Indexed OCR Text

Pages 181-200

وقال محمد بن فُضَيْل: حدثنا الوليد بن جميع، عن أبي الطُّفَيل،
قال: لما فتح رسول الله ◌َّ مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نَخْلةَ،
وكانت بها العُزَّى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سَمُرات، فقطع
السَّمرات وهَدَم البَيْتَ الذي كان عليها. ثم أتى النبيَّ ◌َّ فأخبره، فقال:
((ارجعْ، فإنَّكَ لم تَصنعْ شيئاً)). فرجع خالد، فلما نظرت إليه السَّدَنَة؛
وهم حُجَّابها؛ أمْعَنوا في الجبل وهم يَقُولون: يا عُزَّى خَبِّلِهِ، يا عُزَّى
عَوِّرِيه، وإلّ فَمُوتِي بِرَغْم. فأتاها خالد، فإذا امرأة عُرْيانة ناشِرةٌ شعرَها
تَحْتُو التّرابِ على رَأْسِهَا، فَعَمَّمَها بالسَّيف حتى قتلها. ثم رجع إلى
النّبِّ ◌َِّ فأخبره، فقال: ((تلك العُزَّى)) (١). أبو الطُّفَيل له رؤية.
وقال ابن إسحاق: حدّثني أبي، قال: حدّثني بعض آل جُبير بن
مُطْعِم أنّ رسول الله وَ ﴿ لما دخل مكة، أمر بلالاً فعَلاً على ظهر الكعبة،
فأذَّن عليها، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لقد أكرم اللهُ سعيداً قبل
أن يرى هذا الأسْوَد على ظهر الكعبة.
وقال عُروة: أمر رسول الله وَّل بلالاً يومَ الفتح فأذَّن على الكعبة.
وقال اللَّيْث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند: أنّ أبا
مرّة مَوْلى عقيل حدّثه، أنّ أمّ هانِىءٍ بنت أبي طالب حدّثته؛ أنه لما كان
عام الفتح فرّ إليها رجلان من بني مَخْزوم، فأجارَتْهما. قالت: فدخل
عليَّ عليٍّ، فقال: أقْتُلُهما. فأتيتُ رسولَ الله وَلَ، وهو بأعلى مكة، فلما
رآنِي رَخَّبَ بي، فقال: ((ما جاء بك يا أمّ هانىء؟)) قالت: يا نبيَّ الله،
كنتُ قد أمّنتُ رجلين من أحْمائي فأراد عليٍّ قَتْلَهما. فقال: ((قد أجَرْنا
من أجَرْتِ)). ثم قام إلى غُسْله، فسترت عليه فاطمة. ثم أخذ ثوباً
قریش .. )).
(١) المغازي للواقدي ٨٧٣/٣-٨٧٤، وابن هشام ٤٣٦/٢ -٤٣٧، وطبقات ابن
سعد ١٤٥/٢-١٤٦.
١٨١

فالْتَحَف به ثم صلّى ثمان ركعات؛ سُبْحَة الضُّحى. أخرجه مسلم(١) .
وقال الليث، عن المَقْبُرِيّ، عن أبي شُرَيْحِ العَدَوِيّ، أنه قال لعمرو
ابن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائْذَنْ لي أيّها الأمير، أُحَدِّث
قَولا قام به رسول الله بَّهِ الغَدَ من يوم الفتح؟ سَمِعَتْه أُذُناي ووَعاه قلبي
وأبْصَرَتْه عَيْناي حين تكلّم به؛ أنَّه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((إنّ الله
حرَّم مكة ولم يُحرِّمْها الناس، ولا يَحِلُّ لامْرِىءٍ يؤمن بالله واليوم الآخِرِ
أن يَسْفِك بها دماً، ولا يَعْضِد بها شجرةً، فإنْ أحدٌ تَرَخَّصَ بقتالِ رسول
الله ◌َّ فيها، فقولوا له: إنّ الله قد أذِنَ لرسوله ولم يَأْذَن لكم، وإنما أذِن
لي فيها ساعةً من نَهار. وقد عادت حُرْمَتها اليوم كحرمتها بالأمس.
فَلْيُبَلِّغ الشّاهدُ الغائب)). فقيل لأبي شُريح: ماذا قال لك عَمْرو؟ قال:
قال: أنا أعْلَمُ بذاك منك يا أبا شريح، إنّ الحرَم لا يُعِيذ عاصِياً ولا فَارّاً
بَدَمِ ولا فارّاً بِخَرْبَةٍ. مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال ابن عُبَيْنة، عن عليٍّ بن زيد، عمّن حدثه عن ابن عمر، قال:
قال النبيُّ نَّه يوم فتح مكة وهو على دَرَجة الكعبة: ((الحمدُ لله الذي
صَدَقَ وَعِدَهُ، ونصرَ عبده، وهزمَ الأحزابَ وحده. ألا إنَّ قَتِيل العَمْدِ
الخَطَأِ بِالسَّوْط أو العَصَا فيه مئةٌ من الإبلِ، منها أربعون خِلْفَة في بُطونها
أولادُها. ألا إنَّ كلَّ مَأَثُرةٍ في الجاهلية ودمٍ ومالٍ تحت قدميَّ هاتَيْن إلا
ما كان من سِدَانَة البيت وسِقَاية الحاجِّ، فقد أنْضَيْتُها لأهلها))(٣).
ضعيف الإسناد.
وقال ابن إسحاق: حدّثني عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدّه،
(١) مسلم ١٨٢/١ و ١٨٣ و١٥٧/٢ و١٥٨، والبخاري ٧٨/١ و١٠٠
و٤٦/٨، وانظر المسند الجامع، حديث (١٧٣٦١).
(٢) البخاري ٣٧/١ و١٧/٣-١٨ و١٩٤/٥، ومسلم ١١٠/٤ .
(٣) أخرجه أحمد ١١/٢ و ٤١٠/٣.
١٨٢

