Indexed OCR Text

Pages 201-220

وَالر نزل من (١) البغلة، ثم قبض قَبْضةً من تراب، ثم استقبل به
وجوههم، فقال: ((شاهَتِ الوجوهُ)). فما خَلَق الله منهم إنساناً إلّ ملأ
عينيه تراباً من تلك القبضة، فولّوا مُدبرين. وقسم رسولُ الله وَله
غنائمَهم بين المسلمين. أخرجه مسلم (٢) .
وقال أبو داود في مُسْنَده(٣): حدثنا حمّاد بن سَلَمَة، عن يَعْلَى بن
عطاء، عن عبد الله بن يَسَار، عن أبي عبدالرحمن الفِهْريّ، قال: كنّا مع
رسول الله وَ ﴿ في حُنين، فذكر الحديث، وفيه: فحدّثني من كان أقرب
إليه منّي أنه أخذ حَفْنةً من تراب، فحَثًا بها في وجوهِ القوم، وقال:
((شاهت الوجوه). قال يَعْلى بن عطاء: فأخْبَرَنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم
قالوا: ما بَقِيَ منّا احدٌ إلّ امتلأت عيناه وفَمُه من التراب، وسمعنا
صَلْصَلةً من السماء كمرِّ الحديد على الطَّسْت، فهزمهم الله .
وقال عبدالواحد بن زياد: حدثنا الحارث بن حصيرة، قال: حدثنا
القاسم بن عبدالرحمن، عن أبيه، قال: قال ابن مسعود: كنتُ مع رسول
اللهَ وَلَهُ يوم حُنين، فولَّى عنه الناسُ، وبقيتُ معه في ثمانين رجلاً من
المهاجرين والأنصار، وهم الذين أنزلَ اللهُ عليهم السَّكِينَة. قال:
ورسولُ اللهِ وَّرِ على بغلته يمضي قُدُماً، فحادت بغلتُهُ، فمال عن السَّرْج،
فشدَّ نحوه، فقلت: ارتفعْ، رَفَعك الله. قال: ((ناوِلْني كَفّاً من تراب)).
فناولتُه، فضرب به وجوههم، فامتلأت أعينهم تراباً. قال: ((أين
المهاجرون والأنصار))؟ فقلت: هم هاهنا. قال: ((اهتفْ بهم)). فهتفتُ
بهم، فجاؤوا وسيوفهم بأيْمانهم كأنّهم الشُّهُب، وولّ المشركون
(١) هكذا في النسخ كافة، وفي صحيح مسلم: ((عن)).
(٢) مسلم ١٦٩/٥ .
(٣) منحة المعبود ١٠٧/٢، وأحمد في المسند ٢٢٢/٢ .
٢٠١

أدبارهم(١) .
وقال البخاري في تاريخه(٢): حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا
عبدالله بن عبدالرحمن الطائفي، قال: أخبرني عبدالله بن عياض بن
الحارث، عن أبيه؛ أن رسول الله وَلل أتى هوازن في اثني عشر ألفاً،
فقُتل من أهلِ الطَّائفِ يومَ حُنين مِثْلُ مَن قُتل يوم بدر، وأخذ رسولُ الله
ليو كفاً من حصباء فرمى به وجوهنا، فانهزمنا.
وقال جعفر بن سليمان: حدثنا عَوْف، قال: حدثنا عبدالرحمن
مولى أمّ بُرْئُن، عَمَّنْ شهد حُنيناً كافراً، قال: لما التقينا والمسلمون لم
يقوموا لنا حَلَب شاةٍ، فجئنا نهشُ سيوفنا بين يدي رسولِ الله، حتى إذا
غَشَيْناه إذا بيننا وبينه رجالٌ حِسانُ الوجوه، فقالوا: شاهتِ الوجوه،
فارجعوا. فهُزمنا من ذلك الكلام. إسناده جيد.
وقال الوليد بن مسلم، وغيره: حدَّثني ابنُ المبارك، عن أبي بكر
الهذلي، عن عِكْرمة، عن شيبة بن عثمان، قال: لما رأيتُ رسولَ الله
وَال﴿ يوم حُنين قد عَرِيَ، ذكرتُ أبي وعمّي وقَتْلَ عليٍّ وحمزة إيّاهما.
فقلتُ: اليوم أُدْرك ثأري من محمد. فذهبتُ لأحِيئه عن يمينه، فإذا أنا
بالعبّاس قائم، عليه دِرْعٍ بيضاء كأنّها فضّة يكشف عنها العَجَاج، فقلت:
عمُّه ولن يَخْذُله. قال: ثم جئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن
الحارث، فقلت: ابنُ عَمِّه ولن يخذُله. قال: ثم جِثْتُه من خَلْفه فلم يبق
إلّا أنْ أَسُورَهُ سَوْرَةً بالسَّيف، إذْ رُفِع لي شُوَاظٌ من نارٍ بيني وبينه كأنّه
بَرْقٌ، فِخِفْتُ يَمْحَشُني(٣) ، فوضعتُ يدي على بصري ومشيت
القَهْقَري. والتفتَ رسولُ الله ◌َّه وقال: ((يا شيْب يا شَيْب، أُذْنُ منّي.
(١) أحمد ٤٥٣/١ و ٤٥٤.
(٢) التاريخ الكبير ١٩/٤.
(٣) أي: يحرقني.
٢٠٢

