Indexed OCR Text
Pages 361-380
بنت النّبيّ وََّ فَتُؤُفِّيَت في العَشْر الأخير من رمضان يوم قدوم المسلمين المدينة من بدر، وضرب له النَّبيُّ وَّل بسهمه وأجره. ومن البدريّين: سعد بن أبي وقّاص. وأمّا سعيد بن زيد، وطلحة ابن عُبَيْد الله، فكانا بالشام، فقدما بعد بدر وأسهم لهما النّبيّ وَّل . الزُّبَير بن العوّام، أبو عَبَيْدة بن الجرّاح، عبدالرحمن بن عَوْف، حمزة بن عبدالمطلب، زيد بن حارثة، عُبيدة بن الحارث بن المطّلب، وأخواه: الطُّفَيْل، والحُصَيْن، وابن عَمّه: مِسْطح بن أُثَاثة بن عبّاد بن المطّلب، وأربعتهم لم يُعقبوا، مُصْعَب بن عُمَيْرِ العَبْدَرِي، المِقْداد بن الأسود، عبدالله بن مسعود، صُهَيْب بن سِنان، أبو سَلَمَةَ بن عبدالأسد، عمّار بن ياسر، زيد بن الخطّاب أخو عمر. ومن أعيان الأنصار، من الأوْس: سعد بن مُعَاذ. ومن بني عبدالأشهل: عبّاد بن بِشْر، محمد بن مسلمة، أبو الهيثم ابن التّيْهان . ومن بني ظفر: قَتَادة بن النُّعمان. ومن بني عَمْرو بن عَوْف: مبشِّر بن عبدالمنذر، وأخوه: رِفاعة. ولم يحضرها أخوهما أبو لُبَابة، لأنّ النّبيّ وََّ ردّه فاستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره. ومن بني النّجّار: أبو أيوب خالد بن زيد، عَوْف (١) ، ومُعَوَّذ، ومُعاذ، بنو الحارث ابن رِفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غَنْم بن عَوْف، وهم بنو عفراء، أُبَيُّ بن كعب، أبو طلحة زيد بن سهل، بلال مولى أبي بكر، عُبَادة بن الصّامت، مُعَاذ بن جبل الخَزْرَجي، عاصم بن ثابت بن أبي (١) وهم الناسخ فأضاف ((بن)) بين عوف ومعوذ. ٣٦١ الأقلح، عِتْبان بن مالك الخزرجي، عُكاشة بن مِحْصَن، كعب بن عَمْرو أبو اليَسَر السَّلَمي، مُعَاذ بن عَمْرو بن الجَمُوحِ. حَشَرَنَا الله في زُمْرتهم. وقد ذكرنا من استُشهد منهم. وقُتِل من المشركين : حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، وعُبيد بن سعيد بن العاص، وأخوه: العاص، وعُتبة، وشَيْبة، ابنا ربيعة، وولد عُتبة: الوليد، وعُقْبة ابن أبي مُعَيْطٍ، قُتِل صبْراً، والحارث بن عامر النَّوْفَلي، وابن عمّه طُعَيْمَة ابن عدِيّ، وزَمعة بن الأسود، وابنه: الحارث، وأخوه: عقيل، وأبو البَخْتَرِيّ بن هشام بن الحارث بن أسد - واسمه العاص - ونوفل بن خُوَيْلد أخو خديجة، والنَّضْر بن الحارث، قُتِل صبْراً بعد يومين، وعُمَيْر ابن عثمان القَيمي عمّ طلحة بن عبيد الله، وأبو جهل، وأخوه: العاص بن هشام، ومسعود بن أبي أُميّة المخزومي أخو أمّ سَلَمَة، وأبو قيس أخو خالد بن الوليد، والسّائب بن أبي السائب المخزومي، وقيل لم يُقْتَل، بل أسلم بعد ذلك، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، ومنبّه ونُبَيْه: ابنا الحَجّاجِ بن عامر السَّهمي، وولدا مُنبّه: الحارث(١)، والعاص، وأُمّيّة بن خَلَفَ الجُمَحي، وابنه: عليّ. وذكر ابن إسحاق(٢) وغيرُه سائرَ المقتولين، وكذا سمَّى الذين أُسروا. تركتُهُم خوفاً من التطويل. وفي رمضان: فرض الله صومَ رمضان، ونسخ فرضية يوم عاشوراء. وفي آخره: فُرِضت الفِطْرة. وفي شوّال: دخل النّبيُّ ◌َّل بعائشة، وهي بنت تسع سنين. (١) لم يذكر ابن إسحاق الحارث بن منبه ضمن القتلى من بني سهم (٧١٢/١-٧١٣) . (٢) ابن هشام ٧٠٨/١-٧١٥. ٣٦٢ وفي صفر: تُوُقِّي أبو جُبَيْرِ المُطْعم بن عَدِيّ بن نَوْفَل - ونوفل هو أخو هاشم بن عبدمَناف بن قُصَيّ - تُوُفّي مشرِكاً عن سنٍّ عالية، وكان من عقلاء قُريش وأشرافهم. وهو الذي قال رسول الله وَ﴾: لو كان المُطْعم ابن عَدِيّ حيّاً وكلّمني في هؤلاء النَّْنَى لأجبتُهُ. وكانت له عند النّبيّ ◌َِ يد، لأنّه قام في نقض الصحيفة . وفيها: تُوُفِّي أبو السّائب عثمان بن مظعون رضي الله عنه ابن حبيب ابن وهب بن حُذَافة بن جُمَح الجُمَحِي، بعد بدر بيسير. وقد شهدها هو وأخواه: قُدامة، وعبدالله . وعثمان هذا أحد