قال: خطب رسولُ اللهِ وَ لّه النّاسَ عام الفتح، ثم قال: ((أيّها الناسُ؛ ألا
إنه لا حِلْف في الإسلام، وما كان من حلفٍ في الجاهلية فإنّ الإسلام لا
يَزيده إلّ شِدّة. والمؤمنون يَدٌ على مَنْ سِواهم، يُجيرُ عليهم أدناهم،
ويردُّ عليهم أقصاهم، تَرُدُّ سَرَاياهم على قَعِيدتهم. لا يُقْتل مؤمنٌ بكافرٍ .
دِيَةُ الكافر نِصْفُ ديةِ المسلم. لا جَلَب ولا جَنَب. ولا تؤخذ صدقاتهم
إلا في دُورهم))(١) .
وقال أبو الزِّنَاد، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، عن النبي وَل:
((مَنْزِلُنا، إن شاء الله إذا فَتَح الله، الخَيْفُ؛ حيثُ تَقَاسموا على الكُفْرِ)).
أخرجه البخاري(٢).
وقال أبو الأزْهر النيسابوري: حدثنا محمد بن شُرَحْبِيل الأبناويّ،
قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: أخبرنا عبدالله بن عثمان، أنَّ محمدَ بن
الأسود بن خلف، أخبره أنَّ أباه الأسودَ حضرَ النبيَّ ◌َّهِ يبايعُ الناسَ يومَ
الفتح، وجلس عند قَرْن مَسْقَلَة، فجاءه الصغار والكبار والرجال والنساء
فبايعوه على الإسلام والشهادة(٣).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٤) : حدّثني يحيى بن عبَّاد بن
عبدالله، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لما كان عام الفتح
ونزلَ رسولُ الله ◌َِّ ذا طُوىً، قال أبو قُحافة لابنةٍ له كانت من أصغرِ
ولده: أيّ بُنَية: أَشْرِفي بي على أبي قُبَيْس، وقد كُفَّ بصره. فأشرفتْ به
عليه. فقال: ماذا تَرَيْن؟ قالت: أرى سَوَاداً مُجْتَمِعاً، وأرى رجلاً يَشْتَدُّ
بين ذلك السَّواد مُقبلاً ومُدبراً. فقال: تلك الخيلُ يا بُنَية، وذلك الرَّجل
(١) أخرجه أحمد ٢/ ١٨٠.
(٢) البخاري ١٨٨/٥ .
(٣) أخرجه أحمد ٤١٥/٣ و١٦٨/٤.
(٤) ابن هشام ٢ /٤٠٥ - ٤٠٦.
١٨٣

الوازِعُ(١). ثم قال: ماذا تَريْن؟ قالت: أرى السوادَ انتشرَ. فقال: فقدْ
واللهِ إذنْ دفعت الخيل، فأسرعي بي إلى بيتي. فخرجت سريعاً، حتى إذا
هبطت به إلى الأبْطَح، لقيتها الخيلُ، وفي عنقها طَوْقٌ لها من وَرِقٍ،
فاقتطعه إنسانٌ من عُنُقها. فلما دخل رسولُ اللهِوَّر المسجدَ، خرج أبو
بكر حتى جاء بأبيه يقوده، فلما رآه رسولُ اللهِ وَّه قال: ((هَلَّ تركتَ
الشيخَ في بيته حتى أجِيئه)»؟ فقال: يمشي هو إليكَ يا رسولَ الله أحقُّ من
أنْ تمشي إليه. فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره وقال: ((أسْلِمْ تَسْلَم)).
فأسْلَمَ. ثم قام أبو بكرٍ فأخذ بيدِ أخته فقال: أنْشُد بالله والإسلام طَوْقَ
أختي. فوالله ما أجابه أحدٌ، ثم قال الثانيةَ، فما أجابه أحد، فقال: يا
أُخَيَّة، احْتَسِبِي طَوْقَكِ، فواللهِ إنَّ الأمانةَ اليومَ في الناس لَقليل .
وقال أبو الزبير، عن جابر: أنّ عمر أَخذ بيدِ أبي قُحافة فأتى به النبيَّ
وَّه، فقال: (غَيِّروا هذا الشَّيْب ولا تُقَرِّبوه سوادا)(٢).
وقال زيد بن أسْلم: إنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ هَنََّ أبا بكرٍ بإسلامِ أبيه .
مُرْسَل.
وقال مالك، عن ابن شهاب: أنه بلغه أنّ رسول الله وَّر كان على
عهده نساء يُسْلِمْن بأرْضِهنَّ، منهنَّ ابنةُ الوليد بن المغيرة، وكانت تحتَ
صَفْوان بن أُميّة، فاسلمتْ يومَ الفتح وهرب صفوان، فبعث إليه رسولُ
اللهِ وَّ ابْنَ عَمِّه عُمَيْر بن وهب برداءِ رسولِ اللهِوَل﴿ل أماناً لصفوان، ودعاه
إلى الإسلام، وأن يَقْدَم عليه، فإنْ رَضِي أمراً قَبِله، وإلا سَيَّره شهرين.
فقدِم فنادى على رؤوس الناس: يا محمد، هذا عُمير بن وهب جاءني
بردائك وزعم أنَّكَ دعوتني إلى القدوم عليك، فإن رضيتُ أمراً قبلته،
(١) هو الذي يرتب الجيش ويسوِّيه ويصفه ويدبرُ أموره.
(٢) أخرجه أحمد ٣١٦/٣ و٣٢٢ و٣٣٨، ومسلم ١٥٥/٦، وانظر المسند
الجامع، حدیث (٢٧١٠).
١٨٤

وإلّ سيَّرتَني شهرين. فقال رسولُ الله ◌َّهِ: إنزِلْ أبا وهب. فقال: لا
واللهِ، لا أنزل حتى تُبَيِّنَ لي. فقال: بل لك تَسْبِير أربعة أشهر. فخرج
رسولُ الله ◌َّهِ قِبَلَ هَوازِن، فأرسل إلى صفوان يستعيره أداةً وسلاحاً.
فقال صفوان: أطَوْعاً أو كَرْهاً؟ فقال: بلْ طوعاً. فأعاره الأداةَ
والسلاحَ. وخرج مع رسولِ الله وَّه وهو كافر، فشهد حُنيناً والطائف،
وهو كافر وامرأته مسلمة، فلم يُفَرِّق رسولُ اللهِ وَلّ بينهما حتى أسلم،
واستقرَّتْ عنده بذلك النِّكاح، وكان بين إسلامهما نَحْوٌ من شهر(١).
وكانت أمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عِكرمة بن أبي جهل،
فأسلمت يومَ الفتح، وهرب عِكرمةُ حتى قدِم اليمن، فارتحلت أم حكيم
حتى قدِمت عليه باليمن ودَعَته إلى الإسلام فأسلم. وقدِم على رسولِ الله
وَِّ، فلما رآه وثبَ فَرحاً به، ورمى عليه رداءه حتى بايعه. فثبتا على
نكاحهما ذلك .
وقال الواقدي(٢): حدّثني عبدالله بن يزيد الهُذَليّ، عن أبي حُصَيْن
الهُذليّ، قال: اسْتَقْرَض رسول الله وَلّ من صفوان بن أُميّة خمسين ألف
درهم، ومن عبدالله بن أبي ربيعة أربعين ألفاً، ومن حُوَيْطِب بن
عبدالعُزَّى أربعين ألفاً، فقسمها بين أصحابه من أهل الضَّعْف. ومن ذلك
المال بعث إلى جَذِيمة .
وقال يونس، عن ابن شهاب، حدّثني عُروة، قال: قالت عائشة:
إِنّ هِنْد بنت عُتْبة بن رَبيعة، قالت: يا رسولَ الله، ما كان مِمَّا على ظهرِ
الأرضِ (٣) أخباء أو خِباءٌ أحبَّ إليَّ أن يَذِلّوا من أهلِ خِبائكَ، ثم ما
أصبح اليومَ على ظهرِ الأرضِ أهلُ خباءِ أحبَّ إليَّ أنْ يَعِزُّوا من أهلِ
(١) أخرجه مالك في الموطأ ٧٥/٢-٧٦ في النكاح.
(٢) المغازي ٨٦٣/٢ .
(٣) ما هنا يوافق إحدى روايات مسلم.
١٨٥

