Indexed OCR Text

Pages 441-460

أكبر. فلمّا تكلّمنا بها قال: والله يعلم لقد تنقَّضَتِ الغرفةُ، حتّى رفع
رأسه إلينا فقال: هذه الكلمةُ التي قلتموها حيث تنقَّضَت الغرفة كُلَّما
قلتموها في بيوتكم تنقّضُ بيوتكم عليكم؟ قلنا: لا، ما رأيناها فَعلتْ
هذا قطّ إلّ عندكَ. قال: لَوَدِدْتُ أنّكم كلّما قلتم تَنَقَّضَ كلّ شيءٍ
عليكم، وأنِّي خرجتُ من نصف مُلْكي. قلنا: لِمَ؟ قال: لأنّه كان أيسر
لشأنها، وأجدر ألا يكون من أمرِ النُُّوَّة، وأن يكون من حِيَل النّاس. ثم
سَألَنَا عمّا أراد، فأخبرناه، ثم قال: كيف صلاتكم وصَوْمكم؟ فأخبرناه،
فقال: قوموا، فقمنا، فأمر لنا بمنزلٍ حَسَنٍ ونُزُلٍ كثير، فأقمنا ثلاثاً،
فأرسل إلينا ليلاً فدخلنا عليه، فاستعاد قولَنا، ثمّ دعا بشيءٍ كهيئة الربْعة
العظيمة، مُذَهَّبة فيها بيوت صِغار، عليها أبواب، ففتح بيتاً وقفلاً،
واستخرج حريرةً سوداءَ فنشرها، فإذا فيها صورةٌ حمراء، وإذا فيها رجلٌ
ضخمُ العينين عظيم الألْيَتَين، لم أرَ مثل طُول عُنُقِه، وإذا ليست له
لحيةٌ، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خَلَقَ الله، قال: هل تعرفون هذا؟
قلنا: لا. قال: هذا آدمُ عليه السّلام، ثمّ فتح لنا باباً آخر، فاستخرج منه
حريرةً سوداء، وإذا فيها صورةٌ بيضاء، وإذا له شعر كشعر القَطَط، أحمر
العينين ضخم الهامة حسن اللّحية، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا.
قال: هذا نوحٌ عليه السلام، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرةً
سوداء، وإذا فيها رجلٌ شديدُ البياضِ حَسَنُ العينين صلْت الجبين،
طويل الخَدِّ أبيض اللّحية كأنّه يتبسّم، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا.
قال: هذا إبراهيمُ عليه السلام، ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرةً
سوداء، فإذا فيها صورة بيضاء وإذا والله رسولُ الله وَلّ، قال: أتعرفون
هذا؟ قلنا: نعم، محمدٌ رسولُ الله ◌َّه، وبكينا. قال: والله يعلم أنّه قام
قائماً ثمّ جلس وقال: والله إنّه لهو؟ قلنا: نعم إنّه لهو، كأنّما ننظرُ إليه،
فأمسك ساعةً ينظر إليها، ثمّ قال: أما إنّه كان آخر البيوت، ولكنّي
٤٤١

عجَّلْتُهُ لكم لأنظرَ ما عندكم، ثمّ فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرةٌ
سوداء، فإذا فيها صورة أدماء سحماء وإذا رجلٌ جَعْدٌ قَطِطٌ، غائرُ
العينين، حديدُ النّظر، عابسٌ، متراكب الأسنان، مقلَّصُ الشَّفَة، كأنّه
غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا موسى عليه
السلام، وإلى جَنْبِه صورةٌ تُشبهه، إلّ أنّه مُدْهَانُ الرأس، عريض
الجبين، في عينه قَبَل، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا لا. قال: هذا
هارون بن عمران، ثمّ فتح باباً آخر، فاستخرج حريرةً بيضاء، فإذا فيها
صورة رجل آدم سبط رَبْعة كأنّه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا:
لا. قال: هذا لُوطٌ عليه السلام، ثمّ فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرةً
بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مُشْرَب حُمْرة، أقنى، خفيف
العارضين، حَسَن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال هذا
إسحاق عليه السلام، ثمّ فتح باباً آخر، فاستخرج منه حريرةً بيضاء، فإذا
فيها صورة تُشبه إسحاق إلّ أنّه على شَفَتِهِ السُّفْلى خال، فقال: هل
تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال هذا يعقوب عليه السلام، ثمّ فتح باباً آخر،
فاستخرج منه حريرةً سوداء، فيها صورة رجل أبيض حَسَن الوجه، أقنى
الأنف، حَسَن القامة، يعلو وجهَهُ نورٌ، يُعرف في وجهه الخشوع،
يضرب إلى الحُمْرَة فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا
إسماعيل جدّ نبيّكم، ثمّ فتح باباً آخر، فاستخرج حريرةً بيضاء، فيها
صورة كأنّها صورة آدم، كأنّ وجهه الشمس، فقال: هل تعرفون هذا؟
قلنا: لا. قال: هذا يوسف عليه السلام، ثمّ فتح باباً آخر، فاستخرج
حريرةً بيضاء، فيها صورة رجل أحمر، حَمْش السَّاقين، أخفش العينين،
ضخم البطن، ربعة، متقلِّد سيفاً، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا،
قال: هذا داود عليه السلام، ثمّ فتح باباً آخر، فاستخرج حريرةً بيضاء،
فيها صورة رجل ضخم الأليتَيْن، طويل الرِّجْلَيْن، راكب فرس، فقال:
٤٤٢

