Indexed OCR Text
Pages 381-400
قالوا: اجلس يا أبا القاسم حتى تَطْعَم وترجع بحاجتك ونقوم فنتشاور. فجلس بأصحابه، فلما خَلَوْا والشَّيطانُ معهم، ائتمروا بقتل رسول الله وَ ل﴿ وقالوا: لن تجدوه أقرب منه الآن، فاستريحوا منه تَأْمَنُوا. فقال رجل: إنْ شئتم ظهرتُ فوق البيت الذي هو تحته فدلَّيتُ عليه حجراً فقتلته. فأوحى الله إليه فأخبره بشأنهم وعَصَمَه، فقام كأنّه يقضي حاجة . وانتظره أعداء الله، فراث عليه. فأقبل رجل من المدينة فسألوه عنه فقال: لقيته قد دخل أزقَّة المدينة. فقالوا لأصحابه: عَجِلَ أبو القاسم أنْ نقيم أمرَنا في حاجته. ثم قام أصحابُ رسول اللّه يَّ فرجعوا ونزلت ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَن يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ [المائدة] الآية. وأمر رسول الله وَه بإجلائهم، وأن يسيروا حيث شاؤوا. وكان النِّفاق قد كثُر بالمدينة. فقالوا: أين تخرجنا؟ قال: أُخرجكم إلى الحشْر. فلما سمع المنافقون ما يُراد بأوليائهم أرسلوا إليهم: إنّا معكم مَحيانا ومماتُنا، إنْ قُوتلتم فلكم علينا النّصر، وإنْ أُخرجتم لم نتخلّف عنكم. وسيّد اليهود أبو صَفية حُبَيُّ بن أخْطَب. فلما وثِقُوا بأمانيِّ المنافقين عظُمَتْ غَرَّتُهم ومَنَّهم الشّيطانُ الظُّهورَ، فنادوا النبي وأصحابَه: إنّا، والله، لا نخرج ولئنْ قاتلْتَنا لنقاتلنَّك. فمضى النّبيّ بَّ لأمر الله فيهم، وأمر أصحابَه فأخذوا السّلاح ثم مضى إليهم، وتحصّنت اليهود في دُورهم وحصونهم. فلما انتهى النّبيّ ﴿َّ إلى أزِقَّتهم وحُصونهم كره أن يُمكِّنَهم من القتال في دُورهم وحصونهم، وحفظ الله له أمره وعزم له على رُشْده، فأمر أن يهدم الأدنى فالأدنى من دُورهم، وبالنَّخل أن تُحرَّق وتُقطع، وكفَّ الله أيديَهُم وأيدي المنافقين فلم ينصروهم، وألقى في قلوب الفريقيْن الرُّعب. ثم جعلت اليهود كلّما خلص رسولُ اللهَ وَّرَ من هَذْمِ ما يَلِي مدينتهم، ألقى اللهُ في ٣٨١ قلوبهم الرُّعبَ، فهدموا الدُّور التي هُمْ فيها من أدبارها، ولم يستطيعوا أن يخرجوا على النّبِيِّ وَلَّ، وأصحابُه يهدمون شيئاً فشيئاً. فلما كادت اليهود أن يبلغ آخر دُورها، وهم ينتظرون المنافقينَ وما كانوا مَنَّوْهم، فلما يئسوا ممّا عندهم، سألوا النَّبيَّ بَِّ الذي كان عَرَض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم على أن يُجْلِيَهم، ولهم أنْ يحملوا ما استقلَّتْ به الإبلُ إلّ السّلاح. وطاروا كل مَطِير، وذهبوا كُلَّ مذهب. ولحق بنو أبي الحقيق بخَيْبر ومعهم آنية كثيرة من فضّة، فرآها النّبيّ وَّر والمسلمون. وعمد حُبَيُّ بنُ أخْطب حتى قَدِمَ مكةَ على قُريش، فاستغواهم على رسولِ اللهِ وَّ. وبيَّن الله لرسوله حديثَ أهلِ النّفاق، وما بينهم وبين اليهود، وكانوا قد عَيَّرُوا المسلمينَ حين قطعوا النَّخل وهدموا. فقالوا: ما ذنبُ الشجرة وَأنتم تزعمون أنّكم مصلحون؟ فأنزلَ اللهُ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ سورة الحشر. ثم جعلها نَفْلاً لرسوله، فقسمها فيمن أراهُ اللهُ من المهاجرين. وأعطى منها أبا دُجَانَة سِماك بن خَرَشَة، وسهل بن حُنَيْف، الأنصاريَّيْن. وأعطى - زعموا - سعد بن مُعاذ سيفَ ابن أبي الحقيق(١). وكان إجلاء بني النّضير في المحرَّم سنة ثلاث. وأقامت بنو قُرَيْظة في المدينة في مساكنهم، لم يؤمر فيهم النّبِيُّ وَّلـ بقتلٍ (٢) ولا إخراج حتى فضحهم الله بحُيَيّ بن أخطب وبجمُوع الأحزاب. هذا لفظ موسى بن عُقبة، وحديث عُرْوة بمعناه، إلى إعطاء سعدٍ السّيف . وقال موسى بن عُقبة وغيرُه، عن نافع، عن عبد الله أنّ رسول الله وَل (١) الطبقات لابن سعد ٥٧/٢، وتاريخ الطبري ٥٥٠/٢- ٥٥٥، وابن هشام ٢٧٣/٢. (٢) في نسخة البشتكي: ((بقتالٍ)) وما هنا أصوب. ٣٨٢ قطع نخْل بني النّضير وحرَّق، ولها يقول حسّان بن ثابت: حريقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِير وهانَ على سراةٍ بني لُؤيٍّ وفي ذلك نزلت هذه الآية: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِن ◌ِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىَّ أُصُولِهَا فَإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [الحشر]. مُتَّفقٌ عليه(١). وقال عَمْرو بن دينار، عن الزُّهْري، عن مالك بن أوس، عن عمر، أنّ أموال بني النَّضير كانت ممّا أفاءَ الله على رسوله بََّ ممّا لم يوجِف المسلمون عليه بخيلٍ ولا رِكاب، فكانت لرسولِ اللهِ وَّ خالصةً يُنفق منها على أهلِه نفقةً سنة، وما بقي جعله