Indexed OCR Text

Pages 281-300

في وفدٍ من الأزْد. فأمَّره على مَنْ أسلم من قومه، ليجاهد مَنْ يليه.
إسلام ملوك اليمن
قال(١): وقدِم على رسول الله وَّ كتابُ ملوكِ حِمْير؛ مَقْدَمَهُ من
تَبُوك، ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عَبْد كُلَال، ونُعَيْم بن عبد
كُلال، والنُّعْمَان قَيْلُ ذِي رُعَيْن، ومَعَافِر، وهَمْدان. وبعث إليه ذُو يَزَن،
مالِكَ بن مُرَّة الرَّهَاوِيّ (٢) بإسلامهم. فكتب إليهم النبيّ وَّ كتاباً يذكر
فيه فريضة الصدقة، وأرسل إليهم مُعَاذ بن جَبَل في جماعةٍ، وقال لهم:
إنّي قد أرسلتُ إليكم من صالِحي أهلي، وأُولي دينهم وأولي عِلْمهم،
وآمركم بهم خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وقال إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السَّبِيعِيّ، عن أبيه، عن
جدّه، عن البَرَاء، أنَّ النَّبيَّ نَ ◌ّ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن،
يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد، فأقمنا
ستّة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه. ثم إنَ النَّبيَّ نَّل بعث عليّاً
رضي الله عنه، فأمره أن يُقْفِلَ خالداً، إلّ رجلٌ كان يَمَّم مع خالدٍ أحبّ
أن يُعَقِّب مع عليّ فليعَقِّبْ معه. فكنت فيمن عقّب مع عليّ. فلما دنونا
من القوم خرجوا إلينا، فصلّى بنا عليّ، ثم صَفَّنا صفّاً واحداً، ثم تقدّم
بين أيدينا وقرأ عليهم كتابَ رسول الله وَّ، فأسلمت هَمْدان جَمْعاً.
فكتب عليّ إلى رسول الله وَلَّ، فلما قرأ الكتابَ خرَّ ساجداً ثم رفع رأسه
فقال: ((السلام على هَمْدان، السلام على همْدان)). هذا حديث صحيح
(١) ابن هشام ٥٨٨/٢.
(٢) منسوب إلى: (رَها)) بطن من مذحج.
٢٨١

(١)
أخرج البخاري ..
بعضه بهذا الإسناد .
وقال الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي البَخْتريّ، عن عليّ:
بعثني النبيّ ◌َّه إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، تَبْعَثُني وأنَا شابٌ
أُقْضِي بينهم ولا عِلْمَ لي بالقضاء؟ فضرب بيده في صدري، وقال:
((اللهمّ اهْدِ قلبه وثَبِّتْ لسانه)). فما شككتُ في قضاءٍ بين اثنين. أخرجه
ابن ماجة(٢).
وقال محمد بن علي، وعطاء، عن جابر، أنّ عليّاً قدِم من اليمن
على رسول الله ربََّ في حجّة الوداع. مُتَّفقٌ عليه(٣) من حديث عطاء.
وقال شُعبة، وغيره، عن سعيد بن أبي بُرْدة، عن أبيه، عن أبي
موسى؛ أنّ رسول الله وَّر بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: ((يَسِّرا
ولا تُعَسِّرا، وبَشِّرا ولا تُنَفِّرا، وتَطَاوَعا)). مُتَّفقٌ عليه(٤)، ومن أوجهٍ أُخَر
بأطول من هذا.
وفي ((الصحيح)) للبخاري(٥) ، من حديث طارق بن شهاب، عن
أبي موسى، قال: بعثني رسولُ الله ◌َّ إلى أرض قومي. قال: فجئته
وهو مُنِيخٌ بالأبْطَحِ. قال: فسلّمتُ عليه. فقال: ((أحَجَجْتَ يا عبدالله بن
قيس؟)) قلت: نعم. قال: ((كيف قلت؟))، قال: قلت: لبَّيْك إهْلاَلاً
(١) البخاري ٢٠٦/٥.
(٢) في الأصل (خ) وهو وهم واضح، فإن البخاري لم يخرج مثل هذا الحديث.
وفي طبعة محمد محمود حمدان غير رقم البخاري إلى رقم أبي داود، وهو
خطأ أيضاً، فإن أبا داود لم يخرجه من هذا الطريق، إنما أخرجه من رواية
حنش عن علي (٣٥٨٢). أما السند الذي ذكره المؤلف فقد أخرجه أحمد
١٣٦/١، وعبد بن حميد (٩٤)، وابن ماجة (٢٣١٠). وانظر المسند الجامع
٢٩٧/١٣-٢٩٨ حديث (١٠١٨٥)
(٣) البخاري ٢٠٨/٥، ومسلم ٣٧/٤.
(٤) البخاري ٢٠٥/٥ و٨٧/٩، ومسلم ١٤١/٥.
(٥) البخاري ٢٠٥/٥ .
٢٨٢

