Indexed OCR Text
Pages 281-300
قال: مكث رسول الله وَّ بمكة ثلاث عشرة، وتُؤُفِّي وهو ابن ثلاثٍ وستّين. مُتَّفَقٌ عليه(١) . وقال سُفْيان بن عُيَيْنَة: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عجوزٍ لهم، قالت: رأيت ابنَ عباس يختلف إلى صِرْمة بن قيس (٢) الأنصاري، کان یروي هذه الأبيات : يُذكِّرُ لو أَلْفى صديقاً مُواتيا ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عشرةَ حِجَّةً فلم يَرَ مَنْ يُؤْوِي ولم يَرَ دَاعيا ويَعرِضُ في أهل المواسمِ نفسَهُ وأصبحَ مسروراً بطيبةً راضِيا فلمّا أتانا واطمأنت به النوى بعيدٍ ولا يخشى من النّاس راعيا وأصبحَ ما يَخْشَى ظُلامةَ ظالم وأَنْفُسَنا عند الوَغَى وَالتّاسِيَا بَذَلْنا له الأموالَ من جُلِّ مالِنَا جميعاً وإنْ كان الحبيبَ المواسيا نُعادِي الذي عَادَى من النّاس كلّهم وأن كتاب الله أصبح هاديا (٣) ونَعْلَمُ أنّ الله لا شيءَ غيره وقال عبدالوارث: حدثنا عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنس قال: أقبل نبي الله وََّ إلى المدينة، وهو مُرْدِفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعْرَف، ونبيّ اللهَ وَّ شابٌّ لا يُعْرف - يريدُ دخولَ الشَّيْبِ في لِحْيَته دونه لا في السِّنّ - قال أنس: فيلقى الرجلُ أبا بكرٍ فيقول: يا أبا بكر مَنْ هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا رجلٌ يهديني السّبيلَ. فيحسِب الحاسِب أنّه يعني الطّريق، وإنّما يعني طريق الخير. فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا نبي الله هذا فارس قد لَحِق، فقال: ((اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ)). فصرعه فرسُه، ثمّ قامت تُحَمْحِم. فقال: يا نبيّ الله مُرني بمَ شئتَ. قال: ((تقف مكانَكَ لا تتركنَّ أحداً يلحق بنا)). قال: فكان أوّل النّهار جاهداً على (١) البخاري ٧٣/٥، ومسلم ٨٨/٧. (٢) انظر الإصابة لابن حجر ٤٢٢/٣ -٤٢٣ . (٣) ابن هشام ١ / ٥١٢ . ٢٨١ رسول الله ◌َّ وآخر النّهار مَسْلَحَةً له، فنزل رسول الله وَّ جانب الحَرَّة، وأرسل إلى الأنصار، فجاؤوا رسولَ الله، فسلّموا عليهما. فقالوا: اركبا آمنَيْن مُطاعَيْن. فركِبا وحَقُّوا حولهما بالسّلاح، فقيل في المدينة: جاء رسول الله، جاء رسول الله. وأقبل حتى نزل إلى جانب بيت أبي أيّوب، قال: فإنّه لَيُحَدِّث أهلَه إذْ سمع به عبدالله بنُ سلام وهو في نخْلٍ لأهله، يخترف لهم منه، فعجّل أن يضع التي يَخْتَرف فيها فجاءه وهي معه، فسمع من نبي الله وَّر، ثم رجع إلى أهله، فقال رسول الله وَ ير: ((أيّ بيوت أهلِنا أَقْرَب))؟ فقال أبو أيّوب: أنا يا نبي الله هذه داري، قال: ((اذهب فَهَيِّءْ لنا مَقِيلاً)). فذهب فَهَّأ لهما مَقِيلاً، ثم جاء فقال: يا نبي الله قد هَيَّأْتُ لكما مَقِيلاً، قُوما على بركة الله فَقِيلا. فلما جاء نبيّ اللهَ وََّ، جاء عبدالله بن سَلَاَم، فقال: أَشْهَدُ أنّك رسول الله حقّاً، وأنّك جئت بحقّ، ولقد علمتْ يهود أنّي سَيِّدُهم وأَعْلَمُهم. وذكر الحديث. أخرجه البخاري(١) . (١) البخاري ٨٠/٥. كتب المؤلف بعد هذا: ((وقد تقدم من سيرته ويلية ومغازيه في العشر سنين التي لبث فيها بالمدينة ما فيه مغنى إن شاء الله تعالى)). ثم كتب في حاشية الأصل: ((من شاء من الإخوان أن يُفرد الترجمة النبوية، فليكتب إذا وصل إلى هنا جميع ما تقدم من كتابنا ((تاريخ الإسلام)) في السفر الأول بلا بد، وليفعل فإن ذلك حسن، ثم يكتب بعد ذلك ((فصل في معجزاته)) إلى آخر الترجمة النبوية))، واستناداً إلى هذا رتبنا السيرة كما أراد المؤلف. وقد يجد القارىء في الصفحات الآتية بعض الروايات القليلة التي ذُكرت قبل قليل، ولم نر بأساً في ذلك حفاظاً على النص. ٢٨٢ السَّنَة الأولى مِنَ الهِجْرَة روى البخاري في صحيحه(١) من حديث الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة أنّ المسلمين بالمدينة سمعوا مَخْرَج رسول الله وَر. فكانوا يَغْدُون إلى الحَرّةِ(٢) ينتظرونه، حتى يَرُدَّهم حَرُّ الشّمس، فانقلبوا يوماً، فأوْفى يهوديٌّ على أُطُم(٣) فَبَصُرَ بِرسولِ اللهِ وَّهِ وأصحابه مُبَيِّضين يَزُولُ بهم السَّراب، فأخبرني عُرْوَةُ أنَّ رسولَ اللهِ وَّرُ لقي الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ من المسلمين كانوا تُجّاراً قافلين من الشّام. فكسا الزُّبَيْرُ رضي الله عنه رسولَ اللهِ وََّ وأبا بكرٍ ثيابَ بياضٍ. قال: فلم يملك اليهوديُّ أنْ صاحَ، يا مَعْشَر العربِ، هذا جدُّكُمُ (٤) الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السِّلاح. فتلقَّوه بظهرِ الحَرَّة، فَعَدَلَ بهم ذاتَ اليمين حتى نزل في بني عَمْرو بن عَوْف يوم الإثنين من ربيع الأول. فقام أبو بكر للنَّاس فطفِق مَنْ لم يعرف رسولَ الله وَّهِ يسلم على أبي بكر حتى أصابت الشمسُ رسولَ اللهِ وَّ، فأقبل أبو بكر يُظِلُّه بردائِه، فعرفَ الناسُ عند ذلك رسولَ اللهِ بِّهِ. فَلْبِثَ في بني عَمْرو بن عَوْفٍ بضْعَ عشرةَ ليلة، وأسَّس مسجدهم. ثم ركب راحلته وسار حوله النّاسُ يمشون، حتى بركت به مكانَ المسجد، وهو يصلِّ فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمين - وكان مِرْبَداً (١) البخاري ٧٣/٥-٧٨ بتصرف في النص على عادة المؤلف رحمه الله. (٢) موضع بقرب المدينة يُعرف بحرَّة واقم. (٣) أي: حصن. (٤) أي: حَقُّكم وصاحب دولتكم. ٢٨٣ السَهْلٍ وسُهَيْل - فدعاهما فساومهما بالمِرْبَد ليتَّخذه مسجداً، فقالا: بل نَهَبُّهُ لكَ يا رسولَ الله. ثم بناه مسجداً، وكان ينقل اللَّبِنَ معهم ويقول: هذا أَبَرُّ - ربَّنا - وأظْهَرْ هذا الحِمَالُ، لا حِمَالَ خَيْبَرْ ويقول : فارْحَم الأنصارَ والمُهاجِرَهْ اللَّهُمَّ إنّ الأجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ وخرّج البخاريُّ من حديث أبي إسحاق عن البَرَاء حديثَ الهِجرة بطُوله(١) . وخرّج من حديث عبدالعزيز بن صُهَيْب عن أنس قال: أقبل النّبيُّ وََّ إلى المدينة وهو مُرْدِفٌ أبا بكر. وأبو بكر شيخٌ يُعرَف، والنَّبِيُّ وَّ شابٌّ لا يُعْرَف، فَيَلْقَى الرجلُ أبا بكرٍ فيقول: مَنْ هذا بين يديك؟ فيقول: رجلٌ يَهديني الطَّريقَ، وإنّما يعني طريقَ الخير إلى أن قال: فنزل رسولُ الله ◌َّ جانب الحَرَّة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤوا إلى النَّبيِّ وَه، فسلَّمُوا عليهما، وقالوا: اركبا آَمِنَيْنِ مُطَاعَيْنٍ. فركبا، وحَقُّوا دُونَهما بالسِّلاح. فقيل في المدينة: جاء نبيُّ الله، جاء نبيُّ الله، فأقبل يسيرُ حتى نزلَ إلى جانبٍ دارِ أبي أيّوب، وذكر الحديث(٢). ورَوَيْنا بإسنادٍ حَسَنٍ، عن أبي البَدَّاحِ بن عاصم بن عدِيّ، عن أبيه قال: قدم رسولُ الله ◌َّه المدينةَ يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خَلَت من ربيع الأول، فأقام في المدينةِ عشرَ سنين. وقال محمد بن إسحاق: فقدِم ضُحَى يوم الإثنين لاثنتي عشرة خَلَت من ربيع الأول، فأقام في بني عَمْرو بن عوف؛ فيما قيل؛ يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم ظعن يومَ الجمعة، فأدركته (١) البخاري ٧٨/٥. (٢) البخاري ٧٩/٥. ٢٨٤ الجمعةُ في بني سالم بن عَوْف، فصلَّها بمَنْ معه. وكان مكان المسجد؛ مِرْبَداً لغُلامين يتيمين، وهما سَهْلٌ وسُهَيْل ابنا رافع بن عَمْرو من بني النّجّار فيما قال موسى بن عقبة، وكانا في حِجْر أسعد بن زرارة. وقال ابن إسحاق(١) : كان المِرْبَد لسَهْلٍ وسُهَيْلٍ ابني عَمْرو، وكانا في حِجْر مُعاذ بن عَفْراء. وغلط ابن مَنْدَة فقال: كان لسَهْلٍ وسُهَيلٍ ابنَيْ بيضاء، وإنّما ابنا بيضاء من المهاجرين . وأسّس رسولُ اللهِ وَّر في إقامته ببني عَمْرو بن عَوْف مسجدَ قُباء. وصلّى الجمعةَ في بني سالم في بطن الوادي. فخرج معه رجال منهم، وهم: العبّاس بن عبادة، وعِثْبان بن مالك، فسألوه أن ينزل عندهم ويقيم فيهم، فقال: خَلُّوا النّاقَةَ فإنَّها مأمورة. وسار والأنصارُ حولَهُ حتى أتى بني بياضة، فتلقَّه زياد بن لَبِيد، وفَرْوَة بن عَمْرو، فَدَعوه إلى النّزول فيهم، فقال: دعوها فإنّها مأمورة. فأتى دُورَ بني عدِيّ بن النَّجَّار؛ وهم أخوالُ عبدالمطلب؛ فتلّقاه سَليط بن قيس، ورجالٌ من بني عدِيّ، فدعوه إلى النُّزولِ والبقاء عندهم، فقال: دَعوها فإنّها مأمورة. ومشى حتى أتى دُورَ بني مالك بن النَّجَّار، فَبَرَكت النّاقةُ في موضع المسجد، وهو مِرْبَدُ تَمْرٍ لِغُلامَيْنِ يَتَيمَيْن. وكان فيه نخلٌ وخِرَب(٢) ، وقبور للمشركين. فلم ينزل عن ظهرها، فقامت ومشت قليلاً، وهو (وَلَةٍ لا يَهِيجُها، ثم التفت فكرَّتْ إلى مكانها وَبَرَكَتْ فيه، فنزل عنها. فأخذ أبو (١) ابن هشام ١/ ٤٩٤ - ٤٩٦ . (٢) في نسخة: ((وحرث))، وما أثبتناه من نسخة البشتكي، ويعضده ما في الصحيحين، وقال النووي: ((هكذا ضبطناه بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء. قال القاضي: رويناه هكذا، ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو ما تَخَرَّبَ من البناء)) . ٢٨٥ أيّوب الأنصاريُّ رَحْلها فحمله إلى داره. ونزل النّبيُّ بَّر في بيتٍ من دار أبي أيّوب. فلم يزل ساكناً عند