اللّهم أذْهِبْ عنه الشيطان)). فرفعتُ إليه بصري، فَلَهُوَ أحبُّ إليَّ من
سمعي وبصري. وقال: ((يا شَيْب، قاتِلِ الكفّار)). غريب جدّاً.
وقال أيّوب بن جابر، عن صدقةً بن سعيد، عن مصعب بن شيبة،
عن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله بَّه، واللهِ ما أخْرَجَني إِسْلامٌ،
ولكن أنِفْتُ أن تَظْهر هَوازِن على قريش. فقلتُ وأنا واقف معه: يا
رسول الله، إنّي أرى خَيْلاً بُلْقاً. قال: ((يا شَيْبة، إنّه لا يراها إلّ كافر)).
فضرب يده على صدري، ثم قال: ((اللَّهُمَّ اهْدِ شَيْبة))؛ فعلَ ذلك ثلاثاً،
حتى ما كان أحدٌ من خَلْق الله أحبّ إليّ منه. وذكر الحديث.
وقال ابن إسحاق(١) : وقال مالك بن عَوْف، يذكر مَسيرهم بعد
إسلامه :
ومَالِكٌ فَوْقَهُ الرَّاياتُ تَخْتَفَقُ
اذْكُرْ مَسِيرَهُمُ لِلنَّاسِ إِذْ جَمَعُوا
يَوْمَيْ حُنَيْنٍ عَلَيْهِ النَّاجُ يَأْتَلِقِ
ومالِكٌ مالِكٌ مَاَ فَوْقَه أحدٌ
عَلَيْهِمُ الْبَيْضُ والأَبْدَانُ والدَّرَق
حتَّى لَقُوا النَّاسَ خَيْرُ النَّاسِ يَقْدُمُهُمْ
حَوْلَ النَّبِيِّ وَحَتَّى جَنَّهُ الغَسَقِ
فِضَارَبُوا النَّاسَ حتّى لَمَّ يَرَوْا أَحَداً
فَالقَوْمُ مَنْهَزِمٌ مِنْهُمْ وَمُعْتَنَق
حَتَّى تَنَزَّل جِبْرِيلٌ بِنَصْرِهم
لَمَنَّعَتْنا إذاً أسْيَافُنَا الغُلُقِ
مِنَّا وَلَوْ غَيْرُ جِبْرِيلٍ يُقَاتِلُنَا
بِطَعْنَةٍ بَلَّ مِنْها سَرْجَهُ العَلَقِ
وَقَدْ وَفَى عُمَرُ الفَارُوقُ إِذْ هُزِمُوا
وقال مالك، في الموطّاً(٢)، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كَثِير
ابن أفْلَح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قَتَدة، قال: خرجنا
مع رسول الله وَّل في عام حُنين، فلما التقينا كان للمسلمين جَوْلة. قال:
فرأيتُ رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرتُ له
(١) ابن هشام ٢/ ٤٧٥ .
(٢) الموطأ، برواية أبي مصعب الزهري (٩٤٠).
٢٠٣

فضربتُه بالسيف على حَبْلِ عاتِقِه، فأقبل عليَّ فضمَّني ضَمَّةً وجدتُ منها
رِيحَ الموت، ثم أدركه الموتُ فَأرْسَلني. فأدركتُ عُمَرَ فقلتُ: ما بالُ
النّاس؟ قال: أمْرُ الله. ثم إنّ الناس رجَعوا، وجلس رسولُ الله عَليه
فقال: ((من قَل قَتيلاً له عليه بَيِّنَةٌ فلَهُ سَلَبُه)). فقمتُ ثم قلتُ: مَن يَشْهَدُ
لي؟ ثم جلستُ. ثم قال: ((من قتل قتيلاً له عليه بينّة فله سَلَبُه)). فقمتُ
ثم قلتُ: من يشهد لي. ثم الثالثةَ، فقمتُ، فقال: ((مَا لَكَ يا أبا قتادة))؟
فاقْتَصَصْتُ عليه القصّة. فقال رجل من القوم: صَدَقَ يا رسول الله،
وسَلَبُ ذلك القتيل عِنْدِي، فَأرْضِه منه. فقال أبو بكر الصِدِّيق: لاها اللهِ
إذاً، يَعْمِدُ إلى أسَدٍ من أُسْد الله يُقاتِل عن الله وعن رسوله، فيعطيك
سلَبه؟ فقال رسول الله وَّل: ((صدَق فَأَعْطِه أيّاه)). فأعطانيه. فبعتُ
الدِّرْع، فابْتَعْتُ به مَخْرَفاً(١) في بني سَلِمَة. فإنّه لأوَّلُ مالٍ تَأَثَّلْتُهُ(٢) في
الإسلام. أخرجه البخاري(٣)، وأبو داود(٤) عن القَعْنَبِيّ، ومسلم(٥).
وقال حمّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبدالله، عن أنس: قال
رسول الله وَله يوم حُنَيْن: ((من قَتَلِ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُه)). فَقَتَل يَوْمئذٍ أبو
طَلْحة عشرين رجلاً وأخذ أسْلاَبهم. صحيح(٦) .
وبه، عن أنس، قال: لقيَ أبو طلحة أمَّ سُلَيْم يوم حُنين ومعها
خِنْجَرٌّ، فقال: يا أم سليم، ما هذا؟ قالت: أردتُ إنْ دَنَا مَنّي بعضُهم أن
(١) أي: بستاناً من النخل.
(٢) أي: اكتسبته وجمعته.
(٣) البخاري ٤/ ١١٢-١١٣ .
(٤) أبو داود (٢٧١٧).
(٥) مسلم ١٤٧/٥
(٦) أخرجه أحمد ١٩٨/٣.
٢٠٤

أَبْعَجَ به بَطْنه. فأخبر بذلك النبي ◌َّ. أخرجه مسلم (١).
غزوَة أوطاس
وقال شيخنا الدِّمْياطيّ في ((السِّيرة)) له: كان سِيمًا الملائكة يوم
حُنَين عمائم حمْراً قد أرْخَوها بين أكتافهم.
وقال رسول اللهِ وَّهِ: (مَنْ قتل قتيلاً له عليه بيّةٌ فله سَلَبُه)) (٢).
وأمرَ بطلبِ العدوِّ، فانتهى بعضهم إلى الطّائف، وبعضهم نحو نَخلة،
وَوُجِّه قوم منهم إلى أوْطاس. فعقد النبيُّ نَِّ لأبي عامر الأشْعَرِي لواءً
ووجَّهه في طلبهم، وكان معه سَلَمَة بن الأكْوَع، فانتهى إلى عَسْكرهم،
فإذا هم ممتنعون، فقتل أبو عامر منهم تسعةً مُبارزةً، ثم برز له العاشر
مُعْلَماً بعمامةٍ صفراء، فضرب أبا عامر فقتله. واسْتَخْلَف أبو عامر أبا
موسى الأشعريّ، فقاتلهم، حتى فتح الله علیه .
وقال أبو أُسامة، عن بُرَيْد، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، قال:
لما فرغ النبيّ وَّر من حُنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس،
فلقي دُرَيْد بن الصِّمَّة، فقُتل دُرَيْد، وهزم الله أصحابه، ورُمِيَ أبو عامر
في رُكْبته، رماه رجل من بني جُشَم، فأثْبَتُه في رُكبته، فانتهيتُ إليه،
فقلتُ: يا عم، مَنْ رماك؟ فأشار إليّ أنْ ذاك قاتلي تراه. فقصدتُ له،
فاعْتَمَدْتُه، فلحِقتُه. فلما رآني وَلَّى عنّي ذاهباً، فاتَّبَعْتُه، وجعلتُ أقول
له: ألا تَسْتَحي؟ ألستَ عربياً، ألا تَثْبتُ؟ فكفَّ، فالتقينا، فاختلفنا
ضَرْبَتَين، أنا وهو، فقتلتُه. ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله
(١) مسلم ١٩٦/٥
(٢) سبق تخريجه. وهذا الحديث، وما نقله شيخه الدمياطي قبله كان يتعين أن
يأتي قبل العنوان، فإنهما عن حُنين.
٢٠٥

