح تاجرٌ من قريش، لك ربْح الدِّرْهَم دِرْهم. قال: ثمّ دعا
التُّجّار فابتاعوه منه بأربع مئة ألف درهم، فدفع إليَّ ثمانين ألفاً وبعث
بالباقي إلى سعدِ بن أبي وقَّاص ليقسمه .
وقال الحَسَن: رأى عمرُ جاريةً تطيشُ هُزالاً، فقال: مَنْ هذه؟ فقال
عبدالله: هذه إحدى بناتك. قال: وأيُّ بناتي هذه؟ قال: بنتي. قال: ما
بلغَ بها ما أرى؟ قال: عَمَلُكَ! لا تُنفِقُ عليها. قال: إنِّي والله ما أعولُ
وَلَدَك فاسْعَ عليهم أيُّها الرجل(١) .
س وقال محمد بن سيرين: قَدِمَ صِهْرٌ لعمر عليه، فطلب أنْ يُعطيه عمرُ
من بيتِ المال فانتهره عمرُ، وقال: أردتَ أنْ ألقى الله مَلِكاً خائناً!؟ فلمَّا
كان بعد ذلك أعطاه من صُلْبِ ماله عشرة آلاف دِرْهم(٢) .
قال حُذَيْفة: واللهِ ما أعرف رجلاً لا تأخذه في الله لومةُ لائم إلّ
عمر .
وقال حُذَيْفة: كُنَّا جلوساً عند عمر فقال: أيُّكم يحفظُ قولَ رسولٍ
الله وَّ في الفتنة؟ قلتُ: أنا. قال: إنّك لَجَريء، قلت: فتنةُ الرجلِ في
أهله وماله وولده تُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصّيام والصَّدقَة والأمر بالمعروف
والنّهْيُّ عن المُنْكَر، قال: ليس عنها أسألكَ، ولكن الفتنة التي تموجُ
مَوْجَ البحر. قلت: ليس عليكَ منها بأسٌ، إنَّ بينك وبينها باباً مُغْلقاً.
قال: أيُكْسَر أم يُفْتَحُ؟ قلتُ: بل يُكسر. قال: إذاً لا يُغْلقُ أبداً. قلنا
لحُذَيْفة: أكان عمرُ يعلم مَنِ الباب؟ قال: نعم، كما يعلم أنَّ دونَ غدٍ
(١) أخرجه ابن سعد ٢٧٧/٣ .
(٢) أخرجه ابن سعد ٣٠٣/٣-٣٠٤.
٨٤

الليلة، إنِّي حَدَّثتُه حديثاً ليس بالأغاليط. فسأله مسروق: مَن الباب؟
قال: الباب عمر. أخرجه البخاريّ(١).
وقال إبراهيم بن عبدالرحمن بن عَوْف: أُتْيَ عمرُ بكنوز كِسْرَى،
فقال عبدالله بن الأرقم: أتجعلُها في بيتِ المال حتى تقسمها؟ فقال
عمر: لا واللهِ لا آويها إلى سقفٍ حتى أُمْضيها، فوضعها في وسط
المسجد وباتوا يحرسونها، فلمّا أصبح كشفَ عنها فرأى من الحمراءِ
والبيضاءِ ما يكادُ يتلألأ، فبكى فقال له أبي: ما يُبْكيكَ يا أمير المؤمنين
فَوَ اللهِ إِنَّ هذا لَيومٍ شُكْرٍ ويوم سرور! فقال: وَيْحَك إنَّ هذا لم يُعْطَهُ قومٌ
إلّ أُلْقِيَتْ بينهم العداوةُ والْبَغْضاء.
وقال أسلم مولى عمر: استعمل عمرُ مولى له على الحِمَى، فقال:
يا هُنَيُّ اضمُمْ جناحَكَ عن المسلمين واتَّقِ دعوةَ المظلوم فإنّها مُستجابة،
وأدْخِل ربَّ الصُّرَيْمَة والغُنَيْمة، وإِيَّاي وَنَعَم ابنِ عَوْفٍ ونَعَم ابنِ عفّان
فإنّهما إنْ تَهْلِك ما شيتُهُما يرجِعان إلى زرعٍ ونخْلٍ، وإنَّ ربَّ الصُّرَيْمة
والغُنَيْمة إنْ تَهْلِك ماشِيتُهُما يأتِيني بَبَنِيه فيقول: يا أميرَ المؤمنين!
أَفْتَارِكُهُم أنا لا أبا لَكَ! فالماءُ والكَلأَ أَيْسَرُ عليَّ من الذهب والفضة،
وايْمُ اللهِ إنّهم لَيَرَوْن أَنِّي قد ظلمتُهُم، إنّها لَبِلادُهُم قاتَلُوا عليها في
الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المالُ الذي
أحمِلُ عليه في سبيلِ الله ما حَمَيْتُ عليهم من بلادهم شِبْراً. أخرجه
البخاريّ(٢).
(١) البخاري ٤٠/١ و١٤١/٢ و٢٣٨/٤ و٦٨/٩. ولو قال المؤلف: ((متفق عليه))
لكان أحسن، فقد أخرجه مسلم أيضاً ١٧٣/٨ و١٧٤. وانظر المسند الجامع
١٥٢/٥ حديث (٣٣٧٢).
(٢) البخاري ٤ / ٨٧.
٨٥

