Indexed OCR Text

Pages 41-60

عنهما فانتهوا إلى قَطَن(١) فصادفوا فيها حِبالاً(٢) متوجهاً إلى طُلَيْحَة
بثقلِهِ، فقتلوه وأخذوا ما معه، فساق وراءهم طُلَيْحة وأخوه سَلَمَة فقتلا
عُكّاشة وثابتاً .
وقال الوليد الموقَّري، عن الزُّهريِّ، قال: فسار خالدٌ فقاتل طُلَيْحة
الكذّاب فهزمه الله، وكان قد بايع عُيَيْنة بن حصْن، فلمّا رأى طُلَيْحة كثْرَةَ
انهزام أصحابِه قال: ما يُهزمكم؟ فقال رجلٌ: أنا أُحدِّثُكَ، ليس مِنَّا رجلٌ
إلّ وهو يحبُّ أنْ يموتَ صاحبهُ قبلَه، وإنَّا نلقى قوماً كلَّهُم يحبُّ أنْ
يموتَ قبل صاحبه، وكان طُلَيْحة رجلاً شديدَ البأس في القتال، فقتل
طُلَيْحة يومئذٍ عُكَّاشَةَ بن مِحْصَن وثابت بن أقرم. وقال طُلَيْحة:
وعُكّاشَة الغنميّ تحت مجالي
عَشِيَّةَ غادرْتُ ابنَ أَقْرَمَ ثاوياً
معاودة قتل الكُماة نِزالي
أقمتُ لهم صدْرَ الحمالة إنّها
ويوماً تراها في ظِلالِ عَوالٍ
فَيَوْماً تراها في الجلال مصونةً
أَلَيْسُوا وإنْ لم يَسْلَمُوا برجال
فما ظنّكم بالقوم إذ تقتلونهم
فلم تَرْهَبُوا فَرْغاً بقتل حبالٍ
فإِنْ يَكُ ذا وُدِّ أُصِبْنَ ونِسْوةٌ
فلمّا غلب الحقُّ طُلَيْحة تَرَجَّلَ. ثم أسلم وأهلَّ بِعُمْرَةٍ، فركب يسيرُ
في النّاس آمناً، حتَّى مَرَّ بأبي بكرٍ بالمدينة، ثم سار إلى مكة فقضى
عُمْرَتَه، ثم حَسُن إسلامُه.
وفي غير هذه الرواية أنّ خالداً لقي طُلَيْحَة بِبُزَاخَة(٣)، ومع طُلَيْحَة
عُيَيْنة بن حِصْن، وقُرَّة بن هُبَيرة القُشَيْريّ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم هرب
طُلَيْحَةُ وأُسِرَ عُيَيْنة وقُرَّة، وبُعِثَ بهما إلى أبي بكر فَحَقَنَ دماءهما .
٠
(١) جبل لبني عبس كثير النخل والمياه بين الرمة وبين أرض بني أسد.
(٢) هو شقيق طليحة.
(٣) لطيء من أرض نجد.
٤١

وذُكِرَ أنَّ قيسَ بن مَكْشُوح أحَد مَنْ قتلَ الأسودَ العَنْسِيَّ ارتدَّ، وتابَعَهُ
جماعةٌ من أصحاب الأسود، وخافه أهلُ صنعاء، وأتى قيس إلى فيروز
الدَّيْلَميّ وذادَوَيه يستشيرهما في شأن أصحاب الأسود خديعة منه،
فاطْمَانًا إليه، وصنع لهما من الغد طعاماً، فأتاه ذادويه فقتله. ثم أتاه
فيروز ففطِن بالأمر فهرب، ولقيه جُشَيْش(١) بن شَهْر ومضى معه إلى
جبال خَوْلان، وملك قيسُ صنعاء، فكتب فيروز إلى أبي بكر يَستمدُّه.
فأمَدَّه، فلقوا قيساً فهزموه ثمّ أسروه وحملوه إلى أبي بكر رضي الله عنه
فوبَّخه، فأنكر الرِّدَّة، فعفا عنه أبو بكر.
وقال ابن ◌َهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قال: فسار خالد -
وكان سيفاً من سيوف الله - فأسرع السيرَ حنى نزل ببُزَاخةَ، وبعثتْ إليه
طَيء: إنْ شئتَ أنْ تقدِمَ علينا فإنَّا سامعون مطيعون، وإنْ شئتَ، نسيرُ
إليك؟ قال خالد: بل أنا ظاعنٌ إليكم إنْ شاء اللهُ، فلم يزل ببُزَاخة،
وجمع له هناك العدوّ بنو أسد وغَطَفان فاقتتلوا، حتّى قُتِلَ من العدو
خَلْقٌ وأُسِر منهم أسارى، فأمر خالد بالحُظر أن تُبْنَى، ثمّ أوقد فيها
النِّيرانَ وألقى الأسارى فيها، ثم ظعن يريدُ طيْئاً، فأقبلت بنو عامر
وغَطفان والنَّاس مُسْلمين مُقِرِّينَ بأداء الحقِّ، فقبل منهم خالد.
وقُتِلَ في ذلك الوجه مالك بن نُوَيْرة التميمي في رجالٍ معه من
تميم، فقالت الأنصار: نحن راجعون، قد أقرَّت العربُ بالذي كان
عليها، فقال خالد ومَن معه من المهاجرين: قد لَعَمْري آذَنُ لكم، وقد
أجمع أميرُكم بالمسير إلى مُسَيْلَمَة بن ثُمَامة الكذَّاب، ولا نرى أنْ تفرَّقوا
على هذه الحال، فإنَّ ذلك غيرُ حَسَنٍ، وإنّه لا حُجَّةَ لأحدٍ منكم فَرَقَ
(١) هكذا قيده هنا بخطه، وهو يوافق تقييده في المشتبه (٢٦٥)، وتقدم تقييده:
((جشنس)) بخطه أيضاً .
٤٢