كَإِهْلالِكَ. فقال: ((أسُقْتَ هَذْياً؟)) قلت: لم أَسُق هدياً. قال: ((فَطُفْ
بالبيت واسْعَ ثم حِلَّ)). ففعلتُ. وذكر الحديث.
أما مُعاذ فالأشْبَه أنه لم يرجع من اليمن حتى تُوُفّي رسول الله وَله .
وقال ابن إسحاق: حدّثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو
ابن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله وَ ار عندنا، الذي كتبه
لعمرو بن حَزْم، حين بعثه إلى اليمن يفقّه أهلها ويعلِّمهم السُّنّة ويأخذ
صدقاتهم، فكتب له كتاباً وعهداً وأمره فيه أَمْرَه: بسم الله الرحمن
الرحيم. هذا كتابٌ من الله ورسوله. يا أيها الذين آمنوا أَوْفُوا بالعُقود.
عهداً من رسول الله وَّ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن. أمره بتقوى
الله في أمره كلِّه. فإنّ الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هم مُحْسنون. وأَمَرَه أن
يأخذ الحقَّ كما أمره، وأن يبشِّرَ الناسَ بالخير، ويأمرهم به، ويعلّم
الناسَ القرآنَ، ويُفَقِّهُهم فيه، ولا يمسَّ القرآن أحدٌ، إلّ وهو طاهرٌ،
ويخبر الناس بالذي لهم، والذي عليهم، ويَلين لهم في الحق، ويشتدَّ
عليهم في الظلم، فإنَّ الله كره الظلمَ ونهى عنه، وقال: ﴿ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الظَّالِمِينَ ﴿3﴾ [هود]. ويبشِّرَ الناسَ بالجنَّةِ وبعملها، وينذرَ الناسَ من
النار وعملها، ويَسْتَأْلِفَ الناسَ حتى يفقهوا في الدين، ويعلُّمَ الناسَ
مَعَالِمَ الحجِّ وسُنَته وفرائضه وما أمر اللهُ به، والحجّ الأكبر والحج
الأصغر، فالحج الأصغر العُمْرة. وينهى الناس أن يصلّ الرجل في
ثوبٍ واحد صغير، إلّا أن يكون واسعاً فيخالف بين طَرَفيه على عاتِقِيْهِ،
ويَنْهَى أَن يَحْتَبِيَ الرجل في ثوبٍ واحدٍ ويُفْضي إلى السماء بفَرْجه. ولا
يعقد شعر رأسه إذا عفّى في قفاه. وينهى الناس إن كان بينهم مَيْجُ أن
يدعوا إلى القبائل والعشائر، وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له.
فمن لم يَدُْ إلى الله عَزَّ وجلَّ، ودعا إلى العشائر والقبائل فَلْيُعْطَفُوا
بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، ويأمر الناس
٢٨٣

بإسباغ الوضوء؛ وجوهَهُم وأيديَهم إلى المرافق، وأرجلَهم إلى
الكعبين، وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمر الله، وأُمِرُوا بالصلاة لوقتها،
وإتمام الركوع والخشوع، وأن يُغَلّس بالصبح، ويهجّر بالهاجرة حين
تميل الشمس، وصلاةُ العصرِ والشمسُ في الأرض مُدْبِرة، والمغرب
حين يقبل الليل، لا تؤخَّر حتى تبدو النجوم في السماء، والعِشاء أوَّلَ
الليل. وأمره بالسعي إلى الجُمُعة إذا نودي بها، والغُسْل عند الرَّواح
إليها. وأمره أن يأخذ من المغانم خُمسَ الله عَزَّ وجلّ، وما كتب على
المؤمنين في الصدقة من العَقار فيما سقى الغَيْلُ وفيما سقت السماء
العُشر، وفيما سقت الغَرْب (١) فنصف العشر. ثم ذكر زكاة الإبل
والبقر، مختصراً.
قال: وعلى كل حالم، ذكرٍ أو أنثى، حُرٍّ أو عبدٍ، من اليهود
والنصارى، دينارٌ وافٍ أو عَرْضه من الثِّياب. فمن أدّى ذلك كان له ذمّةٌ
الله وذمّةُ رسولِه، ومن منع ذلك فإنه عدوّ الله ورسوله والمؤمنين.
وقد روى سليمان بن داود، عن الزُّهْريّ، عن أبي بكر بن محمد بن
عَمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، نحو هذا الحديث موصولاً؛
بزياداتٍ كثيرةٍ في الزكاة، ونقصٍ عما ذكرنا في السُّنن.
وقال أبو اليمان: حدثنا صفوان بن عَمْرو، عن راشد بن سعد، عن
راشدبن حُميد السكونيّ: أنّ مُعاذاً لما بعثه النبيّ بَّةِ إلى اليمن، فخرج
النبيّ وَّهُ يُوصيه، ومُعاذٌ راكبٌ ورسولُ الله ◌َّ﴾ يمشي تحت راحلته،
فلما فرغ قال: ((يا مُعاذ، إنك عَسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلَّكَ
أَنْ تَمُرَّ بمسجدي وقبري)). فبكى معاذ جَشَعاً لفراقِ رسولِ اللهِ وَّهِ،
فقال: ((لا تَبْكِ يا مُعاذ، البكاءُ من الشَّيْطان))(٢) ..
(١) الغيل: الماء الجاري، والغرب: الراوية والدلو.
(٢) أخرجه أحمد ٢٣٥/٥.
٢٨٤

وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: لما قدم
وفد نَجْران على رسول الله وَّر، دخلوا عليه مسجده بعد العصر فحانت
صلاتُهم، فقاموا يصلّون في مسجده، فأراد الناس مَنْعَهم. فقال النبيّ
وَ الَ: ((دَعُوهم)). فاستقبلوا المَشْرِقَ فصلّوا صلاتهم.
وقال ابن إسحاق: حدّثني بريدة بن سفيان، عن ابن البَيْلَمانيّ، عن
كُرْز بن علقمة، قال: قدِم على رسول الله مَّل وفد نصارى نجران؛
ستّون راكباً، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم، منهم: العَاقِبُ أمير
القوم وذو رأيهم، صاحب مشورتهم، والذين لا يَصْدُرون إلّ عن رأيه
وأمره؛ واسمه عبد المسيح. والسيّد ثمالُهم وصاحب رَحْلهم
ومُجْتَمعهم؛ واسمه الأيْهم. وأبو حارثة بن علقمة، أحد بكر بن وائل؛
أَسْقُفهم وحَبْرهم وإمامهم وصاحب مِدْراسهم .
وكان أبو حارثة قد شرُف فيهم ودرس كتبهم حتى حسُن علمه في
دينهم. وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرّفوه وموّلوه وبنوا له
الكنائس. فلما توجّهوا إلى رسول الله وَ ﴿ من نَجران، جلس أبو حارثة
على بَغْلةٍ له موجّهاً إلى رسول الله وَّل، وإلى جنبه أخٌ له، يقال له: ◌ُرْز
ابن عَلْقَمَة؛ يُسايِرُه، إذْ عَثَرت بغلة أبي حارثة، فقال له كُرْز: تَعِس
الأَبْعدُ؛ يريدُ رسولَ الله ◌َّهِ. فقال له أبو حارثة: بَلْ أنت تَعِسْتَ. فقال
له: لِمَ يا أخي؟ فقال: واللهِ إنه لَلَّبيُّ الذي كنّا ننتظره. قال له كُرْز: فما
يمنعك وأنتَ تعلمُ هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم؛ شَرَّقُونا
ومؤَّلُونا، وقد أبَوْا إلّ خِلاَفَهُ، ولو فعلتُ نَزَعوا منَّا كل ما ترى. فأضمر
عليها أخوه كُرْز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن أبي محمد مَوْلى زيد بن ثابت،
قال: حدّثني سعيد بن جُبير، أو عِكرمة، عن ابن عباس، قال: اجتمعت
نَصارى نَجْران وأحْبار يَهُود عند رسول الله بَّ فتنازعوا، فقالت
٢٨٥

الأحبار: ما كان إبراهيم إلّ يهوديّاً، وقالت النَّصارى: ما كان إلّ
نصرانياً. فأنزل الله فيهم: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىِّ إِبْرَهِيمَ وَمَآ
• [آل عمران].
أُنْزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّ مِن بَعْدِيْءٍ ()
فقال أبو رافع القُرَظيّ: أتريد منّا يا محمد أن نعبدك كما تعبد
النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجلٌ من نجران يقال له الرّبّيس(١):
وذلك تريد يا محمد وإليه تدعو؟ فقال رسول الله وَ له: ((مَعاذَ الله أن آمُرَ
بعبادة غير الله)). فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ
[آل عمران] الآيات إلى قوله: ﴿مِّنَ الشَّهِدِينَ لـ
﴾ [آل عمران].
وقال إسرائيل وغيره، عن أبي إسحاق، عن صِلَة، عن ابن مسعود؛
ورواه شُعبة، وسُفيان، عن أبي إسحاق فقالا حُذَيْفة بدل ابن مسعود:
إنَّ السيِّدَ والعاقبَ أتَّيا رسولَ الله وَّر، فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما
لصاحبه: لا تُلاعِنْه، فوالله لئن كان نبيّاً فَلَعَنْتَهُ لا نُفُلح نحن ولا عَقِبنا
من بعدنا. قالوا له: نعطيك ما سألتَ، فابعثْ معنا رجلاً أميناً، ولا
تبعث معنا إلا أميناً. فقال: ((لأبعثنّ معكم رجلاً أميناً حَقَّ أمين)).
فاسْتَشْرَف لها أصحابُه. فقال: ((قُمْ، يا أبا عُبَيدة بن الجرّاح)). فلما قام
قال: ((هذا أمين هذه الأمة)). أخرجه البخاري(٢) من حديث حُذَيفة.
وقال إدريس الأوديّ، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل،
عن المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله وَلّ إلى نجران، فقالوا فيما
﴾ [مريم] وقد كان بين عيسى
٢٨
قالوا: أرأيت ما تقرأون ﴿يَتَأُخْتَ هَرُونَ
وموسى ما قد علمتم؟ قال: فأتيتُ النبيَّ وَِّ فأخبرته، فقال: ((أفلا
(١) هو كبير السَّامرة، وهم قوم من اليهود يخالفونهم في بعض أحكامهم،
كإنكارهم نبوة من جاء بعد موسى عليه السلام.
(٢) البخاري ٢١٧/٥.
٢٨٦