صاحبكَ. قال: فانتزع هذا السهم. فنزعته، فَنَزَا منه الماء. فقال: يا ابن
أخي، انطلق إلى رسول الله وَ ل﴿ فأقْرِهِ منّي السلام، ثم قُلْ له يستغفر لي.
قال: واستخلَفني أبو عامر على النّاس، فمكث يسيراً ومات. وذكر
الحديث. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال ابن إسحاق(٢): وقُتل يوم حنين من ثقيف سبعون رجلاً تحت
رايتهم. وانهزم المشركون، فأتوا الطائفَ ومعهم مالكُ بن عوف،
وعسكرَ بعضُهم بأوطاس، وتوجه بَعْضُهم نحو نَخْلة. وتَبِعت خيلُ
رسولِ اللهِ وَ﴿َّ القومَ، فأدرك ربيعة بن رُفَيْع؛ ويقال له ابن لَدْغة(٣)؛
دُرَيْد بن الصِّمَّة؛ فأخذ بخِطام جمله، وهو يظنّ أنّه امرأة، فإذا شيخ كبير
ولم يعرفه الغلام. فقال له دُرَيد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك. قال:
ومَنْ أنتَ؟ قال: ربيعة بن رُفيع السُّلَميّ. ثم ضربه بسيفه فلم يُغْن شيئاً.
فقال: بِتْسَ مَا سَلَّحَتْك ◌ُمُك، خُذْ سيفي هذا من مُؤَخَّر الرَّحْل، ثم
اضرِب به، وارفع عن الطعام، واخْفِض عن الدِّمَاغ، فإنّي كذلك كنتُ
أضربُ الرجالَ، ثم إذا أتيتَ أُمَّكَ فأخْبِرْها أنّك قتلتَ دُريد بن الصّمة،
فرُبَّ يومٍ والله قد مَنَعْت فيه نِساءَك. فقتله. فقيل: لما ضربه ووقع
تَكَشَّف، فإذا عِجَانه وبُطُون فَخِذَيْه أبيض كالقِرْطاس من ركوب الخيل
أعْراءَ. فلما رجعَ إلى أُمِّه أخبرها بقتله، فقالت: أمَا واللهِ لقد أعْتَق
أُمَّهاتٍ لك.
وبعث رسولُ اللهِ وَلَّ في آثار مَنْ توجَّه إلى أوطاس، أبا عامر
الأشعريّ فرُمي بسهم فقُتل، فأخذ الراية أبو موسى فهزمهم. وزعموا أنّ
سَلَمَة بن دُرَيْد هو الذِي رَمَى أبا عامٍ بِسهمٍ.
(١) البخاري ١٩٧/٥-١٩٨، ومسلم ١٧٠/٧.
(٢) ابن هشام ٢/ ٤٥٣ -٤٥٤ .
(٣) ولدغة اسمُ أمه، وينادى الرجل أحياناً باسم أمه .
٢٠٦

واستُشهد يوم حُنَيْنِ: أَيْمَن بن عُبَيْد، ولَد أمّ أيمن؛ مَوْلى بني
هاشم، ويَزيد بن زَمَعْة بن الأسْوَد الأسَدِيّ القُرَشِيّ، وسُراقَة بن حُباب
ابن عَدِيّ العَجْلَانِي الأنْصاريّ، وأبو عامٍ عُبَيْد الأشْعَرِيّ(١) .
ثم جُمعت الغنائم، فكان عليها مَسْعُود بن عَمْرو، وإنّما تُقْسَم بعد
الطَّائف.
غزوَة الطَّائِفِ
فسار رسولُ اللهِ وََّ من حُنين يريدُ الطائفَ في شوال، وقَدَّمَ خالد
ابنَ الوليد على مقدّمته. وقد كانت ثقيف رَمُّوا حِصْنَهم وأدخلوا فيه ما
يكفيهم لسَنَّةٍ، فلما انهزموا من أوطاس دخلوا الحصن وتَهيَّأوا للقتال.
قال محمد بن شُعيب، عن عثمان بن عطاء الخُراساني، عن أبيه،
عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: ثم سار رسول الله وَليل حتى بلغ
الطائف فحاصرهم، ونادى منادیه: مَنْ خرج منهم من عبيدهم فهو حرٌّ .
فاقْتَحَم إليه من حصنهم نَفَرٌ، منهم أبو بَكَرة بن مَسْرُوح أخو زياد من
أبيه، فأعتقهم، ودفع كلَّ رجل منهم إلى رجلٍ من أصحابه ليحمله.
ورجع رسول الله وَّ حتى اتى على الجِعِرَّانة. فقال: ((إِنّي مُعْتَمِر)).
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة، وقال إسماعيل بن
إبراهيم بن عُقبة، عن عمِّه موسى، قالا: ثم سار رسولُ اللهِ وَّل إلى
الطائف، وترك السَّبْيَ بالجِعرانة، ومُلِئت عُرُش مكة منهم. ونزل رسولُ
الله ◌َّ بالأكَمَة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة، يقاتلهم، وثقيف
ترمي بالنبل، وكثرت الجراح، وقطعوا طائفة من أعنابهم ليَغِيظُوهم بها،
فقالت ثقيف: لا تُفْسِدوا الأموال فإنها لنا أو لكم. واستأذنه المسلمون
(١) ابن هشام ٤٥٩/٢.
٢٠٧