أميره وهو أشدّ ما كان إليه حاجةً، فابتِ الأنصارُ إلا الرجوعَ، وعزم
خالد ومَنْ معه، وتخلَّفت الأنصار يوماً أو يومين ينظرون في أمرهم،
ونَدِمُوا وقالوا: ما لكم واللهِ عذْرٌ عند الله ولا عند أبي بكر إنْ أُصيبَ هذا
الطَّرف وقد خَذَلْنَاهم، فأسرعوا نحو خالد ولَحِقُوا به، فسار إلى
اليَمَامة، وكان مُجَّاعَة بن مُرارة سيّد بني حنيفة خرج في ثلاثة وعشرين
فارساً يطلب دماً في بني عامر، فأحاط بهم المسلمون، فقتل أصحاب
مُجَّاعَة وأوثقه .
وقال العطاف بن خالدٌ: حدّثني أخي عبدالله عن بعض آل عديٍّ،
عن وحْشِيٍّ، قال: خرجنا حتَّى أتينا طُلَيْحة فهزمهمُ اللهُ، فقال خالد: لا
أرجع حتى آتي مُسَيْلَمةَ حتَّى يَحْكُمَ اللهُ بيننا وبينهم، فقال له ثابت بن
قيس: إنّما بُعِثنا إلى هؤلاء وقد كفى الله مَؤُونَتَهم، فلم يقبل منه،
وسار، ثمّ تبعَه ثابت بعد يومٍ في الأنصار.
مقتل مالك بن نُوَيْرة التميمي الحنْظلي اليَرْبوعي
قال ابن إسحاق(١) : أُنِّيَ خالد بن الوليد بمالك بن نُوَيْرة في رَهْطِ
من قومه بني حنظلة، فضرب أعناقَهُم، وسار في أرضٍ تميم، فلمّا
غَشوا قوماً منهم أخذوا السِّلاحَ، وقالوا: نحن مسلمون، فقيل لهم:
ضَعُوا السّلاحِ، فوضعوه، ثمّ صلَّى المسلمون وصلَّوا.
فروى سالم بن عبدالله(٢) ، عن أبيه، قال: قدِم أبو قَتَادَة الأنصاريّ
على أبي بكرٍ فأخبره بقتلِ مالكِ بن نُوَيْرَةَ وأصحابه، فجزعَ لذلك، ثم
(١) أخرجه خليفة ١٠٥، والطبري ٣/ ٢٨٠ عن ابن إسحاق.
(٢) تاريخ خليفة ١٠٥ .
٤٣

ودَى مالكاً وردّ السَّبْيَ والمال.
ورُوِيَ أنّ مالكاً كان فارساً شجاعاً مُطاعاً في قومه وفيه خُيَلاء، كان
يقال له الجَفُولُ. قَدِمَ على النَّبِّنَّه وأسلم فولَاَهُ صَدَقَةَ قومه، ثمّ ارتَدَّ،
فلمّا نَازَلَه خالد قال: أنا آتي بالصَّلاةِ دونَ الزَّكاةِ. فقال: أما علمتَ أنَّ
الصّلاة والزَّكاة معاً؟ لا تُقْبَلُ واحدةٌ دون الأخرى! فقال: قد كان
صاحبك يقول ذلك. قال خالد: وما تراهُ لك صاحباً! واللهِ لقد هممتُ
أنْ أضربَ عُنُفَك، ثم تحاورا طويلاً فصمَّمَ على قتله: فكلَّمَهُ أبو قَتَادَة
الأنصاري وابن عمر، فكره كلامهما، وقال لضرار بن الأزْوَر: اضْرِبْ
عُنُقَه، فالتفت مالك إلى زوجته وقال: هذه التي قَتَلَتْني، وكانتْ في غايةٍ
الجمال، قال خالد: بل اللهُ قَتَلَكَ برجوعِك عن الإسلام. فقال: أنا على
الإسلام. فقال: اضْرب عُنُقَه، فضرب عُنُّقه، وجعل رأسه أحد أثافي
قِدْرٍ طَبِخَ فيها طعامٌ (١) ، ثم تزوَّج خالد بالمرأةِ، فقال أبو زُهير السَّعديُّ
من أبیات:
قضى خالد بغياً عليه لعُرْسه وكان له فيها هوىّ قبل ذلِكا
(١) لعل هذه من جملة الافتراءات على سيف الله المسلول خالد بن الوليد، إذ
ليس من المعقول ولا المقبول أن يرتكب مثل هذه الفعلة جنديٌّ صغير، فما
بالك بخالد بن الوليد!، أَضِفْ إلى ذلك أن الإسلام ينهى عن المثلة، بل إن
خليفة رسول الله ور أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يوصي الجيش وقادته
المتوجهين إلى مقارعة الأعداء ألا يحرقوا شجراً ولا يقتلوا شيخاً أو طفلاً ...
ووصيته في ذلك مشهورة لا تحتاج إلى مزيد شرح.
وإن إيرادَ الذهبيِّ وغيره من المؤرخين لمثل هذه النصوص غير المحققة،
لا يعني أنهم يقرونها، بل إنهم يعتمدون على ذكر السند فيتركون للمطلع
معرفة الصحيح من الملفّق الدخيل، وقد ساق الذهبي هذه الحكاية من غير
سند، وسندها في تاريخ الطبري ٢٧٩/٣ وهو سند مظلم، فهي من رواية سيف
ابن عمر، عن خزيمة بن شجرة، عن عثمان بن سويد الرياحي، عن سويد
الرياحي، وهم بین کذاب ومجهول.
٤٤