أخبرتَهم أنهم كانوا يسمّون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم)). أخرجه
(١)
مسلم (١).
وقال ابن إسحاق: بعث رسول الله وَّ خالد بن الوليد في شهر ربيع
الآخر، أو جمادى الأولى، سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب
بنجران، وأمره أنْ يدعوهم إلى الإسلام، قبل أنْ يقاتلهم، ثلاثاً. فخرج
خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كُلِّ وجهٍ ويدعون إلى
الإسلام، ويقولون: أيها الناسُ، أسلموا تسلموا. فأسلم الناسُ، فأقام
خالد يعلِّمهم الإسلامَ، وكتب إلى رسولِ الله وَّر بذلك. ثم قدِم وفدُهم
مع خالد إلى رسول الله وَّة، ومن أعيانهم: قَيْس بن الحُصَيْن ذو
الغُصَّة، ويزيد بن عبد المَدَان، ويزيد بن المُحَجَّل. قال: فَأَمَّر عليهم
النبيُّ ◌َ ل قيساً.
وقد كان النَّبِيّ ◌َّ بعث إليهم، بعد أن وَلَّى وفدهم، عمرو بن حزم
ليفقّههم ويعلّمهم السُّنّة، ويأخذ منهم صدقاتهم.
وفي عاشر ربيع الأول: تُوُنِّي إبراهيمُ ابنُ النَّبِّ وََّ، وهو ابن سنةٍ
ونصفٍ، وغسّله الفضلُ بن العبّاس، ونزل قبره الفضل وأسامة بن زيد
فيما قيل، وكان أبيض مسمَّناً، كثير الشَّبَه بوالده وَله .
وقال ثابت، عن أنس، قال رسول الله وَّر: ((وُلد لي اللَّيْلة غلامٌ
فسمّيته بأبي إبراهيم))، ففيه دليلٌ على تسميةِ الولدِ ليلةَ مولدِه. ثم دفعه
إلى أمّ سيف؛ يعني امرأة قَيْنٍ بالمدينة يقال له أبو سيف. قال أنس:
فانطلق رسولُ اللهِ وَ له بابنه وانطلقتُ معه، فدخل فدعا بالصبيّ فضمّه
إليه، وقال ما شاء الله أن يقول.
قال أنس: فلقد رأيت إبراهيمَ بين يديْ رسول الله وَلَه وهو يَكِيدُ
(١) مسلم ٦ / ١٧١ .
٢٨٧

بنَفْسه، فدمعت عينا رسولِ اللهِ وَّ﴾ وقال: ((تدمع العينُ ويحزن القلبُ
ولا نقول إلّ ما يُرضي الربَّ. واللهِ يا إبراهيم إنّ بك لَمَحْزُونُون)).
أخرجه مسلم(١) والبخاري(٢) تعليقاً مجزوماً به.
وقال شُعبة، عن عديّ بن ثابت، عن البَرَاء، قال: لما تُوُفّي إبراهيم
ابنُ رسول الله قال رسول الله وَّه: ((إنّ له مُرْضعاً تتمّ رضاعه في الجنة)).
أخرجه البخاري (٣).
وقال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، أنَّ النبيَّ نَّ صلَّى على
ابنه إبراهيم حين مات .
وفيها: مات أبو عامر الراهب، الذي كان عند هِرَقل عظيم الروم.
وفيها: ماتت بُوران بنت كسرى ملكة الفرس، وملّكوا بعدها أختها
آزرمَن. قاله أبو عُبَيْدة.
وفي أواخر ذي القعدة: وُلد محمد بن أبي بكر الصدّيق، ولدته
أسماء بنت عُمَيْس، بذي الحُلَيْفة، وهي مع النبيّ وَّهِ.
قال جابر بن عبدالله: خرجنا مع النبيِّ وَّ﴿ حتى أتينا ذا الحُلَيفة،
فولدت أسماءُ بنت عُمَيْس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إليه: كيف
أصنع؟ فقال: ((اغْتَسِلي واسْتَثْفِري بثوبٍ وأَحْرِمي)).
وفيها: وُلد محمد بن عمرو بن حزم، بنَجْران، وأبوه بها .
(١) مسلم ٧٦/٧.
(٢) البخاري ١٠٥/٢.
(٣) البخاري ١٢٥/٢ و١٤٥/٤ و٥٤/٨.
٢٨٨

(١)
حجَّةُ الوَداع(١)
قال جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جابر، قال: أذّن
رسول الله ◌َ في الناس بالحجّ، فاجتمع في المدينة بشرٌ كثير. فخرج
رسول الله ◌َّ لخَمْس بقين من ذي القعدة، أو لأربع، فلمّا كان بذي
الحُلَيْفَةِ وَلَدَت أسماءُ بنتُ عميس محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، فأرسلتْ
إلى رسول الله وَلجر: كيف أصنع؟ فقال: ((اغتسلي واستثفري بثوبٍ)).
وصلّى رسول الله وَّل في المسجد، وركب القَصْواء حتى استوت به على
البَيْداء، فنظرتُ إلى مَدِّ بصري، بين يديْ رسول الله وََّه مِنْ راكبٍ
وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل
ذلك. فَأَهَلَّ رسول الله بَّهُ بالتوحيد، وأهلَّ الناسُ بهذا الذي يُهُّون به،
فلم يَرُدَّ عليهم شيئاً منه. ولزم رسولُ اللهِوََّ تَلْبِيَتُه. ولسنا نَنْوِي إلّ
الحجَّ، لسنا نعرفُ العُمرة، حتى أتينا البيتَ معه استلم الرُكْن فرَمَل ثلاثاً
ومشى أربعاً، ثم تَقدَّمَ إلى مَقام إبراهيم فقرأ: ﴿ وَأَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِمَ
مُصَلّ ﴾﴾ [البقرة] فجعل المقام بينه وبين البيت.
قال جعفر: فكان أبي يقول : - لأ أعلمه ذكره إلّ عن رسول الله
[الأخلاص]، و:
وَلَّهُ -: كان يقرأ في الركعتين ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾﴾ [الكافرون] ثم رجع إلى البيت فاستلم
الركن، ثم خرج من الباب إلى الصَّفَا، حتى إذا دنا من الصفا قرأ:
[البقرة]، أبدأ بما بدأ اللهُ به، فبدأ
١٥٨)
﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ
بالصفا فرقي عليه، حتى إذا رأى البيتَ فكبّر وهّل وقال: لا إلّه إلّ الله
(١) ابن هشام ٢/ ٦٠١.
٢٨٩