في مُناهضة الحصن، فقال: ما أرى أنْ نفتحه، وما أُذِن لنا فيه .
وزاد عُرْوة، قال: أمر رسولُ الله بَّر المسلمين أن يقطع كل رجل
من المسلمين خَمْس نخلاتٍ أو حَبَلاتٍ من كُرومهم. فأتاه عمر فقال: یا
رسول الله، إنّها عَفَاء لم تَؤْكل ثمارها. فأمرهم أن يقطعوا ما أُكلت
ثمرته، الأوّلَ فالأولَ. وبعث منادياً ينادي: من خرج إلينا فهو ◌ُرٍّ ..
وقال ابن إسحاق(١): لم يشهد حنيناً ولا حِصارَ الطائف عُرْوة بن
مسعود ولا غَيْلان بن سَلَمَة، كانا بِجُرَش (٢) يَتعلَّمان صنعةَ الدَبَّابات
والمجّانيق .
ثم سار رسول الله ◌َ ﴿ على نَخْلة إلى الطائف، وابتنى بها مسجداً
وصلَّى فيه. وقُتل ناس من أصحابه بالنَّبل، ولم يَقْدِر المسلمون أن
يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم. وحاصرهم النبيّ وَلّ بضعاً وعشرين
ليلةً، ومعه امرأتان من نسائه؛ إحداهما أمّ سَلَمَة بنت أبي أميّة. فلما
أسلمت ثقيف بنى على مُصَلَّى رسول الله بَّهَ أبو أميّة بن عَمْرو بن وَهْب
مسجداً. وكان في ذلك المسجد سَارِية لا تطلُع عليها الشمس يوماً من
الدَّهْر؛ فيما يذكرون، إلّ سُمع لها نَقِيض. والنّقيض: صوتُ المحَامِل.
وقال يونس بن بُكَيْر، عن هشام بن سَنْبَر (٣) ، عن قَتَادَة، عن سالم
ابن أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن أبي نَجِيحِ السُّلَميّ، قال:
حاصرنا مع رسول الله وَ ل﴿ قَصْر الطائف، فسمعتُ رسول الله وَ لَه يقول:
((من بلغ بسَهمِ فله درجة في الجنّة)». فَبَلَّغْتُ يومئذٍ ستة عشر سهماً.
وسمعتُ رسول الله ◌ََّ يقول: ((من رَمى بسهم في سبيل الله فهو عِدْلٌ
(١) ابن هشام ٢/ ٤٧٨ .
(٢) من مخاليف اليمن من جهة مكة.
(٣) قيده ابن حجر في ((التقريب)).
٢٠٨

مُحَرَّر))(١).
وقال هشام بن عُروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها،
قالت: كان عندي مُخَنَّث، فقال لأخي عبدالله: إنْ فتحَ الله عليكم
الطائف غداً، فإنّي أُدُلُّكَ على ابنةٍ غَيْلَان، فإنها تُقْبِلُ بأربع وتُدبر بثمان.
فسمع رسول الله وَّل قوله فقال: ((لا يَدْخُلَنَّ هذا عليكم)). مُتَّفقٌ عليه
بمعناه(٢).
وقال الواقديّ(٣) عن شيوخه، أنّ سَلْمان قال لرسول الله وَلَه: أرى
أن تَنْصِب المَنْجَنِيق على حِصْنهم - يعني الطائف - فإنّا كنا بأرض فارس
نَنّصِبه على الحصون، فإنْ لم يكن مَنْجنيق طَالَ الثَّواء. فأمره رسولُ الله
﴿الر فعمل منجنيقاً بيده، فنصبه على حصن الطائف. ويقال: قَدِم
بالمنجنيق يَزيد بن زَمعة، ودبَّابَتين. ويقال: الطُّفَيْلِ بن عَمْرو قَدِم
بذلك. قال: فأرسلَتْ عليهم ثَقِيف سِكَكَ الحَدِيد مُحْمَاة بالنَّار، فحَرَقت
الدَّابة. فأمر رسولُ الله ◌ِّرَ بِقَطْع أعْنابهم وتَحْرِيقها. فنادى سُفْيان بن
عبد الله الثَّقَفِيّ: لِمَ تَقْطَع أموالنا؟ فإنّما هي لنا أو لكم. فتركها .
وقال أبو الأسود، عن عُرْوة، من طريق ابن لَهِيعة: أقبل عُيَيْنة بن
بدر حتى جاء رسول الله وَسير، فقال: ائذنْ لي أن أكلّمهم، لعلّ الله أن
يَهْديهم. فأذن له، فانطلق حتى دخل الحصن، فقال: بأبي أنتم،
تَمَسَّكوا بمكانكم، واللهِ لَنَحْنُ أذلّ من العبيد، وأُقْسِم بالله لَئِنْ حدث به
حدَثٌ لتملكُنَّ العرب عزّاً ومَنَعَةً، فتمسَّكُوا بحصنكم. ثم خرج فقال له
النبيُّ ◌َّ: ((ماذا قلت لهم؟)). قال: دعوتُهم إلى الإسلام، وحذَّرتُهم
(١) أخرجه أحمد ١١٣/٤ و ٣٨٤، وأبو داود (٣٩٦٥)، والترمذي (١٦٣٨).
وانظر المسند الجامع حديث (١٠٧٩٣).
(٢) البخاري ١٩٨/٥، ومسلم ١٠/٧-١١.
(٣) المغازي ٩٢٧/٣.
٢٠٩

النّار وفعلت. فقال: ((كذَبت، بل قلتَ كذا وكذا)). قال: صدقتَ يا
رسولَ الله، أتوبُ إلى الله وإليك.
أخبرنا محمد بن عبدالعزيز المقرىء سنة اثنين وتسعين وست مئة،
ومحمد بن أبي الحزم، وحسن بن علي، ومحمد بن أبي الفتح
الشيبانيّ، ومحمد بن أحمد العُقَيلي، ومحمد بن يوسف الذَّهبيُّ،
وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد السَّخَاوِي.
(ح) وأخبرنا عبدالمعطي بن عبدالرحمن؛ بالإسكندرية، قال:
أخبرنا عبدالرحمن بن مكّي.
(ح) وأخبرنا لؤلؤ المُحْسني؛ بمصر، وعلي بن أحمد، وعلي بن
محمد الحنبليّان، وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن هِبَة الله
الفقيه، قالوا: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن سِلْفَة الحافظ، قال:
أخبرنا أبو الحسن مكّ بن منصور الكرجي.
وقرأت على سُنْقُر القَضَائِيّ بحلب: أخْبَرَكَ عبداللطيف بن يوسف.
وسمعتُهُ سنةَ اثنتين وتسعين على عائشة بنت عيسى ابن الموفّق، قالت:
أخبرنا جدّي أبو محمد بن قُدامة سنة أربع عشرة وست مئة حُضوراً،
قالا: أخبرنا أبو زُرعة طاهر بن محمد المقدسيّ، قال: أخبرنا محمد بن
أحمد الساوي سنةَ سبع وثمانين وأربع مئة، قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد
ابن الحسن القاضي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال:
حدثنا زكريا بن يحيى المروزي ببغداد، قال: حدثنا سفيان بن عُيَيْنة،
عن عَمْرو بن دينار، عن أبي العباس، عن عبدالله بن عمر، قال: حاصر
النبيُّ ◌َّ أهلَ الطائف، فلم يَغَلْ منهم شيئاً. قال: إنّا قَافِلون غداً إن شاء
الله. فقال المسلمون: أنرجِعْ ولم نَفْتحه؟ فقال لهم رسولُ اللهِ وَّ:
((اغْدوا على القتال غداً)). فأصابهم جِراحٌ. فقال لهم رسولُ الله وَلاتَ: ((إنّا
٢١٠