وذكر ابن الأثير في ((كامله))(١) وفي ((معرفة الصحابة))(٢)، قال:
لما تُوُقِّي النَّبِيُّ وَّ وارتدَّتِ العربُ، وظهرت سَجَاح وادّعت الثُّؤَّة
صالَحَهَا مالك، ولم تظهر منه رِدَّةٌ، وأقام بالبِطاح، فلمّا فرغ خالد من
أسد وغَطَفان سار إلى مالك وبثَّ سرايا، فأُتي بمالك. فذكر الحديث،
وفيه: فلمَّا قدِم خالد قال عمر: يا عدوَّ الله قتلتَ امرأً مسلماً ثمَّ نَزَوْتَ
على امرأته، لأَرْجُمَنَّكَ. وفيه أنَّ أبا قتادَة شَهِدَ أنَّهم أَذَّنوا وصلَّوا.
وقال الموقَّرِيُّ(٣)، عن الزُّهْريّ، قال: وبعث خالد إلى مالك بن
نُوَيْرة سَرِيَّةً فيهم أبو قَتَادَة، فساروا يومهم سِراعاً حتى انتهوا إلى محلَّةٍ
الحيِّ، فخرج مالكٌ في رَهْطه فقال: مَنْ أنتم؟ قالوا: نحن المسلمون،
فزعم أبو قتادة أنّه قال: وأنا عبدُاللهِ المسلمُ، قال: فضَع السلاحَ،
فوضعه في اثني عشر رجلاً، فلمَّا وضعوا السلاحَ ربطهم أميرُ تلك
السَّريّة وانطلق بهم أسارى، وسار معهم السَّبْي حتى أتوا بهم خالداً،
فحدَّثَ أبو قَتَادة خالداً أنَّ لهم أماناً وأنّهم قد أدَّعوا إسلاماً، وخالف أبا
قتادةَ جماعةُ السَّريَّة فأخبروا خالداً أنّه لم يكن لهم أمانٌ، وإنّما أُسِروا
قَسْراً، فأمر بهم خالد فقُتِلُوا وقَبَضَ سَبْيَهُم، فركب أبو قَتَادة فرسه وسار
قِبَلَ أبي بكرٍ. فلمَّا قَدِمَ عليه قال: تعلم أنَّه كان لمالك بن نُوَيْرة عهد
وأنّه ادّعى إسلاماً، وإنّي نَهَيْتُ خالداً فتركَ قولي، وأخذَ بشهاداتٍ
الأعرابِ الذين يريدون الغنائمَ. فقام عمر فقال: يا أبا بكر إنَّ في سيفٍ
خالد رَهَقاً، وإنَّ هذا لم يكن حقّاً فإنَّ حقاً عليك أنْ تَقِيدَهُ(٤)، فسكت
(١) الكامل في التاريخ ٣٥٨/٢.
(٢) أسد الغابة في معرفة الصحابة ٢٩٥/٤.
(٣) هو الوليد بن محمد الموقري، أحد المتروكين، يروي عن الزهري
الموضوعات التي لم يحدث بها الزهري قط!
(٤) هو من القَوَد، وهو القصاص.
٤٥

أبو بكر .
ومضى خالد قِبَلَ اليَمامة، وقَدِمَ مُتَمَّم(١) بن نُوَيْرة فأنشد أبا بكر
مَنْدَبَةً نَدَب بها أخاهُ، وناشده في دم أخيِهِ وفي سَبْيهم، فردّ إليه أبو بكر
السَّبْيَ، وقال لعمر وهو يناشد في القَوَد: ليس على خالد ما تقول، هَبْهُ
تَأوَّلَ فأخطأ .
قلت: ومن المَنْدَبَة :
من الدَّهر حتّى قيل لن يتصدّعا
وكنّا كَنَدْمَاني جَذِيمة حِقْبَةً
لطُول اجتماع لم نَبتْ ليلةً معاً
فلمّا تَفَرَّقنا كأنِّي ومالِكاً
وقال الثَّوْرِيّ، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: لمّا
قدِمِ وفدُ بُزَاخة أسد وغَطَفان على أبي بكر يسألونه الصُّلحَ، خيَّرَهُم أبو
بكرٍ بين حربٍ مُجَلِّية أو خُطَّةٍ مُخْزِية، فقالوا: يا خليفةَ رسولِ الله أمَا
الحربُ فقد عرفناها، فما الخطّة المُخْزِيَة؟ قال: يؤخذ منكم الحَلْقة
والكُراع(٢)، وتُتْرَكُونَ أقواماً تَتَبعونَ أذنابَ الإبلِ حَتَّى يُرِي اللهُ خليفةَ
نبيِّهِ والمؤمنينَ أمراً يعذرونكم به، وتُؤذُّونَ ما أصبتم منّا ولا نُؤدِّي ما
أصبنا منكم، وتشهدونَ أنَّ قَتْلانا في الجنَّةِ وأن قتلاكم في النَّار، وتَدُون
قَتْلانا ولا نَدِي قتلاكم. فقال عمر: أمّا قولك: ((تَدُون قتْلانا)) فإنَّ قَتْلانا
قُتِلوا على أمرِ الله لا دِيات لهم. فاتبع عمر، وقال عمر في الباقي: نِعْمَ
ما رأيت(٣).
(١) بفتح الميم المشددة، قيّده صاحب ((القاموس)).
(٢) الكراع: اسم لجميع الخيل.
(٣) كتب المصنف هذه الفقرة في حاشية نسخته بخطه.
٤٦

قتال مُسَيْلَمَة الكذَّاب
ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: سار خالد إلى اليمامة
إِلى مُسَيْلَمَة، وخرج مُسَيْلَمةُ بجُموعِه فنزلوا بعفرا فحلَّ بها خالد علیهم،
وهي طَرَف اليَمامة، وجعلوا الأموال خلفها كلّها ورِيف اليمامة وراء
ظُهَورهم. وقال شُرَحْبيل بن سلمة: يا بني حنيفة اليوم يوم الغَيْرَة، اليوم
إِنْ هُزِمتم ستُرْدَف النّساء سَبِيَّات ويُنْكَحْن غير حظِيّات، فقاتلوا عن
أحسابكم. فاقتتلوا بعفرا قتالاً شديداً، فجال المسلمون جَوْلَةً، ودخل
ناسٌ من بني حنيفة فُسْطاطَ خالد، وفيه مجَّاعة أسير وأمّ تميم امرأة
خالد، فأرادوا أنْ يقتلوها فقال مُجّاعة: أنا لها جارٌ، ودفع عنها، وقال
ثابت بن قيس حين رأى المسلمين مُدْبِرِين: أُفٍ لكم ولما تعملون، وكرَّ
المسلمون فهزم الله العدوَّ، ودخل نفرٌ من المسلمين فُسطاطَ خالدٍ
فأرادوا قتل مُجَّاعة، فقالت أمُّ تميم: والله لا يُقْتل، وأجارته. وانهزم
أعداءُ الله حتى إذا كانوا عند حديقةِ الموتِ اقتتلوا عندها، أشدَّ القتال.
وقال محكّم بن الطُّفَيْل: يا بني حنيفة ادخُلُوا الحديقة فإني سأمنع
أدباركم، فقاتل دونهم ساعةً وقُتل، وقال مُسَيْلَمَة: يا قوم قاتِلوا عن
أحسابكم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقَتلَ مسيلمَةَ وحشيٌّ مولى بني نوفل.
وقال المُوَقّريّ، عن الزُّهري: قاتل خالد مُسَيْلَمَة ومَنْ معه من بني
حنيفة، وهم يومئذٍ أكثرُ العرب عدداً وأشدّه شَوْكَةً، فاستُشْهِدَ خَلْقٌ
كثير، وهزم الله بني حنيفة، وقُتْلَ مُسَيْلَمة، قتله وحْشِيِّ بَحرْبَةٍ .
وكان يقال: قَتَلَ وحْشِيٌّ خيرَ أهلِ الأرض بعد رسولِ الله وَ لَهُ وشَرَّ
أهل الأرض .
٤٧