خبائك. قال رسول الله وَله: ((وأيضاً، والذي نَفْسُ محمدٍ بيده)). قالت:
يا رسول الله، إنَّ أبا سفيان رجل مُمْسِكٌ - أو قالت: مِسِّيكٌ - فهل عليَّ
من حَرَج أنْ أُطْعِم مِنَ الذي له؟ قال: ((لا، إلا (١) بالمَعْرُوف)). أخرجه
(٢)
البخاري
.
وأخرجاه(٣) ، من حديث شُعَيْب بن أبي حمزة، عن الزُّهري.
وعنده: فهل عليَّ حرجٌ أن أُطْعِم مِن الذي له عِيَالَنا. قال: لا عليك أنْ
تُطعمیھم بالمعروف.
وقال الفِرْيابي: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، عن أبي السَّفَر، عن
ابن عباس، قال: رأى أبو سفيان رسولَ الله ◌ُكله يمشي والناس يطأون
عَقِبه. فقال في نفسه: لو عاودتُ هذا الرجلَ القتالَ. فجاءه رسول الله
وَّ حتى ضربَ في صدره، فقال: إذاً يُخْزِيكَ اللهُ. قال: أتوبُ إلى الله
وأستغفر الله .
وروى نحوه، مُرْسلاً، أبو إسحاق السَّبيعي، وعبدالله بن أبي بكر بن
حزم .
وقال موسى بن أعْيَن، عن إسحاق بن راشد، عن الزُّهْري، عن ابن
المسيّب، قال: لما كان ليلة دخل الناس مكة، لم يزالوا في تكبيرٍ
وتَهْليلٍ وطَوافٍ بالبيت حتى أصبحوا. فقال أبو سفيان لهند: أتُريْ هذا
من الله؟ ثم أصبح فغدا إلى رسول الله وَّر، فقال له: ((قلتَ لهند أترين
هذا من الله، نعم، هذا من الله)). فقال: أشهد أنّك عبدالله ورسوله،
والذي يَحْلِف به أبو سفيان، ما سمعَ قولي هذا أحدٌ من الناس إلّ الله
وهند .
(١) بياض في الأصل، وأثبتناه من هامش الأصل.
(٢) البخاري ١٧٢/٣ و٤٩/٥-٥٠ و٨٤/٧ و٨٢/٩، ومسلم ١٢٩/٥ .
(٣) انظر الحديث السابق.
١٨٦

وقال ابن المبارك: أخبرنا عاصم الأحْوَل، عن عكرمة، عن ابن
عباس: أقام رسول الله وَّل بمكة تسعة عشر يوماً، يصلّي ركعتين.
أخرجه البخاري(١) .
وقال حفص بن غياث، عن عاصم الأحول: سبعة عشر يوماً.
(٢)
صحيح (٢) .
وقال ابن عُلَيّة: أخبرنا عليّ بن زيد، عن أبي نَضْرة، عن عِمْران بن
حُصَين: غزوتُ مع النبيّ ◌َّر، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلّي إلا
ركعتين، يقول: يا أهلَ البلدِ صَلُّوا أربعاً، فإنّا سَفْرٌ. أخرجه أبو
داود(٣) . عليّ ضعيف.
وقال ابن إسحاق(٤) ، عن الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبدالله: أقام
رسولُ الله ◌َلل عام الفتح خمس عشرة يَقْصُر الصلاة(٥).
ثم روى ابن إسحاق، عن جماعةٍ، مثلَ هذا.
قال البَيْهَقيّ: الأصحُّ روايةُ ابن المُبَارك التي اعتمدها البخاري.
وقال الواقديّ (٦) : وفي رمضان بعثة خالد بن الوليد إلى العُزَّى،
فهدمها. وبعث عمرو بن العاص إلى سُواع في رمضان، وهو صنم
هُذَيْل، فهدمه، وقال: قلت للسَّادِن: كيف رأيتَ؟ قال: أسلمتُ لله.
قال: وفي رمضان بعث سعد بن زيد الأشْهَلِيّ إلى مَنَاة، وكانت
بالمُشَلَّل، للأوْس والخَزْرَج وغَسَّان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله
(١) البخاري ١٩١/٥.
(٢) أخرجه أبو داود (١٢٣٢).
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٢٩).
ابن هشام ٢/ ٤٣٧ .
(٤)
النسائي ٣/ ١٢١.
(٥)
(٦) المغازي ٢/ ٨٧٠.
١٨٧

وَ لّ سعد بن زيد الأشهليّ في عشرين فارساً حتى انتهى إليها، وتخرج
إلى سعد امرأةٌ سوداء عُرْيانة ثائرة الرأس تدعو بالوَيْل، فقال لها
السَّادن: مَناة، دُونَكِ بعضَ غضباتك. وسعد يضربها، فقتلها، وأقبل
إلى الصنم، فهدموه لستٌّ بقين من رمضان.
وقال منصور، عن مجاهد، [عن طاووس](١) ، عن ابن عباس،
قال: قال رسول الله وَّه: ((لا هجرةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، وإن
اسْتُنْفِرتُم فانْفِرُوا)). قاله يوم الفتح. مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال عمرو بن مُرَّة: سمعت أبا البَخْتَرِيّ يحدّث عن أبي سعيد
الخُدْرِيّ، قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ [النصر]
قرأها رسول الله وَ ل﴿ ثم قال: ((إنّ وأصحابي حَيِّرٌ والناس حيّز، لا هجرة
بعد الفتح)). فحدّثتُ به مروان بن الحكم - وكان على المدينة - فقال:
كذبت. وعنده زيد بن ثابت، ورافع بن خَدِيج، وكانا معه على السّرير.
فقلتُ: إنّ هذين لو شاءا لحدّثاك، ولكنّ هذا؛ يعني زيداً؛ يخاف أن
تَنْزِعه عن الصَّدَقة، والآخر يخاف أن تنزِعه عن عَرَافة قَوْمه. قال: فشَدَّ
عليه بالدِّرَّة، فلما رأيا ذلك قالا: صَدَق(٣).
وقال حمّاد بن زيد، عن أيّوب: حدّثني أبو قِلَابة، عن عَمْرو بن
سَلِمَةٍ، ثم قال: هو حَيٌّ، ألا تَلَقْاه فتسمع منه؟ فلقيتُ عَمْراً فحدّثني
بالحديث، قال: كنّا بمَمَرِّ الناس، فتمرّ بنا الرُّكْبان فنسألهم: ما هذا
الأمْر؟ وما لِلنّاس؟ فيقولون: نَبِيِّ يزعم أنّ الله قد أرسله، وأنّ الله أوْحَى
إليه كذا وكذا. وكانت العرب تَلَوَّم(٤) بإسلامها الفتح، ويقولون:
(١) إضافة سبق قلم المؤلف فأهملها .
(٢) البخاري ٩٢/٤، ومسلم ٢٨/٦.
(٣) أحمد ٢١/٣ و١٨٧/٥.
(٤) تنتظر وتتريث.
١٨٨

