Indexed OCR Text

Pages 301-320

فصل في معجزاته
صلى الله
عاجه
وسلم
سوى ما مضى في غضون المغازي
قال حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حَزْرَة، عن
عُبَادة بن الوليد بن عُبادة بن الصّامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلبُ
العلمَ في هذا الحيِّ من الأنصار، قبل أن يهلكوا، فكان أوّل من لِقِيَنَا أبو
اليَسَر صاحب رسول الله وَّ ومعه غلام له. فذكر الحديث، ثم قال:
حتى أتينا جابرَ بنَ عبدالله في مسجده فقال: سِرْنا مع رسول الله وَل حتى
نزلنا وادياً أَفْيَح، فذهب رسول الله وَله يقضي حاجَتَه واتّبَعْتُه بإدَاوةٍ من
ماء، فنظر رسول الله وَ ل﴿ه فلم يَرَ شيئاً يَسْتترُ به، وإذا شجرتان بشاطيء
الوادي، فانطلق رسول الله ◌َّ﴿ إلى إحديهما، فأخذ بغُصْنٍ من أغصانها،
فقال: ((انقادي عليَّ بإذنِ الله)). فانقادتْ معه كالبعير المخشوش الذي
يُصانعُ قائده، حتى أتى الشجرةَ الأخرى، فأخذ بغصنٍ من أغصانها،
فقال: ((انقادي عليَّ بإذنِ الله)). فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان
بالمَنْصَف(١)، فيما بينهما، لَّمَ بينهما، فقال: ((التَئِما عليَّ بإذن الله)).
فالتَّأَمَنَا، قال جابر: فخرجت أُحْضِرُ (٢) مخافةَ أنْ يُحِسَّ رسولُ الله وَيه
بقربي - يعني فَيَتَبَعَّد - فجلستُ أحدِّثُ نفسي، فحانت منّي لفتةٌ، فإذا أنا
برسول الله وَّ مُقْبِلاً، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فرأيتُ رسولَ الله وَله
وقف وقفةً فقال برأسه هكذا، يميناً وشمالاً، ثمّ أقبل، فلما انتهى إليَّ
(١) على هامش الأصل: ((نصف الطريق)).
(٢) أي: أعدو وأجري.
٣٠١

قال: ((يا جابر هل رأيت مَقامي))؟ قلت: نعم يا رسولَ الله. قال: فانطلِقْ
إلى الشجرتين فاقطع من كلّ واحدةٍ غصناً فأقبِل بهما، حتى إذا قمتَ
مقامي فارسِلْ غُصْناً عن يمينكَ وغصناً عن يسارك. قال: فقمت فأخذت
حجراً فكسرته وجَشَرتُهُ، فانْذَلَقَ(١) لي، فأتيتُ الشجرتينَ فقطعت من
كلِّ واحدةٍ منهما غُصْناً، ثم أقبلتُ أَجُزُهُما، حتى إذا قمت مقام رسول
الله ◌َّ أرسلت غُصْناً عن يميني وغُصْناً عن يساري، ثم لحِقْتُ، فقلت:
قد فعلتُ يا رسولَ الله فَعَمَّ ذاك؟ قال: ((إنّي مررتُ بقبرين يُعَذَّبان،
فأحببتُ بشفاعتي أن يُرَفَّه عنهما ما دام الغصنان رَطْبَيْن)).
ثم ذكر حديثاً طويلاً، وفيه إعواز النّاس الماءَ، وأنّه أتاه بيسير ماءٍ
فوضع يده فيه في قصة، قال: فرأيتُ الماء يتفوَّرُ من بين أصابعه،
فاستقى منه النّاسُ حتى رَؤُوا. أخرجه مسلم(٢) .
وقال الأعمش وغيره، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله، قال:
بينما نحن في سفرٍ مع رسول الله ◌ِوَل﴿ إِذ حضرتِ الصّلاةُ، وليس معنا ماء
إلّ يسير، فدعا بماء، فَصَبَّه في صحفة، ووضع كفّه فيه، فجعل الماء
يتفجَّرُ من بين أصابعه، فأقبل النّاسُ فتوضَّئوا وشرِبوا. قال الأعمش:
فحدثتُ به سالم بن أبي الجعد فقال: حَدَّثَنيه جابر، فقلت لجابر: كم
كنتم يومئذٍ؟ قال: خمس عشرة مئة. أخرجه البخاري(٣).
وقال عَمْرو بن مُرَّة، وحُصَيْن بن عبدالرحمن، عن سالم بن أبي
الجعد، عن جابر، قال: كنّا مع رسول الله وَّلِ فِي سَفَرٍ، فأصابنا عطشٌ،
فَجَهَشْنا إلى رسول اللهِ وَّرَ، فوضع يده في تَوْرٍ من ماء، فجعل الماء
(١) كتب المصنف في حاشية نسخته: ((انذلق: صار له حد. وجشرته - بجيم -
فلقته)» .
(٢) مسلم ٨/ ١٣٥.
(٣) البخاري ٥٣/١-٥٤ .
٣٠٢

ينبع من بين أصابعه كأنّه العُيُون، فقال: خُذُوا باسم الله، فشرِبْنا فوسِعَنَا
وكفانا، ولو كنّا مئة ألفٍ لكفانا. قلتُ: كم كنتم؟ قال: ألفاً وخمس
مئة. صحيح (١) .
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن عليّ بن زيد، عن أبي رافع، عن عمر بن
الخطاب، أنَّ النبيَّ نَّوَ كان على الحَجُون لمّا آذاه المشركون، فقال:
((اللّهُمَّ أرِنِي اليومَ آيَةً لا أُبَالِي مَنْ كذَّبني بعدَها)). قال: فَأُمِرَ فنادى شجرةٌ
فأقبلت تخدُّ الأرضَ، حتى انتهتْ إليه، ثمّ أَمَرَها فرجَعَتْ.
وروى الأعمش نحوه، عن أبي سُفيان، عن أَنَس .
وروى المُبَارَك بن فَضَالة نحواً منه، عن الحسن مُرْسلاً.
وقال عبدالله بن عمر بن أبان: حدثنا محمد بن فُضَيْل، عن أبي
حيَّان، عن عَطَاء، عن ابن عمر، قال: كنّا مع النبي وَّ فِي سَفَرٍ، فأقبل
أَعْرابيٌّ، فلمّا دنا منه قال: أين تريد؟ قال الأعرابيّ: إلى أهلي. قال:
هل لكَ إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال تُسْلِم. قال: هل من شاهد؟ قال:
هذه الشجرة، فدعاها فأقبلت تخذُّ الأرضَ خَدّاً، فقامت بين يديه،
فاستشهد ثلاثاً، فشهدتْ له كما قال، ثمّ رجعت إلى مَنْتِها، ورجع
الأعرابيُّ إلى قومه، فقال: إن يشَّبعوني آتِكَ بهم، وإلّ رجعت إليك
فكنتُ معك. غريب جداً، وإسناده جيّد. أخرجه الدارميّ في
((مُسْنَدِه))(٢) عن محمد بن طريف، عن ابن فُضَيْل.
وقال شَرِيك، عن سِماك، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: جاء
أعرابيٌّ إلى النبيّ وَّرَ فقال: بِمَ أعرِفُ أنَّكَ رسولُ الله؟ قال: ((أرأيت لو
دعوتُ هذا العِذْقَ من هذه النَّخْلة، أَتشهد أنّ رسولُ الله))؟ قال: نعم.
(١) هو في الصحيحين: البخاري ٢٣٤/٤ و١٥٦/٥ و١٤٨/٧، ومسلم ٢٦/٢.
(٢) انظر سنن الدارمي ١٠/١ .
٣٠٣