قافلون غداً إن شاء الله)). فأعجبهم ذلك. فضحك النبيُّ ◌َل.
أخرجه مسلم (١) ، عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، عن سُفْيان هكذا.
وعنده: عبدالله بن عَمْرو، في بعض النُسَخ بمسلم.
وأخرجه البخاري(٢)، عن ابن المديني، عن سُفيان، فقال: عبدالله
ابن عمرو. قال البخاري: قال الحُمَيْدِيّ، قال: حدثنا سفيان، قال:
حدثنا عَمْرو، قال: سمعت أبا العبّاس الأعْمَى، يقول: عبدالله بن عمر
ابن الخطاب .
وقال أبو القاسم البَغَويّ: حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، قال: حدثنا
ابن عُيَيْنة، فذكره، وقال فيه: عبدالله بن عَمْرو.
ثم قال أبو بكر: وسمعت ابن عيينة يحدّث به مرةً أخرى، عن ابن
عمر.
وقال المُفَضَّل بن غَسَّان الغَلَاَبِي، أظنّه عن ابن مَعِين. قال أبو
العباس الشاعر، عن عبدالله بن عمرو، وابن عمر؛ في فتح الطائف:
الصحيح ابن عمر .
قال: واسم أبي العباس: السَّائِب بن فَروخ مَولى بني كنانة.
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة: أنَّ النبيَّ ◌َّ ارتحل
عن الطائف بأصحابه ودعا حين ركب قافلاً: «اللَّهُمَّ اهْدِهم واكْفِنا
مُؤْنتهم)).
وقال ابن إسحاق: حدّثني عبدالله بن أبي بكر، وعبدالله بن المكدم،
عمّن أدركوا، قالوا: حاصر رسول الله ◌َّ﴿ أهل الطائف ثلاثينَ لَيْلةً أو
قريباً من ذلك. ثم انصرف عنهم، فقدِم المدينة، فجاءه وفدهم في
(١) مسلم ١٦٩/٥.
(٢) البخاري ١٩٨/٥.
٢١١

رمضان فأسلموا .
قال ابن إسحاق(١): واستُشهد مع رسول الله وَله بالطائف: سعيد
ابن سعيد بن العاص بن أمية، وعُرْفُطَة بن حُباب، وعبدالله بن أبي بكر
الصدّيق، رُمي بسهم فمات بالمدينة في خلافة أبيه، وعبدالله بن أبي أُميّة
ابن المُغيرة بن عبدالله بن عمر بن مَخْزوم المَخْزُومِيّ؛ أخو أمّ سَلَمَة،
وأمّه عاتِكَة بنت عبدالمطّلب، وكان يقال لأبي أميّة؛ واسمه حُذَيفة: زَاد
الرَّاكب، وكان عبدالله شديداً على المسلمين، قيل هو الذي قال: ﴿لَنْ
تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرُ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٣)﴾ [الإسراء] وما بعدها، ثم أسلم
قبل فتح مكة بيَسيرٍ، وحَسُن إسلامه، وهو الذي قال له هِيتُ المُخَنَّث:
يا عبدالله، إنْ فتح الله عليكم الطائف، فإنّي أدلّك على ابنة غَيْلَان ...
الحديث(٢) - وعبدالله بن عامر بن رَبِيعة، والسَّائِب بن الحارث،
وأخوه: عبدالله، وجُلَيْحة بن عبدالله.
ومن الأنصار: ثابت بن الجَذَعِ، والحارِث بن سَهْل بن أبي
صَعْصَعة، والمُنْذِر بن عبدالله، ورُقَيم بن ثابت.
فذلك اثنا عشر رجلاً، رضي الله عنهم.
ويُروى أنَّ النبيَّ ◌َّرَ استشار نَوْفل بن معاوية الدّيلي في أهل
الطائف، فقال: ثعلبُ في جُحْرٍ، إنْ أقمتَ عليه أخذتَه، وإنْ تركته لم
يضرَّكَ (٣).
(١) ابن هشام ٤٨٦/٢ .
(٢) البخاري ١٩٨/٥، ومسلم ٢١٨٠.
(٣) المغازي للواقدي ٣/ ٩٣٧.
٢١٢

قَسْمُ غنَائِم حُنَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِك
قال ابن إسحاق (١): ثم خرج رسولُ اللهِ وَّل، على رُحَيْلٍ، حتى
نزلَ بالناس بالجِعِرَّانة، وكان معه من سَبْي هَوازن ستة آلاف من الذرِّية،
ومن الإبلَ والشَّاء ما لا يُدْرى عدّته .
وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه: حدثنا السميط، عن أنس، قال:
افْتَتَحنا مكةَ، ثم إنّا غَزَوْنا حُنَيناً، فجاء المشركون بأحسن صفوفٍ
رأيتُ. قال: فصُفَّ الخيل، ثم صُفَّت المُقَاتِلة، ثم صُفَّ النساء من
وراء ذلك، ثم صُفّ الغَنَم، ثم صُفّ النَّعَم. قال: ونحن بشرٌ كثيرٌ قد
بلغنا ستّة آلاف؛ أظنّه يريد الأنصار. قال: وعلى مُجَنَّة خَيْلنا خالد بن
الوليد، فجعلت خيلنا تَلُوذُ خلف ظهورنا، فلم نلبثْ أن انكشفتْ خيلُنا
وفرَّت الأعرابُ، فنادى رسول الله وَّهِ: ((يَا للمهاجِرِينَ يا للمهاجرين، يَا
للأنْصارِ يا للأنْصارِ)). قال أنس: هذا حديثُ عِمِّيَّة(٢) . قلنا: لبّيك، يا
رسول الله. فتقدّم، فائْمُ اللهِ ما أتَيْناهم حتى هزمهم الله. وقال: فَقَبَضْنا
ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف. قال: فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم
رجعنا إلى مكة ونزلنا. فجعل رسول الله وَلَّه يُعطي الرَّجلَ المئة، ويعطي
الرجلَ المئة. فتحدّثَت الأنصار بينهم: أمّا مَنْ قَاتَله فيعطيه، وأمّا من لم
يقاتله فلا يعطيه. قال: ثم أمر بَسَرَاةِ المهاجرين والأنصار - لمّا بَلَغه
الحديث - أنْ يدخلوا عليه. فدخلنا القُبّة حتى ملأناها. فقال: ((يا معشر
الأنصار؛ - ثلاث مراتٍ، أو كما قال - ما حديثٌ أتاني؟)) قالوا: ما أتاك
يا رسول الله؟ قال: ((أمَا تَرْضَوْن أن يذهب الناس بالأموال وتذهبوا
(١) ابن هشام ٤٨٨/٢.
(٢) أي: حدثني به أعمامي.
٢١٣