وعن وحْشِيٍّ، قال: لم أر قطّ أصْبَرَ على الموت من أصحاب
مُسَيْلَمَة، ثمّ ذكر أنّه شارك في قتلِ مُسَيْلَمة .
وقال ابن عَوْن، عن موسى بن أنس، عن أبيه، قال: لمّا كان يوم
اليَمامة دخل ثابت بن قيس فتحتَّظَ، ثم قام فأتى الصَّفَّ والنّاسُ
منهزمون، فقال هكذا عن وجوهنا، فضارب القومَ، ثم قال: بئسما
عَوَّدْتُمْ أَقرانَكم، ما هكذا كُنَّا نُقَاتُل مع رسولِ الله ◌َِّ فاستُشْهد رضي الله
عنه .
وقال المُوَقَِّيُّ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: ثمّ تَحصَّنَ من بني حنيفة من
أهل اليمامة ستةُ آلافِ مقاتلٍ في حِصْنهم، فنزلوا على حُكم خالد
فاسْتحياهم.
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: وعَمَدتْ بنو
حنفية حين انهزموا إلى الحصون فدخلوها، فأراد خالد أن يُنْهِدَ إليهمُ
الكتائبَ، فلم يزل مجَّاعة حتّى صالحة على الصَّفراء والبيضاء والحلْقة
والكُرَاعِ(١) ، وعلى نصفِ الرقيق، وعلى حائطٍ(٢) من كلِّ قريةٍ،
فتقاضوا على ذلك.
وقال سلامة بن عُمَيْر الحنفيّ(٣): يا بني حنيفة قاتِلوا ولا تُقَاضُوا
خالداً على شيءٍ، فإنَّ الحِصْنَ حصينٌ، والطعامَ كثيرٌ، وقد حضر
الشتاء. فقال مجَّاعَة: لا تُطيعوه فإنّه مَشْؤوم. فأطاعوا مُجَّاعة،
وقاضاهم. ثمّ إنّ خالداً دعاهم إلى الإسلام والبراءة مِمَّا كانوا عليه،
فأسلم سائرُهُم.
وقال ابن إسحاق: إنّ خالداً قال: يا بني حنيفة ما تقولون؟ قالوا:
(١) يعني على الذهب والفضة والسلاح والماشية من خيول وغيرها.
(٢) أي: بستان.
(٣) تاريخ الطبري ٢٩٩/٣.
٤٨

منّا نبيٌّ ومنكم نبيّ، فعرضهم على السيف، يعني العشرين الذين كانوا
مع مجَّاعة بن مُرَارة، وأوثقه هو في الحديد، ثم التقى الجَمْعَان فقال
زيد بن الخطّاب حين كشف النّاس: لا نَجَوْتُ بعد الرِّحال(١) ، ثم قاتل
حتى قتِلَ.
وقال ابن سِيرِين: كانوا يَرَوْن أنّ أبا مريم الحنفي قتل زيداً.
وقال ابن إسحاق: رمى عبدُالرحمن بن أبي بكر مُحكَّمَ اليَمَامةِ ابن
◌ُفَيْل بسهم فقتله .
قلتُ: واختلفوا في وقْعة اليَمَامة متى كانت: فقال خليفة بن
خياط(٢)، ومحمد بن جرير الطبري(٣) : كانت في سنة إحدى عشرة.
قال عبدالباقي بن قانع: كانت في آخر سنة إحدى عشرة.
وقال أبو معشر: كانت اليمامةُ في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة.
فجمیعُ مَنْ قُتِلَ يومئذٍ أربع مئة وخمسون رجلاً.
وقال الواقديُّ: كانت سنة اثنتي عشرة، وكذلك قال أبو نُعَيْم،
ومعن بن عیسی، ومحمد بن سعد، كاتب الواقديٍّ وغيرهم.
قلت: ولعلّ مبدأ وقْعة اليمامة كان في آخر سنة إحدى عشرة كما
قال ابن قانع، ومُنْتَهاها في أوائل سنة اثنتي عشرة، فإنَّها بقيت أياماً
المكان الحصار. وسأُعيدُ ذِكْرَها والشهداء بها في أوَّلِ سنة اثنتي عشرةَ.
(١) قيدها المصنف بالحاء المهملة، فوضع حاءً مهملة صغيره تحت الحاء علامة
إهمالها، وأصل النص في تاريخ الطبري (٢٩٠/٣): ((وقال زيد بن الخطاب
حين انكشف الناس عن رحالهم: لا تحوز (كذا، وصوابها: لا نجوت) بعد
الرحال)).
(٢) تاريخه ١٠٧ .
(٣) تاريخه ٣/ ٢٨١.
٤٩