وحده، لا شريكَ له، له المُلْك وله الحمد، يُحيي ويميت، وهو على
كلّ شيءٍ قدير. لا إلَّه إلّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم
الأحزابَ وحده. ثم دعا بين ذلك، فقال مثل ذلك ثلاث مرات. ثم نزل
إلى المَرْوَة، حتى إذا انْصَبَّتْ قدماه رَمَل في بطن الوادي، حتى إذا صَعِد
مشى حتى أتى المَرْوَة، فعَلاَ عليها وفعلَ كما فعلَ على الصفا. فلما كان
آخر الطواف على المروة، قال: ((إنّي لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ
لم أَسُقِ الهَدْيَ وجعلتُها عُمْرةً. فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌّ فَلْيَحْلِلْ
ولْيَجْعَلْها عُمرةً)). فحلّ الناس كلهم وقصّروا، إلّ النبيّ وََّ ومَنْ كان
معه الهدي.
فقام سُرَاقَة بن مالِك بن جُعْشُم، فقال: يا رسول الله أَلِعَامِنا هذا أم
للأبد؟ قال فَشبَّك أصابعه وقال: ((دخلت العُمرة في الحجّ هكذا؛
مرَّتَيْن، لا؛ بَلْ لأبد الأبد)).
وقدِم عليّ، رضي الله عنه، من اليمن يُبْدِنِ إلى النّبِيِّ لََّ، فوجد
فاطمةَ ممّن حَلَّ ولَبِسْت ثياباً صَبِيغاً واكْتَحلتْ، فأنكر عليها. فقالت:
أبي أمرني بهذا. فكان عليّ يقولُ بالعراق: فذهبت إلى رسولِ اللهِ وَلـ
مُحَرِّشاً بالذي صَنَعَتْهُ، مُسْتَفْتياً رسولَ اللهِ وَّهِ، فقال: ((صَدَقَتْ،
صَدَقَتْ. ماذا قلتَ حين فرضتَ الحج؟)) قال: قلت: اللهم إنّي أُهِلُّ بما
أَهَلَّ به رسولُكَ. قال: ((فإنّ معي الهَدْيَ فلا تَحْلِلْ)). قال: فكان الهَدْي
الذي جاء معه، والهَذْي الذي أتى به النبيّ وََّ من المدينة مئة. ثم حلّ
الناس وقَصَّروا، إلّ رسول الله ◌ِصَّ﴾، ومن معه هَذْي.
فلما كان يوم التّرْوِيّة وجّهوا إلى مِنىّ، أَهَلُّوا بالحجّ، وركب رسول
الله ◌َِّ فصلّى بمنىّ الظهرَ والعصرَ والمغرب والعشاءَ والصبحَ. ثم مكث
قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقُبَّةٍ من شَعَرٍ فضُربت له
٢٩٠

بنَمِرَةٍ(١)، فسار رسول الله وَ له ولا تشكّ قريشٌ إلّ أنه واقفٌ عند المَشْعَر
الحرام، كما كانت قريش تصنع في الجاهليّة، فأجازه رسولُ الله وَالفول
حتى أتى عَرَفَة، فوجد القبّة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمسُ أمر
بالقصواء فرُحِلَتْ(٢) له، فركب حتى أتى بطنَ الوادي، فخطب الناسَ
فقال: ((إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومكم هذا، في
شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا وإنّ كلّ شيءٍ من أمر الجاهلية موضوع
تحت قدميّ، ودماء الجاهلية موضوعة، وأوّل دم أضعه من دمائنا دم
ربيعة بن الحارث؛ كان مُسْتَرْضعاً في بني سعدٍ فقتلته هُذَيْل. ورِبا
الجاهلية موضوع كلّه. فاتقوا الله في النّساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمانة
الله، واسْتَحْلَلْتُم فروجهنّ بكلمة الله، وإنّ لكم عليهنّ أن لا يُوطِّئْن
فُرُشَكُم مَنْ تكرهونه، فإنْ فعلن ذلك فاضربوهنّ ضرباً غير مُبَرِّح، ولهنّ
عليكم رزقهنّ وكِسْوتهنّ بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تَضِلُّوا بعده
إن اعتصمتم به؛ كتاب الله تعالى. وأنتم مسؤولون عنّي، فما أنتم
قائلون؟ قالوا: نشهد أن قد بلّغتَ وأديتَ ونصحت. فقال: بإصْبَعه
السَّبَّابة، يرفعها إلى السماء ويَنْكبها(٣) إلى الناس: اللَّهم اشهدْ؛ ثلاثَ
مرّاتٍ. ثم أذّن بلال، ثم أقام، فصّى الظهر، ثم أقام، فصلّى العصر،
ولم يصلْ بينهما شيئاً. ثم ركب حتى أتى المَوْقِفَ، فجعل بَطْن نَاقَته إلى
الصَّخَرات، وجعل حَبْلِ المُشاة(٤) بين يديه، واستقبل القِبلة فلم يزل
واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص،
وأردف أسامةَ بنَ زيد خلفه فدَفَع وقد شَنَق للقصواء الزِّمام، حتى إن
(١) كتب على هامش الأصل: ((مسجد نمرة في جنب عرفة)).
(٢) أي: وُضِعَ عليها الرَّحْلُ.
أي: يرددها إلى الناس مشيرا إليهم.
(٣)
حَبْل - بالحاء المهملة - المشاة: مجتمعهم، أو طريقهم الذي يسلكونه في
(٤)
الرمل .
٢٩١