برسولِ الله حتى تُدْخِلوه بيوتكم؟» قالوا: رَضِينا. فقال: ((لو أخذ الناس
شعْباً وأخذت الأنصارُ شِعْباً أخذتُ شِعْب الأنصار)). قالوا: رَضِينا يا
رسول الله. قال: ((فَارْضَوْا)). أخرجه مسلم(١) .
وقال ابن عَون، عن هشام بن زيد، عن أنس، قال: لما كان يوم
حُنين؛ فذَكَر القصّة، إلى أن قال: وأصاب رسول الله وَ لَّ يومئذٍ غنائم
كثيرة، فقَسَم في المهاجرين والظُّلَقاء، ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً. فقالت
الأنصار: إذا كانت الشِّدَّةُ فنحن نُدْعى، ويُعْطَى الغَنيمة غيْرُنا. قال:
فبلغه ذلك، فجمعهم في قُبَّةٍ وقال: ((أما تَرْضَون أن يذهب الناس
بالدُّنيا، وتَذهبوا برسول الله تَحُوزونه إلى بيوتكم؟)) قالوا: بلى، يا
رسول الله، رَضِينا. فقال: ((لو سلك الناس وادياً، وسلكت الأنصار
شِعْباً، لأخذتُ شِعب الأنصار)). مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال شعيب، وغيره، عن الزُّهْري: حدّثني أنس، أنّ ناساً من
الأنصار، قالوا: لرسول الله وَّله؛ حين أفَاءَ الله عليهم من أموال هوازن
ما أفَاءه، فَطَفِقَ يُعْطي رجالاً من قريش المئة من الإبل؛ فقالوا: يَغْفِرُ الله
لرسول الله وَّةَ، يُعطي قريشاً ويَدَعُنا، وسيوفُنا تَقْطُر من دِمائهم. فبلغ
رسول الله وَّ ذلك، فجمعهم في قُبَّة من أَدَمِ، ولم يَدُْ معهم أحداً
غيرهم، فلما اجتمعوا، قال: ما حديثٌ بلغني عنكم؟ فقال له فقهاؤهم:
أمّا ذَوُوُ رَأيِنا فلم يقولوا شيئاً. فقال: ((فإنّي أعطي رجالاً حَدِيثي عهدٍ
بِكُفْرٍ أتَالَّفهم، أفلا تَرْضَوْن أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى
رِحَالِكم برسول الله؟ فوالله ما تَنْقَلِبُون به خيرٌ مما ينقلبون به)). قالوا: قد
رَضِينا. فقال: ((إنكم ستجدون بعدي أَثَرَةً شديدةً، فاصْبِرُوا حتى تَلْقوا
(١) مسلم ٣/ ١٠٧.
(٢) البخاري ٢٠٢/٥، ومسلم ٣/ ١٠٧.
٢١٤

الله ورسولَه على الحَوْض)). قال أنس: فلم نصبر. مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال ابن إسحاق: حدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة، عن محمود بن
لَبِيد، عن أبي سعيد، قال: لما قسم رسول اللهِنَّ للمُتَألَّفِين من قريش،
وفي سائرِ العرب، ولم يكن في الأنصار منها قليل ولا كثير، وَجَدُوا في
أنفسهم. وذكر نحوَ حديث أنس .
وقال ابن عُيَيْنَة، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عَبَاية
ابن رفاعة بن رافع بن خَدِيج، عن جدّه؛ أنّ النبيَّ وَّرِ أعطى المُؤَلَّفة
قلوبهم من سبي حُنَيْن، كل رجل منهم مئة من الإبل. فأعطى أبا سفيان
ابن حرب مئة، وأعطى صفوان بن أمية مئة، وأعطى عيَيْنة بن حصْن
مئة، وأعطى الأقرع بن حابس مئة، وأعطى عَلْقَمَة بن عُلاَثَة مئة،
وأعطى مالك بن عَوف النَّصْري(٢) مئة، وأعطى العبّاسَ بن مرْداس دون
المئة .
فأنشأ العبّاس يقول :
ــدِ(٣) بَيْنَ عُبَيْنَة وَالأَقْرَعِ
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَدْ
يَفُوقَان مِرْدَاسَ في المَجْمَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلاَ حَابِسٌ
فَلَمْ أُعْطَ شَيْئاً وَلَمْ أُمْنَعِ
وَقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذَا تُدْرَإِ(٤)
وَمَنْ تَضَعِ اليَوْمَ لا يُرْفَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِىءٍ مِنْهُمَا
فأتَمَّ له مئة. أخرجه مسلم(٥) ، دون ذكر مالك بن عَوْف، وعَلْقَمة،
ودون البيت الثالث.
(١) البخاري ١١٤/٤ و١١٥، ومسلم ١٠٥/٣.
(٢) قيده المؤلف في المشتبه ٨٣.
(٣) اسم فرس عباس بن مرداس.
(٤) أي: ذو مَنَعةٍ وقوة على دفع الأعداء وردعهم.
(٥) مسلم ١٠٨/٣ .
٢١٥