وقال أبو هُرَيرة: دَوَّن عمرُ الدِّيوان، وفَرَضَ للمهاجرين الأوَّلِين
خمسةَ آلافٍ خمسةَ آلاف، وللأنصار أربعة آلافٍ أربعةَ آلاف، ولأُمَّهات
المؤمنين اثني عشر ألفاً اثني عشر ألفاً (١).
وقال إبراهيم النَّخَعِيُّ: كان عمرُ يَتَّجر وهو خليفة .
وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدّار، قال: أصابَ
النَّاسَ قَحْطٌ في زمان عمر، فجاء رجلٌ إلى قبرِ رسولِ الله بَّه فقال: يا
رسولَ الله استَسْقِ الله لأُمَّتك فإنَّهم قد هلكوا. فأتاه رسولُ الله ◌ِوَّل في
المنام، وقال: ائتِ عمرَ فَأَقْرِهِ مِنِّي السَّلامَ وأخْبِرْه أنَّهم مُسْقَوْن وقُلْ له:
عليك الكيس الكيس، فأتى الرجلُ فأخبر عمرَ فبكى، وقال: ياربّ ما
آلُوَ ما عجزت عنه.
سه وقال أنس: تَقَرقرَ بَطْنُ عمرَ من أكل الزَّيت عامَ الرَّمَادَة؛ كان قد
حَرَمَ نفسَه السَّمْن، قال: فنقر بطْنَهُ بإصْبَعِه، وقال: إنّه ليس عندنا غيره
حتّى يحيا النَّاسُ .
وقال الواقديّ (٢): حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن
أبيه، قال: لمَّا كان عام الرَّمَادَة جاءت العربُ من كلّ ناحيةٍ فقَدِمُوا
المدينةَ، فكان عمرُ قد أمر رجالاً يقومون بمصالحهم، فسمعتُهُ يقول
ليلةً: ((أحْصُوا مَنْ يَتَعَشَّى عندَنَا)). فأحْصوْهُم من القابلة فوجدوهم سبعةً
آلافٍ رجلٍ، وأحصوا الرِّجالَ المَرْضَى والعِيالاتِ فكانوا أربعين ألفاً. ثمّ
بعد أيامٍ بلغ الرجالُ والعِيالُ ستّين ألفاً، فما برِحُوا حَتَّى أرسلَ اللهُ
السَّماءَ، فلمَّا مَطَرَتْ رأيتُ عمرَ قد وكَّل بهم يُخْرِجُونهم إلى البادية
ويُعطُونهم قُوتاً وحُمْلاناً إلى باديتهم، وكان قد وقع فيهم الموت فأراه
(١) أخرجه ابن سعد ٣/ ٣٠٠.
(٢) طبقات ابن سعد ٣١٦/٣-٣١٧.
٨٦

مات ثُلُثَاهُم، وكانت قُدُورُ عمر يقوم إليها العُمّالُ من السَّحَر يعملون
الکرکور ويعملون العصائد.
وعن أسلم، قال: كُنَّا نقولُ: لو لم يرفَع اللهُ المَحْلَ عامَ الرَّمَادَة
لَظَتَنَّا أنَّ عمر يموت.
وقال سُفيانُ الثَّوْرِيّ: مَنْ زعم أنَّ عليّاً كان أحقَّ بالولاية من أبي
بكر وعمر فقد خَطَّأ أبا بكرٍ وعمر والمهاجرين والأنصار.
وقال شَرِيك: ليس يُقَدِّم عليّاً على أبي بكرٍ وعمرَ أحدٌ فيه خيرٌ.
وقال أبو أسامة: تَدرون مَنْ أبو بكرٍ وعمر؟ هما أبوا الإسلام وأُه.
وقال الحَسَن بن صالح بن حيٍّ: سمعتُ جعفر بن محمد الصّادق
يقول: أنا بريءٌ ممّن ذكر أبا بكر وعمر إلّ بخير.
ذكر نسائه وأولاده
تزوَّجَ زينبَ بنتَ مَظْعُون، فولدتْ له عبدَالله، وحفْصةً،
وعبدالرحمن .
وتزوّج مُلَيْكَة الخُزَاعِيّة، فولدت له عُبَيْد الله، وقيل: أمُّه وأمُّ زيد
الأصغر أمّ كلثوم بنت جَرْوَل.
وتزوّج أمَّ حُكَيْم بنت الحارث بن هشام المخزوميّة، فولدت له
فاطمة .
وتزوّج جميلةَ بنت عاصم بن ثابت فولدت له عاصماً.
وتزوّج ◌ُمَّ كُلْتُوم بنت فاطمة الزَّهْراء وأصْدَقَها أربعين ألفاً، فولدت
له زيداً ورُقَيَّة .
٨٧