أبي أيّوب حتى بنَى مسجدَه وحُجَرَهُ في المِرْبَد. وكان قد طلب شراءه فأبت بنو النَّجَّار من بَيْعِه، وبذلوه لله وعَوَّضُوا اليتيمَيْن. فأمر بالقبور فَنُبشتْ، وبالخِرَب فسُوِّيتْ. وبنى عِضَادَتيه بالحجارةِ، وجعل سَوَارِيه من جُذُوعِ النَّخْلِ، وسَقَفَهُ بالجَرِيدِ، وعَمِلَ فيه المسلمون حِسْبَةً . فمات أبو أُمامة أسعد بن زُرَارة الأنصاريّ تلك الأيام بالذُّبَحَة . وكان من سادة الأنصار ومن نُقَبائهم الأبرار. ووَجَد النبيُّ نَلَهُ وَجْداً لموته، وكان قد كَوَاهُ. ولم يجعل على بني النَّجَّار بعده نقيباً وقال: أنا نقیبکم. فکانوا یفخرون بذلك. وكانت يَثْرِب لم تُمَصَّر، وإنّما كانت قُرىّ مُفَرَّقة: بنو مالك بن النّجّار في قرية، وهي مثل المَحِلَّة، وهي دار بني فُلان. كما في الحديث: ((خيْرُ دُورِ الأنصار دارُ بني النّجّار))(١) . وكان بنو عدِيّ بن النّجّار لهم دارٌ، وبنو مازن بن النَّجَّار كذلك، وبنو سالم كذلك، وبنو سَاعدة كذلك، وبنو الحارث بن الخَزْرِج كذلك، وبنو عَمْرو بن عَوْف كذلك، وبنو عبدالأشهل كذلك، وسائر بُطُون الأنصار كذلك. قال النَّبِيُّ وَّ: ((وفي كلِّ دُور الأنصارِ خيرٌ))(٢). وأمر عليه السّلام بأنْ تُبْنَى المساجدُ في الدُّور. فالدّار - كما قلنا - هي القرية. ودار بني عَوْف هي قُباء. فوقع بناء مسجده بَّ في بني مالك ابن النَّجَّار، وكانت قريةً صغيرة. (١) طرف من حديث أبي حميد الساعدي، أخرجه أحمد ٤٢٤/٥، والدارمي (٢٤٩٨)، والبخاري ١٥٤/٢ و٢٦/٣ و١١٩/٤ و٤١/٥ و٩/٦، ومسلم ١٢٣/٤ و٦١/٧، وأبو داود (٣٠٧٩)، وابن خزيمة (٢٣١٤). (٢) هو طرف من الحديث السابق. ٢٨٦ وخرّج البخاري(١) من حديث أنس أنَّ النَّبِيَّ وَّ نزل في بني عَمْرو ابن عَوْف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة. ثم أرسل إلى بني النَّجَّار فجاؤوا . وآخى في هذه المدّة بين المهاجرين والأنصار. ثم فُرضت الزكاة. وأسلم الحَبْر عبدالله بن سلام، وأُناسٌ من اليهود، وكَفَرَ سائرُ اليهود. (١) البخاري ٥/ ٨٦. ٢٨٧ . قصّة إسلام ابن سَلام قال عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنَس، قال: جاء عبدالله بن سلام فقال: أَشْهد أنّك رسولُ الله حقّاً. ولقد علمت يهودُ أنّي سيِّدُهُم وابن سيّدِهِم، وأعْلَمُهُم وابنُ أعلمِهِم، فادْعُهم فَسَلْهُمْ عنّي قبل أن يعلموا أنّي قد أسلمتُ. فأرسل إليهم فأتَوْا، فقال لهم، يا مَعْشَرَ يهود، وَيْلَكم اتّقوا الله، فَوَالذي لا إله إلّ هو إنّكم لَتَعْلَمون أنِّي رسولُ الله فأسْلِمُوا. قالوا: ما نَعْلَمُه، فأعادَ ذلك عليهم ثلاثاً. ثم قال: فأيُّ رجلٍ فيكم عبدالله بن سَلام؟ قالوا: ذاك سيِّدُنا وابن سيِّدِنا، وأعلمُنَا وابن أعلَمِنا. قال: أفرأيتم إنْ أسْلَم؟ قالوا: حاش لله، ما كان ليُسْلمَ. قال: يا ابن سَلام آخْرُج عليهم فخرجَ عليهم، فقال: ويلكم اتَّقُوا الله، فوَالذي لا إله إلّ هو إنّكم لَتَعْلَمون أنّه رسولُ الله حقّاً، قالوا: كَذَبْتَ. فأخرجهم رسولُ اللهِ وَلّ. أخرجه البخاريُّ بأطْول منه(١). وأخرج من حديث حُمَيْد عن أنَس(٢)، قال: سمع عبدُالله بن سَلام بِقُدُوم رسولِ الله ◌ََّ، وهو في أرضٍ، فأتى النّبِيَّ وَّ فقال: إنّ سائِلُك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلّ نبيٌّ: ما أولُ أشراطِ السّاعة؟ وما أولُ طعام أهلٍ الجنّة؟ وما يَنْزَعُ الولَدَ إلى أبيِهِ أو إلى أُمَّه؟ قال: أخْبَرَني بهنَّ حِبْرِيلُ آنفاً. قال: ذاك عدوُّ اليهودِ من الملائكة. قال: ثم قرأ ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ (٢)﴾ [البقرة]. أمّا أوّلُ أشراط السّاعة، فنارٌ تخرجُ على النّاس من المشرقِ إلى المغرب. وأمّا أوّلُ طعام يأكله أهلُ الجنّة فزيادةُ كبِدِ حُوتٍ. وإذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة نَزَعَ الولدُ (١) البخاري ٧٩/٥-٨٠. (٢) البخاري ٨٨/٥-٨٩. ٢٨٨ -- إلى أبيه، وإذا سبقَ ماءُ المراة نزع إلى أمِّه. فتشهّد وقال: إنَّ اليهود قومٌ بُهْت، وإنّهم إنْ يعلموا بإسلامي قبل أنْ تسألهم عنّي بَهَتُّوني. فجاؤوا، فقال: أيُّ رجلٍ عبدُ الله بن سَلَام فيكم؟ قالوا: خيرُنا وابنُ خيرنا، وسيّدُنا وابن سيِّدِنا. قال: أرأيتم إنْ أسلم؟ قالوا: أعاده اللهُ من ذلك. فخرج فقال: أشهد أنْ لا إله إلّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله. فقالوا: شَرُّنا وابنُ شَرِّنا، وتَنَقَّصُوه. قال: هذا الذي كنت أخافُ يا رسولَ الله. وقال عَوْف الأعرابيُّ، عن زرارة بن أوْفَى، عن عبدالله بن سَلام قال: لما قَدِمَ رسولُ اللهِ وََّ المدينةَ انْجَفَل النّاسُ قِبَله، قالوا: قدم رسولُ اللهِ وَلَهِ. فجئتُ لأنظرَ، فلما رأيتُه عرفتُ أنَّ وجهه ليس بوجهِ كَذَّابٍ. فكان أوّلُ شيءٍ سمعتُه منه أنْ قال: أيُّها النّاس، أطْعِموا الطّعام، وأفْشُوا السّلام، وصِلُوا الأرحامَ، وصَلُّوا بالليّل والنّاسُ نِيام، تدخُلُوا الجنّة بسلام. صحيح(١) . وروى أسباطُ بن نصر، عن الشُّدِّيِّ، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن ابن عبّاس؛ وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النّبِيِّ نََّ في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ ج [البقرة]؛ قال: كانت العرب تَمُرُّ باليهود فيُؤْذُونَهم. وكانوا يجدون محمّداً في الثَّوْراة، فيسألون اللهَ أن يبعثه فيقاتلون معه العربَ. فلمّا جاءهم ما عَرَفُوا كفروا به حين لم يَكُنْ من بني إسرائيل. (١) أخرجه أحمد ٤٥١/٥، وعبد بن حميد (٤٩٦)، والدارمي (١٤٦٨) و (٢٦٣٥)، وابن ماجة (١٣٣٤) و(٣٢٥١)، والترمذي (٢٤٨٥) وصححه. ٢٨٩ قصّة بناء المسجد قال أبو التّاح، عن أنس: فأرسل رسولُ اللهَ وَّل إلى ملأ بني النَّجَّار فجاؤوا، فقال: يا بني النَّجَّار، ثَامِنوني بحائطكم هذا. قالوا: لا والله، لا نطلبُ ثمنَهُ إلّ إلى الله. فكان فيه ما أقول لكم: كان فيه قبورُ المشركين، وكان فيه خِرَبٌ ونخلٌ. فأمر رسولُ الله بَل بقبور المشركين فَنُبِشَتْ، وبالخِرَب فسُوِّيتْ، وبالنَّخْل فقُطِع. فصَفُّوا النَّخْلَ قِبلةً، وجعلوا