وقال عثمان بن عطاء الخُراسانيّ، عن أبيه، عن عِكرِمة، عن ابن
عباس: أنّ رسول الله وَ﴿ أعطى المؤلّفَة قلوبهم: أبا سُفْيان، وحَكِيم بن
حِزام، والحارث بن هِشام المخزومي، وصَفوان بن أُمَّيّة الجُمَحِيّ،
وحُوَيْطِب بن عبدالعُزَّى العَامِريّ؛ أعطى كلَّ واحد مئة ناقة. وأعطى
قَيْس بن عَدِيّ السّهميّ خمسين ناقة، وأعطى سعيد بن يَرْبُوع خمسين.
فهؤلاء من أعْطَى من قريش. وأعطى العَلَاء بن جارية(١) مئة ناقة،
وأعطى مَالِك بن عَوْف مئة ناقة، ورَدَّ إليه أهْلِه، وأعطى عُيَيْنَة بن بَدْر
الفَزَارِيّ مئة ناقة، وأعطى عبّاس بن مِرْداس كُسْوَةً. فقال عبد الله بن أُبَّ
ابن سَلُول للأنصار: قد كنتُ أُخبركم أنّكم سَتَلُونَ حَرَّهَا ويَلِي بَرْدَها
غيرُكم. فتكلّمت الأنصار، فقالوا: يا رسول الله، عمَّ هذه الأثرة؟ فقال:
((يا معشر الأنصار، ألم أجدكم مُفْتَرِقين فجمعكم الله، وضُلَّلاً فهداكم
الله، ومَخْذولين فنصركم الله)). ثم قال: ((والذي نَفْسي بيده، لو تشاؤون
لَقُلتم ثم لصَدَقْتم ولَصُدِّقْتُم: ألم نَجِدْكَ مُكَذَّباً فصدَّقْناك، ومَخْذولاً
فَنَصَرْنَاك، وطَرِيداً فَآَوَيْناك، ومُحتاجاً فَواسَيْناك)). قالوا: لانقول ذلك،
إنّما الفضلُ من الله ورسوله والنصرُ من الله ورسوله، ولكنّا أحْبَيْنا أن
نَعْلَمْ فِيمَ هذه الأثرة؟ قال رسول الله وََّ: ((قومٌ حَدِيثُو عَهْدٍ بعزٍّ ومُلْكِ،
فأصابتهم نَكْبَة فَضَعْضَعَتْهُم ولم يَفْقَهُوا كَيْف الإيمان، فأتَالَّفهم، حتى إذا
عَلِموا كيف الإيمانُ وفَقِهوا فيه عَلَّمْتُهُم كَيْف القَسْم وأيْنَ مَوْضِعُهُ)).
وساق باقي الحديث(٢) .
وقال جرير بن عبدالحميد، عن منصور، عن أبي وائل، عن
عبد الله، قال: لمّا كان يوم حُنين آثرَ رسول الله وَلَهُ ناساً في القِسْمة،
(١) انظر مغازي الواقدي ٩٤٦/٣، والاستيعاب ١٠٨٥/٣.
(٢) انظر ابن هشام ٢/ ٤٩٨ و٤٩٩، وفتح الباري ٨/ ٥١.
٢١٦

فأعطى الأفْرع مئة من الإبل، وأعطى عُيَيْنة مثل ذلك، وأعطى نَاساً من
أشراف العرب وآثَرَهم يومئذٍ، فقال رجل: والله إنّ هذه لَقِسْمَة ما عُدِلَ
فيها وما أُرِيد بها وَجْه الله. فقلتُ: والله لأُخْبِرَنّ رسولَ اللهِوَ. فأتيتُه
فأخبرتُه، فَتَغَيّر وجهه حتى صار كالصِّرْف(١) ، وقال: ((فَمَنْ يَعْدِلُ إذا لم
يعدل اللهُ ورسوله؟))، ثم قال: ((يَرْحَم الله مُوسَى، قد أُوذِيَ بأكثرَ من هذا
فَصَبَرَ)). فقلت: لا جَرَم لا أرفعُ إليه بعد هذا حديثاً. مُتَّفقٌ عليه(٢).
وقال اللَّيْث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزُبير، عن جابر، قال:
أتى رجل بالجِعْرانة النبيَّ وَّ وهو يَقْسم غَنَائِم مُّنْصَرَفَه من حُنين، وفي
ثوبٍ بِلالٍ فِضَّة، ورسول الله وٍَّ يَقْبِض منها يعطي الناس. فقال: يا
محمد، اعْدِلْ. فقال: ((وَيْلك، ومن يَعْدِل إذا لم أكن أعدِلْ؟ لقد خِبْتُ
وخَسِرتُ إن لم أكن أعدل)). فقال عمر: دَعْني أقتل هذا المنافق. قال:
((معاذ الله، أن يَتَحَّدَّث الناس أنّي أقتل أصحابي، إنّ هذا وأصحابه
يقرؤون القرآن لا يُجاوز حَنَاجِرَهم، يَمْرُقُون من الدِّين كما يَمْرُق السَّهْم
من الرَّميَّة)). أخرجه مسلم(٣).
وقال شُعيب، عن الزُّهْري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد
الخُدريّ، قال: بَيْنا نحن عند رسول اللهَ وَّل وهو يَقْسِم قَسْماً، إذْ أتاه ذُو
الخُوَيْصِرَة التَّمِيميُّ فقال: يا رسول الله اعْدِلْ. فقال: ((وَيْلك، ومَنْ
يَعْدِل إذا لم أعدل، قد خِبتُ وحَسِرتُ إنْ لم أعدل)). فقال عمر: إيذَن
لي فيه يا رسول الله أضرب عنقه. قال: ((دعة، فإنّ له أصحاباً يحْقِرُ
أحدُكم صَلاتَهُ مع صلاتهم، وصيامَهُ مع صيامهم، يقرأون القرآن لا
يُجاوز تَرَاقِيَهُم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهمُ من الرميّة)). وذكر
(١) أي: صار أحمر كالدم الخالص.
(٢) البخاري ٢٠٢/٥، ومسلم ١٠٩/٣.
(٣) مسلم ٣/ ١٠٩ - ١١٠.
٢١٧

الحديث. أخرجه البخاري(١).
وقال عُقَيْل، عن ابن شهاب، قال عُروة: أخبرني مَرْوان، والمِسْوَر
ابن مَخْرَمة: أنّ رسول الله ◌ِّله قام حين جاءه وفْد هَوازن مُسْلِمِين فسألوا
أن يَرُدَّ إليهم أموالهم ونساءهم. فقال: ((معي مَنْ تَرَوْن، وأحَبُّ الحديثِ
إليَّ أصْدَقُه. فاخْتَارُوا إِمَّا السَّبْيَ، وإمَّا المالَ، وقد كنتُ اسْتَأْنَيْتُ بكم)).
وكان رسولُ اللهِ وَّهِ انْتَظَرَهم تسعَ عشرةَ ليلةً حين قَفَل من الطائف. فلما
تبيّن لهم أنّ رسول اللهَ وَّه غير رَادٌّ إليهم إلّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْن، قالوا: إنّا
نَخْتَار سَبْيَنا. فقام رسول الله وََّ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو
أَهْلُه، ثم قال: ((أمّا بعدُ، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني
قد رأيتُ أن أرُدَّ إليهم سَبْيَهم. فمن أحبّ أن يُطَيِّب ذلك فليفعلْ، ومن
أحبَّ منكم أن يكون على حَظَّه حتى نُعْطِيَه إيّاهُ من أوّلِ ما يُفيءُ الله علينا
فليفعل)). فقال الناس: قد طَيِّبْنا ذلك يا رسول الله لهم. فقال: ((إنّا لا
ندري من أذِن منكم في ذلك ممَّن لم يَأْذَن، فارجِعوا حتى يرفع إلينا
عُرَفاؤكم أمْرَكم». فرجع الناس فكلّمهم عُرَفاؤهم. ثم رجعوا إلى رسول
الله ◌َ، فأخبروه الخبرَ بأنهم قد طَيُِّوا وأذِنُوا. أخرجه البخاري(٢).
وقال موسى بن عُقبة: ثم انصرف رسول الله وَلّ من الطائف إلى
الجعرانة؛ وبها السَّبْيُ، وقدِمَت عليه وفود هَوازِن مسلمين، فيهم تسعة
من أشرافهم فأسْلَموا وبَايَعُوا. ثم كلّموه فِيمَن أُصيب، فقالوا: يا رسول
الله. إنّ فيمن أصَبْتم الأُمّهات والأخَوات والعمّات والخالات، وهُنَّ
مَخَازِي الأقْوام، ونرغب إلى الله وإليك. وكان ◌َ ل ◌َه رحيماً جَواداً كريماً.
فقال: سأطلب لكم ذلك.
(١) البخاري ٩/ ٢١-٢٢.
(٢) البخاري ١٣٠/٣ و١٩٣ و٢٠٥ و٢١١ و١٠٨/٤ و١٩٥/٥ و٨٩/٩،
وانظر المسند الجامع حديث (١١٤٢٦).
٢١٨