وتزوّج لُهَيَّةَ امرأة من اليمن فولدت له عبدالرحمن الأصغر.
وتزوّج عاتكة بنت زيد بن عَمْرو بن نُفَيل التي تزوَّجها بعد موته
الزُّبَيْر.
[الفتوح في عهده]
وقال اللَّيْث بن سعد: استُخْلِف عمر فكان فتْحُ دمشق، ثُمَّ كان
اليرموك سنة خمس عشرة، ثمّ كانت الجابية سنة ستَّ عشرة، ثُمَّ كانت
إيلياء وسَرْغ لسنة سبع عشرة، ثمّ كانت الرَّمَادَة وطاعون عَمَواس سنة
ثماني عشرة، ثمّ كانت جَلولاء سنة تسع عشرة، ثمّ كان فَتْح باب لِيُون
وقَيْسَارِية بالشام، وموت هِرَقْل سنة عشرين؛ وفيها فُتِحَتْ مصر، وسنة
إحدى وعشرين فُتِحَتْ نَهَاوَنْد، وفُتِحَت الإسكندرية سنة اثنتين
وعشرين؛ وفيها فُتِحت إصْطَخْر وهَمَذان؛ ثم غزا عَمْرو بن العاص
أطْرابُلُسَ المَغْرِب؛ وغَزْوة عَمُورِية، وأمير مصر وَهْب بن عُمَيْر
الجُمَحِيّ، وأمير أهل الشام أبو الأعور سنة ثلاثٍ وعشرين. ثم قُتل عمر
مَصْدَرَ الحاجٌّ في آخرِ السّنة .
قال خليفة (١) : وقعة جلولاء سنة سبع عشرة.
[استشهاده]
وقال سعيد بن المسيّب: إنَّ عمر لما نفر من مِنَى أناخ بالأبطحِ، ثم
كَوَّم كَوْمَةً من بطحاءَ(٢) واستلقى ورفع يديه إلى السّماء، ثمّ قال:
(١) تاريخه ١٦٠.
(٢) أي: من الحصى الصغيرة.
٨٨

(اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي وضعُفَتْ قُوَّتي وانتشرت رعيَّتَي فاقبضْني إليك غير
مُضَيِّعٍ ولا مُفَرِّطِ))، فما انْسَلَخَ ذو الحجّة حتّى طُعِن فمات.
وقال أبو صالح السَّمَّان: قال كعبٌ لعمرَ: أجِدُك في التَّوْراة تُقْتَلُ
شهيداً، قال: وأنَّى لي بالشَّهادة وأنا بجزيرة العرب؟.
وقال أسلم، عن عمر أنَّه قال: اللَّهُمَّ ارزُقْني شهادةٌ في سبيلك،
واجعل موتي في بلدِ رسولِك. أخرجه البُخَارِيّ(١).
وقال مَعْدَان بن أبي طَلْحة اليَعْمُرِيّ: خطب عمرُ يومَ جمعةٍ وذكر
نبيَّ الله وأبا بكر، ثمّ قال: رأيتُ كأنَّ دِيكاً نَقَرَنِي نَقْرةً أو نَقْرَتَيْن، وإنّي
لا أراه إلّ لحُضور أجَلي، وإنّ قوماً يأمروني أنْ استخلِفَ وإنَّ الله لم
يكن لِيُضَيِّعَ دِينَه ولا خِلافَتَه فإنْ عَجِل بي أمرٌ فالخلافةُ شُورَى بين هؤلاء
السنَّة الّذين تُؤُقِّي رسولُ اللهِ وَلّ وهو عنهم راضٍ.
وقال الزُّهْرِيّ(٢): كان عمر لا يأذن لسبيٍّ قد احتلم في دخولٍ
المدينة حتّى كتبَ المُغِيرة بن شُعْبة وهو على الكوفة يذكر له غلاماً عنده
صِنَعاً (٣) ويستأذنه أنْ يدخلَ المدينةَ ويقول: إنَّ عنده أعمالاً كثيرة فيها
منافعُ للنَّاسِ: إنَّه حدَّاد نقَّاش نجَّار، فأذن له أن يُرْسِل به، وضرب عليه
المُغِيرة مئة دِرْهَم في الشَّهر، فجاء إلى عمرَ يشتكي شِدَّةَ الخراج، قال:
ما خراجُك بكثير، فانصرف ساخطاً يتذمَّرُ، فلبث عمرُ لياليَ، ثُمَّ دعاه
فقال: ألم أُخْبَرْ أنّك تقول: لو أشاءُ لَصَنَعْتُ رحىٍ تَطْحَنُ بالرّيح؟
فالتفت إلى عمر عابساً، وقال: لأصْنَعَنَّ لك رَحِىّ يتحدَّث النَّاسُ بها.
فلمّا ولَّى قال عمرُ لأصحابه: أوعدني العبدُ آنفاً. ثمّ اشتمل أبو لؤلؤة
(١) البخاري ٣/ ٣٠ في أواخر الحج.
(٢) طبقات ابن سعد ٣٤٥/٣.
(٣) أي: حاذقاً.
٨٩