فدعاه، فجعل ينزل من النَّخلة حتى سقط في الأرض، فجعل ينقز(١) ،
حتى أتى النبي ◌ِّ، ثم قال له: ((ارجِعْ)). فرجع حتّى عاد إلى مكانه.
فقال: أشهد أنّك رسول الله، وآمَن. رواه البخاريّ في ((تاريخه))(٢) عن
محمد بن سعيد ابن الأصبهاني عنه.
وقال يونس بن بُكَير، عن إسماعيل بن عبدالملك، عن أبي الزُّبَيْر،
عن جابر، قال: خرج رسول الله وَّ لحاجته، وتبِعْتُه بالإداوة، فإذا
شجرتان بينهما أذْرع فقال: ((انطلِقْ فقل لهذه الشجرة الحقي بصاحبتك
حتّى أجلِسَ خلْفهما)». ففعلتُ، فرجِعَتْ حتى لحِقَتْ بصاحبتها، فجلس
خلفهما حتى قضى حاجته، ثم رَجَعَتَا.
وقال أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عباس،
قال: أتى النبيَّ وََّ رجلٌ من بني عامر، فقال: إنّي أطبّ النّاس، فإنْ
كان بك جُنُونٌ داويتُك. فقال: ((أتُحِبُّ أنْ أُرِيَكَ آية))؟ قال: نعم. قال:
((فادْعُ ذاك الِذْق)). فدعاه، فجاءه ینقز على ذنبه، حتى قام بین یدیه، ثمّ
قال: ((ارجِعْ)) فرجع، فقال: يا لَعَامر، ما رأيت رجلاً أَسْحَرَ من هذا.
أخبرنا عمر بن محمد وغيره، قالوا: أخبرنا عبدالله بن عمر، قال:
أخبرنا عبدالأول بن عيسى، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن محمد
الدَّاودِيّ، قال: أخبرنا عبدالله بن حَمَوَيْه، قال: أخبرنا عيسى بن عمر،
قال: حدثنا عبدالله بن عبدالرحمن بسَمَرْقند، قال: أخبرنا عُبَيْد الله بن
موسى، عن إسماعيل بن عبدالملك، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر، قال:
خرجت مع رسول الله وَّرُ فِي سَفَرٍ، وكان لا يأتي البراز حتى يتغيَّب فلا
يُرَى، فنزلنا بفَلاةٍ من الأرض ليس فيها شجر ولا عَلَم، فقال: ((يا جابر
اجعَلْ في إداوتك ماءً ثمّ انطلِقْ بنا)). قال: فانطلقنا حتى لا نُرَى، فإذا
(١) أي: يقفز.
(٢) التاريخ الكبير ١/ ٩٥.
٣٠٤

هو بشجرتين بينهما أربعة أذْرُع، فقال: ((انطلِقْ إلى هذه الشجرة فقل:
يقول لكِ: الحقي بصاحبتك حتى أجلِس خلْفَكما)). فرجَعَتْ إليها،
فجلس رسول الله وَّ خلفهما، ثمّ رَجَعَتَا إلى مكانهما .
فركبنا مع رسول الله وَ﴿ وهو بيننا كأنّما علينا الطّير تُظِلُّنا، فعرض
له امرأةٌ معها صبيٌّ، فقالت: يا رسول الله إنّ ابني هذا يأخذه الشيطان
كلّ يوم ثلاث مرّات. فتناوله فجعله بينه وبين مُقَدَّم الرَّحل ثمّ قال:
((اخْسَ عدوَّ الله، أنا رسول الله، اخْس عدوَّ الله، أنا رسول الله))،
ثلاثاً، ثم دفعه إليها. فلمّا قضينا سفرنا مَرَرْنا بذلك المكان، فعرضتْ لنا
المرأة معها صبيُّها ومعها كَبْشَان تَسُوقهما، فقالت: يا رسول الله اقبلْ
منّي هديّتي، فَوَالذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعد، فقال: ((خذوا منها
واحداً ورُدُّوا عليها الآخر)). قال: ثم سِرْنا ورسول الله وَ لَه بيننا كأنّما
علينا الطّير تُظِلُّنا، فإذا جملٌ نادٌ حتى إذا كان بين السّماطين خرَّ ساجداً،
فجلس رسول الله وَ ل﴿ وقال على الناس: مَن صاحب الجمل؟ فإذا فتيةٌ من
الأنصار قالوا: هو لنا يا رسول الله. قال: ((فما شأنه))؟ قالوا: استنينا
عليه منذ عشرين سنة، وكانت له شحيمة، فأردنا أن ننحره فنقسمه بين
غِلْماننا فانْفَلَتَ منّا. قال: ((بِيعُونِيه)). قالوا: هو لك يا رسول الله. قال:
((أمّا لي فأحسِنوا إليه حتى يأتِيَه أجلُه)). فقال المسلمون عند ذلك: يا
رسول الله نحن أحقّ بالسّجود لك من البهائم، قال: ((لا ينبغي لشيءٍ أن
يسجد لشيء، ولو كان ذلك كان النّساء لأزواجهنّ)).
رواه يونس بن بُكَير، عن إسماعيل، وعنده: ((لا ينبغي لِبَشَرِ أن
یسجد لبشر» وهو أصحّ.
وقد رواه بمعناه يونس بن بُكَيْر، ووكيع، عن الأعمش، عن
المِنْهال بن عَمْرو، عن يَعْلَى بن مُرَّة، عن أبيه، قال: سافرت مع رسول
الله وَّ فرأيت منه أشياء: نزلنا منزلاً فقال: ((انطلِقْ إلى هاتين
٣٠٥