السابقين، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة الهجرةَ الأولى، ولما قدم أجاره الوليد بن المغيرة أياماً. ثم ردّ على الوليد جواره. وكان صوَّاماً قوّاماً قانتاً لله . وفيها: تُؤُفِّي أبو سَلَمَةَ (ت ق)(١) عبدالله بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم رضي الله عنه، مَرْجِعَ رسول الله ◌ِصَّر من بدر. وهو ابن عمَّة النّبيّ وََّ وأخوه من الرضاعة، وأمّه بَرَّةُ بنت عبد المطّلب. من السابقين الأوّلين، شهد بدراً، وتزوَّجت أمّ سَلَمَة بعده بالنّبيّ وَّه وروت عنه القول عند المصيبة، وقيل تُؤُفِّي سنة ثلاثٍ بعد أُحُدٍ أو قبلها . وفيها: وُلد عبدالله بن الزُّبَيْر، بالمدينة، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومروان بن الحكم : بمكة. (١) يعني: أخرج حديثه الترمذي وابن ماجة. ٣٦٣ قصّة النَّجاشي ((من السِّيرة))(١) ثم إنَّ قُريشاً قالوا: إنَّ ثأرَنا بأرض الحبشة، فانتُدب إليها عَمْرو بن العاص، وابن أبي ربيعة . قال الزُّهْري: بلغني أنّ مخرجهما كان بعد وقعة بدر. فلما بلغ النّبيَّ نَّهَ مخرجهُما، بعث عَمْرو بن أُميّة الضَّمري بكتابه إلى النَّجَاشِيّ. وَقال سعيد بن المسيّب وغيره: فبعث الكفّار مع عَمْرو بن العاص، وعبدالله بن أبي ربيعة للنَّجاشي، ولعُظماء الحبشة هدايا. فلما قدِما على النجاشي قبل الهدايا، وأجلس عَمْرو بن العاص على سريره. فكلّم النّجاشيّ فقال: إنّ بأرضكم رجالاً منّا ليسوا على دينك ولا على ديننا، فادفعهم إلينا. فقال عُظماء الحبشة للنجاشيِّ: صدق، فادفعهم إليه. فقال: حتى أكلّمهم. قال الزُّهْرِي، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أمّ سَلَمَة، قالت: نزلنا الحبشةَ، فجاورنا بها خيرَ جارٍ، النّجَاشِيّ، أمِنَّا على ديننا وعَبَدْنا الله عَزَّ وجلَّ، لا نؤذَى ولا نسمع شيئاً نكرهُه. فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النّجاشيّ مع رجلين بما يُسْتَطْرَف من مكة. وكان من أعجب ما يأتيه منها: الأدم. فجمعوا له أدماً كثيراً، ولم يتركوا بطْرِيقاً عنده إلّ أَهْدوا له. وبعثوا عبدَالله بنَ أبي ربيعة، وعَمْرو بنَ العاص وقالوا: ادفعا إلى كل بَطْريقِ هديَّتَه قبل أنْ تُكَلِّما النَّجاشِيَّ. (١) ابن هشام ٣٣٢/١-٣٤١ . ٣٦٤ فقدِما، وقالا لكل بطريقٍ: إنّه قد ضوى(١) إلى بلد الملك منّا غِلْمان سُفَهاء، خالفوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا في دينكم. وقد بَعَثَنَا أشرافُنا إلى الملك ليردَّهم، فإذا كلّمناه فأشيروا عليه أن يسلِّمهم إلينا. فقالوا: نعم . ثم قرّبا هداياهما إلى النَّجاشيّ فقبلها، فكلّماه. فقالت بطارقتُه: صَدَقَا أيُّها الملك، قومهم أعلى بهم عَيْناً، وأعلم بما عابوا عليهم. فغضب النَّجاشيُّ، ثم قال: لاها الله أبداً، لا أرسلهم إليهم. قوم جاوروني ونزلوا بلادي، واختاروني على سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عمّا يقولون. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله مَ لّ. فلما جاء رسوله اجتمعوا، وقال بعضهم لبعض: ما تقولون إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما عَلَّمَنَا اللهُ، وأمرنا به نبيّنا، كائن في ذلك ما كان. فلما جاؤوه وقد دعا النَّجاشيُّ أساقفتَهُ، ونشروا مصاحفهم حوله، سألهم: ما هذا الدّين الذي فارقتم فيه قومَكم، ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحدٍ من المِلَل. قالت: فكلَّمه جعفر بن أبي طالب، فقال: أُيُّها الملكُ: كُنَّا قوماً أهلَ جاهليّة نعبد الأصنام ونأكل المَيْتَة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونُسيء إلى الجار ويأكل القويُّ منّ الضعيف. كنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منّ، نعرف نَسَبَه وصِدْقه وأمانته وعفافه، فدعا إلى الله لنعبده وحده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمَرَنا بصِدْق الحديثِ، وأداءِ الأمانة، وصلة الرَّحِم وحُسْن الجوار، والكَفِّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزُّور، وأكلٍ مال اليتيم، وقذف المُحْصنات، وأمرنا أنْ نعبدَ الله ولا نُشْرِكَ به شيئاً، (١) أي: لجأ وأوى. ٣٦٥ وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. وعَدَّ أمورَ الإسلام. قال: فصدَّقناهُ واتَّبعناه، فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، وآثرناك على مَنْ سِواكَ فرغبنا في جوارك، ورجَوْنا أن لا نُظلمَ عندك. قال: فهل معك شيء ممّا جاء به عن الله؟ قال جعفر: نعم. فقرأ: كَهِيعَصّ ﴾﴾ [مريم]. قالت: فبكى النَّجاشيُّ وأساقفته حتى أخضَلوا لحاهم، حين سمعوا القرآن. فقال النَّجاشيُّ: إنّ هذا والذي جاء به موسى لَيَخْرُجُ من مشكاةٍ واحدة. انطلقا، فوالله لا أُسلّمهم إليكما أبداً. قالت: فلما خرجنا من عنده، قال عَمْرو بن العاص: واللهِ لآتِيَّنْهُ غداً بما أستأصلُ به خضراءَهُم. فقال له ابن أبي ربيعة؛ وكان أتقى الرجُلَين فينا: لا تفعلْ، فإنَّ لهم أرحاماً، وإنْ كانوا قد خالفونا. قال: فَوَالله لأخبرنَّه أنّهم يزعمون أنّ عيسى عبد. قالت: ثم غدا عليه، فقال: أيّها الملك، إنّهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً. فأرسَلَ إلينا ليسألنا. قالت: ولم ينزل بنا مثلها . فقال: ما تقولون في عيسى؟ فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبيًُّا: عبدالله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فضرب النّجاشيُّ بيده إلى الأرض، وأخذ منها عوداً، وقال: ما عَدَا عيسى بن مريم ما قُلْتَ هذا المقدار. قال: فتناخرت(١) بطارقته حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم (١) أي: تكلموا بغضب ونفور. ٣٦٦ والله. ثم قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا آمنين. ما أحبّ أنّ لي دَبْر ذهب، وأنّي آذيت واحداً منكم - والدبر بلسان الحبشة: الجبل - رُدُّوا عليهما هديتهما، فلا حاجة لنا فيها، فَوَالله ما أخذ الله فِيَّ الرشوة فَآَخُذَ الرشوةَ فيه، وما أطاع النّاسَ فِيَّ فأطيعهم فيه. فخرجا من عنده مقبوحَيْن مردوداً عليهما ما جاءا به. قالت: فوالله إنَّا لعلى ذلك، إذْ نزلَ به رجلٌ من الحبشة ينازعه في مُلْكه، فَوَالله ما علمنا حُزْنًا قطّ أشدّ من حُزْنٍ حزنّاه عند ذلك، تَخَوُّفاً أنْ يظهر عليه مَنْ لا يعرف حقّنا. فسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل. فقال أصحاب رسول الله مثل : من يخرج حتى يحضر الوقعة ويخبرنا؟ فقال الزُّبير بن العوّام: أنا أخرج. وكان من أحدثِ القوم سِنّاً. فنفخوا له قِرْبةً فجعلها في صدره، وسبح عليها إلى النّاحية التي فيها الوقعة، ودعونا الله للنّجاشيِّ، فَوَالله إنّا لعلى ذلك، متوقّعون لما هو كائن، إذْ طلعَ علينا الزُّبير يسعى ويلوِّحُ بثوبه: ألا أبشروا، فقد ظهر النّجاشيُّ، وأهلك الله عدوَّه. فَوَالله ما علمنا فرحة مثلها قطّ . ورجع النّجاشيُّ سالماً، واستَوْسقَ له أمرُ الحبشة. فكنّا عنده في خيرِ منزلٍ، حتى قدِمْنا على رسول الله وَلَه بمكة. أخرجه أبو داود(١) من حديث ابن إسحاق عن الزُّهْري. وهؤلاء قدموا مكةَ، ثم هاجروا إلى المدينة، وبقي جعفر وطائفة بالحبشة إلى عام خَيْیر. وقد قيل إنّ إرسال قُريش إلى النَّجاشيّ كان مرَّتين، وأنّ المرَّة الثانية كان مع عَمْرو: عمارة بن الوليد المخزومي أخو خالد. ذكر ذلك (١) كذا قال، ولم نقف عليه عند أبي داود، ولكن أخرجه أحمد ٢٠١/١ و٢٩٠/٥، وابن خزيمة (٢٢٦٠)، وانظر المسند الجامع حديث (٣١٩١). ٣٦٧ ابن إسحاق أيضاً. وذكر ما دار لعَمْرو بن العاص مع عمارة بن الوليد من رمِْه إيّاه في البحر، وسَعْي عَمْروٍ به إلى النَّجَاشيِّ في وصوله إلى بعض حُرَمه أو خَدَمه، وأنّه ظهر ذلك في ظهور طيب الملك عليه، وأنّ الملك دعا بسحرةٍ فسحروه ونفخوا في إحليله. فتبرّر (١) ولزم البرّيّةَ، وهام، حتى وصل إلى موضع رام أهله أخذه فيه، فلما قَرُبُوا منه فاضت نفسُه فمات . وقال ابن إسحاق(٢) ، قال الزُّهري: حدّثت عُرْوَةَ بن الزُّبَير حديث أبي بكر عن أمّ سَلَمَة، فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله منّ الرّشوَة حين رَدَّ عليَّ مُلْكي فَاخذ الرشوة فيه، وما أطاع النّاسَ فيّ فأطيعهم فيه؟ قلت: لا. قال: فإنّ عائشة حدّثتني أنّ أباه كان ملك قومه، لم يكن له ولد إلّ النّجاشيّ. وكان للنّجاشيّ عمّ، له من صُلْبه اثنا عشر رجلاً، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة. فقالت الحبشة: لوأنّا قتلنا أبا النَّجاشيّ ومَلَّكْنا أخاه لتوارث بنوه مُلْكَه بعده، ولَبَقِيَت الحبشةُ دهراً. قالت: فقتلوه وملكوا أخاه. فنشأ النَّجاشيُّ مع عمّه. وكان لبيباً حازماً، فغلب على أمر عمّه. فلما رأت الحبشة ذلك قالت: إنّا نتخوَّف أنْ يملِّكه بعده، ولئن مُلِّك ليقتُلَنا بأبيه. فمشوا إلى عمّه فقالوا: إمّا أنْ تقتل هذا الفتى، وإمّا أنْ تخرجه من بين أظهُرِنا. فقال: وَيُلكم! قتلتُ أباه بالأمس، وأقتلُه اليوم؟ بل أُخْرِجه. قال: فخرجوا به فباعوه من تاجر بست مئة دِرْهَم. فانطلق به في سفينة. فلما كان العَشِيُّ، هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمُّه يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته. ففزعت الحبشةُ إلى ولده، فإذا هو مُحَمَّقٌ(٣) ليس في ولده خير. فَمَرَجَ (١) سلك طريق الطاعة. (٢) ابن هشام ٣٣٩/١ . (٣) أي: مَنْ خرج نسله حمقى أو حمق . ٣٦٨ على الحبشة أمرُهم وضاق عليهم ما هُمْ فيه. فقال بعضهم لبعض: تعلّموا، والله، أنّ ملككم الذي لا يقيم أمرَكم غيرُه لَلَّذِي بِعْتُم. قال: فخرجوا في طلبه وطلب الذي باعوه منه، حتى أدركوه فأخذوه منه. ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التّاجَ وأجلسوه على سرير المُلْك. فجاء التاجر فقال: إمّا أن تُعطوني مالي وإمّا أنْ أكلّمه في ذلك. فقالوا: لا نُعطيك شيئاً. قال: إذن والله أكلّمه. قالوا: فَدُونك. فجاءه فجلس بين يديه، فقال: أيّها الملك، ابتعت غلاماً من قوم بالسّوق بست مئة دِرْهم، حتى إذا سرت به أدركوني، فأخذوه ومنعوني دراهمي. فقال النّجاشيّ: لَتُعْطُنَّه غلامه أو دراهمه. قالوا: بل نُعطيه دراهمه . قالت: فلذلك يقول: ما أخذَ اللهُ منّي رشوةً حين ردّ عليَّ مُلْكي، فَآخذ الرشوةَ فيه. وكان ذلك أوّل ما خُبر مِنْ صَلابتِهِ في دينه وعَدْله. قال ابن إسحاق(١) : وحدّثني يزيد بن رومان، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: لما مات النّجاشيُّ كان يُتَحَدَّثُ أنّه لا يزال على قبره نور . قال: وحدّثني جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنّجاشيّ: إنّك فارقتَ ديننا، وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه، فهيّأ لهم سُفُناً، وقال: اركبوا فيها، وكونوا كما أنتم، فإنْ هُزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإنْ ظفرتُ فاثبُتُوا. ثم عمد إلى كتابٍ فكتب: هو يشهد أن لا إله إلّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله، ويشهدُ أنّ عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته. ثم جعله في قبائه (٢) وخرج إلى الحبشة، وصفّوا له، فقال: يا (١) ابن هشام ٣٤٠/١. (٢) نوع من الثياب تجتمع أطرافه، وهو من لباس الأعاجم. ٣٦٩ معشر الحبشة، ألستُ أحقّ النّاس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سِيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقتَ دينَنا وزعمتَ أنّ عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم؟ قالوا: هو ابن الله . فوضع يده على صدره، على قبائه، وقال: هو يشهد أنّ عيسى بن مريم. لم يزد على هذا شيئاً، وإنّما يعني على ما كتب. فرضوا وانصرفوا. فبلغ ذلك النّبيَّ نَّهِ، فلما مات صلّى عليه واستغفر له، رضي الله عنه، وإنّما ذكرنا هذا بعد بدرٍ استطراداً (١) ، والله أعلم. سريّةٍ عُمَيْر بن عَدِيّ الخَطْميّ ذكر الواقدي(٢) أن رسول الله وَ ل بعثه لخمس بقين من رمضان، إلى عصماء بنت مروان، من بني أُميّة بن زيد، وكانت تعيبُ الإسلامَ، وتُحرِّضُ على النّبِيِّ نَّهِ، وتقول الشعر، فجاءها عُمَيْر بالليل فقتلها غيلة . غزوة بني سُلَيم قال ابن إسحاق(٣): لم يُقِم رسول الله وَّل، مُنْصَرَفَه عن بدر بالمدينة، إلّ سبعة أيام. ثم خرج بنفسه يريد بني سُلَيْم، واستخلف على المدينة سِباعَ بن عُرْفُطَة الغِفاريّ، وقيل: ابنَ أمّ مكتوم. فبلغ ماءً يقال له: الكُدْر، فأقام عليه ثلاثاً، ثم انصرف، ولم يَلْقَ أحداً. (١) وقد تقدم خبر النجاشي قبل الهجرة أيضاً. (٢) المغازي ١/ ١٧٢ -١٧٤. (٣) ابن هشام ٢/ ٤٣-٤٤ . ٣٧٠ [سرِيّة سالم بن عُمَيْر لقتل أبي عَفَك](١) وذكر الواقدي(٢) أنّ أبا عَفَك اليهوديّ، كان قد بلغ مئة وعشرين سنة، وهو من بني عَمْرو بن عَوْف، كان يؤذي النّبِيَّ وََّ، ويقول الشِّعر، ويحرّض عليه. فانتدب له سالم بن عُمَيْر، فقتله غِيلةً، في شوّال منها . غزوة السّوِيق في ذي الحِجَّة قال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب: كان أبوسُفيان بن حرب، حين بلغه وقعةُ بدر، نَذَرَ أنْ لا يمسّ رأسَه دهنٌ ولا غُسْلٌ، ولا يقرب أهلَه، حتى يغزو محمداً ويحرق في طوائف المدينة. فخرج من مكة سرّاً خائفاً، في ثلاثين فارساً، ليحلّ يمينه. حتى نزل بجبلٍ من جبال المدينة يقال له: نبت(٣). فبعث رجلاً أو رجلين من أصحابه، وأمرهما أنْ يحرِّقا أدنى نَخْلٍ يأتيانه من نخل المدينة. فوجدا صَوْراً (٤) من صِيران نخل العُرَيْض. فأحرقا فيها وانطلقا، وانطلق أبو سُفيان مسرعاً. وخرج رسول الله وَله، حتى بلغ قَرْقَرَةَ الكُدْر(٥) ففاته أبو سُفيان، (١) هذا العنوان ليس في الأصل وضع للتوضيح. (٢) المغازي ١٧٤/١ -١٧٥ . (٣) هكذا مجودة في الأصول، وفي سيرة ابن هشام: ((ثيب))، وفي تاريخ الطبري ٤٨٤/٢: ((تيت)). (٤) الصَّوْرُ: جماعة النخل الصغار. (٥) موضع قرب المدينة. والقرقرة: أرض ملساء. والكدر: طير في ألوانها كدر عُرف بها ذلك الموضع. ٣٧١ فرجع(١) . وذكر مثلَ هذا ابنُ لَهِيعة عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، وقال: وركب المسلمون في آثارهم، فأعجزوهم وتركوا أزوادهم، فسُمِّيتْ غزوةُ أبي سفيان: غزوة السَّوِيق. وقال ابن إسحاق(٢): حدثني محمد بن جعفر بن الزُبير، ويزيد بن رومان، وحدّثني من لا أتّهم، عن عُبَيدالله بن كعب بن مالك، قالوا: لما رجع أبو سفيان إلى مكة، ورجع فَلُّ قريش من يوم بدر، نذر أن لا يمسّ رأسَه ماءٌ من جنابة حتى يغزوَ محمداً. فخرج في مئتي راكب، إلى أن نزل بجبل يقال له: نبت، على نحو بريد من المدينة. ثم خرج من اللّيل حتى أتى حُبَيّ بن أخطب، فضرب عليه بابه، فلم يفتح له وخافه. فانصرف إلى سلّم بن مِشْكَم، وكان سيّد بني النَّضير، فأذِن له وقَراه، وأبطن له من خبر النّاس. ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابَه، فبعث رجالاً، فأتوا ناحية العُرَيْض، فوجدوا رجلَين من المسلمين، فقتلوهما ورَدُّوا ونذر بهم النّاس. فخرج رسول الله وَّر في طلبهم، حتى بلغ قَرْقَرَة الكُدْر، ثم انصرف، وقد فاته أبو سُفيان وأصحابُه، قد رَمُوا زاداً لهم في جُرُبٍ، وسويقاً كثيراً، يتخفَّفون منها للنَّجاء. فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله *: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ فقال: نعم. قال: وذلك بعد بدر بشهرین . وفي هذه السنة: تزوّج عثمان بأم كلثوم، رضي الله عنهم. وفيها تزوّج عليّ رضي الله عنه بفاطمة الزهراء رضي الله عنها . (١) ابن هشام ٢/ ٤٤ . (٢) ابن هشام ٢/ ٤٤ . ٣٧٢ قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(١): حدّثني عبدالله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن (٢) عليّ رضي الله عنه، قال: خُطِبَتْ فاطمةُ إلى رسول الله وََّ، فقالت لي مولاةٌ لي: علمتَ أنَّ فاطمةَ خُطِبتْ إلى رسول الله وَليه؟ قلت: لا. قالت: فما يمنعك أن تأتيه فيزوِّجك؟ فقلتُ: وعندي شيء أتزوّج به؟ قالت: إنَّك إنْ جئته زوَّجك. قال: فَوَالله ما زالت تُرجِّيني، حتى دخلت على رسول الله وَّة، وكان لرسول الله وَل جلالة وهيبة، فأُفحِمْتُ، فَوَالله ما استطعت أنْ أتكلّم. فقال: ما حاجتك، ألَك حاجة؟ فسكتُّ. ثم قال: لعلّكَ جئتَ تخطب فاطمة؟ قلت: نعم. قال: وهل عندك من شيء تستحلّها به؟ فقلت: لا والله. فقال: ما فعلت درعٌ سلّحْتُكَها؟ فَوَالذي نفسُ عليٍّ بيده إنّها لحُطَمِيَّة ما ثمنها أربعة دراهم. فقلت: عندي. فقال: قد زوَّجْتُكَها، فابعث إليّ بها. فإنْ كانت لَصَدَاق فاطمة رضي الله عنها. وقال أيّوب، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: لما تزوّج عليٍّ فاطمة رضي الله عنهما، قال له النّبيُّ بَ لَّ: أعطِها شيئاً. قال: ما عندي شيء. قال: أين درعك الحُطَمِيَّة؟. أخرجه أبو داود(٣). وقال عطاء بن السّائب، عن أبيه، عن عليّ رضي الله عنه، قال: جهّز رسول الله وَّر فاطمة في خميل، وقربة، ووِسادة أَدَم حَشْوُها إذْخِر (٤) . (١) انظر: النسائي ١٢٩/٦، وأحمد ٨٠/١، والطبقات الكبرى ٢٠/٨ و٢١. (٢) ضبب المؤلف في هذا الموضع لأن مجاهداً لم يلق علياً رضي الله عنه. (٣) أخرجه أحمد ١ /٧٩، وأبو داود (٢١٢٥) و (٢١٢٧)، والنسائي ١٣٠/٦، وانظر المسند الجامع حديث (٦٤٥٣). (٤) أخرجه الحميدي (٤٤)، وأحمد ٨٤/١ و ٩٣ و١٠٤ و١٠٦ و١٠٨، وابن ماجة (٤١٥٢)، والنسائي ١٣٥/٦، وانظر المسند الجامع حديث (١٠١٣٥). ٣٧٣ وفيها: تُوُفِّي سعد بن مالك بن خالد بن ثَعلبة الخزرجيّ السّاعدي، والد سهل بن سعد. وكان تجهّز إلى بدر فمات قبلها في رمضان. فيقال: إنّ النّبِيّ ◌َِّ ضرب له بسهمه، وردَّه على وَرَثَتِهِ. وفيها: بعد بدر، تُوُفِّي خُنَيْس بن حُذَافة السَّهْمي، أحدُ المهاجرين، شهد بدراً. وَتأيَّمَتْ منه حفصة بنت عمر بن الخطّاب. وفي شوّال: بَنَّى النّبيُّ نَّهَ بعائشة رضي الله عنها، وعُمْرُها تِسْعُ سنين . ٣٧٤ ثُمَّ دَخَلَت سَنَةُ ثلاث ((غزوة ذي أَمَر)) في المحرَّم، غزا النّبيّ وَّ نَجْداً، يريد غَطَفان، واستعمل على المدينة عثمان، فأقام بنجْد صَفَراً كلَّه، ورجع من غير حرب. قاله ابن إسحاق(١) . وأمّا الواقدي(٢) فقال: كانت في ربيع الأول، وأنَّ غيبته أحدَ عشرَ يوماً. ثم روى عن أشياخه، عن التّابعين: عبدالله بن أبي بكر بن حزم، وغيره، قالوا: بلغ النّبيَّ نَّ أنّ جمعاً من غَطفان، من بني ثعلبة، بذِي أمَر، قد تجمّعوا يريدون أن يُصيبوا من أطراف المسلمين، والله أعلم. غزوة بُحْران قال ابن إسحاق (٣): أقام رسول الله وَّل بالمدينة، ربيع الأول. ثم غزا يريد قريشاً. قال عبدالملك بن هشام: فبلغ بُحْرانَ، مَعْدناً بالحجاز، فأقام هناك ربيع الآخر كلَّه، وجُمادَى الأولى. وبُحْران من ناحية الفُرْع. ثم رجع ولم يلق كيداً. (١) ابن هشام ٢ / ٤٦. (٢) المغازي ١/ ١٩٣. (٣) ابن هشام ١٤٦/٢. ٣٧٥ وقال الواقدي(١): غزا النّبيّ نَّ بني سُلَيْم ببُحْران، لِسِتَّ خَلَوْن من جُمادَى الأولى. وبُحْران من ناحية الفُرْع بينها وبين المدينة ثمانية بُرُد. فغاب عشرَ ليالٍ. وكان بلغه أنّ بها جمعاً من بني سُلَيْم، فخرج في ثلاث مئة، واستخلف ابنَ أمّ مكتوم. الفُرْع: بضم الفاء وسكون الراء بين مكة والمدينة . غزوة بني قَيْنُقَاع - مثلث النون- ذكرها ابن إسحاق(٢) هكذا، بعد غزوة الفُرْع. وأما الواقديّ، فقال(٣): كانت يوم السبت نصف شوّال، على رأس عشرين شهراً من الهجرة. فحاصرهم إلى هلال ذي القعدة. وقال البكّائي: قال ابن إسحاق(٤): ومن حديثهم أنّ رسول الله وَّل جمعهم بسوق بني قَيْنُقاع، ثم قال: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النِّقمة، وأسْلِموا فإنّكم قد عرفتم أنّي نبيٌّ مُرْسَل، تجدون ذلك في كتابكم وعَهْدِ الله إليكم. قالوا: يا محمد، إنّك تُرَى(٥) أنّا كقومك؟ لا يغرَّنَّك أنَّك لقيت قوماً لا عِلْمَ لهم بالحرب، فأصبتَ منهم فرصة. إنّا والله لو حاربتنا لتعلمنَّ أنّا نحنُ الرجال. عن ابن عباس، قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلّ فيهم ﴿قُل لِلَّذِينَ (١) المغازي ١/ ١٩٦ . ابن هشام ٢/ ٤٧ . (٢) (٣) المغازي ١٧٦/١ . (٤) ابن هشام ٢/ ٤٧ . (٥) هكذا جَوّد البشتكي ضبطها عن المؤلف، وفي المطبوع من السيرة: تَرَى. ٣٧٦ كَفَرُوْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ(٠)﴾ [آل عمران] الآيتين. وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة: أنّ بني قَيْنُقاع كانوا أوّل يهودٍ نقضوا وحاربوا فیما بین بدر وأُحُد. قال: وعن أبي عَوْن، قال: كان أمر بني قَيْنُقَاعِ أنَّ امرأةً من العرب قدمت بجَّلَبِ لها فباعته بسُوقهم، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فلم تفعل، فعمد الصّائغ إلى طَرَف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سَوْءتُها فضحكوا، فصاحت، فوثب رجلٌ من المسلمين على الصّائغ فقتله، فشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه، فأغضَبَ المسلمين ووقع الشَّرُّ. وحدّثني عاصم، قال: فحاصرهم رسولُ اللهِ وَلّ حتى نزلوا على حُكْمِه. فقام إليه عبدالله بن أُبِّيّ بن سَلُول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في مَوَاليَّ. فأعرض عنه، فأدخل يده في جَيْبِ درعِ رسولِ الله وَّة، فقال له رسول الله وَلل: أرسِلْني، وغضب، أرسلني، وَيْحَك. قال: والله لا أرسلك حتى تحسن في مَوَاليَّ: أربع مئة حاسر، وثلاث مئة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداةٍ واحدة، إنّي والله امرؤٌ أخشى الدوائر. فقال رسول الله وَّر: هم لك. وحدّثني أبي إسحاقُ(١)، عن عُبَادة بن الوليد، قال: لما حاربتْ بنو فَيْنُقَاعِ رسولَ اللهِوََّ، تشبّث بأمرهم ابنُ سَلُول وقام دونَهم. قال: ومشى عُبَادةُ بن الصّامت إلى رسولِ اللهِّل، وكان أحدَ بني عَوْف، لهم من حِلْفه مِثْلُ الذي لابن سَلُول، فجعلهم إلى رسولِ الله وَلَه، وتبرّأ إلى الله ورسوله من حِلْفِهم، وقال: أتولّى الله ورسولَه والمؤمنين، فنزلت فيه وفي ابن سَلُول: ﴿﴿ يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ (١) ابن هشام ٢/ ٤٩ . ٣٧٧ وَالنَّصَرَىّ أَوْلِيَةٌ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ (٥٦)﴾ إلى قوله ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾ إلى قوله ﴿إِنََّا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَلَّذِينَ ءَامَنُوْ الْه﴾ [المائدة]، وذلك لتولّي عبادة اللهَ ورسولَه (١). وذكر الواقديّ (٢): أنّ النّبيّ وَلَّ حاصرهم خمسَ عشرةَ ليلةً، إلى هلال ذي القِعدة. وكانوا أوّل من غدر من اليهود، وحاربوا حتى قذف الله في قلوبهم الرُّعْب، ونزلوا على حُكْمه، وأنّ له أموالهم. فأمر وَلـ بهم فكُتِّعُوا ، واستعمل على كتافهم المنذر بن قُدامة السَّلْمي، من بني السَّلْم، فكلّم عبدالله بن أَبَّ فيهم رسولَ اللهِ وََّ، وألحَ عليه. فقال: خُذْهم. وَأمر بهم أن يُجْلوا من المدينة، وولِيَ إخراجَهم منها عُبَادةُ بن الصّامت، فلحقُوا بأذْرِعات، فما كان أقلّ من بقائهم فيها. وتولّى قبضَ أموالهم محمدُ بن مَسْلَمة، ثم خُمِّسَتْ، وأخذ النّبيّ ◌ََّ من سلاحهم ثلاثةَ أسياف، ودِرْعَين، وغير ذلك. غزوة بني النَّضِير قال مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن عُرْوَة: كانت غزوة بني النَّضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستّة أشهر من وقعة بدر. وكانت منازلهم ونخْلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله وَلّ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أنَّ لهم ما أقلَّت الإبلُ إلّ السّلاح، فأُنزلتْ ﴿هُوَ اَلَِّىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَِّهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ ٣﴾ [الحشر] الآيات. فأجلاهم إلى الشّام، وكانوا من سِبْط لم يُصبهم جلاء. وكان الله قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لَعَذَّبهم في الدنيا بالقتل والسَّبي. (١) ابن هشام ٤٩/٢ - ٥٠. (٢) المغازي ١٧٦/١ -١٨٠. ٣٧٨ وقوله: ﴿لِأَوَّلِ الْخَشْرِّ﴾، فكان جلاؤهم ذلك أوّلَ حشرٍ في الدنيا إلى الشام. ويرويه عُقَيْل عن الزُّهْري، قوله. وأسنده زيد بن المبارك الصَّنَعاني، قال: حدثنا محمد بن ثَوْر، عن مَعْمر، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة. وذِكْرُ عائشةَ فيه غيرُ محفوظ . وقال ابن جُرَيْج، عن موسى بن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ يهود بني النَّضير، وقُرَيْظَة حاربوا رسول الله وَّرَ، فأجلى بني النَّضير، وأقرَّ قُرَيْظة ومَنَّ عليهم، حتى حاربوا بعد ذلك. أخرجه البخاري(١). وقال مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن رجلٍ من أصحاب النّبِّ وََّ، أنّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كتبوا إلى ابن أُبُّ ومَن كان يعبد معه الأوثانَ من الأوس والخزرج قبلَ وقعة بدر: إنّكم آويتم صاحبَنَا، وإنّا نُقسم بالله لتقاتلُنَّه أو لَتُخْرِجُنَّه أو لَنَسِيرنَّ إليكم بجمْعنا حتى نقتلَ مقاتلكم ونَستبيحَ نساءكم. فلما بلغ ذلك عبدالله بن أُبَّيّ وأصحابه، اجتمعوا لقتال رسول الله ربَّر، فبلغه ذلك فلقيهم فقال: لقد بلغ وعيدُ قريش منكم المبالغَ، ما كانت تكيدكم بأكثر ممّا تريدون أنْ تكيدوا به أنفُسَكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟ فلما سمعوا ذلك تفرَّقوا. فبلغ ذلك كفَّارَ قُريشٍ فكتبوا، بعد بدر، إلى اليهود: إنّكم أهل الحَلْقَةِ (٢) والحِصْن وإنّكم لتقاتلُنَّ صاحَبنا أو لَنَفْعَلَنَّ كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خَدَم نسائكم شيء. وهي الخلاخيل. فلما بلغ كتابُهُم للنبي وَّةِ، أجمعت بنو النَّضِير بالغدر، وأرسلوا إلى النَّبِيّ بَِّ: اخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك، ولْيَخْرُجْ منّا (١) البخاري ١١٢/٥. (٢) أي: أهل السلاح. ٣٧٩ ثلاثون حَبْراً، حتى نلتقي بمكان المَنْصَف(١) ، فيسمعوا منك، فإنْ صدَّقوا وَآمنوا بك آمنّا بك. فقصّ خبرَهم. فلمّا كان الغد، غدا عليهم رسولُ اللهِ وَّهَ بالكتائبِ فَحَصَرهم، فقال لهم: إنّكم والله لا تأمنونَ عندي إلّ بعهدٍ تُعاهدوني عليه. فأبوا أنْ يُعطوه عهداً، فقاتَلَهم يومهم ذلك. ثم غدا على بني قُرَيْظة بالكتائب، وترك بني النَّضِير، ودعاهم إلى أنْ يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم. وغدا إلى بني النَّضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء. فجلت بنو النَّضير، واحتملوا ما أقلَّت الإبلُ من أمتعتهم وأبوابهم وخشبهم. فكان نخل بني النَّضير لرسول الله وَّهِ خاصّة، أعطاه الله إيّاها، فقال: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ (فَ﴾﴾ [الحشر]، يقول: بغير قتال. فأعطى النّبيُّ ◌َل﴿ أكثرها المهاجرينَ وقسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار كانوا(٢) ذوي حاجة. وبقي منها صدقة رسول الله وير التي في أيدي بني فاطمة رضي الله عنها . وذهب موسى بن عُقبة، وابنُ إسحاق إلى أنّ غزوة بني النَّضِير كانت بعد أُحد، وكذلك قال غيرهما. ورواه ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة. وهذا حديث موسى وحديث عُرْوة: إنّ رسول الله وَّ خرج إلى بني النَّضير يستعينهم في عَقل الكلابيّين. وكانوا - يزعمون - قد دَسّوا إلى قريش حين نزلوا بأحُدٍ لقتال رسول الله وَلَرَ، فحضُوهم على القتال ودُّوهم على العَوْرة. فلما كلَّمهم رسولُ اللهِ وَّ في عقل الكلابيّين، (١) كتب على هامش الأصل: ((أي: نصف الطريق)). (٢) هكذا في النسخ. ٣٨٠