أنظِرُوه، فإنّ ظهر فهو نبيّ فصدِّقوه. فلما كان وقعة الفتح نادى(١) كل
قوم بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام حِوَائنا(٢) إلى رسول الله وَّ، فقدِم
فأقام عنده كذا وكذا. ثم جاء فتلقَّيْناه، فقال: جئتكم من عند رسول الله
حقّاً، وإنه يأمركم بكذا، وصلاة كذا وكذا، وإذا حَضَرت الصلاةُ فليؤذِّنْ
أحدُكم، وليَؤُمَّكم أكثرُكم قرآناً. فنظروا في أهل حِوائنا فلم يجدوا أكثر
قرآنًا منّي فقدّموني، وأنا ابن سبع سنين، أو ستّ سنين. فكنت أصلّي
بهم، فإذا سجدتُ تَفَلَّتْ بُرْدَةٌ عَليَّ. تقول امراةٌ من الحيِّ: غَطّوا عنا
اسْتَ قارِئِكم هذا. قال: فكُسِيتُ مُعَقَّدةً(٣) من مُعَقَّد البَحْرين بستة
دراهم أو بسبعة، فما فرحت بشيءٍ كفَرَحي بذلك.
أخرجه البخاري(٤) ، عن سليمان بن حرب، عنه، والله أعلم.
غزوة بني جذيمة
قال ابن إسحاق(٥): وبعثَ رسولُ اللهِ وَّ السرايا فيما حولَ مكة
يَدْعُونَ إلى الله تعالى، ولم يأمرهم بقتالٍ. فكان مِمَّنْ بعث، خالدَ بن
الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تِهامة داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً، فوطِىءَ بني
جَذِيمة بن عامر بن عبد مَنَاة بن كِنَانة، فأصاب منهم.
وقال مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن سالم، عن أبيه، قال: بعث النبيُّ
◌َ لّ خالد بن الوليد إلى - أحسبه قال : - بني جَذِيمة، فدعاهم إلى
وَسيلا
(١) في صحيح البخاري: ((بادر))، إلا أن الذهبي على عادته لا يتقيد بحرفية ما
ينقل بل يتصرف فيه وهو ما يوضحه سرده لبقية الحديث.
(٢) أي: جماعة البيوت المتدانية .
(٣)
ضربٌ من برود هجر .
البخاري ١٩١/٥ -١٩٢.
(٤)
(٥) ابن هشام ٤٢٨/٢.
١٨٩

الإسلام. فلم يُحسنوا أن يقولوا: أسْلَمنا، فجعلوا يقولون: صَبَأْنا،
صبأنا. وجعل خالد بهم قتلاً وأسراً، ودفع إلى كُلِّ رجلٍ منّا أسيره.
حتى إذا أصبح يوماً أمر خالد أنْ يقتلَ كُلُّ رجلٍ منّا أسيره. فقال ابن
عمر: فقلتُ واللهِ لا أقتلُ أسيري، ولا يقتلُ رجلٌ من أصحابي أسيره.
قال: فقدِموا على رسول الله ◌َّ فذُكر له صنيع خالد. فقال؛ ورفع يديه
وََّ: ((اللَّهُمَّ إنّي أُبْرَأ إليك مما صنع خالد)). مرتين. أخرجه
البخاري(١) .
وقال ابن إسحاق(٢): حدّثني حكيم بن حكيم بن عَبّاد بن حُنَيْف،
عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: لما فتح رسولُ اللهِ وَّر مكةَ بعث
خالد بن الوليد، فخرج حتى نزل ببني جَذِيمة، وهم على مائهم، وكانوا
قد أصابوا في الجاهلية عمَّه الفَاكِه بن المغيرة، ووالد عبدالرحمن بن
عَوْف؛ فذكر الحديث، وفيه: فأمر خالد برجال منهم فأُسِروا وضُربت
أعناقهم. فبلغ ذلك رسول الله وَّله فقال: ((اللَّهُمَّ إنّي أبْرَأ إليك ممّا عَمِل
خالد بن الوليد)). ثم دعا رسول الله وَ ل﴿ل عليّاً فقال: ((اخْرُجْ إلى هؤلاء
القوم، فأدَّ دماءهم وأموالهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك)).
فخرج عليٌّ، وقد أعطاه رسولُ اللهِ وَّر مالاً، فَوَدَى لهم دماءهم
وأموالهم، حتى إنه ليعطيهم ثمن مِيلَغَة(٣) الكَلْب، فبقي مع عليٍّ بَقِّيّة
من مال، فقال: أعطيكم هذا احتياطاً لرسول الله وَ له فيما لا يعلمُ رسولُ
الله ◌ََّ، وفيما لا تعلمون. فأعطاهم إياه، ثم قَدِمَ على رسولِ الله وَل
وأخبره الخبر، فقال: أحْسَنتَ وأصَبْتَ .
(١) البخاري ٢٠٣/٥.
(٢) ابن هشام ٤٣٠/٢ .
(٣) أي: الإناء الذي يلغ الكلب فيه.
١٩٠

وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(١) : حدّثني يعقوب بن عُتْبة
ابن المُغيرة، عن الزُّهْري، قال: حدثني ابن أبي حَدْرَد، عن أبيه، قال:
كنتُ في الخيل التي أصاب فيها خالد بني جَذِيمة، إذا فتىّ منهم
مجموعةٌ يَدَهُ إلى عُنقِه بِرُمَّةٍ - يقول: بحَبلٍ - فقال: يا فتى، هل أنت آخذٌ
بهذه الرّمَّة فمُقَدِّمي إلى هذه النِّسْوة، حتى أقضي إليهنَّ حاجة، ثم
تصنعون ما بدا لكم؟ فقلت: ليَسيرٌ ما سألتَ. ثم أخذتُ برُمَّته فقدَّمته
إليهنَّ، فقال: أسلم حُبَيْش، على نفاد العيش، ثم قال:
بِحَلْيَةَ أوْ أَدْرَكْتُكُمْ بِالخَوَانِقِ
أرأيت إنْ طَالَبْتُكُم فَوجَدْتُكم
تَكَلَّفَ إِذْلَاَجَ السُّرَىَ والوَدَائِقِ (٢)
أَلَمْ يَكُ حَقّاً أنْ يُنَوَّلَ عاشِقٌ
أثيِي بُوُدِّ قَبْلَ إِحْدَى الصَّفَائِقِ(٣)
فلاَ ذَنْبَ لي، قَدْ قُلْتُ، إذْ أهْلُنَا مَعاً
وَيَنْأَى الأَمِيرُ بِالحَبِيبِ المُفَارِق
أثيبي بؤُدِّ قَبْل أنْ تَشْحَطَ النَّوَى (٤)
وَلَ رَاقَ عَيْنِي بَعْدَ وَجْهِكِ رَائِق
فإِنِّيَ لاَ سِرٌّ لَدَيَّ أَضَعْتُهُ
عَنِ اللَّهْوِ إلََّ أنْ تَكُونَ بَوَائِقِ(٥)
عَلَىَ أنَّ ما نابَ العشيرةَ شَاغِلٌ
فقالت: وأنتَ حُيّيتَ عَشْراً، وَسَبْعاً وِتْراً، وثمانياً تَتْرَى. ثم قَدَّمْناه
فضربنا عنقه .
قال ابن إسحاق(٢) : فحدّثنا أبو فِراس الأسْلَميّ، عن أشياخٍ من
قومه قد شهدوا هذا مع خالد؛ قالوا: فلما قُتل قامتْ إليه، فما زالت
تَرْشُفُه حتی ماتت علیه.
(١) ابن هشام ٤٣٣/٢.
(٢) الإدلاج: السير ليلاً، والودائق: شدة حَرِّ الظهيرة.
(٣) الحوادث والخطوب.
(٤) تشحط: تبعد، والنوى: البُعْد.
(٥) أي: البلايا والدواهي التي تنزل بالقوم.
(٦) ابن هشام ٢/ ٤٣٤ .
١٩١

غزوَة حُنَيْن(١)
قال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني عاصم بن عمر، عن
عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله، عن أبيه، وحدّثني عَمرو بن شُعَيب،
والزُّهْري، وعبدالله ابن أبي بكر، عن حديث حُنَيْن، حين سار إليهم
رسولُ اللهِ وَّ، وساروا إليه. فبعضهم يُحَدِّثُ بما لا يُحدِّثُ به بعضٌ،
وقد اجتمع حديثهم: أنَّ رسولَ الله وَ ر لما فرغ من فتح مكة، جمع
عَوْفُ بن مالك النَّصْرِيّ بني نصر وبني جُشَم وبني سعد بن بكر، وأوْزَاعاً
من بني هلال؛ وهُم قليلٌ؛ وناساً من بني عَمْرو بن عامر، وعَوْف بن
عامر، وأوْعَبَت معه ثَقِيفُ الأحْلاف، وبنو مَالِك.
ثم سار بهم إلى رسول الله وَله، وساق معه الأموال والنساء
والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله وَّل بعث عبدالله بن أبي حَدْرَد
الأسْلَميّ، فقال: ((اذهبّ فادْخُلْ في القوم، حتى تعلم لنا من عِلْمهم)).
فدخل فيهم، فمكث فيهم يوماً أو اثنين. ثم أتى رسولَ الله وَّ فأخبره
خبرَهم، فقال رسول الله وَّ لعمر بن الخطاب: ((ألا تسمع ما يقول ابن
أبي حدرد))؟ فقال عمر: كَذب. فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذَّبتني يا
عمر لَرُبَما كذَّبتَ بالحق. فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن
أبي حدرد؟ فقال: ((قد كنت يا عمر ضالاً فهداك الله)).
ثم بعث رسول الله ◌َّه إلى صَفْوان بن أُمَيّة؛ فسأله أدْراعاً عنده؛ مئة
درعٍ، وما يُصْلِحُها من عُذَّتها. فقال: أغَصْباً يا محمد؟ قال: بل عارِيةٌ
مَضْمونة. ثم خرج رسول الله وَّل سائراً.
(١) انظر ابن هشام ٤٣٧/٢، وطبقات ابن سعد ١٤٩/٢، ومغازي الواقدي
٨٨٥/٣.
١٩٢

قال ابن إسحاق(١): حدثنا الزهري، قال: خرج رسول الله ◌َّ إلى
حُنين في ألْفَين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه، فسار بهم.
وقال ابن إسحاق(٢): واستعملَ على مكةَ عَتَّاب بن أسيد بن أبي
العِيص بن أُميّة .
وبالإسناد الأوّل: أنَّ عَوْفَ بن مالك أقبلَ فيمن معه ممّن جمع من
قبائل قيس وثقيف، ومعه دُرَيْد بن الصِّمِّة؛ شيخ كبير في شِجارٍ (٣) له
يُقادُ به، حتى نزل الناس بأَوْطَاس. فقال دُرَيد حين نزلوها فسمع رُغاء
البعير ونَهيق الحمير ويُعَارِ الشَّاء وبُكاء الصغير: بأيِّ وادٍ أنتم؟ فقالوا:
بأوْطَاس. فقال: نِعْمَ مَجَالُ الخَيْلِ؛ لا حَزْنٌ ضَرِسٌ، ولا سَهْلٌ
دَهِس (٤) ، ما لي أسمع رُغاء البعير وبكاء الصغير ويُعار الشاء؟ قالوا:
ساق مَالِكٌ مع الناس أموالهم وذَرارِيهم. قال: فأين هو؟ فدُعي، فقال:
يا مالك، إنك أصبحت رئيس قومك، وإنّ هذا يومٌ كائنٌ له ما بعده من
الأيام، فما دعاك إلى أن تسوق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم؟
قال: أردتُ أن أجعل خَلْف كلِّ رجلٍ أهله وماله ليقاتل عنهم.
فَأَنْفَضَ(٥) به دريدٌ وقال: يا رَاعِيَ ضَأْنٍ والله؛ وهل يَرُدُّ وجْهَ المُنْهزمِ
شيءٌ؟ إنّها إنْ كانت لك لا ينفعك إلّ رجلٌ بسَيْفِهِ ورُمْحه، وإنْ كانتْ
عليك فُضِحْتَ في أهلك ومالك، فارْفَع الأموالَ والنساء والذراريَّ إلى
عُلْيا قومهم ومُمْتَنع بلادهم. ثم قال دُرَيد: وما فعلتْ كَعْبٌ وكِلاَبٌ؟
فقالوا: لم يحضُرها منهم أحدٌ. فقال: غابَ الحدّ والجدّ، لو كان يومَ
(١) ابن هشام ٢/ ٤٤٠.
(٢)
ابن هشام ٢ / ٤٤٠ .
(٣) مركب مكشوف دون الهودج.
(٤) الحزن: المرتفع من الأرض، والضرس: الذي فيه حجارة محددة، والدهس:
اللين الكثير التراب الذي تغيب فيه قوائم الخيل.
(٥) أي: أخذته رِعْدةٌ نافضة من الغضب.
١٩٣