على خِنْجَرِ ذي رأسين نِصَابُهُ في وسَطِه، فكمن في زاويةٍ من زوايا
المسجد في الغَلَس.
وقال عَمْرو بن ميمون الأوْدِيّ: إنَّ أبا لؤلؤةَ عبدَ المُغِيرةِ طعنَ عمرَ
بخنجرٍ له رأسان وطُعِنَ معه اثنا عشر رجلاً، مات منهم ستَّةٌ، فألقى عليه
رجلٌ من أهل العراق ثوباً، فلمّا اغتمّ فيه قتلَ نفسه .
وقال عامر بن عبدالله بن الزُّبَيْر، عن أبيه قال: جئتُ من الشُّوقِ
وعمر يتوكَّأ عليَّ، فمرَّ بنا أبو لؤلؤة، فنظر إلى عمر نظرةً ظَنَنْتُ أنّه لولا
مكاني بطشَ به، فجئتُ بعد ذلك إلى المسجد الفجرَ فإِنِّي لَبَيْنَ النَّائم
واليَقْظان، إذْ سمعتُ عمرَ يقول: قتلني الكلبُ، فماج النَّاسُ ساعةً، ثمّ
إذا قراءة عبدالرحمن بن عِوْف .
وقال ثابت البناني، عن أبي رافع: كان أبو لؤلؤة عبداً للمُغِيرة يصنعُ
الأرحاء، وكان المغيرة يستغلُّه كلَّ يومٍ أربعة دراهم، فلقيَ عمرَ، فقال:
يا أمير المؤمنين إنّ المُغِيرة قد أثقلَ عليَّ فكلِّمْه، فقال: أحْسِنْ إلى
مولاكَ، ومن نِيَّة عمر أنْ يُكَلِّمَ المُغِيرَةَ فيه، فغضبَ وقال: يَسَعُ النَّاسَ
كلَّهم عدلُهُ غيري، وأضمر قتْلَه وانَّخذَ خِنْجَراً وشحذه وسَمَّه، وكان عمر
يقول: ((أقيموا صفوفكم)) قبل أنْ يُكَبِّرَ، فجاء فقام حذاءه في الصَّفِّ
وضربه في كَتِفِه وفي خاصرته، فسقط عمرُ، وطعن ثلاثة عشر رجلاً
معه، فمات منهم ستّة، وحُمِل عمرُ إلى أهله وكادت الشمسُ أنْ تطلع،
فصلَّى ابنُ عَوْف بالنَّاس بأقصر سورتين، وأُتي عمر بنبيذٍ فشربه فخرج
من جُرْحه فلم يتبيّن، فسَقَوه لَبَناً فخرج من جرحه، فقالوا: لا بأس
عليك، فقال: إنْ يكنْ بالقتلِ بأسٌ فقد قُتِلْتُ. فجعل النَّاسُ يُثْنون عليه
ويقولون: كنتَ وكنتَ، فقال: أما واللهِ ودِدْتُ أنَّ خرجتُ منها كفافاً لا
عليَّ ولا لي وأنَّ صُحْبَةَ رسولِ اللهِوَ لَ سَلِمَتْ لي .
٩٠

وأثنى عليه ابن عبّاس، فقال: لو أنّ لي طِلاَعَ الأرض ذَهَباً لافتديتُ
به من هولِ المُطَّلَع (١)، وقد جعلتُها شُوَرى في عثمان وعليّ وطلْحة
والزُّبَيْر وعبدالرحمن وسعد. وأمر صُهَيْباً أن يصلِّيَ بالنَّاس، وأجَّلَ (٢)
السنَّةَ ثلاثاً .
وعن عَمْرو بن ميمون أنّ عمر قال: ((الحمد لله الذي لم يجعل
مَنِيَّتِي بيد رجلٍ يدّعي الإسلام)). ثمّ قال لابن عبّاس: كنتَ أنت وأبوك
تحبّان أنْ يَكْثُرَ العُلُوج بالمدينة. وكان العبّاس أكثرهم رقيقاً.
ثمّ قال: يا عبدالله! انْظُرْ ما عليَّ من الدَّيْن، فحسبوه فوجدوه ستّةً
وثمانين ألفاً أو نحوها، فقال: إنْ وفَّى مالُ آلِ عمر فأدِّهِ من أموالهم
وإلّ فاسْأل في بني عدِيٍّ، فإنْ لم تَفِ أموالُهُم فَسَلْ في قريش؛ اذهب
إلى أمّ المؤمنين عائشة فقُلْ: يستأذن عمرُ أنْ يُدْفَنَ مع صاحِبَيْه. فذهبَ
إليها فقالت: كنتُ أريده - تعني المكانَ - لنفسي ولأُؤْثِرَنَّهُ اليومَ على
نفسي. قال: فأتى عبدالله، فقال: قد أذِنَتْ لك، فحمِدَ الله.
ثمّ جاءت أمُّ المؤنينَ حَفْصَة والنّساء يستُرْنَها، فلمّا رأيناها قُمْنَا،
فَمَكَثَتْ عنده ساعةً، ثمّ استأذن الرجالُ فَوَلَجَتْ داخلاً ثمّ سمعنا بُكَاءِها.
وقيل له: أوْصٍ يا أميرَ المؤمنين واستَخْلِف. قال: ما أرى أحداً أحقّ
بهذا الأمر من هؤلاء النَّفَر الذين تُوُقِّي رسولُ الله ◌ِ ◌َّ وهو عنهم راضٍ،
فسمَّى السّتَّةَ، وقال: يشهد عبدُالله بنُ عمرَ معهم وليس له من الأمر شيءٌ
- كهيئة التعزيةِ له - فإنْ أصابت الإمرةُ سعداً فهو ذاك وإلّ فلْيَسْتَعِنْ به
أيُّكم ما أُمُّرَ، فإنِّي لم أعزلُهُ من عجْزٍ ولا خيانة، ثمّ قال: أُوصِي الخليفةَ
من بعدي بتقوى الله، وأُوصيه بالمهاجرين والأنصار، وأوصيه بأهلٍ
(١) أي: من هول يوم القيامة.
(٢) أي: أمهلهم ثلاثة أيام ليتخذوا قرارهم.
٩١