هذا سليمانُ عليه السلام، ثمّ فتح باباً آخر، فاستخرج صورةً، وإذا شابٌ
أبيض، شديد سواد اللِّخية، كثير الشَّعْر، حَسَن العينين، حَسَن الوجه،
فقال: هذا عيسى عليه السلام. فقلنا: من أين لك هذه الصُّوَر؟ لأنّا
نعلم أنّها على ما صُوِّرَتْ، لأنّا رأينا نبيَّنَا بَّهِ وصورتَه مثله، فقال: إنّ
آدم سأل ربَّه تعالى أن يُرِيه الأنبياءَ من ولده، فأنزل عليه صُوَرَهُم،
وكانت في خزانة آدم عند مغرِب الشمس، فاستخرجها ذو القَرْنَيْن من
مغرِب الشمس، فدفعها إلى دانيال عليه السلام، يعني فصوَّرَها دانيال
في خِرَقٍ من حرير، فهذه بأعيانها التي صوَّرها دانيال، ثم قال: أما والله
لَوَدِدْتُ أنّ نفسي طابت بالخروج من مُلْكي، وأنّي كنتُ عبداً لِشَرَّكُمْ
مَلَكةً حتى أموتَ، ثم أجازنا بأحسن جائزة وسرَّحنا .
فلما قدِمْنا على أبي بكر رضي الله عنه، حدثناه بما رأيناه، وما قال
لنا، فبكى أبو بكر وقال: مسكين، لو أراد الله به خيراً لَفَعَلَ، ثمّ قال:
أخبرنا رسول الله وَ ◌ّ أنّهم واليهود يجدون نَعْتَ محمدٍ نَّ عندهم.
روى هذه القصَّة أبو عبدالله بن مَنْدَة، عن إسماعيل بن يعقوب.
ورواها أبو عبدالله الحاكم، عن عبدالله بن إسحاق الخُرَاساني، كلاهما
عن البَلَدِيّ، عن عبدالعزيز، ففي رواية الحاكم كما ذكرت من السَّنَد.
وعند ابن مَنْدَة، قال: حدثنا عُبَيْد الله عن شُرَحْبيل، وهو سَنَدٌ غريب (١).
وهذه القصّة قد رواها الزُّبَيْر بن بكّار، عن عمّه مُصْعَب بن عبدالله،
عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه مُصْعَب، عن عُبَادة بن الصَّامت: بعثني أبو
بكر الصِّدِّيق في نفرٍ من أصحاب رسول الله بَّهَ إلى هِرَقْل ملك الروم
لندعُوَه إلى الإسلام، فخرجنا نسير على روَاحلنا حتّى قدِمْنا دمشقَ،
فذكره بمعناه .
(١) من العجيب أن يورد الذهبي في كتابه مثل هذه الترهات، وقد ساقها البيهقي
في الدلائل ٣٨٥/١-٣٩٠.
٤٤٣

وقد رواه بطُوله: عليّ بن حرب الطّائيّ فقال: حدثنا دَلْهم بن يزيد،
قال: حدثنا القاسم بن سُوَيْد، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر
الأنصاريّ، عن أيّوب بن موسى قال: كان عُبادة بن الصّامت يحدّث،
فذکر نحوه.
أنبأنا الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن أبي عمر وجماعة، عن
عبدالوهاب بن عليّ الصُّوفي، قال: أخبرتنا فاطمة بنت أبي حَكِيم
الخَبْرِي(١) ، قال: أخبرنا عليّ بن الحسن بن الفضل الكاتب، قال:
حدثنا أحمد بن محمد بن خالد الكاتب من لفظه سنة ثلاث عشرة وأربع
مئة، قال: أخبرنا عليّ بن عبدالله بن العبّاس بن المغيرة الجوهري،
قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: حدثنا الزُّبَيْر بن
بكّار، قال: حدثني عمّي مُصْعَب بن عبدالله، عن جدّي عبدالله بن
مُصْعَب، عن أبيه، عن جدّه، عن عُبادة بن الصّامت قال: بعثني أبو بكر
في نفرٍ من الصَّحابة إلى ملك الروم لأدعوه إلى الإسلام، فخرجنا نسيرُ
على رَوَاحلنا حتّى قدِمنا دمشقَ، فإذا على الشام لهِرَقْل جَبَلَة، فاسْتَأْذَنَّا
عليه، فأذِن لنا، فلما نظر إلينا كَرِهَ مكانَنَا وأمرَ بنا فأُجْلِسْنَا ناحيةً، وإذا
هو جالس على فُرُشٍ له مع السُّقُف، وأرسل إلينا رسولاً يكلّمنا ويُبَلِّغُه
عنّا، فقلنا: والله لا نُكلِّمُه برسولٍ أبداً. فانطلق الرسولُ فأعلمه ذلك،
فنزل عن تلك الفُرُش إلى فُرُشِ دونها، فَأَذِن لنا فدنونا منه، فدعوناه إلى
اللهِ وإلى الإسلام، فلم يُجِبْ إلى خَيْرِ، وإذا عليه ثيابٌ سُود، فقلنا: ما
هذه المُسُوح؟ قال: لبستها نَذْراً لا أنزعها حتّى أُخْرجَكم من بلادي.
قال: قلنا له: تَيْدَك لا تعجل، أتمْنَعُ منّا مجلِسَك هذا! فَوَالله لَتَأْخُذَنَّه
ومُلْكَ الملكِ الأعظم، خَبََّنا بذلك نبيِّنَا وَّرِ. قال: أنتم إذاً السّمراء.
(١) قيده المؤلف في المشتبه ١٨٤ .
٤٤٤

قلنا: وما السّمراء؟ قال: لستم بهم. قلنا: ومَنْ هم؟ قال: قوم يقومون
اللَّيلَ ويصومون النَّهار. قلنا: فنحن والله نصومُ النَّهار ونقوم اللَّيل،
قال: فكيف صلاتكم؟ فوصفناها له، قال: فكيف صومكم؟ فأخبرناه
به .
وسألَنَا عن أشياء فأخبرناه، فيعلم الله لَعَلا وجهَهُ سوادٌ حتّى كأنّه
مَسْحٌ أسْوَد، فانْتَهَرَنا وقال لنا: قوموا. فخرجنا وبعث معنا أدِلاَءَ إلى
ملكِ الروم، فسِرْنا، فلمّا دَنَوْنا من القسطنطينية قالت الرُّسُل الذين
معنا: إنّ دوابّكم هذه لا تدخلُ مدينةَ المَلِك، فأقيموا حتى نأتيكم ببغالٍ
وبَرَاذين. قلنا: والله لا ندخلُ إلّ على دوابّنا، فأرسلوا إليه يُعْلِمُونه،
فأرسل: أنْ خَلُوا عنهم، فتقلَّدْنا سيوفَنا وركِبنا رَوَاحلَنا، فاستشرف أهلُ
القسطنطينية لنا، وتَعَجَّبُوا، فلمّا دَنَوْنا إذا الملكُ في غرفة له، ومعه
بَطَارقَةُ الروم، فلمّا انتهينا إلى أصل الغرفة أنَخْنا ونزلنا، وقلنا: ((لا إله
إلّ الله)) فيعلم الله لَنَقَضَت الغرفةُ حتّى كأنّها عِذْقُ نخلةٍ تصفقها الرِّياح،
فإذا رسولٌ يسعى إلينا يقول: ليس لكم أنْ تجهروا بدِينكم على بابي.
فصعدنا فإذا رجلٌ شابٌّ قد وَخَطَه الشَّيْبُ، وإذا هو فصيح بالعربية،
وعليه ثياب حُمْر، وكلُّ شيءٍ في البيت أحمر، فدخلنا ولم نسلِّم،
فتبسّم وقال: ما مَنَعَكُم أن تُحَيُّوني بتحيّتكم؟ قلنا: إنّها لا تحلُّ لكم.
قال: فكيف هي؟ قلنا: السلام عليكم، قال: فما تحيّون به مَلِكَكم؟
قلنا: بها. قال: فما كنتم تحيُّون به نبيّكم؟ قلنا: بها. قال: فماذا كان
يحيّيكم به؟ قلنا: كذلك. قال: فهل كان نبيّكم يرِث منكم شيئاً؟ قلنا:
لا، يموت الرجلُ فَيَدَعُ وارِثاً أو قريباً فَرِثُه القريبُ، وأمّا نبيّنا فلم يكن
يَرِثْ منّا شيئاً. قال: فكذلك مَلِكُكم؟ قلنا: نعم. قال: فما أعظم
كلامِكم عندكم؟ قلنا: لا إله إلّ الله. فانتفض وفتح عينيه، فنظر إلينا
وقال: هذه الكلمة التي قلتموها فَنَقَضَتْ لها الغرفة؟ قلنا: نعم. قال:
٤٤٥