علاءٍ ورِفعةٍ لم تَغِبْ عنه كعب وكلابٌ ولوددتُ لو فعلتم فِعْلَها، فَمَنْ
حضرها؟ قالوا: عَمْرو بن عامر، وعَوف بن عامر، فقال: ذانِكَ
الجَذَعَانِ(١) لا يَضُرَّانِ ولا ينفعان. فكره مالك أنْ يكونَ لدُرَيْدٍ فيها
رأيٌ، فقال: إنّكَ قد كبرتَ وكبِرَ عِلْمُكَ، والله لَتُطيعُنَّ يا معشرَ هَوَازِن،
أو لأتْكِئَنَّ على هذا السيفِ حتى يخرج من ظهري. فقالوا: أطعناك. ثم
قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جُفون سيوفكم (٢)، ثم شُدُوا
شدّةً رجلٍ واحدٍ .
وقال الواقدي (٣): سار رسول الله وَل﴾ من مكة لستُّ خَلَوْن من
شَوّال، في اثني عشر ألفاً، فقال أبو بكر: لا نُغْلبُ اليومَ من قِلّة. فانتهوا
إلى حُنَين، لعشرٍ خلون من شوال، وأمر النبيُّ وَلّر أصحابه بالتعبئة،
ووَضَعَ الألْوِيةَ والرَّاياتِ في أهلها، وركب بَغْلَته ولبس دِرْعَيْن والمِغْفَر
والبَيْضة. فاستقبلهم من هوازن شيءٌ لم يَرَوْا مثله من السوَّاد والكثرة،
وذلك في غَبَشِ الصبح. وخرجت الكتائبُ من مَضِيقِ الوادي وشِعْبه،
فحملوا حَمْلةً واحدة، فانكشفت خيل بني سُلَيم مُوَلِّيّةً، وتبعهم أهل
مكة، وتبعهم الناس. فجعل رسولُ اللهِ وَّله يقول: ((يا أنصارَ الله،
وأنصارَ رسولِه، أنا عبدُ الله ورسوله)). وثَبَت معه يومئذٍ: عَمُّه العباس؛
وابنُه الفضل، وعليُّ بن أبي طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن
عبدالمطّلب، وأخوه ربيعة، وأبو بكر، وعمر، وأسامة بن زيد،
وجماعةٌ.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٤): حدّثني أُميّة بن عبدالله بن عَمْرو
(١) أي: الشابان الحدثان. يريد أنهما ضعيفان في الحرب.
(٢) جفن السيف: غمده.
(٣) المغازي ٨٨٩/٣.
(٤) ابن هشام ٤٣٩/٢.
١٩٤

ابن عثمان، أنه حُدِّث أنّ مالك بن عوف بعث عُيوناً، فأتوه وقد تقطّعت
أوْصالهم، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ فقالوا: أتانا رجالٌ بِيضٌ على خَيْلٍ
يُلْقٍ، فوالله ما تماسَكْنا أن أصابنا ما ترى. فما ردّه ذلك عن وجهه أن
مضى على ما يريد. منقطع.
وعن الربيع بن أنس، أنّ رجلاً قال: لن نُغلَب من قلّة. فشَقَّ ذلك
على النبيِّ بَّه، ونزلت ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَنُكُمْ
(٢٥
[التوبة] الآية.
وقال معاوية بن سلّم، عن زيد بن سلّم، سمع أبا سلّم يقول:
حدّثني السَّلُوليُّ، أنه حدّثْه سَهْل بن الخَنْظَلِيَّة، أنّهم ساروا مع رسول الله
وَلَ﴿ يوم حُنَيْن، فأطْنَبوا السير حتى كان عَشْيَةً، فحضرتُ صلاة الظهر عند
رسول الله صل*، فجاء فارس فقال: يا رسول الله إنّي انطلقتُ بين أيديكم
حتى طلعتُ جَبَلَ كذا وكذا، فإذا أنا بهَوَازِن على بَكْرة أبيهم، بظُعُنهم
ونَعَمهم وشَائهم، اجتمعوا إلى حُنين. فتبسّم رسول الله وَّه وقال: ((تلك
غَنِيمة المسلمين غداً إن شاء الله))، ثم قال: من يحرُسنا الليلة؟ قال أنَس
ابن أبي مَرْتَد الغَنَويّ: أنا يا رسول الله. قال: فاركبْ. فركب فرساً له،
وجاء إلى رسول الله وَّر فقال له: ((اسْتقبِلْ هذا الشِّعْب حتى تكون في
أعلاه، ولا نُغَرَّنَ من قِبَلِك الليلةَ)).
فلما أصبحنا خرج رسول الله وَلّ إلى مُصَلّه فركع ركعتين، ثم
قال: هل أحْسَسْتُم فارسكم؟ قالوا: يا رسول الله، لا. فَثُوِّبَ بالصلاةِ
فجعل رسولُ اللهِ وَلَه يصلِّي ويلتفتُ إلى الشِّعب، حتى إذا قضى صلاته
وسلَّمَ قال: ((أَبْشِرُوا، فقد جاء فارسكم)). فجعلنا ننظر إلى خلالِ الشجر
في الشِّعْب، فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسولِ الله وَّةِ فقال: إني
انطلقتُ حتى كنتُ في أعلى هذا الشِّعْبِ حيث أمرني رسولُ اللهِ وَِّ،
فلما أصبحتُ اطِّلَعْتُ الشِّعْبَيْن، فنظرت فلم أرَ أحداً. فقال له رسولُ الله
١٩٥