الأمصارِ خيراً، في مثل ذلك من الوصيّة .
فلمّا تُؤُنِّي خرجنا به نمشي، فسلَّمَ عبدُالله بن عمر، وقال: عمر
يستأذن، فقالت عائشة: أدْخِلُوه، فأُدْخِل فوُضع هناك مع صاحبَيْه.
فلمّا فُرِغَ من دَفْنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرَّهْط، فقال عبدالرحمن
ابن عَوْف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم. فقال الزُّبَيْر: قد جعلتُ أمري
إلى عليٍّ، وقال سعد: قد جعلتُ أمري إلى عبدالرحمن، وقال طلحة:
قد جعلتُ أمري إلى عثمان. قال: فخلا هؤلاء الثلاثة فقال
عبدالرحمن: أنا لا أُريدها فأيُّكما يَبْرَأُ من هذا الأمر ونجعله إليه، واللهُ
عليه والإسلام، لينظرنَّ أفضلهم في نفسه وليحرصنَّ على صلاحِ الأمّة.
قال: فسكت الشيخان عليٍّ وعثمان، فقال عبدالرحمن: اجعلوه إليَّ
والله عليَّ لا آلو عن أفضلكم. قالا: نعم، فخلا بعليٍّ وقال: لك من
القِدَمِ في الإسلام والقرابةِ ما قد علمت، الله عليك لئن امَّرْتُك لتعدِلَنّ
ولئن أقَّرْتُ عليك لَتَسْمَعَنَّ وَتُطِيعَنَّ، قال: ثم خلا بالآخر فقال له
كذلك، فلمَّا أخذ ميثاقَهما بايع عثمان وبايعه عليّ(١) .
وقال المِسْوَر بن مَخْرَمَة: لما أصبح عمرُ بالصلاة من الغد، وهو
مطعونٌ، فَزَّعُوه فقالوا: الصَّلاة، ففزع وقال: نعم ولا حظّ في الإسلام
لمن تركَ الصَّلاةَ. فصلَّى وجرحُهُ يثعب دماً.
وقال النَّضْر بن شُمَّيْل: حدثنا أبو عامر الخزَّاز، عن ابن أبي مُلَيْكة،
عن ابن عبّاس، قال: لما طُعِنَ عمر جاء كعب فقال: والله لئن دعا أميرُ
المؤمنين لَيَبْعَثَنَّهُ الله وليرفعنَّه لهذه الأمّة حتّى يفعلَ كذا وكذا. حتَّى ذكر
المنافقين فيمن ذكر، قال: قلت: أبلِّغُهُ ما تقول؟ قال: ما قلتُ إلاّ وأنا
(١) حديث عمرو بن ميمون أخرجه ابن سعد في طبقاته ٣٣٧/٣-٣٣٩ واختصره
المصنف .
٩٢

أريدُ أن تُبلِّغْهُ، فقمتُ وتخطَّيت النَّاسَ حتَّى جلستُ عند رأسه فقلت: يا
أميرَ المؤمنين، فرفع رأسه فقلت: إنَّ كَعْباً يحلِف بالله لئن دعا أميرُ
المؤمنين لَيُّبْقِيَّةُ(١) اللهُ وَلَيَرْفَعَنَّهُ لهذه الأمّة. قال: ادْعُوا كعباً فدعوه،
فقال: ما تقول؟ قال: أقول كذا وكذا، فقال: لا واللهِ لا أدعو اللهَ ولكنْ
شقي عمرُ إنْ لم يغفر اللهُ له. قال: وجاء صُهَيْب، فقال: واصَفِيَّاهُ
واخَلِيلاُهُ واعُمَرَاه. فقال: مهلاً يا صُهَيْب أو مَا بَلَغَك أنَّ المُعَوَّلَ
عليه(٢) يُعَذَّبُ ببعض بكاءِ أهلِهِ عليه.
وعن ابن عبّاس قال: كان أبو لؤلؤة مَجُوسياً.
وعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: قال ابن عمر: يا أمير المؤمنين
ما عليك لو أجْهَدْت نفسك ثمّ أمَّرْت عليهم رجلاً؟ فقال عمر:
أقْعِدُوني. قال عبد الله: فتمنَيْتُ أنَّ بيني وبينه عرضَ المدينة فَرَقاً منه
حين قال: أقْعِدُوني، ثمّ قال: من أمَّرْتُم بأفواهكم؟ قلتُ: فُلاناً. قال:
إِنْ تؤمّروه فإنّه ذو شَيْبَتِكم، ثمّ أقبل على عبدالله، فقال: ثَكِلَتْكَ أمُّكَ
أرأيتَ الوليدَ ينشأ مع الوليد وليداً وينشأ معه كهلاً، أتراه يعرف من
خَلَقَه؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: فما أنا قائلٌ لله إذا سألني عَمَّنْ
أَمَّرْتُ عليهم فقلت: فلاناً، وأنا أعلمُ منه ما أعلم! فلا والذي نفسي بيده
لأرْدُدَنَّها إلى الذي دفعها إليَّ أوَّلَ مرَّةٍ، ولَوَدِدْتُ أنَّ عليها مَنْ هو خيرٌ
منِّي لا ينقصني ذلك ممّا أعطاني اللهُ شيئاً .
(١) هكذا كتبها المؤلف بخطه هنا، وكان قد جود كتابتها قبل قليل: ((ليبعثنه)) وكله
بمعنى ،
(٢). يشير عمر إلى الحديث الذي يرويه عن رسول الله بَظهر، وهو من هذا الوجه عند
أحمد ٣٩/١، ومسلم ٤٢/٣. وهو في الصحيحين من حديث ابن عمر:
البخاري ١٠٢/٢، ومسلم ٤١/٣. وانظر مزيد تخريج له في طبعتنا من سنن
ابن ماجة (١٥٩٣).
٩٣