وكذلك إذا قلتموها في بلادكم نقضت لها سقوفكم؟ قلنا: لا. وما
رأيناها صنعت هذا قطّ، وما هو إلّ شيء وُعِظْتَ به. قال: فالتفت إلى
جُلَسائه فقال: ما أحسن الصِّدْق، ثمّ أقبل علينا فقال: والله لَوَدِدْتُ أنّي
خرجت من نصف مُلْكي وأنّكم لا تقولونها على شيء إلّ نقض لها.
قلنا: ولِمَ ذاك؟ قال: ذلك أيسر لشأنها وأحرى أن لا تكون من النُّبُوَّة
وأن تكون من حيلة النّاس. ثم قال لنا: فما كلامكم الذي تقولونه حين
تفتتحون المدائنَ؟ قلنا: ((لا إله إلّ الله والله أكبر)). قال: تقولون ((لا إله
إلّ الله)) ليس معه شريك؟ قلنا: نعم. قال: وتقولون ((الله أكبر)) أي:
ليس شيء أعظم منه، ليس في العرض والطُّول؟ قلنا: نعم. وسألَنَا عن
أشياء، فأخْبَرْناه، فأمر لنا بنزلٍ كثيرٍ ومنزل، فقُمْنا، ثم أرسل إلينا بعد
ثلاثٍ في جَوْف اللَّيل فأتيناه، وهو جالس وحده ليس معه أحد، فأمَرَنا
فجلسنا، فاستعادَنا كلامَنا، فأعَدْناه عليه، فدعا بشيءٍ كهيئة الرَّبْعة
العظيمة مُذَهَّبة، ففتحها فإذا فيها بيوت مُقْفَلَة، ففتح بيتاً منها، ثمّ
استخرج خرقة حریرٍ سوداء.
فذكر الحديث نحو ما تقدّم. وفيه: فاستخرج صورةً بيضاء، وإذا
رسول الله وَله كأنّما ننظر إليه حيّاً، فقال: أَتَدْرُون مَن هذا؟ قلنا: هذه
صورة نبيّنا عليه السلام. فقال: الله بدِينكم إنّه لَهُوَ هو؟ قلنا: نعم، الله
بديننا إنّه لَهُوَ هو، فوثب قائماً، فلبث مَلِيّاً قائماً، ثمّ جلس مُطْرِقاً
طويلاً، ثمّ أقبل علينا فقال: أما إنّه في آخر البيوت، ولكني عجَّلته
لأخبركم وأنظر ما عندكم، ثمّ فتح بيتاً، فاستخرج خِرْقةً من حريرٍ سوداء
فنشرها، فإذا فيها صورة سوداء شديدة السَّواد، وإذا رجل جَعْد قَطِط،
كثّ اللّحية، غائر العينين، مقلَّص الشَّفَتَيْن، مختلف الأسنان، حديد
النَّظَر كالغضبان، فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذه صورة
موسى عليه السلام.
٤٤٦

وذكر الصُّوَر، إلى أن قال: قلنا: أخبِرْنا عن هذه الصُّوَر، قال: إنّ
آدم سأل ربَّه أن يُرِيَه أنبياءَ ولده، فأنزل الله صُوَرَهُم، فاستخرجها ذو
القَرْنَين من خزانة آدم من مَغْرِب الشمس، فصوَّرها دانيال في خِرَق
الحرير، فلم يزل يتوارثها مَلِكٌ بعد مَلِك، حتّى وَصَلَتْ إليَّ، فهذه هي
بعينها. فدعوناه إلى الإسلام فقال: أما والله لَوَدِدْتُ أنّ نفسي سَخَتْ
بالخروج من مُلْكي واتّباعكم، وأنّي مملوكٌ لأسوإ رجلٍ منكم خَلْقاً
وأشدّه مَلَكَةً، ولكنّ نفسي لا تسخو بذلك. فَوَصَلَنَا وأجازَنا، وانصرفنا.
٤٤٧

باب في خصائصه وَله
وتحديثه أمّته بها امتثالاً لأمر الله تعالى
بقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
قرأت على أبي الحسن عليّ بن أحمد الهاشميّ بالإسكندرية،
أخبركم محمد ابن أحمد بن عمر ببغداد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد
الهاشميّ سنة إحدى وخمسين وخمس مئة، قال: أخبرنا الحسن بن
عبدالرحمن الشافعيّ، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم العَبْقَسيّ، قال:
حدثنا محمد بن إبراهيم الدَّيبُلي سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، قال:
حدثنا محمد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال:
أخبرنا عبدالله بن دينار، عن أبي صالح السَّمَّان، عن أبي هريرة أنّ النبي
وَّر قال: ((مَثَلِي ومَثَلُ الانبياء قبلي، كَمَثَلِ رجلٍ بَنَى بنياناً فأحْسَنَ
وأجمله، إلّ موضع لَبِنَّةٍ من زاويةٍ من زواياه، فجعل مَنْ مرَّ من النّاس
ينظرون إليه ويتعجّبون منه ويقولون: هلّ وَضَعَ هذه اللَّبِنَة؟ قال: فأنا
الَّبِنَة، وأنا خاتم النبيّين)) وََّ. البخاري(١) عن قُتَيْبَة، عن إسماعيل.
قال الزُّهرِيّ، عن ابن المسيِّب وأبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله وَله: «نُصِرْتُ بالرُّعْب، وأُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم، وبينا أنا
نائم أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض، فوُضِعَتْ بين يديّ)). أخرجه مسلم
(٢)
والبخاري
(١) البخاري ٢٢٦/٤، ومسلم ٧ /٦٤ .
(٢) البخاري ٩١/١ و١١٩ و٦٥/٤ و٤٣/٩ و٤٧ و١١٣، ومسلم ٢ / ٦٤.
٤٤٨

وقال العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: قال رسول
اللهِ وَهُ: ((فُضِّلْتُ على الأنبياء بِسِتِّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم، ونُصِرْتُ
بالرُّعبِ، وأُحِلَّتْ ليَ الغنائم، وجُعِلَتْ لي الأرضُ طَهُوراً ومسجداً،
وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، وخُتِم بِيَ النَّبيُّون)). أخرجه مسلم (١).
وقال مالك بن مِغْوَل، عن الزُّبَيْر بن عَدِيّ، عن مُرَّة الهَمْداني، عن
عبدالله قال: لمّا أُسْرِي برسول اللهَ وَّ انْتُهِي به إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى أُعْطِي
ثلاثاً: أُعْطِي الصَّلَواتِ الخَمْس، وأُعْطِي خواتيمَ سورة البَقْرَة، وغُفِر
لمن كان من ◌ُمَّته لا يُشْرِكُ بالله المُقْحِمات. تُقْحِم: أي: تُلْقي في النّار.
والحديث صحيح.
وقال أبو عَوَانة: حدثنا أبو مالك، عن ربعي، عن حُذَيْفَة، قال:
قال رسول الله وَّه: ((فُصِّلْتُ على النّاس بثلاث: جُعِلَتِ الأرضُ كلُّها لنا
مسجداً، وجُعِلَت تُرْبَتُها لنا طَهُوراً، وجُعِلَتْ صُفُوفُنا كصُفُوف الملائكة،
وأُوتِيتُ هؤلاء الآيات، من آخر سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش)).
صحیح .
وقال بِشْر بن بكر، عن الأوزاعيّ: قال: حدثني أبو عمّار، عن
عبدالله بن فَرُّوخ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّة: ((أنا سيّد
بني آدمَ يومَ القيامة، وأوّل مَن تَنْشَقُّ عنه الأرض، وأوّل شافعٍ وأوّل
مُشَفَّع)).
اسم أبي عمّار: شدّاد. أخرجه مسلم (٢).
وقال أبو حيَّان التَّيْمي، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة، قال: أُتي
رسولُ اللهِ وَّ بَلَحْم، فرفع إليه الذِّراعَ، وكانت تُعْجِبه، فنهس منها،
(١) مسلم ٢/ ٦٤ .
(٢) مسلم ٧ / ٥٩ .
٤٤٩

فقال: ((أنا سيّد النّاس يوم القيامة، وهل تدرون بِمَ ذاك؟ يجمع الله
الأوّلين والآخِرِين في صعيدٍ واحد، يُسْمِعُهُمُ الدَّانِي وَيَنْفُذُهُمُ البصرُ)).
فذكر حديث الشفاعة بطُوله. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال ليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، عن
أنَس: سمعت النّبِيَّ بََّ يقول: ((أنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرضُ يوم
القيامة، ولا فَخْر، وأُعْطِيتُ لواءَ الحمد، ولا فَخْرَ، وأنا سيّد النّاس يوم
القيامة، ولا فَخْرَ)) - وساق الحديث بطُوله في الشفاعة .
وفي الباب حديث ابن عبّاس.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي القرآن آيات متعدّدة في
شرفِ المُصْطَفَى عليه السلام.
وعن أبي الجَوْزاء، عن ابن عبّاس، قال: ما خلق الله خلقاً أحبَّ
إليه من محمد بَلَّ، وما سمعتُ الله أقسم بحياة أحدٍ إلّ بحياته فقال:
[الحجر](٢).
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَئِهِمْ يَعْمَهُونَ
وفي ((الصحيح)) من حديث قَتَادة، عن أنَس قال رسول الله وَل:
((بينا أنا نائمٌ أُرِيتُ أنّي أسير في الجنّة، فإذا أنا بنهرٍ حافّتاه قِباب اللُّؤْلُؤ
المجوَّف، فقلت: ما هذاَ يا جبريل؟ قال: هذا الكَوْثَرُ الذي أعطاكَ الله،
قال: فضرب المَلَكُ بيده فإذا طِينه مِسْكٌ أذْفَر)).
وقال الزُّهْرِيّ، عن أنس، عن النبي بَّ قال: ((حَوْضي كما بين
صنعاء وأيْلَة، وفيه من الأباريق عدد نجوم السماء)).
وقال يزيد بن أبي حبيب: حدثنا أبو الخير، أنّه سمع عُقْبَة بنَ
(١) البخاري ١٠٥/٦، ومسلم ١٢٨/١ .
(٢) كتب الصفدي على هامش الأصل: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك، في الميعاد
الحادي عشر على مؤلفه، فسح الله في مدته)).
٤٥٠