في الكراع والسّلاحِ عُدّةً في سبيلِ الله. أخرجاه(٢) . سرية زيد بن حارثة إلى القَرَدَة قال ابن إسحاق(٣): وسَرِيّةُ زيدٍ التي بعثه رسول اللهِوَ ◌ّل فيها، حين أصاب عير قريش، وفيها أبو سُفيان، على القَرَدَة، ماءٍ من مياه نجد. وكان من حديثها أنّ قُريشاً خافوا طريقَهم التي كانوا يسلكون إلى الشام حين جرت وقعة بدر، فسلكوا طريقَ العراق. فخرج منهم تُجّار فيهم أبو سُفيان، واستأجروا رجلاً من بني بكر بن وائل يقال له: فرات ابن حَيَّان يدلُّهم. فبعث رسول الله وَّل زيد بن حارثة، فلقيهم على ذلك الماء، فأصاب تلك العِير وما فيها، وأعجزهم الرجال، فقدم بها على . رسول الله قلم (١) البخاري ١٣٦/٣ و٧٦/٤ و١١٣/٥ و١٨٤/٦، ومسلم ١٤٥/٥، وانظر المسند الجامع حديث (٨١٣٠). (٢) البخاري ٤٦/٤، و١٨٤/٦، ومسلم ١٥١/٥. (٣) ابن هشام ٢ / ١٥٠. ٣٨٣ غزوة قَرْقَرَة الكُدْر قال الواقدي (١) : إنّها في المحرَّم سنة ثلاثٍ. وهي ناحية معدن بني سُلَيْم. واستخلف على المدينة ابنَ أمّ مكتوم. وكان مَلَهُ بلغه أنَّ بهذا الموضع جمعاً من سُلَيْم وغَطَفان. فلم يجد في المَحالِّ(٢) أحداً، ووجد رعاءً منهم غلام يقال له يسار، فانصرف رسول الله ابَّ وقد ظفر بالنَّعم، فانحدر به إلى المدينة فاقتسموها بصِرار، على ثلاثة أميالٍ من المدينة، وكانت النَّعم خمس مئة بعير، وأسلم يسار. القرقرة أرض ملساء، والكُدْر طير في ألوانها كُدْرة، ومنهم من يقول: قرارة الكُذر(٣)، يعني أنها مُسْتَقَرُّ هذا الطير. مقْتَل كعب بن الأشرف قال ابن إسحاق(٤) من طريق يونس بن بُكَيْر: حدّثني عبدالله بن أبي بكر، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، قالا: بعث رسول الله وَّ حين فرغ من بدر بشيرَيْن إلى أهل المدينة، فبعث زيد بن حارثة إلى أهل السّافلة، (١) المغازي ١٨٢/١ والذي فيه: ((للنصف من المحرم على رأس ثلاث وعشرين شهراً))، وإنما قال الذهبي ((سنة ثلاث)) لأن المحرم صار سنة ثلاث بعد اعتبار التوريخ بالهجرة منه، والذهبي كثير التصرف في مثل هذه الأمور، رحمه الله . (٢) جَوّد البشتكي ضبطها عن المؤلف، فوضع حاء مهملة تحت الحاء علامة الإهمال، وشدَّد اللام. (٣) هكذا ذكرها الواقدي في مغازيه. (٤) ابن هشام ٢/ ٥١-٥٨ . ٣٨٤ وبعث عبدالله بن رواحة إلى أهل العالية، فبشَّروا ونعوا أبا جهل وعُتْبة والملأ من قريش. فلما بلغ ذلك كَعبَ بنَ الأشرف لعنه الله قال: ويْلَكم، أَحَقٌّ هذا؟ هؤلاء ملوك العرب وسادة النّاس. ثم خرج إلى مكة، فنزل على عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، وكانت عند المطّلب ابن أبي وداعة، فجعل يبكي على قتلى قُريْش، ويحرّض على رسول الله وَالخير ، فقال: ولمثل بَدْر تستهلُّ وتَدْمَعُ ◌َحَنَتْ رَحى بدرٍ لِمَهْلِك أهلها لا تَبْعَدوا إنّ الملوكَ تُصَرَّعُ قُتِلَت سُراةُ النَّاس حول حِياضِهم ذي بهجةٍ تأوي إليه الصُّيَّعُ كم قد أُصيب بها من آبيضَ ماجدٍ إنّ ابنَ الاشرف ظلّ كعباً يَجْزَعُ ويقول أقوامٌ أذلّ بسخطهم ظلَّت تَسوخُ بأهلها وصَدَّعُ صَدَقُوا، فليتَ الأرضَ ساعةً قُتِلُوا خشعوا لقتل أبي الوليد وجُدِّعوا نُبِّئْتُ أنّ بني كِنانَة كلَّهم قال ابن إسحاق(١) : ثم رجع إلى المدينة فشبَّب بأمّ الفضل بنت الحارث، فقال : وتاركٌ أنت أمَّ الفضْل بالحَرَمِ؟ أراحِلٌ أنتَ لم تَحْلُلْ بِمَنْقَبةٍ في كلامٍ له. ثم شبّب بنساء المسلمين حتى آذاهم. صَهَلَىالله وقال موسى بنُ عُقْبة: كان ابن الأشرف قد آذى رسول الله عالمية وسلم بالهجاء، وركب إلى قريش فقدم عليهم فاستغواهم على رسول الله وَ له فقال له أبو سفيان: أناشدك الله، أدِينُنا أحب إلى الله أم دِين محمد وأصحابه؟ قال: أنتم أهدى منهم سبيلاً. ثم خرج مقبلاً وقد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله وَ ل# معلناً بعداوته وهجائه. وقال محمد بن يونس الجمّال المُخَرِّميُّ - الذي قال فيه ابن (١) ابن هشام ٢/ ٥٤ . ٣٨٥ عديّ(١) : كان عندي ممّن يسرق الحديث. قلتُ: لكن روى عنه مسلم(٢) - حدثنا ابن عُيَيْنَة، قال: حدثنا عَمْرو، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس قال: قدِم حُبَيُّ بنُ أخطب، وكعب بن الأشرف مكة على قريش فحالَفُوهم على قتال رسول الله وَّ. فقالوا لهم: أنتم أهلُ العِلْمِ القديم وأهلُ الكتاب، فأخْبرُونا عنّا وعن محمد، قالوا: ما أنتم وما محمد؟ قالوا: نحن ننحرُ الكوماء(٣)، ونَسقي اللَّبِنَ على الماءِ، وَنَفُكُّ العُنَاة، ونسقي الحَجيج، وَنَصِلُ الأرحام. قالوا: فما محمد؟ قالوا: صُنْبُور (٤) قطع أرحامَنا واتَّبعه سُرَّاقُ الحجيج بنو غفار. قالوا: لا، بل أنتم خيرٌ منه وأهدى سبيلاً. فأنزل الله ﴿ أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّفُوتِ (٥)﴾ [النساء] الآية. قال سُفيان: كانت غفار سَرَقَةً في الجاهليّة . وقال إبراهيم بن جعفر بن محمود بن مَسْلَمَة، عن أبيه، عن جابر ابن عبدالله، قال: ولحق كعب بن الأشرف بمكة إلى أنْ قدِم المدينةَ مُعلِناً بمعاداةِ النّبِيِّ ◌َِّ وهجائه، فكان أوّل ما خرج منه قوله: وتاركٌ أنتَ أمَّ الفضلِ بالحَرَمِ! اذَاهِبٌ أنتَ لم تَحْلُلْ بِمَنقَبَةٍ من ذي البوارير والحنَّاءِ والكَتم صفراءُ رادعةٌ لو تُعْصَرُ أَنْعَصَرَتْ ولو تشاءُ شَفَتْ كَعْباً من السَّقم إِحْدَى بني عامرٍ هَامَ الفُؤادُ بها حتى تبدَّتْ لنا في ليلةِ الظَّلَم ... (٥) لم أرَ شمساً قبلها طَلَعَتْ (١) الكامل في الضعفاء: ٢٢٨٣/٦. (٢) لكن لم يثبت أن مسلماً روى عنه، ذكر ذكر ذلك المزي في ((تهذيب الكمال)). (٣) أي: الناقة العظيمة السنام الطويلته . (٤) على هامش الأصل: ((الصنبور: الفرد الذي لا ولد له ولا أخ)). (٥) على هامش الأصل كتب: ((لعلَّه: أقسمتُ))، وكتب البشتكي: ((بَيَّضَ له المصنف)). ٣٨٦ وقال : * طحنتْ رَحى بدرٍ لمهلِك أهلهاء* الأبيات. فقال النَّبيُّ ◌ََّ يوماً: مَن لكعب بن الأشرف؟ فقد آذانا بالشِّعر وقوَّى المشركين علينا. فقال محمد بن مَسْلَمَة: أنا يا رسول الله. قال: فأنت. فقام فمشى ثم رجع فقال: إنّي قائل، فقال: قل فأنت في حِلّ: فخرج محمد، بعد يوم أو يومين، حتى أتى كعباً وهو في حائط فقال: يا كعب، جئتُ لحاجةٍ، الحديث(١) . وقال ابن عُيَيْنَة: قال عَمْرو بن دينار: سمعت جابراً يقول: قال رسول الله وَله: من لكعب بن الأشرف فإنّه قد آذى الله ورسوله؟ فقام محمد بن مَسْلَمَة فقال: يا رسول الله، أعجب إليك أن أقتله؟ قال: نعم. قال: فَأُذَنْ لي أنْ أقول شيئاً. قال: قل. فأتاه محمد بن مَسْلَمَةَ فقال: إنّ هذا الرجل قد سألنا صَدَقَةً، وقد عَنَّانا، وإنّي قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضاً لَتَمَلُّنَّهُ. قال: إنّا قد اتبعناه فنكْرَه أنْ ندعَهُ حتى ننظرَ إلى أيِّ شيء يصير شأنُهُ، وقد أردنا أن تُسْلِفنا. قال: ارهنوني نساءكم. قال: نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قال: كيف نرهنك أبناءنا فيقال رُهِنَ بوَسْقِ أو وَسْقَين؟ قال: فأيُّ شيء؟ قال: نرهنك الَّلَّمَةَ. فواعده أن يأتيه ليلاً، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاه من الحصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ قال: إنّما هو أخي أبو نائلة ومحمد بن مَسْلَمَة، إنّ الكريم لو دُعي إلى طعنةٍ بليلٍ لأجاب. قال محمد: إذا ما جاء فإني قائل بشَعْرِه (٢) فَأَشُمُّهُ ثم أشمُّكم، فإذا رأيتموني أثبَتُّ يدي فدونكم. فنزل إليهم متوشِّحاً، وهو ينفح منه ريح الطِّيب، (١) البخاري ١٨٦/٣ و٧٨/٤ و١١٥/٥، ومسلم ١٨٤/٥؟ وانظر المسند الجامع ٣٣٦/٤ حديث (٢٩٠٩). (٢) أي: آخذُ به . ٣٨٧ فقال محمد: ما رأيتُ كاليوم ريحاً، أي: أطيبُ، أتأذن لي أن أشُمَّ رأسَكَ؟ قال: نعم. فشمَّه ثم شمَّ أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ يعني ثانياً. قال: نعم. فلما استمكنَ منه قال: دونكم. فضربوه فقتلوه. وأتوا النَّبيَّ ◌َّ فأخبروه. أخرجه البخاري(١) . وقال شُعيب بن أبي حمزة، عن الزُّهري، عن عبدالرحمن بن عبدالله ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أنّ كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً، وكان يهجو رسول الله وَ له ويحرّض عليه كُفّار قريش في شعره. وكان رسول الله وَّ قدِم المدينة وأهلُها أخلاطٌ، منهم المسلمون، ومنهم عَبَدَة الأوثان، ومنهم اليهود، وهم أهل الحَلْقة والحصون، وهو حُلَفاء الأوس والخزرَج، فأراد رسول الله وَّر حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون مسلماً وأبوه مشرِك أو أخوه، وكان المشركون واليهود حين قدِم رسولُ الله ◌َّهِ المدينة يؤذونه أشدَّ الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر والعفو، فقال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُبَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ [آل عمران]، وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ أَذَى كَثِيرًاً الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندٍ أَنْفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِ يَ﴾ [البقرة]. فأمر رسول الله وَ ل﴿ سعد بن معاذ أنْ يبعثَ رَهْطاً ليقتلوا كعباً، فبعث إليه سَعْدٌ محمدَ بن مَسْلَمَة وأبا عَبْس، والحارث ابن أخي سعد بن مُعَاذ في خمسة رَهْطِ أتوه عشيَّةً، وهو في مجلسهم بالعوالي. فلما رآهم كعب أنكرهم وكاد يُذعَر منهم، فقال لهم: ما جاء بكم؟ قالوا: جاءت بنا إليك حاجةٌ. قال: فليدْنُ إليَّ بعضُكم فليحدّثني بها. فدنا إليه (١) سبق تخريجه . ٣٨٨ بعضُهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعاً لنا لنستنفق أثمانها. فقال: والله لئن فعلتم ذلك لقد جُهِدْتُم، قد نزل بكم هذا الرجل. فواعدهم أن يأتوه عشاءً حين يهدأ عنهم الناس. فجاؤوا فناداه رجل منهم، فقام ليخرج فقالت امرأته: ما طرقوك ساعتهم هذه لشيء تُحبُّ. فقال: بل إنّهم قد حدّثوني حديثهم. فاعتنقه أبو عبس، وضربه محمدُ بن مَسْلَمة بالسَّيف، وطعنه بعضُهم بالسيف في خاصرته. فلما قتلوه فزعتِ اليهودُ ومَن كان معهم من المشركين. فَغَدَوْا على رسولِ اللهِ وَله حين أصبحوا فقالوا: إنّهُ طُرِق صاحبُنا الليلة وهو سيّد من ساداتنا فقُتِل، فذَكر لهم رسولُ الله وَله الذي كان يقولُ في أشعاره، ودعاهم رسول الله وَلّ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتاباً، فكتب بينهم صحيفة. وكانت تلك الصحيفة بعده عند عليٍّ. أخرجه أبو داود(١). وذكر موسى بن عُقْبة وغيره أنّ عَبّاد بن بِشْر كان معهم، فأصيب في وجهه بالسیف أو رِجْله. وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: حدّثني ثور بن زيد، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس قال: ومشى معهم رسول اللّه ◌َّر إلى بقيع الغَرْقَد، ثم وجَّههم وقال: انطلقوا على اسمِ الله، اللهُمَّ أَعِنْهم. وذكر البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢) هذه القصّة بأطول ممّا هنا وَأحسن عبارة، وفيه: فاجتمع في قتله محمد، وسِلْكان بن سلامة بن وَقْش، وهو أبو نائلة الأشهليّ، وعَبَّاد بن بِشْر، وأبو عَبْس بن جبر الحارثي. فقدّموا إلى ابن الأشرف سِلْكان، فجاءه فتحدّث معه ساعةً وتناشدا شِعْراً، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف، إنّي قد جئت لحاجةٍ أريد ذِكْرَها لك فاكتم عنّي. قال: أَفْعَلُ. قال: كان قدوم هذا الرجل (١) أخرجه أبو داود (٣٠٠٠)، وانظر المسند الجامع حديث (١١٢٦٣). (٢) ابن هشام ٢/ ٥٤-٥٨ . ٣٨٩ علينا بلاءً من البلاء، عادَتْنا العربُ ورمونا عن قوس واحدةٍ، وقُطِعَتْ عنا السُّبُل حتى ضاع العِيال وجُهِدْنا. فقال: أنا ابنُ الأشرف! أما والله لقد أخبرتُك يا ابنَ سلامة أنَّ الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال: إنّي أردت أن تبيعنا طعاماً ونَرْهَنُك ونُوثّق لك، وتُحسن في ذلك. فقال: أتَرْهَنُوني أبناءكم؟ قال: لقد أردتَ أن تفضحنا، إنَّ معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردتُ أن آتيك بهم فتبيعهم، وتُحسن في ذلك، ونَرْهَنُك من الحَلْقَة ما فيه وفاء. قال: فرجع سِلْكان إلى أصحابه فأخبرهم خَبَرَه، وأمرهم أن يأخذوا السّلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه. واجتمعوا، وساق القصّة . قال ابن إسحاق(١): وأطلق رسولُ اللهِ وَ لَوَّ قتلَ اليهود، وقال: مَنْ ظفرتم به من اليهود فاقتلوه. وحينئذٍ أسلم حُوَيّصة بن مسعود، وكان قد أسلم قبله أخوه مُحَيِّصة. فقتل مُحَيِّصَة ابنَ سُنَيْنَة اليهودي التّاجر، فقال حويصة قبل أن يُسلم وجعل يضرب أخاه ويقول: أيْ عدُوَّ الله قَتَلْتَه؟ أما والله لَرُبَّ شَحْمٍ في بطنك من ماله. فقال: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلكَ لضربتُ عنقك. قال: والله إنّ دِيناً بلغ بك هذا لَعَجب. فأسلم حُوَيِّصة . وفي رمضان: وُلد السيد أبو محمد الحسن بن علي، رضي الله عنهما . وتزوج النّبيّ ◌َّل بحفصة بنت عمر. وفي هذه السنة: تزوّج أيضاً بزينب بنت خُزَيْمة، من بني عامر بن صَعْصَعَة، وهي أمُّ المساكين، فعاشت عنده شهرين أو ثلاثة، وتُوُفِيَتْ. وقيل: أقامت عنده ثمانية أشهر، فالله أعلم. (١) ابن هشام ٥٨/٢-٥٩ . ٣٩٠ غزوة أُحُد ((وكانت في شوال)) قال شَيْبان، عن قَتَادَة: واقَعَ نبيُّ الله ◌َّهَ يومَ أُحُدٍ من العام المقبل بعد بدر في شوّال، يوم السبت لإحدى عشرة ليلةً مضت من شوّال. وكان أصحابه يومئذٍ سبع مئة، والمشركون ألفَيْن أو ما شاء الله من ذلك. وقال ابن إسحاق: للنصف من شوّال. وقال مالك: كان القتال يومئذٍ في أول النّهار. وقال بُرَيْد بن عبدالله، عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى، عن