الأشاءتين(١) فقُلْ: إنّ رسول الله يقول لكما أن تجتمعا)). وذكر
الحدیث .
مُرَّة: هو ابن أبي مُرَّة الثقفي. وقد رواه وكيع مرّةً، فقال فيه: عن
يَعْلَى بن مُرَّة، قال: رأيت من النبي نَّهُ عَجَباً ... الحديثَ. قال
البخاري(٢): إنّما هو عن يَعْلَى نفسه.
قلت: ورواه البيهقيُّ(٣) من وجهين، من حديث عطاء بن السّائب،
عن عبدالله بن حفص، ومن حديث عمر بن عبدالله بن يَعْلَى، عن أبيه،
كلاهما عن يَعْلَی نفسِه.
وقال مهديّ بن ميمون: أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي يعقوب،
عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن عليّ، عن عبدالله بن جعفر، قال:
أردفني رسول الله وَّ ذات يوم خَلْفه، فأسرَّ إليَّ حديثاً لا أحدِّث به
أحداً، وكان أحبَّ ما اسْتَتَرَ به لحاجته هدفٌ أو حائش (٤) نخل، فدخل
حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا فيه جَمَل، فلمّا رأى النبيَّ بَِّ حِنَّ إليه
وذرفت عيناه، فأتاه النبيُّ ◌َ ل﴿ فمسح ذفريه(٥) فسكن، فقال: ((مَنْ ربّ
هذا الجمل)»؟ فجاء فتىً من الأنصار فقال: هو لي. فقال: ((ألا تتّقي الله
في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إيّاها، فإنّه شكا لي أنّك تُجيعه
وتُدْئِبُهُ(٦))). أخرج مسلم (٧) منه إلى قوله ((حائش نخل))، وباقيه على
شرط مسلم.
(١) كتب على هامش الأصل: ((الأشاءة: النخلة الصغيرة)).
(٢) التاريخ الكبير ٤١٥/٨.
(٣) دلائل النبوة ٢٣/٦.
أي: النخل الملتف.
(٤)
(٥) أي: العظم الشاخص خلف الأذن.
(٦) أي: تتعبه.
(٧) مسلم ١٨٤/١.
٣٠٦

وقال إسماعيل بن جعفر: حدثنا عَمْرو بن أبي عَمْرو، عن رجل من
بني سَلِمَة - ثقة - عن جابر بن عبدالله أنّ ناضحاً لبعض بني سَلِمَة
اغتلم، فصال عليهم وامتنع حتى عطشت نخلُه، فانطلق إلى النبيِ وَّ،
فاشتكى ذلك إليه، فقال النبي ◌َّر: انطلِقْ. وذهب النبي ◌َّ معه، فلمّا
بلغ باب النّخْل قال: يا رسول الله لا تدخل. قال: ((ادخُلُوا لابأس
عليكم)). فلمّا رآه الجمل أقبل يمشي واضعاً رأسه حتى قام بين يديه،
فسجد، فقال النبي بَّ: ائتُوا جَمَلَكم فاخطموه وارتَحِلُوه. ففعلوا،
وقالوا: سجد لك يا رسول الله حين رآك، قال: ((لا تقولوا ذلك لي، لا
تقولوا ما لم أبلغ، فَلَعَمْرِي ما سجد لي ولكن الله سخَّره لي)) .
وقال عفّان: حدثنا حمّاد بن سَلَمَة، قال: سمعت شيخاً من قيس
يحدّث عن أبيه قال: جاءنا النبيِ وَّ وعندنا بَكْرة صعبة لانقدر عليها،
فدنا منها رسول الله وَ﴿ فمسح ضَرْعَها، فحفل فاحتلب وشرِب.
وفي الباب حديث عبدالله بن أبي أوفَى، تفرّد به فائد أبو الورقاء،
وهو ضعيف. وحديثٌ لجابر آخر تفرّد به الأجلح، عن الذّيّال بن حَرْمَلَة
عنه. أخرجه الدارمي(١) وغيره.
وقال يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: كان
لأهل رسول الله وَّر وحش فإذا خرج رسول الله بَ ◌ّ لِعِب وذَهَب وجاء.
فإذا جاء رسول الله وَّ رَبَض فلم يترمرم(٢)، ما دام رسولُ الله في
البيت. صحيح(٣) .
وقال أبو داود الطَّيالِسيُّ: حدثنا المسعوديُّ، عن الحسن بن سعد،
عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه قال: كنّا مع النبي وَلّ
(١) سنن الدارمي ٢٤/١ .
(٢) أي: سكن ولم يتحرك.
(٣) أحمد ١١٣/٦ و١٥٠.
٣٠٧

فِي سَفَرٍ فدخل رجل غَيْضَةً فأخرج بَيْضَة حُمَّرة، فجاءت الحُمَّرة ترفرف
على رأس النبي وَل﴿ وأصحابه، فقال: ((أيّكُم فَجَعَ هذه)). فقال رجل:
أنا أخذت بيضتها. فقال: ((رُدَّه رُدَّه رحمةً لها))(١).
عبد الرحمن لم يسمع من أبيه.
وقال أحمد بن حازم بن أبي غرزة الغِفَاريّ: حدثنا عليّ بن قادم،
قال: حدثنا أبو العلاء خالد بن طهمان، عن عطية، عن أبي سعيد،
قال: مرّ رسول الله وَعليه بظبية مربوطة إلى خباء، فقالت: يا رسول الله
حُلَّني حتى أذهب فأرضع خشفي، ثمّ أرجع، فتربطني، فقال رسول الله
وَّر: (صيد قومٍ ورَبِيطة قوم)). قال: فأخذ عليها فحلفت له، فحلَّها،
فما مكثت إلّ قليلاً حتى جاءت وقد نفضت ما في ضَرْعِها، فربطها
رسولُ اللهِ وَّرَ، ثمّ استوهبها منهم، فوهبوها له، فحَلَّها، ثمّ قال: ((لو
تعلم البهائمُ من الموتِ ما تعلمونَ ما أكلتم منها سميناً أبداً»(٢).
عليّ، وأبو العلاء صَدُوقان، وعطيّة فيه ضَعْفٌ. وقد رُوي نحوه
عن زيد بن أرقم.
وقال القاسم بن الفضل الحُدَّانيّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد
الخُدْرِيّ قال: بينما راع يرعَى بالحَرَّة، إذ عرض ذئبٌ لشاة، فحال
الراعي بين الذئب والشاة، فأقعى الذئبُ على ذَنَبِهِ، ثمّ قال للرّاعي: ألا
تتَّقي الله تحول بيني وبين رزقٍ ساقَه الله إليَّ؟ فقال الرّاعي: العَجَبُ من
ذئبٍ مُفْع على ذَنَبِهِ يتكلّم بكلام الإنس! فقال الذِّتْب: ألا أُحدِّثك
بأعجب منّي: رسول الله وَلَهُ بين الحَرَّتين يحدِّث النّاسَ بأنباء ما قد
سبق. فساق الرّاعي شاءه حتى أتى المدينةَ فزوّاها زاوية، ثمّ دخل على
النبي ◌َّ، فحدَّثه بحديث الذُّئب، فخرج رسول الله وَّهِ إلى النّاس فقال
(١) أحمد ٤٠٤/١.
(٢) أبو نعيم، دلائل النبوة ١٣٣/٢-١٣٤.
٣٠٨