وفاة فاطمة رضي الله عنها(١)
وهي سيّدة نساء هذه الأمة. كُنْيَتُها فيما بَلَغَنا أمُّ أبيها. دخل بها عليّ
رضي الله عنه بعد وقعة بدر، وقد استكملت خمس عشرة سنة أو أكثر.
روى عنها: ابنُها الحسين، وعائشة، وأمّ سَلَمَة، وأنَس، وغيرهم.
وقد ذكرنا أنَّ النَّبِيَّ وََّ أسَرَّ إليها في مَرَضه. وقالت لأنَسَ: كيف
طابت أنفُسُكُم أنْ تَحْتُوا التُرابَ على رسولِ الله وَيَ؟
ولها مناقب مشهورة، وقد جمعها أبو عبدالله الحاكم(٢).
وكانت أصغر من زينب، ورُقَيَّة، وانقطع نَسَبُ رسول الله وَلَهَ إلّ
منها، لأنّ أُمامة بنت بنته زينب تزوَّجت بعليٍّ، ثمّ بعده بالمُغيرةِ بن
نَوْفل، وجاءها منهما أولاد. قال الزُّبَير بن بكَّار: انقرض عَقِبُ زینب.
وصَحَّ عن المِسْوَرِ أنَّ رسول الله وَّه قال: ((إنّما فاطمة بضْعَةٌ منّي
يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها))(٣).
وفي فاطمة وزوجها وبنيها نزلت(٤): ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ
(١) سيترجم المؤلف لها في ما يأتي من ((السير))، وإنما أبقينا على ذكر وفاتها،
لما فيه من الفوائد.
(٢) المستدرك ١٥١/٣.
(٣) أخرجه أحمد ٣٢٨/٤، والبخاري ٢٦/٥ و٣٦ و٤٧/٧ و٦١، ومسلم
٧/ ١٤٠ و١٤١، وأبوداود (٢٠٧٠) و(٢٠٧١)، وابن ماجة (١٩٩٨)،
والترمذي (٣٨٦٧)، والنسائي في فضائل الصحابة (٢٦٥) و(٢٦٦) وغيرهم.
(٤) في ذلك نظرٍ شديد، فإن سياق الآية في سورة الأحزاب يشير إلى أنها نزلت
في أزواج رسول الله وَل جر، وبذلك قال المفسرون، وهذا الذي ساقه المؤلف
رأي مرجوح. نعم، هناك من الأقوال ما يشير إلى أن آل علي وآل عقيل وآل
جعفر وآل العباس من آل البيت وهم الذين حرموا الصدقة، كما في حديث
زيد بن أرقم في صحيح مسلم. وأما حديث الكساء فهو وإن كان في =
٥٠

عَنكُمُ الْرّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيرًا (®َ﴾ [الأحزاب] فجلَّلهم
رسولُ الله بكساء، وقال: «اللَّهُمَّ هؤلاء أهلُ بيتي)).
وأخرج التِّرْمِذيُّ(١) ، من حديث عائشة أنّها قيل لها: أيُّ النَّاس كان
أحبّ إلى رسولِ اللهِ نَّوَ؟ قالت: فاطمة من قِبَل النّساء، ومن الرجال
زوجها، وإنْ كان ما علمت صَوَّاماً قوّاماً(٢) .
وفي التِّرْمِذِيّ(٣)، عن زيد بن أرقم أنّ رسول الله وَّوَ قال لعليّ
وفاطمة وابنَيْهما: ((أنا حربٌ لِمَنْ حاربتم سِلْمٌ لِمَنْ سالَمْتُمْ)) (٤).
وقد أخبرها أبوها أنّها سيِّدةُ نساءِ هذه الأمّة في مرضه كما تقدّم.
وخلّفَتْ من الأولاد: الحَسَن، والحُسَيْن، وزينب، وأمّ كُلْثوم. فأمّا
زينب فتزوَّجها عبدُالله بن جعفر، فتُؤُفِّيَت عنده وولدت له عَوْناً وعليّاً.
وأمّا أمّ كُلْتُومُ فتزوّجها عمر، فولدت له زيداً، ثمّ تزوَّجها بعد قتْلِ عمر
عَوْنُ بنُ جعفر فمات، ثمّ تزوّجها أخوه محمد بن جعفر، فولدت له
بنته، ثم تزوّج بها أخوهما عبدالله بن جعفر، فماتت عنده. قاله
الزُّهْريُّ.
وقال الأعمش، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن أبي البختري، قال: قال
صحيح مسلم لكن فيه كلام لتفرد مصعب بن شيبة بروايته وهو ضعيف.
(١) الترمذي (٣٨٧٤).
(٢) هذا حديث ضعيف، لضعف جميع بن عمير الذي رواه عن عائشة، فقد قال
البخاري: فيه نظر، وقال ابن نمير: من أكذب الناس. وقد سبر ابن عدي في
((الكامل)) أحاديثه فقال: وما قاله البخاري كما قاله، في أحاديثه نظر، وعامة
ما يرويه لا يتابعه عليه أحد. وذكره ابن حبان في ((المجروحين))، وقال: كان
رافضياً يضع الحديث (انظر كتابنا: تحرير أحكام التقريب).
(٣) الترمذي (٣٨٧٠).
(٤) وأخرجه ابن ماجة (١٤٥)، وهناك خَرّجناه وتكلمنا على إسناده، وبيّنا ضعفه،
فراجعه إن شئت استزادة.
٥١

عليٌّ لأمّه: اكفي فاطمةَ الخِدْمَة خارجاً، وتكفيكِ العملَ في البيت
والعَجْن والخُبْزِ والطَّحْن(١) .
أبو العباس السّرّاج، قال: حدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا
علي بن هاشم، عن كثير النَّواء، عن عِمْران بن حُصَيْن، أنّ النَّبِيَّ وَلِه
عاد فاطمةً وهي مريضةٌ فقال لها: ((كيف تجدينكِ))؟ قالت: إنِّي وَجِعَةٌ
وإنّه لَيَزِيدُني أنّي ماليَ طعامٌ آكُلُه، قال: ((يا بُنَيَّةَ أما ترضَيْن أنْ تكوني
سيّدة نساء العالمين)). قالت: فأين مريم؟ قال: ((تلك سيِّدةُ نساءٍ
عالمِهَا، وأنت سيّدةُ نساء عالَمِكِ، أمَا واللهِ لقد زوّجْتُكِ سيّداً في الدنيا
والآخرة)). هذا حديث ضعيف، وأيضاً فقد سقط بين كثيرٍ وعِمْران
رجلٌ.
وقال عِلْباء بن أحمر، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، قال: قال
. رسول الله ◌َّ﴾: ((أفضلُ نساءِ أهل الجنّة خديجةُ بنتُ خُوَيْلِد، وفاطمة
بنت محمد، ومريم، وآسية))(٢). رواه أبو داود(٣).
وقال أبو جعفر الرازي عن ثابت، عن أنس مثله مرفوعاً ولفظه:
((خير نساء العالمين أربع)).
وقال معمر، عن قتادة، عن أنس، يرفعه: حسبك من نساء العالمين
أربع، فذكرهن(٤) . ويُرْوَى نحوه من حديث أبي هريرة، وغيره.
(١) رجاله ثقات.
(٢) أخرجه أحمد ٢٩٣/١ و٣١٦ و٣٢٢، وعبد بن حميد (٥٩٧)، وأبو يعلى
(٢٧٢٢)، وابن حبان (٧٠١٠)، والحاكم ١٨٥/٣، وهو حديث صحيح.
(٣) هكذا قال، وهو وهم بلا ريب، فإن أبا داود لم يخرج هذا الحديث، وإنما
رواه داود بن أبي الفرات، عن علباء، فكأنه التبس عليه، والله أعلم.
(٤) أخرجه أحمد ١٣٥/٣، والترمذي (٣٨٧٨) وإسناده صحيح، فهو من رواية
أحمد، عن عبدالرزاق، عن معمر.
٥٢