وَّهُ. هل نزلتَ الليلة؟ قال: لا، إلّ مُصَلّياً أو قاضِيَ حاجة. فقال له
رسول الله وَلّ: ((قد أوْجَبْتَ، فلا عَلَيْك أن لا تعمل بعدها)». أخرجه أبو
داود(١) .
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني عاصم بن عمر، عن
عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله، عن أبيه، قال: خرج مالك بن عَوْف
بمن معه إلى حُنين، فسبق رسولَ اللهِ وَ ﴿ إليها، فأعَدُّوا وتَهِيَّوا في
مضايقِ الوادي وأحْنائه، وأقبل رسولُ اللهِ وَ لَه وأصحابه، فانْحَطَّ بهم في
الوادي في عَمَاية الصبح. فلما انحطَّ الناسُ ثارت في وجوههم الخيلُ
فشَدَّت عليهم، وانْكَفَأَ الناسُ منهزمين لا يُقْبِل أحدٌ على أحدٍ، وانحاز
رسولُ اللهِ وَّ ذات اليمين يقول: ((أيّها الناس، هَلُقُوا، إنّي أنا رسول
الله، أنا محمد بن عبدالله)). فلا ينثني أحد، وركبت الإبل بعضها بعضاً.
فلما رأى رسولُ اللهِوَّ أَمرَ الناس، ومعه رَهْطٌ من أهلِ بيته ورهطٌ من
المهاجرين، والعبّاس آَخِذٌ بِحَكَمَة بغلته البيضاء، وثبتَ معه عليٍّ، وأبو
سفيان، وربيعة؛ ابنا الحارث، والفضل بن عباس، وأيْمَن بن أمّ أيمن،
وأسامة، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر. قال: ورجل من هوازن على
جمل له أحمر بيده راية سوداء أمام هوازن، إذا أدرك الناسَ طَعَن
برُمْحه، وإذا فاته الناسُ رفع رمحه لمن وراءه فيتبعوه. فلما انهزم مَنْ
كان مع رسول الله وَلّ من جُفاة أهل مكة، تكلّم رجال منهم بما في
أنفسهم من الضِّغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتُهم دون
البحور. وإنّ الأزْلامِ لَمَعَهُ في کِنانته.
قال ابن إسحاق(٣): فحدّثني عبدالله بن أبي بكر، قال: سار أبو
(١) سنن أبي داود (٢٥٠١).
(٢) ابن هشام ٢/ ٤٤٢ .
(٣) انظر ابن هشام ٢/ ٤٤٣ .
١٩٦

سفيان إلى حُنين، وإنّه ليُظْهِر الإسلام، وإنّ الأزلام التي يَسْتَقْسِم بها في
کنانته .
قال شَيْبة بن عثمان العَبْدَرِيّ: اليوم أُدرك ثَأْري - وكان أبوهُ قُتل يوم
أُحد - اليومَ أقتل محمداً. قال: فَأَدَرْتُ برسول الله لأقتله، فأقْبَل شيءٌ
حتّى تَغَشِّى فؤادي، فلم أُطِقْ، فعرفتُ أنه مَمْنُوع(١) .
وحدّثني عاصم، عن عبدالرحمن، عن أبيه: أنَّ رسولَ اللهِوَّر حين
رأى من الناس ما رأى قال: ((يا عباس، اصْرُخ: يا مَعْشرَ الأنصار، يا
أصحابَ السَّمُرَة)). فأجابوا: لَّيكَ لبيك. فجعل الرجلُ منهم يذهبُ
لِيَعْطِفَ بعيره، فلا يقدر على ذلك، فَيَقْذِف دِرْعه من عنقه، وَيُؤُمُّ
الصوتَ، حتى اجتمع إلى رسولِ اللهِ وَّرَ منهم مئة. فاسْتَعْرَضوا الناسَ،
فاقتتلوا. وكانت الدَّعْوة أوَّلَ ما كانت للأنصار، ثم جُعلت آخراً
بالخزرج، وكانوا صُبراً عند الحرب، وأشرف رسولُ الله چ في ركائبه؛
فنظر إلى مُجْتَلَد القوم فقال: ((الآن حَمِي الوَطِيس)). قال: فوالله ما
رَجَعتْ راجِعةُ الناس إلّ والأُسارى عند رسولِ اللهِ وَلَ. فَقَتَل الله مَنْ قتلَ
منهم، وانْهَزم مَن انهزم منهم، وأفَاء الله على رسوله أموالهم ونساءهم
وأبناءهم.
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة، وقاله موسى بن
عُقبة: أنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ خرج إلى حُنين، فخرج معه أهلُ مكة، لم
يَتَغَادَر منهم أحد، ركباناً ومُشاة؛ حتى خرج النِّساء مشاةً؛ ينظرون
ويرجون الغنائمَ، ولا يكرهون الصَّدْمَة برسولِ الله ◌َّ وأصحابه.
وقال ابن عُقبة: جعل أبو سفيان كلّما سقط تُرْس أو سيف من
الصحابة، نادى رسول الله ◌َّ: أعْطُونِيه أحْمِلْه، حتّى أَوْقَرَ جَمَله.
(١) ابن هشام ٢/ ٤٤٤.
١٩٧

قالا: فلما أصبح القوم، اعتزل أبو سفيان، وابنه مُعاوية، وصفوان
ابن أُميّة، وحَكيم بن حِزَام، وراء تَلِّ، ينظرون لمن تكون الدَّبْرَة. وركب
رسولُ الله ◌َّ فاستقبل الصفوفَ؛ فأمرهم، وحضَّهم على القتالِ. فبينا
هُمْ على ذلك حمل المشركون عليهم حَمْلة رجلٍ واحد، فَوَلّوا مدبرين.
فقال حَارثة بن النّعمان: لقد حَزَرْتُ مَنْ بقي مع رسولِ الله وَِّ حين أدبرَ
الناس فقلتُ مئة رجل. ومَرَّ رجل من قريش على صفوان، فقال: أبْشِر
بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يَجْتَبِرونها أبداً. فقال: أتُبشِّرُني بظُهورِ
الأعْراب؟ فوالله لَرَبُّ من قريش أحبُّ إليَّ من ربِّ من الأعراب. ثم
بعث غلاماً له فقال: اسمع لِمَن الشِّعَار؟ فجاءه الغلام فقال: سمعتُهم
يقولون: يا بني عبدالرحمن، يا بني عبدالله، يا بني عُبَيدالله. فقال: ظَهَر
محمد. وكان ذلك شِعارهم في الحرب. وأنَّ رسول الله وَّ لمّا غَشِيه
القتال قام في الرِّکابین، ويقولون رفع يديه إلى الله تعالی يدعوه، يقول:
((اللَّهُمَّ إنّي أَنْشُدُك ما وَعَذْتَني، اللّهم لا يَنْبغي لهم أن يَظْهَروا علينا)».
ونادى أصحابه: ((يا أصحابَ البَيْعة يومَ الحُدَيْبِية، الله الله، الكَرَّةَ على
نَبِيِّكم)). ويقال: قال: ((يا أنصارَ الله وأنصارَ رسوله، يا بني الخَزْرِج»،
وأمر مَنْ يناديهم بذلك. وقَبض قَبْضةً من الحَصْبَاء فحَصَب بها وُجوه
المشركينَ، ونواحِيَهُم كلَّها، وقال: ((شَاهَت الوجوه)). وأقبل إليه
أصحابه سِراعاً، وهزم اللهُ المشركين، وفَرَّ مالك بن عَوْف حتى دخل
حصنَ الطَّائفِ في ناسٍ من قومه.
وأسلم حينئذٍ ناسٌ كثيرٌ من أهل مكة، حين رأوا نصرَ الله رسُولَهُ.
مختصرٌ من حديث ابن عُقْبة. وليس عند عُرْوة قيام النبيِّ لنَّ في
الرِّكابَيْن، ولا قوله: يا أنصار الله .
وقال شُعبة، عن أبي إسحاق، سمع البَرَاءَ، وقال له رجل: يا أبا
عُمارة، أفَرَرْتم عن رسول الله وَله يوم حُنين؟ فقال: لكنّ رسول الله وَّ
١٩٨