قال في القصة: وقال ابن شهاب: حدّثني سعيد بن المسيّب،
وعُروة: أنّ سَبِي هَوازن كانوا ستة آلاف.
وقال يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق(١) : حدّثني عَمرو بن
شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كنّا مع رسول الله وَّ بِحُنَين، فلما
أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم، أَدْرَكَهُ وفدُ هوازن
بالجِعْرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، لنا أصْلٌ وعَشِيرة، وقد
أصابنا من البلاء ما لم يَخْفَ عليك، فامْنُنْ علينا، مَنَّ الله عليك. وقام
خطيبُهم زُهَيْر بن صُرَد، فقال: يا رسول الله: إنَّما في الحَظَائِر من
السَّبَايَا خالاتك وعمّاتك وحَوَاضِنك اللائي كُنّ يَكْلفنك، فلو أنَّا مَلَحْنَا
ابن أبي شَمِر، أو النُّعمان بن المُنْذِر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا
منك، رَجَوْنا عَائِدَتَهما وعَطْفَهما، وأنت خيرُ المَكْفُولِين. ثم أنشده أبياتاً
قالها :
فإنّكَ المرءُ نَرْجُوُهُ ونَدَّخِرُ
أُمْنُنْ عَلَيْنا رسولَ اللهِ في كَرَم
أُمْنُنْ على بيضَةِ اعْتاقَها حَززٌّ
أَبْقَتْ لها الحربُ هُثَّافاً على حرٍ
إِنْ لم تَدَارَكْهُمُ نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا
آَمْنُنْ على نِسْوةٍ قد كنتَ تَرْضَعُهَا
امننْ على نسوةٍ قد كنتَ تَرْضَعُها
لا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُه(٢)
إنّا لَتَشْكُرُ آلاءً وإنْ كُفِرَتْ
مُمَزِّقٌ شَمْلَها في دَهْرِها غِيَر
على قُلوبهم الغَمَّاءُ والغَمَر
يا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْماً حِينَ يُخْتَر
إِذْ فُوكَ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا دِرَر
وإِذْ يزِينُك ما تَأْتِي وما تَذَر
واستْقِ منَّا، فإنّا مَعْشَرٌ زُهُر
وَعِنْدَنَا بَعْدَ هذا اليَوْمِ مُدَّخَر
فقال رسول الله وَلّ: ((نساؤكم أحبُّ إليكم أم أموالكم؟)) فقالوا:
خيَّتنا بين أحسابنا وأموالنا، أبناؤنا ونساؤنا أحبّ إلينا. فقال: ((أما ما
(١) ابن هشام ٤٨٨/٢-٤٨٩.
(٢) أي: تفرقت كلمتهم.
٢١٩

كان لي ولبني عبدالمطّلب فهو لكم، وإذا أنا صلَّتُ بالناس فقوموا
وقولوا: إنا نَسْتَشْفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول
الله، في أبنائنا ونسائنا، سأُعينكم عند ذلك وأسأل لكم)). فلما صلّى
رسول الله وَ﴿ بالناس الظُّهْرَ، قاموا فقالوا ما أمرهم به، فقال: ((أمّا ما
كان لي ولبني عبدالمطّلب فهو لكم)). فقال المهاجرون: وما كان لنا
فهو لرسول الله. وقالت الأنصار كذلك. فقال الأفْرَع بن حابس: أمّا أنا
وبنو تَمِيم فَلاَ. فقال العبّاس بن مِرْداس السُّلَميّ: أمّا أنا وبنو سُلَيْم فلا.
فقالت بنو سُليم: بل ما كان لنا فهو لرسولِ الله وَّل. وقال عُبَيْنة بن بدر:
أمّا أنا وبنو فَزارة فلا، فقال رسول الله وَّ: ((مَن أَمْسَك منكم بحقّه فله
بكل إنسانٍ ستُّ فَرائِض(١) من أوّل فَيْءٍ نُصيبه)). فَردُّوا إلى الناس
نساءهم وأبناءهم.
ثم ركب رسول الله وَله واتَّبَعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقْسِم
علينا فَيْتَنَا، حتى اضطّرُوه إلى شجرةٍ فانْتَزَعَتْ منه رِداءه، فقال: ((رُدُّوا
عليَّ ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد شجر تِهامة نَعَماً لقسمتُه
عليكم، ثم ما لَقِيتُمُوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذّاباً)). ثم قام إلى جَنْبٍ
بعير وأخذ من سَنامه وبَرَةً فجعلها بين إصبعيْه، وقال: ((أيّها الناس، والله
ما لي من فَيْئكم ولا هذه الوبَرَة إلا الخُمُس، والخمُس مَرْدُودٌ عليكم.
فَأَدُّوا الخِياط والمِخْيط(٢)، فإن الغُلُول(٣) عارٌ ونارٌ وشَنَارٌ على أهله
يوم القيامة)). فجاء رجل من الأنصار بكُبَّةٍ من خُيوط شَعَرِ فقال: أخذتُ
هذه لأخيط بها بَرْذَعَة بعيرٍ لي دَبِرٍ (٤). فقال رسول الله وَّهِ: ((أمّا حقِّي
(١) جمع فريضة، وهو البعير المأخوذ في الزكاة، سمي فريضة لأنه فرض واجب
على ربِّ المال.
(٢) الخياط: الخيط، والمخيط: الإبرة.
(٣) أي: الخيانة من الغنيمة.
(٤) أي: مُصابٍ بقروحٍ.
٢٢٠