وقال مَيْسَرَةُ بن حبيب، عن المِنْهال بن عَمْرو، عن عائشة بنت
طلحة، عن عائشة، قالت: ما رأيتُ أحداً كان أشبهَ كلاماً وحديثاً
برسولِ اللهِ وَ﴿ من فاطمة، وكانت إذا دَخَلَتْ عليه قام إليها فقبّلها
ورحَّبَ بها كما كانت هي تصنعُ به، وقد شَبَّهَتْ عائشةُ مشْيَتَها بمشية
الشَّيِّ ◌ََّ(١).
وقد كانت وَجَدَتْ على أبي بكرٍ حين طلبتْ سهمها من فَدَك،
فقال: سمعتُ النَّبيَّ ◌َلِّ يقول: ((ما تركْنَا صَدَقَة))(٢).
وقال أبو حمزة الشُّكَّرِيّ، عن ابن أبي خالد، عن الشَّعْبِيِّ، قال:
لما مرِضَتْ فاطمة رضي الله عنها أتاها أبو بكر فاستأذن، فقال عليّ: يا
فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك، فقالت: أتحبّ أنْ آذنَ له؟ قال:
نعم، فأذِنَتْ له، فدخل عليها يترضّاها وقال: والله ما تركتُ الدارَ
والمالَ والأهلَ والعشيرةَ إلّ ابتغاء مَرْضَاةِ الله ورسوله ومَرْضاتِكُمْ أهلَ
البيت، ثم ترضّاها حتى رضِيَتْ(٣) .
وقال الزُّهْري، عن عُرْوَة، عن عائشة، أنَّ فاطمةَ عاشت بعدَ رسولٍ
الله وَِّ سِنَّة أشهُرٍ، ودُفِنَتْ ليلاً (٤).
وقال الواقديّ(٥): هذا أثبتُ الأقاويل عندنا. قال: وصلَّى عليها
العبّاس، ونزل في حُفْرتها هو وعليّ، والفضْل بن العبّاس.
وقال سعيد بن عُفَيْر: ماتت ليلة الثلاثاء لثلاثٍ خَلوْن من رمضان،
(١) إسناده حسن، أخرجه أبو داود (٥٢١٧)، والحاكم ١٥٤/٣ .
(٢) هذا حديث صحيح متفق على صحته، وقد تقدم تخريجه من غير وجه .
(٣) هذا مرسل صحيح الإسناد، أخرجه ابن سعد ٢٧/٨ .
(٤) الحاكم ١٦٢/٣.
(٥) طبقات ابن سعد ٢٨/٨.
٥٣

وهي بنت سبعٍ وعشرين أو نحوها، ودُفِنَتْ ليلاً.
وقال يزيد بن أبي زياد، عن عبدالله بن الحارث، قال: مكثتْ
فاطمةُ بعد رسول الله وَلَّ ستَّةَ أشهرٍ وهي تذوب.
وقال أبو جعفر الباقر: ماتت بعد أبيها بثلاثة أشهر.
ورُوي عن الزُّهْري أنَّه تُوُفّيت بعده بثلاثة أشهر(١).
ورُوي عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، قالت: كان بينها وبين أبيها
شهران. وهذا غريب.
قلتُ: والصحيح أن عمرها أربعٌ وعشرون سنة رضي الله عنها
وأرضاها.
وقد رُوي عن أبي جعفر محمد بن عليّ أنّها تُوُقِّيت بنت ثمانٍ
وعشرين سنة، كان مولدُها وقريشٌ تبني الكعبةَ، وغسَّلها عليٍّ .
قال قُتَيْبَة: حدثنا محمد بن موسى، عن عَوْن بن محمد بن عليّ بن
أبي طالب، عن أمّه أمِّ جعفر، وعن عمارة بن مهاجر، عن أمِّ جعفر، أنّ
فاطمةَ قالت لأسماء بنت عُميس: إني أسْتَقْبحُ ما يُصْنَعُ بِالنِّساء: يُطْرَحُ
على المرأة الثَّوب فيصِفُها، فقالت: يا ابْنَةَ رسولِ الله ألا أُرِيكِ شيئاً رأيتُهُ
بالحَبَشة؟ فدعت بجرائد رطبةٍ فَحَنَتْها ثمّ طرحتْ عليها ثوباً، فقالت
فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، إذا أنا مِثُّ فَغَسِّليني أنتِ وعليّ، ولا
يدخل أحد عليَّ. فلمّا تُؤُقِّيَتْ جاءت عائشة تدخل، فقالت أسماء: لا
تدخلي، فشكتْ إلى أبي بكرٍ، فجاء فوقفَ على البابِ فكلَّم أسماء،
فقالت: هي أمرتني، قال: فاصنعي ما أمرتْكِ، ثم انصرف. قال ابن
عبدالبَرّ (٢): فهي أوّل من غُطِّيَ نَعْشها في الإسلام على تلك
(١) طبقات ابن سعد ٢٨/٨.
(٢) الاستيعاب ٣٧٨/٤-٣٧٩.
٥٤

الصِّفَةِ(١) .
وفاة عبدالله بن أبي بكر الصِّدّيق
قيل: إنّه أسلم قديماً، لكن لم يُسْمَعْ له بمشهدٍ، جُرح يوم
الطَّائف، رماه يومئذٍ بسهم أبو مِحْجَن الثَّقَفِيّ، فلم يزل يتألّم منه، ثمّ
اندمل الجرح، ثمَّ إنَّه انتقض عليه، وتُؤُفِّي في شؤَّال سنةَ إحدى عشرة،
ونزل في حُفْرته عمر، وطلحة، وعبدالرحمن بن أبي بكر أخوه. ذكره
محمد بن جرير(٢) وغيره.
وقيل: هو الذي كان يأتي بالطَّعام وبأخبارِ قريش إلى الغار تلك
اللَّيالي الثلاث.
سنَة اثنتي عَشَرة
[وقعة اليمامة]
في أوائلها - على الأشهر - وقعة اليَمَامة، وأميرُ المسلمين خالد بن
الوليد، ورأسُ الكُفْرِ مُسَيْلَمَة الكذاب، فقتله الله. واستُشْهِدَ خَلْقٌ من
الصَّحابةِ(٣):
(١) تأتي بعد هذا ترجمة أم أيمن مولاة النبي وَّل وحاضنته، وسيترجم لها المؤلف
ترجمة مستقلة، لذلك حذفنا ترجمتها هنا .
(٢) تاريخه ٢٤١/٣.
(٣) ذكر المؤلف في تاريخ الإسلام تراجم لبعض من استشهد من الصحابة في هذه
الوقعة المشهورة، وذكر أسماء بعضهم حسب. ولما كان قد ترجم لمن ذكر
تراجمهم هنا في ((السير))، فقد حذفنا تراجم من ترجم لهم وأبقينا على
أسمائهم وما يتصل بوقعة اليمامة من أخبارهم، دفعاً للتكرار.
٥٥