رأسها لَيُصيب مَوْرِك رَحْله، ويقول بيده: أيها الناس، السَّكِينة السكينة،
كلما أتى حَبْلاً من الحبال(١) أَرْخَى لها قليلاً حتى تَصْعَد. حتى أتى
المُزْدَلِفَةِ، فصلّى بها المغرب والعشاء بأذانٍ وإِقامَتَيْن، ولم يصلّ بينهما
شيئاً. ثم اضطّجع حتى طلع الفجر، فصلّى الفجرَ حتى تبيّن له الصبح
بأذانٍ وإقامةٍ. ثم ركب القصواء حتى أتى المَشْعَرَ الحرام فَرقيَ عليه
فحمد الله وكبّره وهلّله. فلم يزل واقفاً حتى أَسْفر جدّاً، ثم دَفَع قبل أن
تطلع الشمس، وأردف الفضلَ بن عباس، وكان رجلاً حسن الشَّعْر
وسيماً. فلمّا دفع رسولُ اللهِ وَِّ مَرّ الظُّعُنِ يَجْرِين، فطفِقِ الفضلُ ينظر
إليهنّ، فوضع رسولُ اللهَ وَّل يده على وجه الفضل، فصرف الفضلُ
وجهه من الشِّقِّ الآخر، فحوَّلَ رسولُ اللهِ وَِّ يدَهُ على وجه الفضل.
حتى إذا أتى مُحَسِّراً حرّك قليلاً، ثم سَلَك الطريق الوسطى التي تخرجك
على الجَمْرَة الكبرى، حتى أتى الجمرةَ التي عند المسجد، فرمَى بسبع
حَصَياتٍ، يكبّر مع كل حصاةٍ منها مثل حصى الخَذْف رَمَى من بطن
الوادي. ثم انصرف إلى المَنْحَر، فنحر ثلاثاً وستّين بدنةً، وأعطى عليّاً،
رضي الله عنه، فنحر ما غَبَر وأَشْرَكه في هَذْيه. ثم أمر من كل بدنةٍ
ببَضْعةٍ فجُعلت في قِدْرٍ، وطُبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مَرَقها.
ثم أفاض رسولُ الله ◌ِّل إلى البيت، فصلّى بمكة الظهر، فأتى على
بني عبدالمطّلب يَسْقُون من بئر زمزم، فقال: ((انْزِعُوا بني عبدالمطّلب،
فلولا أن يغلبكم الناسُ على سِقَايَتِكم لنزعتُ معكم)». فناولوه دَلْواً
فشرب منه. أخرجه مسلم (٢) ، دون قوله: يُحيي ويميت.
وقال شُعبة، عن قَتَادة، عن أبي حسّان الأعرج، عن ابن عباس: أنّ
رسول الله وَ﴿ لما أتى ذا الحُلَيفة أشعر بُدْنةً من جانب سَنامها الأيمن،
(١) الحَبْل: التل من الرمل.
(٢) مسلم ٣٨/٤-٤٣، وانظر المسند الجامع ٢٧/٤-٣٢ حديث (٢٤١٩).
٢٩٢

ثم سَلَتَ عنها الدَّمَ، وأَهَلَّ بالحج. أخرجه مسلم(١) .
وقال أيمن بن نابل: حدّثني قُدامة بن عبدالله، قال: رأيتُ رسولَ
اللهِ وَّ يرمي جمرة العَقَبة على ناقةٍ حمراء؛ وفي روايةٍ؛ صهباء؛ لا
ضَرْبَ ولا طَرْدَ ولا إليك إليك. حديث حسن(٢).
وقال ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن عبدالله بن لُحَيٍّ، عن
عبد الله بن قُرْط، قال: قال رسول الله بَيليه: ((أفضل الأيام عند الله يوم
النَّحْر، ثم يوم القرّ، يستقرّ فيه الناس، وهو الذي يَلي يوم النحر)). قُدِّمَ
إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ل بدناتٌ، خمسٌ أو ستٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه بايّتهنّ
يبدأ، فلمّا وَجَبَت جُنوبُها قال رسولُ اللهِ وََّ كلمةً خفيّةً لم أفهمْها،
فقلت للذي إلى جنبي: ما قال؟ قال: قال: ((من شاء اقْتَطَعَ)). حديث
حسن (٣) .
وقال هشام، عن ابن سِرين، عن أنس، أنّ رسول الله وَلـ رمى
الجمرة، ثم رجع إلى منزله بمنىّ، فذبح، ثم دعا بالحلّق فأخذ بشقّ
رأسه الأيمن، فحَلَقَه، فجعل يقسمه الشَّعْرةَ والشَّعرتَيْن، ثم أخذ بشقِّ
رأسه الأيسر فحَلَقَه، ثم قال: ها هنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة.
(٤)
رواه مسلم(٤) .
وقال أبان العطّار: حدثنا يحيى، قال: حدّثني أبو سَلَمَة، أنَّ محمد
ابن عبدالله بن زيد حدّثه، أنّ أباه شهد المَنْحَر عند رسولِ الله وَّ فقسَم
(١) مسلم ٤ / ٥٧ .
(٢) أخرجه أحمد ٤١٢/٣ و٤١٣، والدارمي (١٩٠٧)، وابن ماجة (٣٠٣٥)،
والترمذي (٩٠٣)، وعبدالله بن أحمد في زياداته على المسند ٤١٣/٣،
والنسائي ٢٧٠/٥. وانظر المسند الجامع ٥٠٤/١٤-٥٠٥ حديث (١١١٨٢).
(٣) أخرجه أحمد ٣٥٠/٤، وأبو داود (١٧٦٥)، وابن خزيمة (٢٨٦٦) و(٢٩١٧)
و(٢٩٦٦).
(٤) مسلم ٤ / ٨٢.
٢٩٣