وقال سالم بن عبدالله، عن أبيه، قال: دخل على عمرَ عثمان،
وعليٌّ، والزُّبَيْر، وابن عَوْف، وسعد - وكان طلحة غائباً - فنظر إليهم ثمّ
قال: إنِّي قد نظرتُ لكم في أمر النَّاسِ فلم أجد عند النَّاس شقاقاً إلّا أنْ
يكون فيكم، ثمّ قال: إنَّ قومَكم إنمَا يُؤَمِّرُونَ أحَدَكُمْ أَيُّهَا الثلاثة، فإنْ
كنتَ على شيءٍ من أمرِ النَّاس يا عثمان فلا تحملنَّ بني أبي مُعَيْط على
رقابِ النّاس، وإنْ كنت على شيءٍ من أمر النّاس يا عبدالرحمن فلا
تحملنَّ أقاربك على رقاب الناس، وإنْ كنتَ على شيءٍ من أمر النَّاس يا
عليُّ فلا تحملنَّ بني هاشم على رقابِ النّاس، قوموا فتشاوروا وأَمَّرُوا
أحدكم، فقاموا يتشاورون.
قال ابن عمر: فدعاني عثمان مرَّةً أو مرَّتين ليُدْخِلَني في الأمرِ ولم
يُسَمِّني عمرُ، ولا واللهِ ما أحبُّ أَنِّي كنتُ معهم عِلْماً منه بأنّه سيكون من
أمرهم ما قالَ أبي، والله لَقَلَّ ما سمعته حوّل شفتيه بشيء قطّ إلّ كان
حقاً، فلمّا أكثر عثمانُ دعائي قلت: ألا تعقلون! تُؤمِّرون وأميرُ المؤمنين
حيٌّ! فَوَالله لَكأنّما أيقظتُهُم، فقال عمر: أمْهِلُوا فإنْ حدثَ بي حدثٌ
فلْيُصلِّ للنّاسِ صُهَيْب ثلاثاً ثمّ اجْمَعوا في اليوم الثالث أشرافَ النَّاس
وأمراء الأجناد فأمِّروا أحدكم، فمن تأمَّر عن غير مشورةٍ فاضربوا
عُثْقَه(١) .
وقال ابن عمر: كان رأسُ عمرَ في حِجْري، فقال: ضع خَدِّي على
الأرض، فوضعتُهُ، فقال: ويلٌ لي وويلُ أُمِّي إنْ لم يرحمني ربِّي(٢).
وعن أبي الحُوَيْرِث، قال: لمّا مات عمر ووُضِعَ ليُصَلَّى عليه
أقبل(٣) عليٍّ وعثمان أيُّهما يُصَلِّي عليه، فقال عبدالرحمن: إنَّ هذا لهو
(١) طبقات ابن سعد ٣٤٤/٣.
(٢) طبقات ابن سعد ٣/ ٣٦٠.
(٣) ورد في بعض المصادر ((اقتتل))، وما أثبتناه من خط المؤلف، ويعضده ما في =
٩٤

الحِرْصُ على الإمارة، لقد علمتما ما هذا إليكما ولقد أمر به غيركما،
تقدَّمْ يا صُهَيْب فَصَلِّ عليه. فصلّی علیه .
وقال أبو مَعْشَر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وُضِعَ عمرُ بين القبر
والمنبر، فجاء عليٍّ حتَّى قام بين الصُّفوفِ، فقال: رحمةُ الله عليكَ ما
من خَلْقِ أحبّ إليَّ من أنْ ألقى الله بصحيفته بعد صحيفةِ النَبِيِّ وَّر من
هذا المُسَجَّى عليه ثوبه. وقد رُوي نحوه من عدّة وجوهٍ عن عليّ (١).
وقال مَعْدان بن أبي طَلْحَة: أُصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من
ذي الحجّة. وکذا قال زيد بن أسلم وغيرُ واحد.
وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: إنّه دُفِنَ يوم
الأحد مُسْتَهَلّ المحرّم.
وقال سعيد بن المسيّب: تُوُقِّ عمر وهو ابن أربع أو خمسٍ
وخمسين سنة، كذا رواه الزُّهْرِيّ عنه.
وقال أيّوب، وعُبَيْدالله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: مات عمر
وهو ابن خمس وخمسين سنة (٢) . وكذا قال سالم بن عبدالله، وأبو
الأسود يتيم عُزَوة، وابن شهاب.
وروى أبو عاصم، عن حنظلة، عن سالم، عن أبيه: سمعت عمرَ
قبل أنْ يموتَ بعامين أو نحوهما يقول: أنا ابن سبع أو ثمانٍ وخمسين.
تَفَرَّدَ به أبو عاصم.
وقال الواقديّ: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه :
تُؤُقِّي عمر وله ستُّون سنة(٣) . قال الواقديُّ: هذا أثبتُ الأقاويل، وكذا
=
طبقات ابن سعد ٣٦٧/٣ ومنه ينقل المؤلف.
(١) طبقات ابن سعد ٣٦٩/٣.
(٢) طبقات ابن سعد ٣٦٥/٣.
(٣) تاريخ الطبري ٤ /١٩٨ .
٩٥

قال مالك.
وقال قَتَادة: قُتِلَ عمر وهو ابن إحدى وستّين سنة.
وقال عامر بن سعد البجَليِّ، عن جرير بن عبدالله (أنه)(١). سمع
معاوية يخطب ويقول: ماتَ رسولُ اللهِ وَّهِ وهو ابنُ ثلاثٍ وستّين، وأبو
بكر وعمر وهما ابنا ثلاثٍ وستين(٢).
وقال يحيى بن سعيد: سمعتُ سعيد بن المسيّب، قال: قُبض عمر
وقد استكمل ثلاثاً وستين. قد تقدَّم لابن المسيّب قولٌ آخر.
وقال الشَّعبيُّ مثلَ قول معاوية .
وأكثر ما قيل قول ابن جُرَيْج، عن أبي الحُوَيْرث، عن ابن عبّاس:
قُبِضَ عمر وهو ابن ستٍ وستّين سنة، والله أعلم(٣).
(١) إضافة من الطبقات.
(٢) طبقات ابن سعد ٣٦٥/٣.
(٣) كتب صلاح الدين الصفدي بخطه على هامش الأصل: ((بلغت قراءة خليل بن
أيبك على مؤلفه، فسح الله في مدته، في الميعاد السابع عشر، وسمعه
القاضي شرف الدين عبدالرحيم الزريراني الحنبلي)).
٩٦