لم يَفِرَّ، إنَّ هَوَازِن كانوا رُماةً، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا،
فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسِّهام، فانهزم الناسُ فلقد رأيتُ
رسولَ الله ◌َّ، وأبو سفيان بن الحارث آَخِذٌ بِلِجَام بَغْلته، والنبيُّ نَّ
يقول :
أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِّبْ
أنا النَِّيُّ لا كَذِبْ
مُتَّفقٌ عليه(١) .
وأخرجه البخاري(٢) ومسلم(٣)، من حديث زُهَيْر بن معاوية، عن
أبي إسحاق، وفيه: ولكن خرج شُبَّانُ أصحابِه وأخِفّاؤهم حُسَّراً ليس
عليهم كبير سلاح، فلقوا قوماً رُماةً لا يكاد يسقط لهم سهم. وزاد فيه
مسلم، من حديث زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق: اللّهم نَزِّلْ
نَصْرَكَ. قال: وكنا إذا حَميَ البأسُ نَتَّقِي بِهِ وَلَّ .
وقال هُشَيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص،
قال: أخبرني سِيَابة بن عاصم: أنَّ رسولَ الله وَّل قال يوم حُنين: «أنا ابن
العَوَاتِك)) .
وقال أبو عُوانة، عن قَتَادة؛ أنّ رسول الله وَّل قال في بعض مغازيه:
((أنا ابن العواتِك)).
وقال يونس، عن ابن شهاب، قال: حدّثني كَثِير بن العبّاس بن
عبدالمطلب، قال: قال العباس: شهدت مع رسول الله ێ﴾ يوم حُنين،
فلزِمْتُه أنا وأبو سفيان بن الحارث، ورسولُ الله ◌َّ على بغلته البيضاء،
أهداها له فَرْوَة بن نُفَاثَة الجُذَاميّ، فلما التقى المسلمون والكُفّارِ، وَلَّى
البخاري ١٩٤/٥، ومسلم (١٧٧٦)/٧٨.
(١)
(٢) البخاري ٤/ ٥٢ .
مسلم ٥/ ٠١٦٨
(٣)
١٩٩

المسلمون مُدْبرينَ، فطفِقَ رسولُ الله ◌ِّهَ يُرْكِضُ بغلته قِبَلَ الكفّارِ، وأنا
آخِذٌ بلجامها، أَكُفّها إِرَادَةَ أنْ لا تُسرعَ، وأبو سفيان آخذٌ بركابه. فقال
النبي ◌َّ: أيْ عباسُ، نادِ أصحاب السَّمُرة. فقال عباس - وكان رجلاً
صَيّاً - فقلتُ بأعلى صوتي: أيْ أصحاب السَّمُرة. قال: فوالله، لكأنّما
عَطْفَتُهُم حين سمعوا صوتي، عَطْفَةُ البقرِ على أولادها، فقالوا: يا
لَبَيْكَاه، يَا لَتَّيْكَاه. فاقتتلوا هم والكفّار، والدَّعْوةُ في الأنصار يقولون: يا
معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. ثم قُصِرَت الدعوة على بني الحارث
ابن الخَزْرج، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن
الخزرج. فنظر رسولُ اللهِ وٌَّ وهو على بغلته، كالمُتَطَّاوِل عليها إلى
قتالهم، فقال: ((هذا حِين حَمِيَ الوَطِيس)). ثم أخذ حَصَياتٍ فرمَى بهنّ
في وجوه الكفّار، ثم قال: ((انهَزموا وربِّ محمد)). فذهبتُ أنظر، فإذا
القتال على هيئته فيما أرى، فوالله ما هو إلا أنْ رماهم رسولُ الله وَيه
بحَصَياته، فما زلتُ أرى حَدَّهم كَليلاً وأمْرهم مُذْبِراً. أخرجه مسلم(١).
وروى مَعْمَر، عن الزُّهْريّ، عن كثير، نَحْوه، لكن قال: فَرْوَة بن
نَعَامَة الجُذَاميّ، وقال: ((انهزموا وربّ الكعبة))(٢).
وقال عِكْرمة بن عمّار: حدّثني إِيَاس بن سَلَمَة، قال: حدّثني أبي،
قال: غزونا مع رسول الله وَ ل﴿ه حُنَيناً، فلما واجهنا العدوَّ، تقدّمت فَاعْلوا
ثنّةً فأسْتَقْبِل رجلاً من العدوّ فأرْميه بسهم، وتوارى عنّي، فما دريْتُ ما
صنع. ثم نظرتُ إلى القوم، فإذا هم قد طَلَعوا من ثَنِيَّةٍ أخرى، فالْتَّقَّوْا
هم والمسلمون فَوَلَّى المسلمون، فأرجع منهزماً، وعَلَيَّ بُرْدتان مُثَزر
بإحداهما، مُرْتدٍ بالأُخْرى. ومررتُ على رسول الله وَلِّ منهزماً وهو على
بغلته الشَّهْبَاء، فقال: لقد رأى ابنُ الأكْوَعِ فَزَعاً. فلما غَشَوْا رسولَ الله
(١) مسلم ١٦٦/٥-١٦٧.
(٢) مسلم ١٦٧/٥ .
٢٠٠