النّبي وَ الر، قال: رأيت أنّي قد هززت سيفاً فانقطع صدرُه، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أُحُد، ثم هززته أخرى فعاد أحسنَ ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت في رُؤياي بقراً، واللهُ خيرٌ، فإذا هم النَّفر من المؤمنين يوم أُحُد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصِّدق الذي آتانا يوم بدر. أخرجاه(١) . وقال ابن وهب: أخبرني ابن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن عُبَيْدالله بن عبد الله، عن ابن عبّاس قال: تنقّل رسول الله وَّه سيفه ذا الفَقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرُؤُيا يوم أُحُد. وذلك أنّه لما جاءه المشركون يوم أُحُد كان رأيُ رسولِ الله وَّر أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها، فقال له ناسٌ لم يكونوا شهدوا بدراً: تخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأُحُد، (١) البخاري ٢٤٧/٤ و١٠٠/٥ و١٣١ و٥٢/٩ و ٥٣، ومسلم ٥٧/٧، وانظر المسند الجامع حديث (٨٨٨٨). ٣٩١ ورجوا من الفضيلة أنْ يصيبوا ما أصاب أهلُ بدر. فما زالوا برسول الله وَّ حتى لبس أداته، ثم ندموا وقالوا: يا رسول الله، أقم فالرأيُ رأيُك. فقال لهم رسول الله وَله: ما ينبغي لنبيِّ أنْ يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوِّه. قالوا: وكان ما قال لهم رسول الله وَّ قبل أنْ يلبس أداته: إنّي رأيت أنّي في دِرْع حصينةٍ فأوّلْتُها المدينة، وأنّي مُرْدِفٌ كَبْشاً فأوّلته كَبْش الكتيبة، ورأيت أنّ سيفي ذا الفَقَار فُلَّ فأوَّلَتُه فَلَ فيكم، ورأيت بقراً تُذْبح، فَبَقْرٌ والهُ خيرٌ، فَبَقرٌ واللهُ خيرٌ(١). وقال يونس، عن الزُّهْريّ في خروج النّبي ◌َِّ إلى أحد، قال: حتى إذا كان بالشوط من الجنانة، انخزل عبدالله بن أُبَّيّ بقريبٍ من ثُلُث الجيش. ومضى النّبي ◌َّر وأصحابه وهم في سبع مئة. وتعبَّأْت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مئتا فَرَس قد جنَّوها، وجعلوا على ميمنة الخيل خالدَ بنَ الوليد، وعلى مَيْسَرَتها عِكْرِمة بن أبي جَهْل . وقال ابن ◌َهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة قال: فخرج رسول الله وَّله والمسلمون وهم ألف، والمشركون ثلاثة آلاف. فنزل رسول الله وَ له أحداً، ورجع عنه عبدالله بن أُبيّ في ثلاث مئة، فسُقِط في أيدي الطائفتين، وهمَّا أنْ تفشلا، والطائفتان: بنو سَلِمَة وبنو حارثة. وقال ابن عُيَيْنَة، عن عَمْرو، عن جابر: ﴿إِذْهَمَّت ◌َطَّابِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَ ﴿﴾﴾ [آل عمران]، بنو سَلِمَةَ وبنو حارثة، ما أحبُّ أنّها لم تنزل لقوله ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا لَ﴾﴾ [آل عمران]. مُتَّفقٌ عليه(٢). (١) أخرجه أحمد ٢٧١/١، وابن ماجة (٢٨٠٨)، والترمذي (١٥٦١)، وانظر المسند الجامع ٤٩٩/٩ (٦٩٤١)، وانظر الفتح ٣٧٧/٧ في ضبط ((فبقر واللهُ خيرٌ)) . (٢) البخاري ١٢٣/٥ و٤٧/٦، ومسلم ١٧٣/٧، وانظر المسند الجامع حديث (٢٨٧٣) . ٣٩٢ وقال شُعبة، عن عدي بن ثابت، سمع عبدالله بن یزید یحدّث، عن زيد بن ثابت، قال: لما خرج رسول الله وَلُّ إلى أُحُد، رجع ناسٌ خرجوا معه. فكان أصحابُ رسول الله وَّ فِرْقَتين، فِرْقة تقول: نقاتلهم، وفِرقة تقول: لا نقاتلهم. فنزلت ﴿﴿ فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُكَفِقِينَ فِئَتَيْنِ (٨)﴾ [النساء]، فقال رسول الله وَله: إنّها طَيْبَةُ تنفي الخَبَثَ كما تنفي النّار خَبَثَ الفِضَّة. مُتَّفقٌ عليه(١). وقال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ (9)﴾ [آل عمران]، قال ميَّزهم يوم أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَّى يَمِيزَ الْخِيْثُ مِنَ الطَّيِّبِّ أُحُد. وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢) قال: كان من حديث أُحُد، كما حدّثني الزُّهري، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وعاصم بن عمر، والحُصَيْن بن عبدالرحمن، وغيرهم، كلٌّ قد حدّث بعضَ الحديث، وقد اجتمع حديثُهم كلُّه فيما سُقت من هذا الحديث عن يوم أُحُد، أنّ كُفَّار قريش لما أصيب منهم أصحاب القَلِيب، ورجع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بالعِير، مشى عبدالله بن أبي ربيعة، وعكْرِمة بن أبي جهل، وصَفْوان بن أُميّة، في رجالٍ من قريش ممّن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم، فكلّموا أبا سُفيان