للرّاعي: قُمْ فأخبِرْهم. قال: فأخبر النّاسَ بما قال الذُّئب، فقال رسول
الله ◌َّ: صدق الراعي، ألا إنّه من أشراط السّاعة كلامُ السِّباع للإنْس،
والذي نفسي بيده لا تقوم الساعةُ حتى تكلّم السباعُ الإنْسَ، ويكلّم
الرجلَ شراكُ نَعْلِهِ وعَذبةُ سَوْطه، ويخبره فَخِذُه بما أحدث أهلُه بعده.
أخرجه التِّرمِذي، وقال: صحيح غريب(١) .
وقال عبدالحميد بنِ بهْرام، ومَعْقِل بن عُبَيْدالله، عن شهر بن
حَوْشَب، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد الخُذْرِيّ نحوَه. وهو حديث
حَسَنَ صحيح الإسناد.
وقال سُفيان بن حمزة: حدثنا عبدالله بن عامر الأَسْلَميّ، عن ربيعة
ابن أوْس، عن أَنَس بن عَمْرو، عن أهبان بن أَوْس، أنّه كان في غنمٍ له،
فكلّمه الذِّئب، فأتى النبيَّ ◌َّ فأسلم. قال البخاريّ: ليس إسناده
بالقويّ(٢) .
وقال يوسف بن عَدِيّ: حدثنا جعفر بن جَسْر، قال: أخبرني أبي،
قال: حدثنا عبدالرحمن بن حَرْمَلة، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال
ابن عمر: كان راع على عهد رسول الله وَّ فِي غَنم له، إذ جاء الذئب
فأخذ شاةً، ووثب الراعي حتى انتزعها من فيه، فقال له الذئب: أما تتَّقي
الله أن تَمنعني طعمةً أَطْعَمَنِها الله تنزعها منّي! وذكر الحديث(٣) .
وقال منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله، قال: كُنَّا مع
النبي ◌ِّر ونحن نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. البخاري (٤).
وقال قريش بن أنس: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهرِيّ،
(١) الترمذي (٢٢٧٢).
التاريخ الكبير ٢ /٤٤-٤٥ .
(٢)
(٣) الكامل لابن عدي ٢ / ٥٧٣ .
(٤) البخاري ٢٣٥/٤.
٣٠٩

عن رجل، قال: سمعت أبا ذَرّ رضي الله عنه يقول: لا أذكر عثمان إلّ
بخير بعد شيءٍ رأيته: كنت رجلاً أتتبَّعُ خلوات رسول الله بَّرَ، فرأيته
وحده، فجلست، فجاء أبو بكر فسلّم وجلس، ثمّ جاء عمر، ثمّ
عثمان، وبين يدي النبي ◌ََّ سَبْعُ حَصَيَات، فأخذهنّ فوضعهنّ في كفّه،
فسبَّحْن، حتى سمعت لهنّ حنيناً كحنين النَّحْل، ثمّ وضعهنّ فَخَرِسْنَ،
ثم أخذهنّ فوضعهنّ في يد أبي بكر فسبَّحْن، ثمّ وضعهنّ فخرسْنَ، ثم
وضعهنّ في يد عمر فسبَّحْن، ثمّ وضعهن في يد عثمان فسبَّحْن، ثم
وضعهنّ فخرسْنَ، فقال رسول الله ◌َّلون: ((هذه خلافة النبوة)).
صالح لم يكن حافظاً، والمحفوظ رواية شُعَيْب بن أبي حمزة، عن
الزُّهرِيّ، قال: ذكر الوليد بن سُوَيْد أنّ رجلاً من بني سُلَيم كبير السّنّ،
كان ممّن أدرك أبا ذَرّ بالرَّبَدَة ذُكِرَ له، فذكر هذا الحديث عن أبي ذَرّ.
ويُرْوَى مثلُه عن جُبَيْر بن نُفَيْر، وعن عاصم بن حُمَيْد، عن أبي ذَرّ.
وجاء مثله عن أنَس من وجهين مُنْكَرَیْن .
وقال عبد الواحد بنُ أَيْمَن: حدثني أبي، عن جابر أنّ رسول الله وَل
كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرةٍ أو إلى نخلةٍ، فقيل: ألا نجعلُ لك
منبراً؟ قال: ((إنْ شئتم)). فجعلوا له منبراً، فلمّا كان يوم الجمعة ذهب
إلى المنبر، فصاحت النَّخلة صياحَ الصبي، فنزل فضمّها إليه. كانت تئنّ
أنين الصبي الذي يُسَكَّت قال: ((كانت تبكي على ما كانت تسمع من
الذِّكر عندها)). البخاري(١). ورواه جماعة عن جابر.
وقال أبو حفص بن العلاء المازنيّ - واسمه عمر - عن نافع، عن
عبدالله أنّ رسول الله ◌َّ كان يخطب إلى جذع، فلما وُضِع له المنبر حنّ
إليه حتى أتاه فمسحه، فسكن. أخرجه البخاري(٢) عن ابن مثنَّى، عن
(١) البخاري ٤ / ٢٣٧ .
(٢). البخاري ٤ / ٢٣٧ .
٣١٠