عِضَادَتَيْه حجارةً، وجعلوا ينقُلُون الصَّخرَ، وهم يَرَتَجِزون، ورسولُ الله ◌َّ﴾ معهم، ويقولون: اللَّهُمَّ لا خيرَ إلّ خيرُ الآخرة فانصُرِ الأنصارَ والمُهاجرة. مُتَّفقٌ عليه(١) . وفي رواية: فاغفِرْ للأنصار. وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، في قصّة بناء المسجد: فطفِق هو وأصحابُه ينقلون اللَّبِنَ، ويقول. وهو ينقل اللَّبِنَ معهم: هذا الحِمال، لا حِمَال خيبرْ هذا أبرُّ - ربَّنا - وأطْهِرْ ويقول : اللّهمَّ لا خيرَ إلّ خيرُ الآخرة فارْحَمِ الأنصارَ والمُهَاجِرَة قال ابن شهاب: فتمثَّلَ رسولُ اللهِ وَلَهَ بِشِعْر رجلٍ من المسلمين لم يُسَمَّ في الحديث. ولم يَبْلُغْنِي في الحديثِ أنَّ رسولَ اللهِوَّ تمثَّل ببيتِ شِعْرٍ غير هذه الأبيات. (١) البخاري ١١٧/١ و٢٥/٣ و٨٣ و١٤/٤ و١٥ و٨٦/٥، ومسلم ٦٥/٢ و ١٨٨/٥. ٢٩٠ ذكره البخاري في صحيحه(١) . وقال صالح بن كَيْسان: حدثنا نافع أنّ عبدالله أخبره أنَّ المسجد كان على عهد رسول الله وَلَّ مَبْنيّاً باللَّبِن، وسَقْفه الجريدُ، وعُمُدهُ خشب النَّخْلِ. فلم يزِدْ فيه أبو بكر شيئاً. وزاد فيه عمر، وبناه على بُنْيانه(٢) في عهد رسول الله وَله باللَّبن والجريد، وأعاد عُمُدَه خَشَباً. وغيّره عثمان، فزاد فيه زيادةً كبيرة، وبنى جدارَه بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، وجعل عُمُدَه من حجارةٍ منقوشةٍ، وسَقَفَهُ بالسَّاج. أخرجه البخاري(٣). وقال حمّاد بن سلمة، عن أبي سِنان، عن يَعْلَى بن شدّاد، عن عُبادة، أنّ الأنصار جمعوا مالاً، فأتوا به النَّبيَّ نَّ فقالوا: ابْنِ بهذا المسجدَ وزيَّنْهُ، إلى متى نُصلّي تحت هذا الجريد؟ فقال: ما بي رغبةٌ عن أخي موسى، عریشٌ كَعَریش موسی . ورُوي عن الحَسَن البَصْرِيِّ في قوله: ((كَعَرِيش موسى))؛ قال: إذا رفع يده بلغَ العريشَ، يعني السَّقْفَ. وقال عبدالله بن بدر، عن قَيْس بن طَلْق بن عليّ، عن أبيه قال: بنيتُ مع النّبِيِّ وَّ مسجدَ المدينة، فكان يقول: قَرِّبوا اليمَامِيَّ من الطِّين، فإنَّه من أحْسَنِكم له بِناءً. وقال أبو سعيد الخُدْريّ: قال رسول الله وَّ: المسجد الذي أُسِّس على التّقْوَى مسجدي هذا. أخرجه مسلم بأطْوَل منه(٤). (١) البخاري ٧٨/٥. (٢) في نسخة البشتكي: ((بنائه)) وما أثبتناه من النسخ الأخرى والبخاري ١٢١/١، وانظر مسند أحمد ١٣٠/٢، وأبا داود (٤٥١)، وصحيح ابن خزيمة (١٣٢٤) . (٣) البخاري ١/ ١٢١. (٤) مسلم ١٢٦/٤. ٢٩١ وقال ◌َله: صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاةٍ فيما سِواهُ من المساجد إلّ مسجد الكعبة. صحيح(١). وقال أبو سعيد: كُنَّا نحمل لَبِنَّةً لِنَةً، وعَمَّار يحمل لِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْن؛ يعني في بناء المسجد، فرآه النّبيُّ ◌َّ، فجعل ينفض عنه التراب ويقول: ((وَيْحَ عمّارٍ، تقتله الفئة الباغيةُ، يَدْعُوهم إلى الجنَّةِ ويدعونه إلى النَّار)). أخرجه البخاريُّ(٢) دون قوله: ((تقتله الفئة الباغية))، وهي زيادةٌ ثابتةُ الإسناد(٣). ونافق طائفةٌ من الأوْس والخَزْرَج، فأظهروا الإسلامَ مُداراةً لقومهم. فَمِمَّنْ ذُكِر منهم: من أهل قُباء: الحارث بن سُوَيْد بن الصّامِت، وكان أخوه خَلَّد رجلاً صالحاً، وأخوه الجُلَس، دونَ خَلَّدٍ في الصَّلاح. ومن المنافقين: نَبْتَل بن الحارث، وبِجَاد(٤) بن عثمان، وأبو حَبِيبة ابن الأزْعَر أحدُ مَنْ بَنَى مسجدَ الضُّرار، وجَارِية بن عامر، وابناه: زيدٌ ومُجَمِّع ـ وقيل: لم يصحَّ عن مجمّع النِّفاق، وإنّما ذُكِر فيهم لأنّ قومه جعلوه إمامَ مسجد الضِّرار - وعَبّاد بن حُنَيِّف، وأخواه سهلٌ وعثمان من فُضَلاء الصَّحابة . (١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في الصحيحين: البخاري ٧٦/٢، ومسلم ١٢٤/٤، وغيرهما. (٢) البخاري ١٢١/١ و٢٥/٤ . (٣) قال المزي في ترجمة عمار من تهذيب الكمال: ((وتواترت الروايات عن رسول الله وَ أنه قال لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) روي ذلك عن عمار بن ياسر، وعثمان بن عفان، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبدالله بن عباس في آخرين)). (٢٢٤/٢١). أما هذه الزيادة من حديث أبي سعيد فهي عند أحمد ٢٢/٣ و ٢٨. (٤) قيده ابن ماكولا بالباء الموحدة وقال: وبجاد بن عثمان من بني ضبيعة بن زيد، وهو ممن بنى مسجد النفاق. الإكمال ٢٠٥/١. ٢٩٢ ومنهم: بِشْرٌ، ورافعٌ، ابنا زيد، ومِرْبَع، وأوْس، ابنا قَيْظِيّ. وحاطِبُ بن أمّية، ورافع بن وَدِيعه، وزيد بن عَمْرو، وعَمْرو بن قيس؛ ثلاثتهم من بني النّجّار، والجَدّ بن قيس الخزْرَجي؛ من بني جُشَم، وعبد الله بن أُبَّ بن سَلُول، من بني عَوْف بن الخزرج، وكان رئيس القوم . وممّن أظهر الإيمانَ من اليهود ونافق بعدُ: سَعْد بن حُنَيَق، وزيد ابن اللُّصَيْت، ورافع بن حَرْمَلة، ورِفاعة بن زيد بن التّابُوت، وكِنَانة بن صُورِیًا . ومات فيها: البَرَاء بن مَعْرور السُّلَمِيُّ أحد نُقباء العَقَبَة رضي الله عنه، وهو أول من بايع النَّبِيَّ نَ ◌َّ ليلةَ العَقَبَة، وكان كبيرَ الشّأن. وتَلاحق المهاجرون الذين تأخّروا بمكة بالنَّبيِّ وَّةِ، فلم يبق إلاّ محبوسٌ أو مَفْتون، ولم يبق دارٌ من دُور الأنصار إلّ أسلم أهلُها، إلاَّ أوْس الله، وهم حيٍّ من الأوس؛ فإنّهم أقاموا على شِرْكهم. ومات فيها: الوليد بن المُغيرة المَخْزوميّ والد خالد، والعاص بن وائل السَّهْمَيّ والد عَمْرو بمكة على الكُفْرِ. وكذلك: أبو أُخَيْحة سعيد بن العاص الأُموي تُوُفِيّ بماله بالطّائف. وفيها: أُرِيَ الأذانَ عبدُالله بن زيد، وعمرُ بن الخطاب، فشُرع الأذان على ما رأيا. وفي شهر رمضان عقد النَّبيُّ وَِّ لواءَ لحمزة بن عبد المطَّلِب يعترض عِيراً لقُرَيش. وهو أول لواءٍ عُقِّد في الإسلام. وفيها: بعث النَّبيُّ نَ ◌ّه حارثة وأبا رافعٍ إلى مكة لينقلا بناته وسَوْدة أمّ المؤمنين. وفي ذي القِعْدة عَقَد لواءً لسعد بن أبي وقَّاص، ليُغير على حيٍّ من ٢٩٣ بني كنانة أو بني جُهَيْنَة. ذكره الواقدي(١). وقال عبدالرحمن بن أبي الزِّناد، عن محمد