ومَن كان له في تلك العِير تجارةٌ، فقالوا: يا معشر قريش، إنّ محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلّنا ندرك منه ثأراً بمن أصابَ منّا. فاجتمعوا لحربِ رسول الله وَله حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحابُ العِير بأحابيشها ومَن أطاعها من قبائل كِنانة وأهل تِهامة . (١) البخاري ٢٩/٣ و١٢٢/٥-١٢٣ و٥٩/٦، ومسلم ١٢١/٤ و١٢١/٨، وانظر المسند الجامع حديث (٣٨٨٠). (٢) ابن هشام ٢/ ٦٠. ٣٩٣ وكان أبو عَزَّة الجُمَحِي قد منَّ عليه رسول الله بَّر، وكان ذا عيال وحاجة، فقال: يا رسول الله، إنّي فقيرٌ ذو عيالٍ وحاجة، فامنُنْ عليّ. فقال له صَفْوان: يا أبا عزَّة، إنّك أمرؤٌ شاعر، فأعِنّا بلسانك فاخرج معنا، فقال: إنَّ محمداً قد مَنَّ عليَّ فلا أريدُ أنْ أظاهر عليه. قالوا: بلى، فأعِنّا بنفسك، فلك الله عليّ إنْ رجعتُ أن أُعينك، وإن أُصِبتَ أن أجعل بناتَكَ مع بناتي يصيبهنّ ما أصابهنّ من عُسْر ويُسْر. فخرج أبو عَزَّة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة، ويقول: أنتم حُماةٌ وأبوكم حام إيهاً بني عبد مَناة الرِّزام(١) لا تُسْلِموني لا يحلّ إسلامْ لا تَعِدُوني نصركم بعد العام وخرج مُسافع بن عبد مَنَاف الجُمَحِي إلى بني مالك بن كنانة يدعوهم إلى حرب رسول الله وَله، ويقول شِعراً. ودعا جُبَيْر بن مُطْعم غلاماً له حبشياً يقال له وَحْشيّ، يقذف بِحَرْبة له قَذْفَ الحبشة قلَّما يُخطىء بها، فقال له: اخرج مع النّاس فإنْ أنتَ قتلت حمزَة بعمّي طَعِيْمَة بن عَدِيّ فأنت عتيق. فخرجت قريشٌ بحدّها وحديدها وأحابيشها ومَن تابعها، وخرجوا معهم بالظُّعُن التماس الحفيظة وأنْ لا يفِرّوا. وخرج أبو سفيان، وهو قائد النّاس، بهند بنت عُثْبة، وخرج عِكْرِمة بأمّ حكيم بنت الحارث بن هشام، حتى نزلوا بعَيْنَيْن بجبلٍ أُحُد ببطنِ السَّبخة من قناةٍ على شفير الوادي مقابل المدينة. فقال رسول الله وَله: إنْ رأيتم أنْ تقيموا بالمدينة وَتَدَعَوهم حيث نزلوا، فإنْ أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإِنْ هُمْ دخلوا علينا قاتلناهم فيها. وكان يكره الخروجَ إليهم. فقال رجال ممّن فاته يومُ بدر: يا رسول الله، اخرج بنا إليهم لا يرون أنّا جَبُنَّا عنهم. فلم يزالوا برسول الله وَّ حتى دخل فلبس لأمَتَه، وذلك يوم (١) الرزام من الرجال: الصعب المتشدد، وساق ابن منظور البيتين في ((اللسان)) باختلاف، ولم ینسبهما . ٣٩٤ الجمعة حين فرغ النّاسُ من الصّلاة. فذكر خروجه وانخزال ابن أُبُّ بِثُلُث النّاس، فاتَّبعهم عبدُالله والدُ جابر، يقول: أذكركم الله أنْ تَخْذلوا قومَكم ونبيَّكم. قالوا: لو نعلم أنّكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنّا لا نرى أنّه يكون قتال. وقالت الأنصار: يا رسول الله، ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ قال: لا حاجة لنا فيهم. ومضى حتى نزل الشِّعْبَ من أُحُد في عُدْوَة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أُحُد، وقال: لا يقاتلنّ أحدٌ حتى نأمره بالقتال. وتعبّأ للقتال وهو في سبع مئة، وأمَّر على الرُّماة عبدالله بن جُبَيْر وهم خمسون رجلاً، فقال: انضحوا عنّا الخيل بالنَّل، لا يأتونا من خلفنا، إنْ كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نُؤْتَينَّ من قِبَلِك وظاهر رسول الله وَلَه بين درعين، ودفع اللواء إلى مُصْعَب بن عُمَيْر. وتعبَّأْت قُرَيش وهم ثلاثة آلاف معهم مئتا فرس قد جَنَّبوها فجعلوا على الميمنة خالداً، وعلى الميسرة عِكْرِمة(١) . وقال سلّم بن مِسكين، عن قَتَادة، عن سعيد بن المسيّب، قال: كانت راية رسول الله بَّ يوم أُحُد مِرْطاً أسود كان لعائشة، وراية الأنصار يقال لها العُقاب، وعلى ميمنته عليّ، وعلى مَيْسَرته المنذر بن عَمْرو السّاعديّ، والزُّبير بن العوّام كان على الرجال، ويقال المقداد بن الأسود، وكان حمزة على القلب، واللواء مع مُصْعَب بن عُمَيْر، فقُتِلَ، فأعطاه النّبيّ وَلّه عليّاً، قال: ويقال: كانت له ثلاثة ألوية، لواء إلى مُصْعَب بن عُمَيْر للمهاجرين، ولواء إلى عليّ، ولواء إلى المنذر. وقال ثابت، عن أنس أنّ رسول الله وَلَرَ أخذ سيفاً يوم أُحُد فقال: من يأخذ مني هذا السيف بحقّه؟ فبسطوا أيديهم كلّ إنسانٍ منهم يقول: أنا، أنا. فقال: مَنْ يأخذه بحقّه؟ فأحجم القومُ، فقال له أبو دُجانة (١) ابن هشام ٢/ ٦٢ - ٦٣. ٣٩٥ سِمَاك: أنا آخذه بحقِّه. قال: فأخذه ففلق به هامَ المشركين. أخرجه مسلم (١) . وقال ابن إسحاق: حتى قام إليه أبو دُجانة سِماك بن خَرَشَة، أخو بني ساعدة، فقال: وما حقُّه؟ قال: أنْ تضرب به في العدوّ حتى ينحني. قال: فأنا آخذه يا رسول الله. فأعطاه إيّاه، وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، وكان إذا قاتل علَّم بعصابة له حمراء فاعتصب بها على رأسه، ثم جعل يتبختر بين الصَّفَّين. فبلغنا أنّ رسولَ اللهِ وَّه قال حين رآه يتبختر: إنّها لِمِشْيَة يُبغضها الله إلّ في مثل هذا الموطن(٢). وقال عَمْرو بن عاصم الكِلابيّ: حدّثني عُبَيْدالله بن الوازع، قال: حدّثني هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن الزُّبير بن العوّام، قال: عرض رسول الله وَ ل﴿ سيفاً يوم أُحُد فقال: من يأخذه بحقّه؟ فقمتُ فقلت: أنا يا رسول الله. فأعرض عنّي، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقّه؟ فقام أبو دُجانة سِماك بن خَرَشَة فقال: أنا يا رسول الله، فما حقّه؟ قال: أنْ لا تقتل به مسلماً ولا تفرَّ به عن كافر. قال: فدفعه إليه، وكان إذا أراد القتال أعلم بعصابة، فقلت: لأنظرنّ إليه كيف يصنع. قال: فجعل لا يرتفع له شيء إلّ هتكه وأفراه، حتى انتهى إلى نِسْوةٍ في سفح جبل معهنّ دفوف لهنّ، فيهنّ امرأة وهي تقول: نمشي على النَّمارِقْ(٣) نحنُ بناتُ طارقْ أو تُذْبِرُوا نُفارقْ إِنْ تُقْبِلوا نُعانِقْ فِراق غيرِ وامِقْ(٤) (١) مسلم ٧/ ١٥١، وانظر المسند الجامع حديث (١٤٧٩). (٢) ابن هشام ٦٦/٢ -٦٧ . (٣) جمع نمرقة وهي الوسادة أو الطُّنْفُسة. (٤) أي: المُحِبُّ. ٣٩٦ قال: فاهوى بالسّيف إلى امرأةٍ ليضربها، ثم كفَّ عنها. فلما انكشف القتال قلت له: كلّ عملكَ قد رأيتُ ما خلا رفْعَك السّيف على المرأة ثم لم تضربها. قال أكرمتُ سيفَ رسول الله وَّر أن أقتل به امرأة. وروى جعفر بن عبدالله بن أسلم، مولى عمر، عن معاوية بن مَعْبَد ابن كعب بن مالك أنّ رسول الله وسلّم قال حين رأى أبا دُجانة يتبختر: إنّها لِمِشْيَةٌ يبغضُها الله إلّ في مثل هذا الموطن(١) . وقال ابن إسحاق، عن الزُّهري وغيره: إنّ رجلاً من المشركين خرج يوم أُحُد، فدعا إلى البراز، فأحجم النّاس عنه حتى دعا ثلاثاً، وهو على جَمَلٍ له، فقام إليه الزُّبير فوثب حتى استوى معه على بعِيره، ثم عانقه فاقتتلا فوق البعير جميعاً، فقال رسول الله صَلّر: الذي يلي حضيضَ الأرض مقتولٌ. فوقع المشرك ووقع عليه الزُّبير فذبحه. ثم إنّ النّبيّ وَّ قَرَّب الزُّبير فأجلسه على فخذه وقال: إنّ لكلّ نبيِّ حواريّاً والزُّبير حَوَارِيّ(٢) . قال ابن إسحاق(٣): واقتتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دُجانة حتى أمعن في النّاس، وحمزة بن عبدالمطلب، وعليّ بن أبي طالب، وآخرون. وقال زُهير بن معاوية: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء يحدّث، قال: جعل رسول الله وَ﴾ على الرُّماة يوم أُحُد، وكانوا خمسين، عبدالله بن جُبَيْر، وقال: إذا رأيتمونا تخطَّفنا الطَّيرُ فلا تبرحُوا حتى أرسل إليكم، وإنْ رأيتمونا هزمنا القومَ وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسلَ إليكم، قال: فهزمهم. فأنا واللهِ رأيت النّساءَ يشتددْنَ على الجبل (١) ابن هشام ٢/ ٦٧ - ٦٩. (٢) المغازي ٢/ ٤٥٧، والبخاري ٢٧/٥. (٣) ابن هشام ٦٨/٢. ٣٩٧ قد بدت خلاخيلهنّ وسوقهنّ رافعات ثيابهنّ. فقال أصحاب عبدالله بن جُبَيْر: الغنيمة، أيْ قوم، الغنيمة، ظهر أصحابكُم فما تنتظرون؟ فقال عبدالله لهم: أنَسيتم ما قال لكم رسول الله وَلَّه؟ فقالوا: لنأتينّ النّاسَ فلنصيبنّ من الغنيمة: فأتوهم فصُرِفَتْ وجوهُهُم فأقبلوا منهزمين. فذلك إذ يدعوهم الرسول في أُخْراهم. فلم يبق مع رسول الله ◌َله إلّ اثنا عشر رجلاً. فأصابوا منّا سبعين. فقال أبو سُفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرّات. فنهاهم رسول الله وَيّ أن يجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قُحَافة، أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثم قال: أفي القوم ابن الخطّاب؟ ثلاثاً. ثم رجع إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قُتِلوا. فما ملك عمرُ نفسَه أن قال: كذبْتَ يا عدوّ الله، إنّ الذين عَدَدْتَ لأحياء كلّهم، وقد بقي لك ما يسوؤك. فقال: يومٌ بيوم بدر والحرب سِجال، إنَّكم ستجدون مُثْلَةً لم آمُرْ بها ولم تَسُؤُّني. ثم أخذ يرتجز: أُعْلُ هُبَل، أُعْلُ هُبَل . فقال رسول الله وَ له: ألا تجيبوه؟ قالوا : ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجلُ. ثم قال: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسول الله وَّهِ. ألا تجيبوه؟ قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. أخرجه البخاري(١) . وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٢): فحدّثني الحُصَيْن بن عبدالرحمن، عن محمود بن عَمْرو بن يزيد بن السَّكَن، أنّ رسول الله وَلَه قال يوم أُحُد حين غَشِيه القوم: من رجل يشري لنا نفسه؟ فقام زياد (١) البخاري ٧٩/٤ و١٠٠/٥ و١٢٠ و١٢٦ و٤٨/٦، وهو عند أحمد ٢٩٣/٤ و٢٩٤، وأبي داود (٢٦٦٢). (٢) ابن هشام ٢/ ٨١. ٣٩٨ ابن السَّكَن في خمسةٍ من الأنصار، وبعض النّاس يقول: هو عمارة بن زياد بن السَّكَن، فقاتلوا دون رسول الله وََّ، رجلٌ ثم رجلٌ يُقْتَلون دونه، حتى كان آخرهم زياداً أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة. ثم فاءت من المسلمين فئةٌ فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله وَّةٍ: أَدْنُوه منّي. فَأَدْنوه منه، فوسَّده قَدَمَه، فمات وخدُّه على قدم رسول الله وَّ . وَتَرَّس دونَ رسولِ اللهِوَّه أبو دُجَانة بنفسه، يقع النَّبْلُ في ظهرِهِ، وهو مُنْحٍَ على رسول الله وَ﴾ حتى كثُرت فيه النَّبل(١). وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، وغيره، عن أنس، أنّ رسول الله وَّ أُفرد يوم أُحُدٍ في سبعةٍ من الأنصار ورجُلَين من قريش، فلما رَهِقُوه قال: مَنْ يَردُّهم عنَّا وله الجنّة، أو هو رفيقي في الجنّة؟ فتقدّم رجلٌ من الأنصار فقاتل حتى قُتل، وتقدّم آخر فقاتل حتى قُتِل. فلم يزل كذلك حتى قُتِل السَّبعة، فقال لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا. رواه مسلم(٢). وقال سُليمان الثَّيْمي، عن أبي عثمان، قال: لم يبق مع رسول الله ﴿َّ، في بعض تلك الأيام التي قاتَلَ فيهن غير طلحة بن عُبَيْدالله وسعد، عن حديثهما. مُتَّفقٌ عليه(٣) . وقال قيس بن أبي حازم: رأيت يد طلحة شلّء وَقَى بها النّبِيَّ لَّهِ، يعني يوم أُحُد. أخرجه البخاري (٤) . وقال عبدالله بن صالح: حدّثني يحيى بن أيّوب، عن عمارة بن غَزِيّة، عن أبي الزُّبَيْر مولى حكيم بن حزام، عن جابر قال: انهزم النّاس عن رسول الله و 8* يوم أُحُد، فبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار، (١) ابن هشام ٢/ ٨٢. (٢) مسلم ١٧٨/٥، وانظر المسند الجامع حديث (١٢٧١). (٣) البخاري ٢٧/٥ و١٢٤، ومسلم (٢٤١٤). (٤) البخاري ١٢٥/٥ . ٣٩٩ وطلحة بن عُبَيْد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون. فقال: ألا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة: أنا يارسول الله. قال: كما أنت يا طلحة. فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله. فقاتل عنه، وصعد رسول الله وَلّه ومن معه، ثم قُتِل الأنصاريّ فلحقوه فقال: ألا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة مثل قوله، وقال رسول الله وَّ مثل قوله ، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فأذِن له فقاتل ورسول الله وَله وأصحابه يصعدون، ثم قُتِل فلحقوه. فلم يزل رسول الله وسلم يقول مثل قوله ويقول طلحة: أنا فيحبسه. ويستأذنه رجل من الأنصار فيأذن له، حتى لم يبق معه إلّ طلحة، فغشوهما، فقال النّبيّ وَّ: مَن لهؤلاء؟ فقال طلحة: أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله، فقال: حَسِّ (١). فقال رسول الله بَّهِ: لو قلتَ بسم الله أو ذكرتَ اسمَ الله لَرَفَعَتْكَ الملائكةُ والنّاس ينظرون إليك حتى تلج بك في جوّ السماء. ثم صعد رسول الله وَله إلى أصحابه وهم مجتمعون. وقال عبدالوارث: حدثنا عبدالعزيز، عن أنس، قال: لما كان يوم أُحُد انهزم النّاس عن رسول الله وَله، وأبو طلحة بين يدي رسول الله وَال يُجَوِّبُ(٢) عنه بِحَجَفَةٍ معه. وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد التّزْع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة. وكان الرجل يمرّ بالجَعْبة فيها النَّبل فينثرها لأبي طلحة. ويشرفُ نبيّ الله وَلّ فينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة: يا نبيَّ الله، بأبي أنتَ وأمّي، لا تُشْرِفْ يُصيبُك(٣) سهمٌ من سهام القوم، نحري دون نَحْركَ. ولقد رأيتُ عائشةَ بنتَ أبي بكر، وأمَّ سُلَيْم وإنّهما (١) كلمة تقال عند الألم. (٢) أي: يُتَرِّسُ عليه. (٣) هكذا في الأصول والبخاري في رواية، وهو جائز على تقدير: كأنه قال مثلاً لا تشرف فإنه يصيبك، وإلا فإن الجادة ((يُصِبْك)) بسكون الموحدة على أنه جواب النهي، كما في رواية أبي ذر للبخاري. ٤٠٠