يحيى بن كثير، عنه، وهو من غرائب الصحيح.
وقال عبدالله بن محمد بن عَقِيل، عن الطُّفيل بن أُبِيّ بن كعب، عن
أبيه: كان النبيُّ وَّر يصلي إلى جذع ويخطب إليه، فصُنع لرسول الله وَل
المنبر، فلمّا جاوز النبي ◌َّر ذلك الجذع خار حتى تصدّع وانشقّ، فنزل
النبي ◌َُّ لمّا سمع صوت الجذع، فمسحه بيده، ثم رجع إلى المنبر،
فلما هُدِم المسجد أخذ ذلك الجذع أبيٌّ فكان عنده في بيته حتى بلي
وأَكَلَتْه الأَرَضَة وعاد رُفاتاً. رُوي من وجهين عن ابن عَقِيل(١).
مالك عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنّ رسول الله وَله
قال: ((هل تَرَوْنَ قِبلتي هاهنا، فَوَالله ما يَخْفَى عليَّ ركوعُكُم ولا
سجودُكم، إنّي لَأَّراكم وراء ظهري)). مُتَّفقٌ عليه(٢) .
قال الشافعي(٣): هذه كرامةٌ من الله أبانه بها من خَلْفه.
وقال المختار بن فُلْفُل، عن أَنَس نحوه، وفيه: ((فإنّي أراكم من
أمامي ومن خلفي، وايْمُ الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيتُ لضحكتم
قليلاً ولبكيتم كثيراً. قالوا يا رسول الله: وما رأيت؟ ((قال: رأيتُ الجنةَ
والنار)). أخرجه مسلم(٤) .
وقال بِشْر بن بكر: حدثنا الأوزاعي، عن ابن شهاب، قال: أخبرني
القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: دخل عليّ النبي ◌ٍَّ وأنا مُسْتَتِرة
بِقرام(٥) فيه صورة، فهتكه، ثمّ قال: إنّ أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة
(١) عبدالله بن محمد بن عقيل ضعيف، كما حققناه في ((تحرير أحكام التقريب)).
(٢) البخاري ١١٤/١، ومسلم ٢٧/٢ .
(٣) دلائل النبوة للبيهقي ٦/ ٧٣ .
(٤) مسلم ٢٨/٢.
(٥) القرام: الستر من الصوف فيه ألوان ونقوش.
٣١١

الذين يُشَبِّهون بخَلْق الله(١).
قال الأوزاعيّ: قالت عائشة: أتاني رسول الله وَّل بِبُرْنُس فيه تمثال
عُقاب، فوضع رسول الله ◌َّيز يده عليه فأذهبه الله عزَّ وجلَّ. وهذه الزيادة
منقطعة .
وقال عاصم، عن زِرّ، عن عبدالله، قال: كنت غلاماً يافعاً في غَنَم
لعُقْبَة بن أبي مُعَيْط أرعاها، فأتى عليَّ رسول الله وَّر ومعه أبو بكر،
فقال: يا غلام هل عندك لبن؟ قلت: نعم ولكن مُؤْتَمَن. قال: فائتني
بشاةٍ لم يَنْزُ عليها الفَحْل. فأتيته بعَناق جذعة، فاعتقلها رسول الله وَّةِ،
ثم دعا ومسح ضَرْعَها حتى أَنْزَلَت، فاحتلب في صحفة، وسقى أبا بكر،
وشرب بعده، ثم قال للضَرْع: اقلَص، فقلص فعاد كما كان، ثم أتيتُ
رسولَ الله وَله فقلت: علّمني من هذا القول، فمسح رأسي، وقال: إنّك
غلام معلّم، فأخذت عنه سبعين سورة ما نازَعَنِيهَا بشر. إسناده حَسَنٌ
قويّ.
مالك، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أَنَس، قال: قال
أبو طلحة لأُمّ سُليم: لقد سمعت صوتَ رسول الله وَّر ضعيفاً، أعرف
فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصاً من
شعير، ثم أخذت خماراً لها فَلَقَّتْه فيه، ودسَّتْه تحت ثوبي، وأرسلتني
إلى رسول الله وَلّ، فوجدتُه جالساً في المسجد ومعه النّاس، فقمت
عليهم، فقال رسول الله وَله: أرسلك أبو طلحة؟ قلت: نعم. فقال لمن
معه: قوموا. قال: فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة
فأخبرته، فقال: يا أمّ سُلَيم قد جاء رسول الله مَّه وليس عندنا ما
نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي
(١) مسلم ٦ / ١٥٦ .
٣١٢

رسولَ اللهِ وَ له، فأقبل معه حتى دخل، فقال رسول الله وَّ: ((هَلُمّي ما
عندك يا أمَّ سُلَيم)). فأتَتْ بذلك الخبز، فأمر به رسول الله وَ له ففُتَّ،
وعصرت عليه أمّ سُلَيم عُكَّة لها فَأَدَمَتْه، ثم قال فيه رسول الله وسلّ ما شاء
الله أن يقول، ثم قال: ((ائذَنْ لعشرة))، فأذِن لهم، فأكلوا حتى شبعوا،
ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذَنْ لعشرة))، فأذِن لهم، فأكلوا حتى شبعوا،
فأكل القوم وشبعوا، وهم سبعون أو ثمانون رجلاً. مُتَّفقٌ عليه(١) . وقد
مرّ مثل هذا في غزوة الخندق من حديث جابر.
وقال سليمان التَّيْميّ، عن أبي العلاء، عن سَمُرة بن جُندب، أنّ
رسول الله وَلُّ أَنِيَ بِقَصْعَةٍ، فيها طعام، فتعاقبوها إلى الظُّهْر منذ غدوه،
يقوم قومٌ ويقعد آخرون، فقال رجل لسَمُرَة: هل كانت تُمَدّ؟ قال: فمن
أَيْش تعجب؟ ما كانت تُمَدّ إلّ من ها هنا، وأشار إلى السماء، وأشار
يزيد بن هارون إلى السماء. هذا حديث صحيح (٢) .
وقال زيد بن الحُباب، عن الحسين بن واقد: حدثني عبدالله بن
بُرَيْدَة، عن أبيه، أنّ سَلْمان أتى النبي ◌َّهُ بهديّة، فقال: ((لمن أنت))؟
قال لقوم. قال: ((فاطْلُب إليهم أنْ يُكاتبوك)). قال: فكاتَبُوني على كذا
وكذا نخلة أَغْرِسُها لهم، ويقوم عليها سَلْمان حتى تطعم، قال فجاء
النبي ◌َّ فغرس النَّخْلَ كلّه، إلّ نخلةً واحدة غرسها عمر، فأطعم نخلُهُ
من سنتِهِ إلّ تلك النَّخْلة، فقال النبي ◌َُّ: ((مَن غَرَسَها))؟ قالوا: عمر،
فغرسها رسول الله وَّ بيده، فحملت من عامها. رُوَاتُهُ ثِقَات(٣).
أخبرنا ابن أبي عمر، وابن أبي الخير كتابةً، عن محمد بن أحمد
وجماعة، أنّ فاطمة بنت عبدالله أخبرتهم، قالت: أخبرنا ابن ريذة،
(١) البخاري ٢٣٤/٤-٢٣٥، ومسلم ١١٢/٦.
(٢) الترمذي (٣٧٠٤).
(٣) أحمد ٣٥٤/٥، وفتح الباري ٦/ ٦٠٠.
٣١٣