عامر، يقول: آخر ما خَطَبَنَا رسولُ الله ◌َ أنّه صلّى على شهداء أُحُد،
ثمّ رَقِيَ المنبر وقال: ((إنّي لكم فَرَطٌ وأنا شهيدٌ عليكم، وانا أنظر إلى
حوضي الآن، وأنا في مقامي هذا، وإنّي والله ما أخافُ أن تُشْرِكُوا
بعدي، ولكنّي أُرِيتُ أنّي أُعْطِيتُ مفاتيحَ خزائنِ الأرض، فأخاف عليكم
أنْ تَنَافَسُوا فيها)) .
وروى ((مسلم)) (١) من حديث جابر بن سَمُرَة، قال: قال النّبيّ ◌َّ:
((إنّي فَرَطُكُم على الحَوْضِ، وإنّ بُعْدَ ما بين طرفيه كما بين صنعاء
وأيْلَة، كأنَّ الأباريق فيه النُّجُومِ)) .
وقال معاوية بن صالح، عن سُلَيْم بن عامر، عن أبي أُمَامة، عن
النبيِّ وَ ◌ّه قال: ((إنّ الله يُدْخِل من أمّتي يوم القيامة سبعين ألفاً بغير
حساب)). فقال رجل: يا رسول الله فما سعَة حَوْضك؟ قال: ما بين عَدَن
وعَمّان وأوسع، وفيه مِثْعَبان من ذَهَبٍ وفِضّة، شرابه أبيض من اللَّبن،
وأحلى من العسل، وأطيب رِيحاً من المِسْك، مَن شرِب منه لا يظمأُ
بعدها أبداً، ولن يَسْوَدَّ وجهُهُ أبدا)). هذا حديث حسن.
وروى ابن ماجة(٢) من حديث عطّية - وهو ضعيف - عن أبي
سعيد، أنّ النبيِ ◌َّ قال: ((لي حَوْضٌ طولُه ما بين الكعبة إلى بيت
المَقْدِس أشدّ بياضاً من اللَّبَن، آنِيَتُهُ عدد النُّجُوم، وإنّي أكثرُ الأنبياء تَبَعاً
يومَ القيامة)) .
وقال عطاء بن السّائب، عن محارب بن دِثار، عن ابن عمر، قال:
قال رسول الله وَلجر: ((الكوثر نهر في الجنّة حافَّتَاه الذَّهَب، ومجراه على
الدُّرّ والياقوت، تُرْبَتُهُ أطيب من المِسْك، وأشدّ بياضاً من الثّلج)).
(١) مسلم ٣/٦
(٢) ابن ماجة (٤٣٠١).
٤٥١

وثَبُث أنّ ابن عبّاس قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله
إيّاه. رواه سعيد بن جُبَيْر، وقال: النّهر: الذي في الجنّة من الخير
الكثير.
وصحّ من حديث عائشة، قالت: الكوثر نهر في الجنّة أُعْطِيه رسولُ
الله اَلَّ، شاطئه دُرِّ مُجَوَّف.
ورُوِي عن عائشة، قالت: مَنْ أحبّ أنْ يسمع خريرَ الكَوْثر فلْيَضَعْ
إصبَعَيْهِ فِي ◌ُذُنَيَّه .
وصحّ عن أنس قال: قال رسول الله وٍَّ: ((أنا أكثر الأنبياء تَبَعاً يوم
القيامة، وأوّل من يَشْفع».
وصحّ عن أبي هريرة قال: قال النبي ◌َِّ: ((ما من نبيٍّ إلّ وقد أُعْطي
من الآيات ما آمَن على مِثله البَشَر، وكان الذي أُوتِيتُهُ وحْياً أوحاهُ اللهُ
إليَّ، فأرجو أنْ أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)).
وقال سليمان التَّيْمي، عن سَيَّار، عن أبي أُمَامة، أنَّ النبي ◌ٍَّ قال:
(إنّ الله فضّلني على الأنبياء، - أو قال: أمّتي على الأُمم - بأربع:
أرسلني إلى النّاس كافّةً، وجعل الأرضَ كلّها لي ولُأُمّتي مسجّداً
وطَهُوراً، فأينما أدرَكَ الرجل من أمّتي الصّلاة فعنده مسجده وطَهُورهُ،
ونُصِرَتُ بالرُّعْب، يسير بين يديَّ مسيرةَ شهرٍ يقذف في قلوب أعدائي،
وأُحِلَّت لنا الغنائم)). إسناده حسن، وسَيَّار صدوق. أخرجه أحمد في
((مُسْنَدِ))(١).
وقال سعيد بن بشير، عن قَتَادة، عن أنَس، قال: قال رسول الله
مَله: ((فُضِّلتُ على النّاس بأربع: بالشَّجاعة، والسَّماحة، وكَثْرَة الجِماع،
وشدّة البَطْش)».
(١) أحمد ٢٢٢/٢ و٣٠٤/٣ و٢٤٨/٥.
٤٥٢

باب
مَرَض النَّبِيّ ◌َِه
قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: حدثني عبدالله بن عمر بن
ربيعة، عن عُبَيْد مولى الحَكَم، عن عبدالله بن عَمْرو بن العاص، عن أبي
مُؤَيْهِبَة مولى رسول الله وَّه قال: أنبهني رسولُ اللهِ وَّهِ من اللَّيل فقال:
((يا أبا مُوَيْهِبَة إنّي قد أُمِرْتُ أنْ استغفرَ لأهلِ هذا البقيع)». فخرجتُ معه
حتى أتينا البقيعَ، فرفع يديه فاستغفر لهم طويلاً ثم قال: ((لِيَهْنِ لكم ما
أصبحتم فيه ممّا أصبح النّاس فيه، أقْبَلَتِ الفِتَنُ كقِطَعِ اللّيل المُظْلِم يتبع
آخرُها أوّلَها، للآخرةُ شرٌّ من الأولى، يا أبا مُوَيْهِبَة إنّي قد أُعْطِيتُ
مفاتيحَ خزائن الدُّنيا والخلد فيها، ثمّ الجنّة، فخُيِّرْتُ بين ذلك وبين لقاء
ربّي والجنّة)). فقلت: يارسولَ الله، بأبي أنتَ وأمّي، فخُذْ مفاتيحَ خزائنٍ
الدُّنيا والخُلْد فيها، ثمّ الجنّة، فقال: ((والله يا أبا مُوَيْهِبة لقد اخترتُ لقاءَ
ربّي والجنّة)). ثم انصرف، فلمّا أصبح ابتُدِىء بوَجَعِهِ الذي قبضه اللهُ
فیه)) .
رواه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وعُبَيْد بن جُبَيْر مولى
الحَكَم بن أبي العاص.
وقال مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه(١)، قال: قال رسول الله
وَّه : ((خُيِّرْتُ بين أنْ أبقى حتّى أرى ما يُفْتَح على أُمّتي وبين التعجيل،
فاخترتُ التعجيل)).
(١) ضبب عليه المؤلف.
٤٥٣