أبو حُذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مَناف بن قُصَيّ،
قيل : اسمه مِهْشَم .
سالم مولى أبي حُذَيْفَة بن عُتْبة، (قال)(١) الواقِدِيِّ(٢) بإسناده، عن
محمد بن ثابت بن قيس بن شَماس، قال: لمّا انكشف المسلمون يوم
اليَمَامَة قال سالم مولى أبي حُذَيْفَة: ما هكذا كنّا نفعل مع رسول الله
وَلَه، فحفر لنفسه حُفْرةً، فقام فيها ومعه راية المهاجرين يومئذٍ، ثمّ قاتل
حتّى قُتِل شهيداً سنة اثنتي عشرة رضي الله عنه .
شجاع بن وَهْب بن ربيعة الأسَدِيّ، أبو وَهْب، مُهَاجِريٌّ بدْرِيٌّ،
استشهد عن بضع وأربعين سنة .
زيد بن الخطّاب بن نُفَيْل العدويّ القُرَشيّ، أبو عبدالرحمن، وكان
أسنَّ من عمر، وأسلم قبله. وجاء أنَّ رايةَ المسلمين يوم اليَمَامة كانت
مع زيد، فلم يزل يتقدَّم بها في نَحْر العدوِّ، ثم قاتل حتَّى قُتِل، فأخذها
سالم مولى أبي حُذَيْفَة. وكان زيدٌ يقولُ ويصيح: اللَّهُمَّ إنِّي أعتذِرُ إليك
من فرارِ أصحابي وأبرأُ إليكَ مِمَّا جاء به مُسَيْلَمة ومُحكَّم بن الطُّفَيْل(٣).
حَزن بن أبي وَهْب بن عمرو بن عائذ بن عِمْران بن مخزوم
المخزوميّ، جد سعيد بن المسيِّب، قتل يوم اليمامة، وقيل: يوم
بزاخة .
عبدالله بن سُهَيْل بن عَمْرو بن عبد شمس بن عبد ودّ القُرَشِيّ
العامري، أبو سُهَيْل. استُشْهِد يومئذٍ وله ثمانٌ وثلاثون سنة.
(١) إضافة مني للسياق.
(٢) طبقات ابن سعد ٨٨/٣، والواقدي متروك الحديث، لكن هذا من الأحداث
التاريخية، وهو حجة فيها.
(٣) انظر طبقات ابن سعد ٣٧٧/٣-٣٧٨.
٥٦

مالك بن عَمْرو، حليف بني غَنم، مهاجريٍّ بذْرِيٌّ، استُشْهد يومئذٍ
رضي الله عنه.
الطُّفَيْلِ بن عَمْرو الدَّوْسِيّ الأزْدِيّ، كان يسمَّى ذا الطُّفْيَتَيْن(١).
يزيد بن رُقَيْش بن رئاب الأسدي. شهِد بدْراً، وقُتِل يوم اليَمَامة.
وممّن استُشْهِد يومئذٍ :
الحَكَمُ بن سعيد بن العاص بن أُمَيّة الأموي.
والسّائب بن عثمان بن مظعون - وهو شابٌّ - أصابه سَهْمٌ.
ويزيد بن ثابت بن الضَّحَّاك بن زيد الأنصاريّ، أخو زيد بن ثابت.
ومَخْرَمَة بن شُرَيْح الحضْرَميّ، حليف بني عبد شمس .
وجُبَيْر بن مالك، وأمُّه بُحَيْنَة، وهو أخو عبدالله بن مالك من الأزْد،
وهم حلفاء بني المطّلب بن عبد مَناف.
والسّائب بن العوَّام بن خُوَيْلِد الأسَدِي، أخو الزُّبَيْر.
ووَهْب بن حَزْن بن أبي وَهْب المخزوميّ عمّ سعيد بن المسيِّب،
وأخوه حَكِيم، وأخوهما عبدالرحمن بن حَزْن، وأبوهم وقد ذُكِر.
وعامر بن البُكَيْرِ اللَّيْئِي حليف بني عدِيّ، وهو أحد من شهِد بذْراً.
ومالك بن ربيعة، حليف بني عبد شمس .
وأبو أميّة صفوان بن أميّة بن عَمْرو، وأخوه مالك المتقدِّم.
ويزيد بن أوس، حليف بني عبدالدّار.
(١) هكذا بخط المؤلف، وذو الطفيتين حية لها خطان أسودان يشبهان
بالخوصتين، ولعله سبق قلم من المؤلف رحمه الله، فالمعروف أنّه: ((ذو
القطنتين)) كما في طبقات ابن سعد ٢٣٨/٤ لأنه سد أُذنه بقطنتين فرقاً من أن
يسمع كلام النبي ◌َّ في قصة مذكورة.
٥٧