قال: أخبرنا الطَّبَرَانيّ، قال(١): حدثنا الوليد بن حمّاد الرَّمْلي، قال:
حدثنا عبدالله بن الفضل، قال: حدثني أبي، عن أبيه عاصم بن عمر،
عن أبيه، عن جدّه قَتَادة بن النُّعمان، قال: أُهْدي إلى رسول الله وَل
قوسٌ، فدفعها إليَّ يوم أُحُد، فرميتُ بها بين يديه حتى انْدَقَّتْ عن
سِيتَها (٢)، ولم أزل عن مقامي نُصْبَ وجِهِ رسولِ اللهِ وَّلِ أَلْقَى السهامَ
بوجهي، كُلَّما مال سهمٌ منها إلى وجِهِ رسولِ الله ◌ََّ مَيَّلْتُ رأسي لَقِيَ
وجْهَهُ، فكان آخر سهم ندرت منه حَدَقَتي على خدّي، وافترق الجَمْعُ،
فأخذتُ حدقتي بكفّي، فسعيتُ بها إلى رسولِ اللهِ مََّ، فلمّا رآها في
كفّي دمعتْ عيناه فقال: ((اللّهُمَّ إنّ قَتَادَة فدى وجْهَ نبيّك بوجهه،
فاجعلها أحسن عينيه وأَحَدَّهما نَظَراً))، فكانت أَحَدَّ عينيه نظراً. غريب،
ورُوي من وجه آخر ذكرناه.
وقال حمّاد بن زيد: حدثنا المهاجر مولى آل أبي بكرة، عن أبي
العالية، عن أبي هريرة، قال: أتيت رسولَ اللهِ وَّه بتمراتٍ، فقلت: ادْعُ
لي فيهنّ بالبركة. قال: فقبضهنّ ثمّ دعا فيهنّ بالبركة، ثم قال: ((خُذْهُنّ
فاجعلهنّ في مِزْوَد، فإذا أردتَ أن تأخذ منهنّ، فأدْخِلْ يدَكَ، فخذْ ولا
تنثرهُنَّ نثْراً)). قال: فحملت من ذلك التمر كذا وكذا وَسْقاً في سبيل
الله، وكنّا نأكل ونُطْعِمُ، وكان المِزْوَد معلّقاً بحِقْوِي لا يفارق حِقْوي،
فلمّا قُتِل عثمان انقطع. أخرجه التِّرِمِذِيّ، وقال: حَسَنٌ غريب(٣) .
ورُوي في ((جزء الحفّار)) من حديث أبي هريرة، وفيه: فأخذت منه
خمسين وسْقاً في سبيل الله، وكان معلّقاً خلف رحْلي، فوقع في زمان
عثمان فذهب. وله طريقٌ أخرى غريبة .
(١) المعجم الكبير ١٩/ حددیث (١٢).
(٢) السِّيَةُ: ما عُطفَ من طرفي القوس.
(٣) الترمذي (٣٨٣٩).
٣١٤

وقال مَعْقِل بن عُبَيْد الله، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، أنّ رجلاً أتى
النبيَّ بَّه يستطعمه، فأطعمه شَطْرَ وَسْقِ شعير، فما زال الرجل يأكل منه
وامرأته ومن ضَيَّفاه حتى كاَلَهُ، فأتى النبيّ ◌َّ فقال له: «لو لم تَكِلْهُ
لأَكَلْتُم منه وأقام لكم))(١) .
وكانت أمّ مالك تُهدي النبيِ وَّرَ فِي عُكَّةٍ لها سمناً، فيأتيها بنوها
فيسألون الأُدْمَ، وليس عندهم شيء، فَتَعْمِدُ إلى الذي كانت تُهدي فيه
إلى النبيِ وََّ، فتجدُ فيه سَمْناً، فما زال يُقيم لها أُدْمَ بَنِيها(٢) حتى
عَصَرَتْهُ، فأتت النبيَِّ، فقال: ((أَعَصَرْتِيها))؟ قالت: نعم، قال: لو
تركتيها ما زال قائماً. أخرجه مسلم (٣).
وقال طلحة بن مُصَرِّف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كنّا
مع رسول الله وَّر في مسيرٍ. فنفِدَت أزوادُ القوم، حتى همَّ أحدُهم بنحر
بعض حمائلهم، فقال عمر: يا رسول الله لو جمعتَ ما بقي من الأزواد
فدعوتَ الله عليها. ففعل، فجاء ذو البُرّ بيُرِّه، وذو التمر بتمره، فدعا
حتى إنّهم ملأوا أزوادَهم، فقال عند ذلك: ((أشهد أن لا إله إلّ الله وأنّي
رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاكٌّ فيهما إلّ دخل الجنة)).
أخرجه مسلم (٤) .
وروى نحوَه وأطولَ منه المُطَّلِب بن عبد الله بن حَنْطَب، عن
عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، عن أبيه رضي الله عنه، وزاد: فما
بقي في الجيش وعاءٌ إلّ ملؤوه وبقي مثلُه، فضحِك النبي ◌َِّ حتّى بدتْ
نَوَاجِذُهُ، وقال: أشهد أن لا إله إلّ الله، وأنّي رسول الله، لا يلقى الله
(١) مسلم ٥٩/٧ .
(٢) جودها المؤلف، وفي صحيح مسلم: ((بَيْتها)).
(٣) مسلم ٥٩/٧ .
(٤) مسلم ٣٩/١.
٣١٥