وقال الشّعْبيّ، عن مسروق، عن عائشة، قالت: اجتمع نساءُ رسولٍ
اللهِ وَ لّ عند رسول الله وَّل، لم تغادر منهنّ امرأةٌ، فجاءت فاطمة تمشي
ما تُخطىء مشيتُها مشيةَ رسولِ اللهِ وَّهَ، فقال: ((مرحباً بابنتي))، فأجْلَسَها
عن يمينه أو شماله، فسارَّها بشيءٍ، فَبَكَتْ، ثم سارَّها فضحِكَت، فقلتُ
لها: خصَّكِ رسولُ اللهِ نَّهِ بِالسِّرار وتبكينَ! فلما أنْ قامَ قلتُ لها:
أخبريني بما سارَّكِ؟ قالت: ما كنتُ لأفشي سِرَّهُ. فلمّا تُوُفِّي قلتُ لها:
أسألك بما لي عليكِ من الحقِّ لما أخبرتيني. قالت: أمّا الآن فَنَعَم،
سارَّني فقال: ((إنَّ جبريل عليه السلام كان يعارضني بالقرآنِ في كلِّ سنةٍ
مرَّةً، وإنّه عارضني العامَ مرَّتَيْن، ولا أرى ذلك إلّ لاقترابِ أجَلي،
فاتَّقي الله واصبري فنِعْمَ السَّلَفُ أنا لكِ)). فبكيتُ، ثمّ سارَّني فقال: ((أما
ترضينَ أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين - أو سيّدةَ نساء هذه الأمة -)) يعني
فضحِكْتُ. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وروى نحوَه عُرْوة، عن عائشة، وفيه أنّها ضحِكَتْ لأنّه أخبرها أنّها
أوّل أهلِه يتبعه. رواه مسلم(٢).
وقال عبّاد بن العوّام، عن هلال بن خَبَّاب، عن عِكْرِمة، عن ابن
عبّاس، قال: لمّا نزلت ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ [النصر] دعا
رسولُ اللهِ وَّ فاطمةَ فقال: ((إنّه قد نُعِيَتْ إليَّ نفسي)). فَبَكَتْ ثم
ضحِكَتْ، قالت: ((أخْبَرَني أنّه نُعِي إليه نفسُهُ، فبكيتُ، فقال لي:
((اصبري فإِنَّك أوّلَ أهلي لا حقاً بي))، فضَحِكْتُ.
وقال سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد،
قال: قالت عائشة: وارأساه. فقال رسولُ الله وَلّ: ((ذاك لو كان وأنا حيٌّ
فأستغفِرُ لكِ وأدعو لكِ)). فقالت: واثكلاه والله إنِّي لأَظُنُكَ تُحِبُّ
(١) البخاري ٢٦/٥، ومسلم ٦/ ١٤٣.
(٢) مسلم ٦/ ١٤٢.
٤٥٤

موتي، ولو كان ذلك لَظَلِلْتَ آخرَ يومِك مُعَرِّساً ببعض أزواجِك. فقال:
((بل أنا وارأساه لقد هَمَمْتُ - أو أرَدْتُ - أنْ أُرْسِلَ إلى أبي بكر وابنِهِ
فأعْهَدَ أنْ يقولَ القائلون أو يتمنَّى المتمثُّون، ثم قلتُ: يَأْبَى الله ويدفع
المؤمنون، أو يدفع الله ويَأْبَى المؤمنون)). رواه البخاري هكذا(١).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عُتْبَة،
عن الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله، عن عائشة، قالت: دخل عليَّ رسولُ اللهِوَال
وهو يُصدَّع وأنا أشتكي رأسي، فقلت: وارَأساه. فقال: ((بل أنا والله
وارأساه، وما عليكِ لو مُتِّ قبلي فَوَلِيتُ أمْرَكِ وصلَّيْتُ عليكِ
ووَارَيْتُكِ)). فقلت: والله إنّي لأحْسبُ أنْ لو كان ذلك، لقد خلوتَ
ببعض نسائك في بيتي في آخر النّهار فأعرستَ بها. فضحِكَ رسولُ الله
وََّ، ثمّ تَمَادَى به وجَعُهُ، فاستُعِزَّ (٢) برسول الله بَّل وهو يدور على
نسائه في بيت ميمونة، فاجتمع إليه أهله، فقال العبّاس: إنّا لَذُرَى برسولِ
اللهِوَّ ذات الجَنْب فَهَلُمُّوا فَلْنَلُدَّه، فَلَدُّوه. وأفاق رسولُ اللهِ وَلِّ فقال:
((مَنْ فعل هذا))؟ قالوا: عمُّك العباس، تَخَوَّف أن يكون بك ذات
الجَنْب. فقال رسول الله وَّر: إنّها من الشَّيطان، وما كان الله تعالى
لِيُسَلِّطَهُ عليَّ، لا يبقى في البيت أحدٌ إلّا لَدَدْتُمُوه إلّ عمّ العباس، فَلُدَّ
أهلُ البيت كلّهم، حتّى ميمونة، وإنّها لَصَائمةٌ يومئذٍ، وذلك بعين رسول
اللهِ وََّ، ثم استأذن نساءَه أن يُمَرَّضَ في بيتي، فخرج ◌َّل إلى بيتي، وهو
بين العبّاس وبين رجلٍ آخر، تخُطّ قدماه الأرضَ إلى بيت عائشة. قال
عُبَيْد الله: فحدثت بهذا الحديث ابنَ عبّاس فقال: تدري مَنِ الرجلُ الآخر
الذي لم تُسَمِّهِ عائشة؟ قلت: لا. قال: هو عليٍّ رضي الله عنه(٣).
(١) البخاري ٧/ ١٥٥ و١٠٠/٩.
(٢) كتب المصنف في هامش الأصل: ((استعزَّ به: غُلِبَ)).
(٣) طبقات ابن سعد ٢٣٢/٢.
٤٥٥