بين أصحابه ضحايا، فلم يُصِبْه ولا رفيقه. قال: فحلقَ رسولُ الله ◌َيه
رأسه في ثوبه فأعطاه، فقسم منه على رجالٍ، وقَلَّم أظفارَهُ فأعطى
صاحبه، فإنه لمخضوبٌ عندنا بالحنَّاء والكَتَم(١) .
وقال عليّ بن الجَعْد: حدثنا الربيع بن صَبيح، عن يزيد الرقاشيّ،
عن أنس، قال: حجّ رسول الله وَُّ على رَحْلِ رَتِّ وقطيفة تساوي، أوْ
لا تساوي، أربعة دراهم، وقال: «اللهم حجّة لا رياء فيها ولا سمعة».
یزید ضعيف .
وقال أبو عُمَيْس، عن قيس بن مُسْلم، عن طارق بن شهاب، قال:
جاء رجلٌ من اليهود إلى عمر، رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين،
آية في كتابكم تقرؤونها لَوْ علينا مَعْشَرَ اليهود نزلت لأتّخذنا ذلك اليوم
عيداً. قال: أيّ آيَةٍ؟ قال: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى
[المائدة]. فقال: إنّي لأعلم اليوم الذي
٣
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِيِنَّاً
نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه: نزلت على رسول الله وَ له بعَرَفات
في يوم جُمُعة. مُتَّفقٌ عليه (٢) .
وقال حمّاد بن سلمة، عن عمّار بن أبي عمّار، قال: كنت عند ابن
﴾ [المائدة]
عباس وعنده يهوديّ، فقرأ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
الآية. فقال اليهوديّ: لو أُنزِلت علينا لأتّخذنا يومها عيداً. فقال ابن
عباس: فإنها نزلت في يوم عيدٍ، يوم جُمعةٍ، يوم عَرَفَة. صحيح على
شرط مسلم .
وقال ابن جُرَيْج، عن أبي الزُبير، أخبره أنه سمع جابراً، يقول:
رأيت النبيَّ وَّه يرمي الجمرة على راحلته يومَ النحر، ويقول: ((خُذوا
(١) أخرجه أحمد ٤٢/٤، وابن خزيمة (٢٩٣١) و(٢٩٣٢)، وإسناده صحيح.
(٢) البخاري ١٨/١، ومسلم ٢٣٩/٨.
٢٩٤

مناسككم، فإنّ لا أدري لعليّ لأ أحجّ بعد حجّتي هذه)). أخرجه
مسلم (١) .
وقال إسماعيل بن أبي أُوَيس: حدّثني أبي، عن ثور بن يزيد، عن
عِكرمة، عن ابن عباس: أنّ رسول الله بِّ خطب الناسَ في حجّة
الوداع، فقال: ((إنّ الشيطان قد يَئِّس أن يُعبد بأرضكم، ولكنّه رضي أن
يُطاعَ فيما سوى ذلك ممّا تَحاقرون من أعمالكم، فاحْذروه. أيها
الناس: إنّي قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلّوا أبداً؛ كتاب الله
وسُنّة نبيّه. إنّ كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة، ولا يحلّ
لامرىءٍ من مال أخيه إلّ ما أعطاه عن طيب نفس، ولا تظلموا، ولا
ترجعوا بعدي گُفَّاراً يضرب بعضكم رقاب بعضٍ)).
وقال يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق(٢) : حدّثني يحيى بن عبّاد
ابن عبدالله بن الزُّبَير، عن أبيه، قال: وكان ربيعة بن أميّة بن خَلَف
الجُمَحي هو الذي يصرخ يوم عرفة تحت لبّةِ ناقةِ رسولِ الله وَّرَ. قال
له: ((اصْرُخْ: أيها الناس)) - وكان صَيِّتاً - ((هل تدرون أيّ شهرٍ هذا؟))
فصرخ، فقالوا: نعم، الشهر الحرام. قال: ((فإنّ الله حرّم عليكم دماءكم
وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم كحُرمة شهركم هذا)). وذكر الحديث.
وقال الزُّهْريُّ، من حديث الأوزاعيِّ، عنه، عن أبي سلمةَ، عن أبي
هريرة: أنّ رسول الله بَّه حين أراد أن ينفر من مِنىّ قال: ((إنّ نازلون غداً
إن شاء الله بالمُحَصَّب بخَيْف بني كِنَانةَ، حيث تقاسموا على الكفر)).
وذلك أنّ قريشاً تقاسموا على بني هاشم وعلى بني عبد المطّلب أن لا
يناكحوهم ولا يخالطوهم حتى يُسَلِّمُوا إليهم رسولَ الله وَلَـ اتّفقا
(١) مسلم ٧٩/٤.
(٢) ابن هشام ٢/ ٦٠٥.
٢٩٥