عبدٌ مؤمنٌ بها إلّ حُجب عن النّار. رواه الاوزاعيُّ عنه(١).
وقال سَلْم بن زَرير: سمعت أبا رجاء العُطَارِديّ يقول: حدثنا
عمران بن حُصَيْن أنه كان مع رسول الله بَّر في مسيرٍ فأدلجوا ليلتهم،
حتى إذا كان في وجه الصُّبْحِ عَرَّس رسول الله فغلبتهم أعيُنُهم حتى
ارتفعت الشمس، فكان أوَّلَ من استيقظ أبو بكر، فاستيقظ عمر بعده،
فقعد عند رأس رسول الله وَر فجعل يكبّر ويرفع صوتَه، حتى يستيقظ
رسول الله وَ الر، فلمّا استيقظ والشمس قد بزغت، قال: ((ارتحلوا)).
فسار بنا حتى ابيضَّت الشمسُ، فنزل فصلّى بنا واعتزل رجل فلم يُصَلِّ،
فلمّا انصرف قال: ((يا فلان ما منعك أن تصلِّي معنا)»؟ قال يا رسول الله
أصابتني جَنَابة. فأمره أن يتيمّم بالصَّعيد، ثم صلّى، وعَجَّلني رسول الله
حَلّ في ركوب(٢) بين يديه أطلب الماء، وكنّا قد عطِشْنا عطشاً شديداً،
فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأةٍ سادلةٍ رِجْلَيها بين مَزَادَتَيْن، قلنا لها:
أين الماء؟ قالت: أيْ هاةٌ(٣) فقلنا: كم بين أهلِكِ وبين الماء؟ قالت:
يوم وليلة. فقلنا: انطلقي إلى رسول الله وَ﴿ قالت: ما رسول الله؟ فلم
نُمَلِّكْها من أمرها شيئاً حتى استقبلنا بها رسولَ الله وَّ فحدَّثَنَّهُ أنّها
مُوتِمَةٍ(٤) ، فأمر بمَزَادَتَيْها فمجَّ في العَزْلاوَيْن العلياوَيْن، فشربنا عطاشاً
أربعين رجلاً حتّى رَوِينا ومَلَّنا كلَّ قِرْبةٍ معنا وكلَّ إداوة. وغسَّلنا
صاحبنا، وهي تكادُ تضرَّج(٥) من الماء، ثمّ قال لنا: ((هاتوا ما
عندكم)). فجمعنا لها من الكِسَر والتمر، حتى صرَّ لها صُرَّة فقال:
((اذهبي فأطعمي عيالَكِ، واعْلَمي أَنَّا لم نرزا من مائكِ شيئاً)). فلمّا أتَتْ
(١) أحمد ٤١٨/٣.
(٢) كتب المؤلف في حاشية نسخته: ((ركب)).
(٣) كتب على هامش الأصل: ((أصلها: هيهات)).
(٤) أي: ذات أيتام.
(٥) أي: فم القربة .
٣١٦

أهلَها قالت: لقد أتيتُ أسْحَرَ النّاس، أو هو نبيّ كما زعموا، فهدى الله
ذلك الصِّرم(١) بتلك المرأة، فأسْلَمَتْ وأسلموا. اتّفقا عليه(٢).
وقال حمّاد بن سَلَمَة وغيره، عن ثابت، عن عبدالله بن رباح، عن
أبي قَتَادة، قال: كنا مع رسول الله وََّ فِي سَفَرٍ، فقال: إنْ لا تدركوا
الماءَ تعطشوا. فانطلق سَرْعَان النّاس تريد الماء، ولزمتُ رسولَ الله وَل
تلك اللّيلة، فمالت به راحلتُه فنعس، فمال فَدَعَمْتُه فادَّعم ومال،
فَدَعَمْتُّهُ فاذَّعم، ثم مال حتى كاد أن ينقلب، فَدَعَمْتُهُ فانتبه، فقال: مَنِ
الرجلُ؟ قلت: أبو قَتَادة. فقال: حفِظَكَ الله بما حفظتَ به رسول الله،
ثم قال: لو عرَّسنا، فمال إلى شجرةٍ، فنزل فقال: انظر هل ترى أحداً؟
فقلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة. فقال: احفظوا علينا
صلاتنا، قال: فنمنا فما أيقظنا إلّ حَرُّ الشمس، فانتبهنا فركب رسول الله
﴿﴿ وسار وسرنا هنيّةً، ثمّ نزلنا، فقال: أمَعَكُم ماء؟ قلت: نعم ميضأة
فيها شيء من ماء. قال: فأَتِني بها، فتوضَّئوا وبقي في الميضأة جُرْعَة،
فقال: ازدهِرْ بها(٣) يا أبا قَتَادة، فإنّه سيكون لها شأن. ثم أذَّن بلال
فصلّى الركعتين قبل الفجر، ثم صلّى الفجر، ثم ركب وركِبْنا، فقال
بعضٌ لبعض: فَرَّطْنا في صلاتنا. فقال رسول الله وَّر: ما تقولون؟ إنْ
كان أمر دنياكم فشأنكم، وإنْ كان أمرُ دينكم فإليَّ. قلنا: فَرَّطْنا في
صلاتنا. قال: لا تفريطَ في الثَّوم إنّما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك
فصلُّوها من الغد لوقتها. ثم قال: ظنُّوا بالقوم. فقلنا: إنّك قلتَ
بالأمس: إنْ لا تُذْركوا الماء غداً تعطشوا، فأتى النّاس الماء. فقال:
أصبح النّاس وقد فقدوا نبيَّهم، فقال بعض القوم: إنّ رسول الله وَل
(١) أبيات مجتمعة، أو هم النفر ينزلون بأهليهم على الماء.
(٢) البخاري ٢٣٢/٤-٢٣٣، ومسلم ١٣٩/٢.
(٣) أي: احتفِظ بها .
٣١٧

بالماء، وفي القوم أبو بكر وعمر، قالا: أيّها النّاس إنّ رسول الله وَلو لم
يكن ليسبقكم إلى الماء ويُخَلِّفكم سقط، وإنْ يُطِع النّاسُ أبا بكر وعمر
يَرْشُدُوا، قالها ثلاثاً. فلما اشتدّت الظَّهيرة رُفعَ لهم رسول الله وََّ،
فقالوا: يا رسول الله هلكنا، عطشنا، انقطعت الأعناق. قال: ((لا هُلكَ
عليكم))، ثم قال: ((يا أبا قَتَادة ائتني بالميضأة)). فأتيتُه بها فقال: حلّ لي
غُمَري - يعني قدحه - فحللته، فجعل يصبّ فيه ويسقي النّاس، فقال:
((أَحْسِنوا الِمِلْء، فكلُّكُم سيصدر عن ريٍّ. فشربَ القومُ حتى لم يبق
غيري ورسول الله وَّه، فصبّ لي فقال: اشرب، قلت: اشرب أنت يا
رسول الله، قال: إنّ ساقي القوم آخرهم شُرْباً. فشربتُ ثم شرب بعدي،
وبقي من الميضأة نحوٌ ممّا كان فيها، وهم يومئذٍ ثلاث مئة .
قال عبدالله: فسمعني عمران بن حُصَيْن وأنا أحدِّث هذا الحديث في
المسجد، فقال: مَن الرجل؟ فقلت: أنا عبدالله بن رباح الأنصاري.
فقال: القومُ أعلمُ بحديثهم، انظر كيف تُحَدّث فإنّي أحد السبعة تلك
اللّيلة، فلمّا فرغت قال: ما كنت أحب أحسب أنّ أحداً يحفظ هذا
الحديث غيري. ورواه بكر بن عبدالله المُزَنيّ أيضاً عن عبدالله بن رباح.
رواه مسلم(١).
وقال الأوزاعي: حدثني إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، قال:
حدثني أنَس، قال: أصابت النّاسَ سنةٌ على عهد رسول الله وََّ، فبينا
رسول الله وَّر على المنبر يوم الجمعة يخطب النّاسَ، فأتاه أعرابيٌّ،
فقال: يا رسول الله هَلَكَ المالُ وجاع العيال، فادع الله لنا. فرفع يديه
وما نرى في السّماء فَزعة، فَوَالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثارت
سحابة(٢) أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن المنبر حتى رأيت المطرَ يتحادر
(١) مسلم ١٣٨/٢، وانظر المسند الجامع (١٢٥١٨).
(٢) كتب المؤلف في الحاشية: ((السحاب)) أي أنه كذلك في رواية أخرى.
٣١٨