وقال البخاري(١): قال يونس، عن ابن شهاب، قال عُرْوَة: كانت
عائشة تقول: كان النّبِيُّ وَّهَ يقول في مرضه الذي تُؤُنِّي فيه: ((يا عائشة
لم أزل أجد ألم الأكْلَةِ التي أكلت بخَيْبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من
ذلك الُّمّ)) .
وقال اللَّيْث، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب: أخبرني عُبَيْدالله بن
عبد الله، أنّ عائشة قالت: لمّا ثَقُلَ النّبيُّ بَّهِ واشتدّ به الوجع استأذن
أزواجَه أن يُمَرَّضَ في بيت عائشة، فأذِنَّ له، فخرج بين رجلين تخُطُّ
رِجْلاه في الأرض، قالت: لمّا أُدْخِل بيتي اشتدّ وَجَعُهُ فقال: ((أَهْرِقْنَ
عليَّ من سَبْعِ قربٍ لم تُحْلَلْ أوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إلى النّاس)). فأجلسناه
في مِخْضَبٍ لحفصة زوج النبي ◌َِّ، ثم طَفِقْنَا نَصبُّ عليه، حتى طفِقَ
يُشِير إلينا أنْ قد فعلتنَّ، فخرج إلى النّاس فصلَّى بهم ثمّ خَطَبَهم. مُتَّفَقٌ
عليه(٢) .
وقال سالم أبو النَّضْر، عن بُشْر بن سعيد وعُبَيْد بن حُنَيْن، عن أبي
سعيد قال: خطب رسولُ اللهِ وَّهِ النّاسَ فقال: ((إنَّ عبداً خَيَّرَه الله بين
الدنيا وبين ما عندَ الله، فاختار ما عند الله)). فبكى أبو بكر، فعجِبْنَا
لِبُكَائِه، فكان المُخَيَّرُ رسول الله وَّهِ، وكان أبو بكر أعْلَمَنَا به، فقال:
((لا تَبْكِ يا أبا بكر، إنّ أمَنَّ النّاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ ومالِهِ أبو بكر، ولو
كنتُ مُتَّخِذاً خليلاً لاتَّخَذْتُهُ خليلاً، ولكن أُخُوَّةَ الإسلام ومَوَدَّته، لا يبقى
في المسجدِ بابٌ إلّ سُدَّ إلّ باب أبي بكر)). مُتَّفقٌ عليه(٣).
وقال أبو عَوَانة، عن عبدالملك بن عُمَيْر، عن ابن أبي المُعَلَّى، عن
أبيه أحدِ الأنصارِ، فذكر قريباً من حديث أبي سعيد الذي قبله.
(١) البخاري ١٠/٦- ١١.
(٢) البخاري ٦١/١ و١٣/٦-١٤ و١٦٥/٧، ومسلم ٢٠/٢.
(٣) البخاري ١٢٦/١ و٤/٥، ومسلم ١٠٨/٦ .
٤٥٦

وقال جرير بن حازم: سمعت يَعْلَى بن حَكِيم، عن عِكْرِمة، عن ابن
عبّاس قال: خرج رسولُ الله بَّه في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسَه
بخِرْقةٍ، فَصعِد المنبرَ فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: ((إنّه ليس من
النّاس أحدٌ أمَنَّ عليَّ بنفسه ومالِهِ من أبي بكرٍ، ولو كنتُ مُتَّخِذاً من
النّاس خليلاً لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكنّ خِلَّةَ الإسلام أفضل، سُدُّوا
عنّي كلَّ خَوْخَةٍ في المسجد غير خَوْخَة أبي بكر)). أخرجه البخاريّ(١).
وقال زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن عبدالله بن
الحارث: حدثني جُنْدَبِ أنّه سمع النبيَّ وَّر قبل أن يُتَوَفَّى بخمس يقول:
(«قد كان لي منكم إخوةٌ وأصدقاء وإنِّي أبرأ إلى كلِّ خليلٍ من خِلَّتِهِ، ولو
كنتُ مُتَّخِذَاً خليلاً لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلاً، وإنَّ ربِّي اتّخذني خليلاً كما
اتَّخذ إبراهيمَ خليلاً، وإنَّ قوماً ممّن كانوا قبلكم يتّخذون قبورَ أنبيائهم
وصُلَحَائهم مساجدَ، فلا تَّخِذُوا القبور مساجدَ، فإنّي أنْهاكم عن ذلك)).
رواه مسلم (٢) .
مؤمّل بن إسماعيل، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن
عائشة، قالت: لما مرض رسولُ الله ◌ََّ مَرَضَه الذي قُبِض فيه أُغْمِي
عليه، فلمّا أفاق قال: ((ادْعِي لي أبا بكرٍ فلأكتُب له لا يطمع طامِعٌ في أمر
أبي بكر ولا يتمنَّى مُتَمَنٍّ))، ثمّ قال: ((يأبَى الله ذلك والمؤمنون)» - ثلاثاً -
قالت: فأبَى الله إلّا أنْ يكون أبي.
قال أبو حاتم الرازي: حدثناه يَسَرَة بن صَفْوان، عن نافع، عن ابن
أبي مُلَيْكَة مُرْسَلاً، وهو أشبه .
وقال عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله وَّر خرج من مرضه
الذي مات فيه عاصباً رأسَه بعصابةٍ دَسْمَاءَ مُلْتَحِفاً بملْحَفَةٍ على مَنْكِبَيْهِ،
(١) البخاري ١٢٦/١.
(٢) مسلم ٢/ ٦٧ .
٤٥٧

فجلس على المنبر وأوصى بالأنصار، فكان آخر مجلس جلسه. رواه
البخاريّ(١) . ودَسْماء: سوداء.
وقال ابن عُيَيْنَة: سمعت سُلَيمان يذكر عن سعيد بن جُبَيْر، قال:
قال ابن عبّاس: يوم الخميس، وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بَلَّ دمعُهُ
الحَصَى. قلت: يا أبا عبّاس: وما يوم الخميس؟ قال: اشتدَّ برسولِ الله
مَّهِ وَجَعُهُ فقال: ((ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بعدَه أبداً». قال:
فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيِّ تنازُعُ فقالوا: ما شأنُهُ، أهَجَر! اسْتَفْهِمُوه،
قال: فذهبوا يُعِيدون عليه، قال: ((دَعُوني فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا
تَدْعُونَنِي إِلَيه)). قال: وأوصاهم عند موته بثلاثٍ فقال: أخْرِجوا
المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفدَ بنحو ما كنتُ أُجِيزُهم،
قال: وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسِيتُها. مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْدالله بن عبدالله، عن ابن عبّاس، قال: لما
حضر رسول الله وَلّه، وفي البيت رجالٌ فيهم عمر، فقال النّبيُّ وَّل: ((
أكتُبُ لكم كتاباً لن تَضِلُّوا بعده أبداً». فقال: إنّ رسول الله وَّه قد غَلَبَ
عليه الوَجَعُ وعندكم القرآن، حسْبُنا كتابُ الله. فاختلف أهلُ البيت
فاختصموا، فمنهم من يقول: قَرَّبُوا يكتبْ لكم رسولُ اللهِ بَّةِ، ومنهم
مَنْ يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللَّغْوَ والاختلافَ عند رسولِ الله وَال،
قال النبي ◌َّهُ: ((قُومُوا)). فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرَّزِيَّة كلَّ الرَّزِيَّة ما
حالَ بين رسولِ اللهِ وَّه وبين أنْ يكتبَ لهم ذلك الكتاب لاختلافهم
ولَغَطِهِم. مُتَّفقٌ عليه(٣).
وإنّما أراد عمر رضي الله عنه التخفيفَ عن رسول الله وَلّه، حين رآهُ
(١) البخاري ٢٢٦/٤.
(٢) البخاري ١٢٠/٤ و١١/٦، ومسلم ٧٤/٥.
(٣) البخاري ٣٩/١، ومسلم ٧٥/٥.
٤٥٨

شديدَ الوَجَع، لِعِلْمِه أنَّ الله قد أكمل دِينَنَا، ولو كان ذلك الكتاب واجباً
لَكَتَبَهَ النّبِي ◌َِّ لهم، ولَمَا أَخَلَّ به.
وقال يونس، عن الزُّهْرِيّ، عن حمزة بن عبدالله، عن أبيه، قال:
لمّا اشتدَّ برسولِ اللهِ وَّهَ وَجَعُهُ قال: ((مُرُوا أبا بكر فلْيُصَلِّ بالنّاسِ)).
فقالت له عائشة: يا رسولَ الله إنّ أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لم
يُسْمِعِ النّاسَ من البُكاء. فقال: ((مُرُوا أبا بكر فلْيُصَلِّ بالنّاس)». فَعَاوَدَتْهُ
مثلَ مَقَالَتِها، فقال: ((أنْتُنَّ صَوَاحباتُ يوسف، مُرُوا أبا بكر فلْيُصَلِّ
بالنّاس)». أخرجه البخاري(١).
وقال محمد بن إسحاق، عن الزُّهرِيّ، عن عُبَيْدالله بن عبدالله، عن
ابن عبّاس، عن أُمِّه أمِّ الفَضْل قالت: خرج إلينا رسول الله بَّر وهو
عاصِبٌ رأسَه في مَرَضِه، فصلَّى بنا المغربَ، فقرأ بالمُرْسَلاتِ، فما
صلّى بعدَها حتّى لقيَ الله، يعني فما صلّى بعدها بالنّاس. وإسنادة
حَسَن.
ورواه عُقَيْل، عن الزُّهْرِيّ، ولفظه أنّها سمعت رسول الله وَّه يقرأ
في المغرب بالمُرْسَلات، ما صلّى لنا بعدها. البخاري(٢).
وقال موسى بن أبي عائشة، عن عُبَيْدالله بن عبدالله، حدثَتْني
عائشة، قالت: ثَقُلَ رسولُ اللهِ وَّهِ فقال: ((أَصَلَّى النّاسُ))؟ فقلنا: لا،
هم ينتظرونك. قال: ((ضَعُوا لي ماءً في المِخْضَب)). ففعلنا، فاغتسل،
ثمّ ذهب لِيَنُوءَ، فَأَغْمِي عليه، ثمّ أفاق فقال: ((أصَلَّى النّاس))؟ فقلنا:
لا، هم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: ((ضعوا لي ماءً في المِخْضَب.
قالت: ففعلنا، ثم ذهب لِيَنُوءَ فَأَغْمِي عليه، ثمّ أفاق فقال: ((أصَلَّى
النّاسُ))؟ فقلنا: لا، وهم ينتظرونك، والنّاس عُكُوفٌ في المسجد
(١) البخاري ١٨٢/١ و١٢٠/٩.
(٢) البخاري ٦/ ١١.
٤٥٩

ينتظرون رسولَ الله ◌َ ﴿ لصلاة العِشاء. قالت: فأرسل رسولُ الله وَلَه إلى
أبي بكر يُصَلِّي بالنّاس، فأتاه الرسولُ بذلك، فقال أبو بكر وكان رجلاً
رقيقاً: يا عمر صَلِّ بالنّاس. فقال له عمر: أنت أحقُّ بذلك منّي. قالت:
فصلَّى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثمّ إنّ رسول الله وَ له وجد من نفسه
خِفَّةً، فخرج بين رجلين أحدُهما العبّاس لصلاة الظُّهْر، وأبو بكر يصلِّي
بالنّاس، قالت: فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه النبي ◌َِّ أنْ لا
يتأخّر، وقال لهما: أجْلِساني إلى جَنْبِهِ، فأجلساه إلى جَنْب أبي بكر.
فجعل أبو بكر يصلِّي وهو قائمٌ بصلاةِ رسولِ اللهِ وََّ، والنّاس يصلُّون
بصلاةٍ أبي بكر، والنّبِيُّ نَّهِ قاعدٌ. قال عُبَيْد الله: فعرضته على ابن عبّاس
فما أنكر منه حَرْفاً. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وكذلك رواه الأسود بن يزيد، وعُرْوَة، أنَّ أبا بكر علَّق صلاته
بصلاة النّبِي ◌ِّهِ .
وكذلك روى الأرقم بن شُرَحْبِيل، عن ابن عبّاس. وكذلك روى
غیرُهم.
وأمّا صلاتُهُ خَلْفَ أبي بكر فقال شُعْبة، عن نُعَيْم بن أبي هند، عن
أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صلّى رسول الله وَّ في
مرضه الذي مات فيه خَلْف أبي بكر قاعداً.
وروى شُعْبَة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة
أنّ النبي ◌َّ صلّى خلف أبي بكر.
وروى هُشَيْم، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، واللَّفْظ لهُشَيْم، عن
حُمَيْد، عن أنَس، أنّ النّبيَّ وَّ خرج وأبو بكر يصلِّي بالناس، فجلس
إِلى جَنْبَه وهو في بُرْدَةٍ قد خالف بين طَرَفَيْها، فصلَّى بصلاته.
(١) البخاري ١٧٥/١-١٧٦، ومسلم ٢٠/٢.
٤٦٠