وحُيَيّ - وقيل مُعَلَّى - بن جارية الثقفي.
وحبيب بن أَسِيد بن جارية الثقفي.
والوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزوميّ.
وعبدالله بن عَمْرو بن بُجْرة العدويّ.
وأبو قيس بن الحارث بن قيس السَّهْميّ، وعبدالله بن الحارث بن
قيس السَّهْميّ أخوه، وهما من مهاجِرَة الحَبَشَة.
وعبدالله بن مَخْرَمَة بن عبدالعُزَّى بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر
العامريّ. من المهاجرين الأوَّلين، شهد بدراً والمشاهد، كنيته أبو
محمد، وعاش إحدى وأربعين سنة، ومن ذُرِّيته نوفل بن مُسَاحق بن
عبدالله بن مَخْرَمَة .
وعَمْرو بن أُوَيْس بن سعد بن أبي سَرْح العامريّ، وسَلِيط بن سَلِيط
ابن عَمْرو العامريّ، وربيعة بن أبي خرشة العامريّ، وعبدالله بن الحارث
بن رحضة؛ من بني عامر .
والسّائب بن عثمان بن مَظْعُون بن حبيب بن وَهْب بن حُذَافة بن
جُمَح، وأُّه خَوْلة بنت حَكِيم السُّلَمِيَّة بنت ضعيفة بنت العاص بن أُمَيَّة
ابن عبد شمس، أصابه يومَ اليَمَامة سهمٌ فمات منه .
واستُشْهِد من الأنصار:
عبَّاد بن بِشْر بن وَقْش بن زُغْبة بن زَعُورَاء بن عبدالأشهل الأوْسيُّ
البدريُّ، أبو الربيع، من فُضَلاء الصحابة، عاش خمساً وأربعين سنة.
فلما أسلمَ سمَّاه النَّبيُّ وَّ عبدالله .
مَعْن بن عدي بن الجد بن العجلان الأنصاري، أحد حلفاء بني
٥٨

مالك بن عوف .
عبدالله بن عبدالله بن أبيّ بن مالك بن الحارث بن عُبيد بن مالك بن
سالم - الذي يقال له الحُبلى لعظم بطنه - بن غَنْم بن عوف بن الخزرج
الأنصاري المعروف بابن سلول، وهي أم أبيّ بن مالك وكانت خزاعية،
وأبوه المنافق المشهور. كان عبدالله من فضلاء الصحابة، وكان اسمه
الحُباب، وبه كان يُكنى أبوه، فلما أسلم سماه النبي ◌َّ- عبد الله .
ثابت بن قيس بن شَمَّاس الأنصاريُّ، من بني الحارث بن الخزرج.
لم يشهد بذْراً، وكان أميرَ الأنصارِ في قتالِ أهلِ الرَّدَّة كما ذَكَرْنا، قال
ابن إسحاق: قال ثابت بن قيس: بئسما عوَّدْتُم أنفسَكم يا مَعْشَرَ
المسلمين، ثمّ قاتل حتّى قُتِل، وزحف المسلمون حتَّى ألجؤوهم إلى
الحديقة وفيها مُسَيْلَمَةُ عدوُّ الله، فقال البَرَاء بن مالك: يا مَعْشَر
المسلمين أَلْقُوني عليهم، فاحتمل حتَّى إذا أشرفَ على الجدار اقتحم
إليهم فقاتلهم حتَّى فتح الحديقةَ للمسلمين .
أبو دُجانة سِماك بن خَرَشَة بن لُؤْذَان بن عبد ودّ بن زيد السّاعدِيّ،
وهو ممّن شرك في قتْل مُسَيْلَمَة، وقال (ثابت)(١) عن أنَس، أنَّ أبا
دُجَانَةَ رمى بنفسه إلى داخل الحديقة فانكسرت رِجْلُه، فقاتل وهو
مكسور الرِّجْل حتّى قُتِل.
عُمارة بن حزم بن زيد بن لُؤْذَان، من بني مالك بن النَّجَّار، وهو
أخو عَمْرو بن حَزْم. شهِد عُمارة العَقَبَة وبدْراً، وكانت معه راية بني
مالك بن النّجّار يوم الفتح، ولم يعقب(٢) .
عقبة بن عامر بن نابى بن زيد بن حرام السَّلَميُّ. شهِد العَقَبَةَ
(١) بَيّض له المؤلف في نسخته، ولم يعد إليه، فاستدركناه من ((الاستيعاب)) لابن
عبدالبر (٦٥٢/٢).
(٢) طبقات ابن سعد ٤٨٦/٣ .
٥٩

الأولى، ويُجْعَل في السِّنَّة النَّفَر الذين أسلموا بمكَّة أوّل الأنصار، وشهدَ
بدراً والمشاهدَ، وليس له عَقِب(١) .
ثابت بن هَزَّال من بني سالم بن عَوْف. شهِد بدْراً في قول جماعةٍ،
وقُتِل يومئذٍ(٢) .
أبو عُقَيْل بن عبد الله بن ثَعْلَبَة، من بني جَحْجَبًا، اسمه:
عبدالرحمن. شهد بدراً والمشاهد كلَّها، وكان من سادة الأنصار، أصابه
سهمٌ يوم اليَمَامة فنزعه، وتَحزَّم وأخذ السيفَ وقاتل حتّى قُتِل، فوجد به
جِراحاتٌ كثيرةٌ (٣) .
وممّن استُشْهد يومئذٍ من الأنصار:
عبدالله بن عَتيك، ورافع بن سهل، وحاجب بن يزيد الأشهليّ،
وسَهْل بن عَدِيّ، ومالك بن أوس بن عَتِيك، وعُمَيْر بن أوس أخوه،
وطَلْحة بن عُتبة من بني جَحْجَبَا، ورَبَاح مولى الحارث، ومعبد بن عديّ
العَجْلاني بِخُلْفٍ، وجَرْو بن مالك بن عامر الأنصاريّ من بني جَحْجَبًا -
وقيل: جَزْء بالزّاي -. ووَدَقَة بن إياس بن عَمْرو الخَزْرَجيّ الأنصاريّ
أحد من شهد بدراً، وجَرْوَل بن العبّاس، وعامر بن ثابت، وبِشْر بن
عبدالله الخَزْرَجيّ، وكُلَيْب بن تميم، وعبدالله بن عِثْبان، وإياس بن
وَدَيعة(٤)، وأُسَيْد(٥) بن يَرْبُوع، وسعد بن حارثة، وسهل بن حمّان،
ومخاشن من حِمْيَر، وسَلَمَة بن مسعود - وقيل: مسعود بن سِنان-،
(١) طبقات ابن سعد ٥٦٨/٣.
(٢)
طبقات ابن سعد ٣ / ٥٥١ .
(٣)
طبقات ابن سعد ٤٧٥/٣ .
(٤) هكذا بخط المؤلف، وضبب عليها، وكتب في حاشية نسخته: ((ودفة))، وهي
كذلك في ((تاريخ خليفة))، ويقال فيه أيضاً: وَدَقَة.
(٥) جَوّد المؤلف تقييده بالضم مصغراً.
٦٠