على لحيته، فَمُطِرْنا يومَنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، حتى
الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو غيره، فقال: يا رسول الله تهدّم
البناء وجاع العيال فادْعُ الله لنا، فرفع رسول الله وَ له يديه وقال: «اللّهُمَّ
حوالينا ولا علينا)). فما يشير بيديه إلى ناحيةٍ من السّحاب إلّ انفرجت،
حتى صارت المدينة مثل الجَوْبَة، وسال الوادي، وادي قناةَ شهراً، ولم
يجىء أحدٌ من ناحية من النّواحي إلّ حدّث بالجَوْد. اتّفقا عليه(١).
ورواه ثابت وعبد العزيز بن صُهَيْب وغيرهما عن أنَس.
وقال عثمان بن عمر: ورَوُح بن عُبادة: حدثنا شُعْبَة، عن أبي جعفر
الخَطْميِّ، سمع عمارة بن خُزَيْمة بن ثابت يحدّث، عن عثمان بن
حُنَيف، أنّ رجلاً ضريراً أتى النبيَّ ◌َّ فقال: ادْعُ الله أن يعافيني. قال:
((فإنْ شئتَ أخَّرت ذلك فهو خيرٌ لك، وإنْ شئتَ دعوتُ الله)). قال:
فادْعُه. قال: فأمره أن يتوضّأ فيُحْسِن الوضوء، ويصلّي رَكْعَتَين ويدعو
بهذا الدُّعاء: ((اللّهُمَّ إنّي أسألك وأتوجَّه إليك بنبيّك محمد بَّل نبيّ
الرحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضيها
لي، اللَّهُمَّ شفعه فيَّ وشفِّعْني في نفسي)). ففعل الرجل قبرأ(٢).
قال البيهقي: وكذلك رواه حمّاد بن سَلَمَة، عن أبي جعفر
الخطميّ(٣) .
وقال أحمد بن شبيب بن سعيد الحَبَطَيّ: حدثني أبي، عن رَوْح بن
القاسم، عن أبي جعفر المَدِيني الخَطْمَيّ، عن أبي أمامة بن سهل بن
حنيف، عن عمّه عثمان بن حنيف، قال: سمعت رسولَ الله ◌َلآ، وجاءه
رجلٌ ضرير فشكا إليه ذَهابَ بصره، فقال: ائتِ المَيْضأة فَتوضّأ، ثم
(١) البخاري ٤٠/٢، ومسلم ٢٤/٣.
(٢) الترمذي (٣٥٧٨).
(٣) وهو عند أحمد ١٣٨/٤.
٣١٩

صلِّ رَكْعَتَيْن ثم قُلْ: «اللّهُمَّ إنّي أسألك وأتوجَّه إليك بنبيّك محمد نبيّ
الرَّحْمة، يا محمد إنّي أتوجَّه بك إلى ربّي فيُجْلي لي عن بَصَرِي، اللّهُمَّ
شفِّعْه فيّ وشفِّعْني في نفسي)). قال عثمان: فَوَالله ما تفرَّقْنا ولا طال
الحديث حتى دخل الرجل وكأنّه لم يكن به ضَرَرٌ قطّ. رواه يعقوب
الفَسَوِيّ (١) وغيره، عن أحمد بن شبيب.
وقال عبدالرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن قَتَادة، قال: حابَّ يهوديّ النبي
حَ، فقال النبيِ وَّهُ: ((اللّهُمَّ جمِّلْه))، قال: فاسْوَدَّ شَعْرُهُ حتى صار أشدَّ
سواداً من كذا وكذا.
ويُرْوى نحوه عن ثُمامة، عن أَنَس، وفيه: ((فاسْوَدَّتْ لحيتُهُ بعد ما
کانت بيضاء)) .
وقال سعيد بن أبي مريم: أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير،
قال: أخبرني سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن عاصم بن عُمر
ابن قَتَادة، عن جدّه قَتَادة بن التُّعمان، قال: كانت ليلة شديدة الظُّلمة
والمطر فقلت: لو أنّي اغتنمت العَتمَةَ مع النبيّ ◌َّ ففعلت، فلما انصرف
أبصرني ومعه عُرْجُونٌ يمشي عليه، فقال: (يا قَتَادة هذه الساعة))؟ قلت:
اغتنمت شُهُودَ الصَّلاة معك. فأعطاني العُرْجُونَ فقال: ((إنّ الشّيطان قد
خَلَفَكَ في أهلك فاذْهب بهذا العُرْجُون فاستعِن به حتى تأتي بيتَك،
فتجده في زاوية البيت فاضْربْه بالعُرْجُون)). فخرجت من المسجد فأضاء
العُرْجُون مثل الشمعة نوراً، فاستضأتُ به فأتيتُ أهلي فوجدتهم رُقُوداً،
فنظرت في الزاوية فإذا فيها قُنْفُذ، فلم أزل أضربه به، حتى خرج (٢) .
عاصم عن جدّه ليس بمتَّصل، لكنّه قد رُوي من وجهين آخرين عن
أبي سعيد الخُدْرِيّ، وأبي هُرَيْرة، وحديث أبي سعيد حديث
(١) المعرفة والتاريخ ٢٧٢/٣.
(٢) الطبراني ٥/١٩-٦.
٣٢٠