عليه(١) .
وقال أَفْلَح بن حُمَيْد، عن القاسم، عن عائشة، قالت: خرجنا مع
رسول الله وَّ﴿ ليالي الحج. قالت: فلما تفرّقنا من مِنىّ نزلنا المحصَّبَ.
وذكر الحديث. مُتَّفقٌ عليه (٢) .
وقال أبو إسحاق السّبيعيّ، عن زيد بن أرقم: أنّ رسول الله،وَلَ غزا
تسع عشرة غزوة، وحجّ بعدما هاجر حجّة الوداع، لم يحجّ بعدها.
قال أبو إسحاق من قِبَلِهِ: وواحدة بمكة. اتّفقا عليه (٣).
ويُروى عن ابن عباس أنه كان يكره أن يقال: حجّة الوداع، ويقول:
حجّة الإسلام.
وقال زيد بن الحُباب: حدثنا سفيان، عن جعفر بن محمد، عن
أبيه، عن جابر: أنّ النّبِيَّ وَّرْ حجّ ثلاث حجج قبل أن يهاجر، وحجّة
بعدما هاجر معها عُمرةٍ، وساق ستاً وثلاثين بَدنة، وجاء عليٌّ بتمامها من
اليمن، فيها جملٌ لأبي جهلٍ في أنفه بُرَةٌ من فِضَّةٍ، فنحرها رسول الله
.
تَفَرَّد به زيد، وقيل إنه أخطأ، وإنما يُروى عن سفيان، عن أبي
إسحاق، عن مجاهد؛ مرسلاً.
قال أبو بكر البيهقيّ(٤): قوله: ((وحجَّةٌ معها عمرةٌ)) فإنما يقول
ذلك أنسٌ رضي الله عنه، ومَنْ ذهب من الصحابة إلى أنّ رسول الله وَله
قَرَنَ. فأما مَنْ ذهب إلى أنه أَفْردَ، فإنه لا يكاد تصحُّ عنده هذه اللفظة لِما
في إسناده من الاختلاف وغيره.
(١) البخاري ١٨١/٢، ومسلم ٨٦/٤.
(٢) البخاري ١٧٣/٢ و٦/٣، ومسلم ٣١/٤.
(٣) البخاري ٢٢٣/٥، ومسلم ١٩٩/٥.
(٤) دلائل النبوة: ٤٥٤/٥.
٢٩٦

وقال وكيع، عن سُفيان، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: حجّ
رسولُ الله وَّر ثلاث حجج؛ حجَّتيْن وهو بمكة قبل الهجرة، وحجّة
الوداع، والله أعلم.
وفي آخر السنة: كان ظهور الأسْوَد العنسي، وسيأتي ذِكْرُه.
٢٩٧

سَنَة إحدى عَشَرة
سَرِيّة أُسَامَة
في يوم الإثنين لأربع بَقِينَ مِنِ صَفَر.
ذكر الواقدي(١) أنهم قالوا: أمر النَّبِيُّ ◌َّ بِالتَّهُّؤْ لغزْو الرُّوم، ودعا
أُسَامَةِ بن زيْد، فقال: سِرْ إلى موضع مقتل أبيك، فَأَوْطِئْهم الخَيْلَ، فقد
وَلَّيْتُكَ هذا الجيشَ، فَأَغِرْ صباحاً على أهل أُبنى(٢) ، وأسرع السَّيْر،
تسبق الأخبار. فإنْ ظفرتَ فَأَقْلِلْ اللَّبْث فيهم، وقَدِّم العيون والطلائع
أمامك .
فلما كان يوم الأرْبِعاء، بُديء برسول الله وَّهُ وَجَعُه، فحُمَّ وصُدِّع.
فلما أصبح يوم الخميس، عَقَد لأسامة لواءً بيده، فخرج بلوائه مَعْقوداً؛
يعني أسامة. فدفعهُ إلى بُرَيْدة بن الحُصَيْبِ الأسْلَميّ، وعَسْكر بالجُرْف.
فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلّ انْتَدَب في تلك الغزوة؛
فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو عُبيدة.
فتكلّم قوم، وقالوا: يستعمل هذا الغلام على هؤلاء؟ فقال ابن
عُيَيْنة، وغيره، عن عبدالله بن دينار، سمع ابن عمر يقول: أمَّر رسولُ الله
وَ له أسامة، فطَعن الناس في إمارته، فقال رسول الله وَّر: ((إن يطعنوا في
إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه، وايْمُ الله إنْ كان لخليقاً للإمارة، وإنْ
(١) المغازي ١١١٧/٣-١١١٩.
(٢) قرية قرب مؤتة. موضع بالشام من جهة البلقاء، وتلفظ حالياً ربنى على
الأرجح.
٢٩٩

كان من أحبِّ الناس إليّ، وإنّ ابنه هذا لمن أحبّ الناس إليّ بعده)).
مُتَّفَقٌ على صحّته(١) .
قال شَيبان، عن قَتَادة: جميع غزواتِ النَّبيِّ نَّهِ وسراياه: ثلاثٌ
وأربعون.
ثم دخل شهر ربيع الأول، وبدخوله تَكَمَّلت عشر سنين من التاريخ
للهجرة النبوية. والحمد لله وحده.
(١) البخاري ٢٩/٥ و١٧٩ و١٦٠/٦ و٩١/٩، ومسلم ١٣١/٧.
٣٠٠