[الحوادث في خلافة عمر الفاروق]
سنَّة أربَع عَشَرة
فيها فُتِحت دمشق، وحمص، وبَعْلَبَكُ، والبَصْرة، والأُبُلَّة، ووقعة
جسر أبي عُبَيْد بأرض نَجْران، ووقعة فِحْل بالشّام، في قول ابن الكَلْبِيِّ.
فأمّا دمشق فقال الوليد بن هشام، عن أبيه، عن جدّه، قال: كان
خالدٌ على النَّاس فصالح أهلَ دمشق، فلَم يفْرُغ من الصُّلْحِ حتّى عُزل
وَوَلِيَ أبو عُبَيْدة، فأمضى صُلْحَ خالد ولم يغيِّرِ الكتابَ.
وهذا غلطٌ لأنَّ عمر عَزَل خالداً حين وَلِيَ. قاله خليفة بن
خيّاط(١)، وقال: حدثني عبدالله بن المُغِيرة، عن أبيه، قال: صالحهم
أبو عُبَيْدة على أنصافِ كنائسهم ومنازلهم وعلى رؤوسهم، وأن لا يُمْنَعُوا
من أعيادهم.
وقال ابن الكَلْبِيِّ: كان الصُّلْحُ يوم الأحد للنصف من رجب سنة
أربع عشرة، صالحهم أبو عبيدة.
وقال ابن إسحاق: صالحهم أبو عُبَيْدة في رجب .
وقال ابن جرير (٢) : سار أبو عُبَيْدة إلى دمشق، وخالد على مقدّمة
النَّاس، وقد اجتمعت الرومُ على رجلٍ يقال له باهان بدمشق، وكان عمر
عزل خالداً واستعمل أبا عُبَيْدة على الجميع، والتقى المسلمون والروم
(١) تاريخ خليفة ١٢٦ .
(٢) تاريخ الطبري ٤٣٤/٣ .
٩٧

فيما حولَ دمشق، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثمّ هزم اللهُ الرومَ، ودخلوا
دمشق وغلَّقوا أبوابَها، ونازلها المسلمون حتى فُتِحت، وأعطُوا الجزية.
وكان قَدِمَ الكتابُ على أبي عُبَيْدةَ بإمارته وعَزْلِ خالدٍ، فاستحيا أبو عُبَيْدة
أن يُقْرِىء خالداً الكتابَ حتى فُتِحَتْ دمشقُ وجرى الصُّلْح على يَدَي
خالد، وكُتِب الكتابُ باسمه، فلمّا صالحتْ دمشقُ لَحِقَ باهان بصاحب
الروم هرقل. وقيل: كان حصار دمشق أربعة أشهر.
وقال محمد بن إسحاق(١) : إنَّ عمرَ كان واجداً على خالد بن
الوليد لقتْله ابن نُوَيْرَة، فكتب إلى أبي عُبَيْدة أنِ أَنْزَعْ عِمَامَتَهُ وقاسِمْه
مالَه، فلمّا أخبره، قال: ما أنا بالذي أعصي أميرَ المؤمنين، فاصنعْ ما
بَدَا لك، فقاسَمَه حتَّى أخذ نعله الواحدة.
وقال ابن جرير (٢) : كان أوّلَ محصورٍ بالشام أهلُ فِحْلٍ ثمّ أهلُ
دمشق، وبعث أبو عُبَيْدة ذا الكَلاع حتّى كان بين دمشق وحمص رِذءاً،
وحصروا دمشق، فكان أبو عُبَيْدة على ناحيةٍ، ويزيد بن أبي سفيان على
ناحية، وعَمْرو بن العاص على ناحية، وهِرَقْل يومئذٍ على حِمْص،
فحاصروا أهلَ دمشق نحواً من سبعين ليلةً حصاراً شديداً بالمجانيق،
وجاءت جنود هِرَقْل نجدةً لدمشق، فشغلتها الجنودُ التي مع ذي الكلاع،
فلمّا أيقن أهلُ دمشق أنّ الأمداد لا تصلُ إليهم فشِلُوا ووَهِنُوا.
وكان صاحب دمشق قد جاءه مولودٌ فصنع طعاماً واشتغل يومئذٍ،
وخالد بن الوليد لا ينامُ ولا يُنِيمُ قد هَيَّأْ حِبالاً كهيئة السَّلالم، فلمَّا أمسى
هيّأ أصحابَه وتقدّم هو والقَعْقَاعُ بنُ عَمْروٍ، ومذعور بن عَدِيّ وأمثالهم
وقالوا: إذا سمعتُم تكبيرَنا على السُّور فارْقَوْا إلينا وانْهَدُوا البابَ. قال:
(١) تاريخ الطبري ٤٣٦/٣، وهو مرسل، فالله أعلم بصحته!
(٢) تاريخ الطبري ٤٣٨/٣.
٩٨

فلمَّا انتهى خالد ورُفَقَاؤه إلى الخندق رمَوا بالحبال إلى الشُّرَف، وعلى
ظهورهم القِرَب التي سبحوا بها في الخَنْدق، وتسلَّق القعقاعُ ومذعورٌ
فلم يَدَعَا أُحَبُولَةَ إلّ أثبتاها في الشُّرَف، وكان ذلك المكان أحصن مكانٍ
بدمشق، فاستوى على السُّور خَلْقٌ من أصحابه ثم كَبَّرُوا، وانحدر خالد
إلى الباب فقتل البوّابين، وثار أهلُ البلد إلى مواقفهم لا يدرون ما
الشّأن، فتشاغل أهلُ كلِّ جهةٍ بما يليهم، وفتح خالدٌ البابَ ودخل
أصحابُه عَنوةً، وقد كان المسلمون دَعَوْهم إلى الصُّلْحِ والمشاطرة فأبَوْا،
فلمّا رأوا البلاءَ بذلوا الصُّلْحَ، فأجابهم مَنْ يليهم، وقبلوا فقالوا: ادخلوا
وامْنَعُونا من أهلِ ذاكَ الباب، فدخل أهلُ كلِّ بابٍ بصُلْح ما يليهم،
فالتقى خالد والأمراء في وسط البلد، هذا استعراضاً ونَهَّباً، وهؤلاء
صُلْحاً، فأجْرَوا ناحيةَ خالد على الصُّلْحِ بالمقاسمة. وكُتِبَ إلى عمر
بالفتح .
وكتب عمر إلى أبي عُبَيْدة أنْ يُجهِّزَ جيشاً إلى العراق نجدةً لسعد بن
أبي وقّاص، فجهّز له عشرة آلافٍ عليهم هاشم بن عُتْبة، وبقي بدمشق
يزيدُ بن أبي سفيان في طائفةٍ من أمداد اليمن، فبعث يزيدُ دِحْيَةَ بنَ
خليفة الكلبيِّ في خَيْلٍ إلى تَدْمُرَ، وأبا الأزهر إلى البَثَنِيّة وحَوْرَان
فصالَحَهُم، وسار طائفةٌ إلى بَيْسَان فصالحوا(١) .
وفيها كان سعد بن أبي وقّاص فيما ورد إلينا على صَدَقَاتِ هَوَازِن،
فكتب إليه عمر بانتخابٍ ذي الرَّأي والنَّجْدةِ ممَّنْ له سلاح أو فَرَس،
فجاءه كتابُ سعد: إنّي قد انتخبتُ لك ألفَ فارس، ثم قدِم عليه فأمَّره
على حربِ العراق، وجهَّزه في أربعة آلاف مقاتل، فأبى عليه بعضُهم إلّ
المسيرَ إلى الشّام، فجهزَّهم عمرُ إلى الشام(٢).
(١) تاريخ الطبري ٤٤٠/٣ .
(٢) تاريخ الطبري ٤٨٣/٣ .
٩٩

ثم إنَّ عمر أمَذَّ سعْداً بعد مسيره بألفَيْ نَجْدِيٍّ وألْفَيْ يَمَانِيٍّ، فَشَتَا
سعد بزَرُود(١) ، وكان المُثَنَّى بنُ حارثة على المسلمين بما فتح الله من
العراق، فمات من جراحته التي جُرِحَها يوم جسر أبي عُبَيْد، فاستخلف
المثنَّى على النَّاس بشيرَ بنَ الخَصَاصِية، وسعدُ يومئذٍ بزرود، ومع بشير
وُفُودِ أهلِ العراقَ. ثم سار سعد إلى العراق، وقدِم عليه الأشعثُ بنُ
قيس في ألفٍ وسبع مئةٍ من اليَمانيّين (٢).
وقعة الجَسْر
كان عمر قد بعث في سنة ثلاث عشرة جيشاً، عليهم أبو عُبَيْد
الثَّقْفيّ رضي الله عنه، فلقي جابان في سنة ثلاث عشرة - وقيل: في أول
سنة أربع عشرة - بين الحِيرَة والقادِسيّة. فهزم الله المجوسَ، وأُسِر
جابان، وقُتِل مردانشاه، ثمّ إنَّ جابان فَدَى نفسَه بغُلامَيْن وهو لا يعرفُ
أنّه المقدَّم، ثم سار أبو عُبَيْد إلى كَسْكَر فالتقى هو ونَرْسِيّ فهزمه، ثم
لقي جالينوس فهزمه .
ثم إنَّ كِسْرَى بعث ذا الحاجب، وعقد له على اثني عشر ألفاً، ودفع
إليه سلاحاً عظيماً، والفيل الأبيض، فبلغ أبا عُبَيْد مسيرُهم، فعبر الفراتَ
إليهم وقطع الجَسْر، فنزل ذو الحاحب قَسّ النَّاطِف، وبينه وبين أبي
عُبَيْدِ الفُرات، فأرسل إلى أبي عُبَيْد: إمّا أنْ تَعْبُرَ إلينا وإمّا أنْ نَعْبُرَ إليك.
فقال أبو عُبَيْد: نَعْبُرُ إليكم، فعقد له ابن صَلُوبا الجَسْرَ، وعبر فالتَقَوْا في
مضيقٍ في شوّال. وقَدَّمَ ذو الحاجب جالينوس معه الفيل، فاقتتلوا أشدّ
قتالٍ، وضرب أبو عُبَيْد مِشْفَرَ الفيل، وضرب أبو مِحْجَن عرقُوبَه .
(١) رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة.
(٢) تاريخ الطبري ٤٨٥/٣-٤٨٧ .
١٠٠