بن إسحاق، عن یزید ابن رُومان، عن عُروة قال: قدِم النبيُّ مَ ﴿ المدينة، فكان أول رايةٍ عقدها راية عُبيدة بن الحارث. وفيها: آخى النَّبيُّ مَ له بين المهاجرين والأنصار، على المواساة والحقّ. وقد روى أبو داود الطَّيالسي(٢)، عن سليمان بن مُعاذ، عن سِماك، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس قال: آخى رسولُ اللهِ وَّ بين المهاجرين والأنصار، وورَّث بعضهم من بعض، حتى نزلت: ﴿وَأُوْلُواْ ﴾ [الأنفال]. ٧٥ اُلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ والسبب في قلّة من تُوُفي في هذا العام وما بعده من السّنين، أنّ المسلمين كانوا قليلين بالنّسبة إلى مَن بعدهم، فإنّ الإسلام لم يكن إلّ ببعض الحجاز، أو مَن هاجر إلى الحَبَشة. وفي خلافة عمر رضي الله عنه - بل وقبلها - انتشر الإسلام في الأقاليم، فبهذا يظهر لك سببُ قلَّة من تُوُفّي في صدر الإسلام، وسبب كثرة من تُوُفِّي في زمان التّابعين فَمَن بعدهم. وكان في هذا القُرب أبو قيس بن الأسْلَت بن ◌ُشّم بن وائل الأوسيّ الشاعر، وكان يُعْدَل بقَيْس بن الخطيم في الشجاعة والشِّعْر، وكان يحضُّ الأوسَ على الإسلام، وكان قبل الهجرة يتألَّ ويدَّعي الحنيفية، ويحضّ قُرَيْشاً على الإسلام، فقال قصيدته المشهورة التي أوّلها: أيا راكباً إمّا عَرَضتَ فبلِّغَنْ مُغَلْغَلةً عنيّ لُؤَّيَّ بن غالبٍ (١) المغازي ١ / ١١. (٢) مسنده ٢/ ١٩. ٢٩٤ لنا قادةٌ، قد يُقْتَذَى بالذَّوائبِ أقيموا لنا دِيناً حنيفاً، فأنتمو روى الواقديّ (١) عن رجاله قالوا: خرج ابنُ الأسلت إلى الشام، فتعرَّضَ آلَ جفنةَ فوصلوه، وسأل الرُّهبانَ فدَعوه إلى دينهم فلم يُرِدْه، فقال له راهبٌ: أنت تريد دين الحنيفية، وهذا وراءك من حيث خرجتَ. ثم إنّه قدِم مكةَ مُعْتَمِراً، فلقي زيد بن عمرو بن نُفَيْل، فقصّ عليه أمره، فكان أبو قيس بعدُ يقول: ليس أحدٌ على دين إبراهيم إلّ أنا وزيد. فلما قدِم رسول الله وَ﴿ المدينة؛ وقد أسلمت الخزرجُ والأوْس، إلّ ما كان من أوس الله فإنّها وقفت مع ابن الأسْلَت، وكان فارسَها وخطيبَها، وشهِد يومَ بُعَاث، فقيل له: يا أبا قيس، هذا صاحبُك الذي كنتَ تصِف. قال: رجلٌ قد بُعث بالحقّ. ثم جاء إلى النّبيّ بَّ فعرض عليه شرائع الإسلام، فقال: ما أحسن هذا وأجمله، أنظرُ في أمري. وكاد أن يُسْلِم، فلقيه عبدُالله بن أُبُّ، فأخبره بشأنه فقال: كرِهتَ والله حرَب الخزرج. فغضب وقال: والله لا أُسلم سنةً. فمات قبل السَّنة . فروى الواقديّ(٢) عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحُصَيْن، عن أشياخه أنّهم كانوا يقولون: لقد سُمِع يُوَحِّد عند الموت، والله أعلم. (١) طبقات ابن سعد ٣٨٤/٤. (٢) نفسه ٤/ ٣٨٥. ٢٩٥ سنة اثنتين غزوة الأبواء في صَفَرِها غَزْوة الأبواء، فخرج النَّبيُّ وَِّ من المدينة غازياً، واستعمل على المدينة سعدَ بن عُبَادة حتى بلغ وَدَّان يريدُ قُرَيْشاً وبني ضمرة، فوادَع بني ضمرة بن عبدمَنَاة بن كنانة، وعقد ذلك معه سيّدُهم مَخْشِيّ بن عَمْرو، ثم رجع إلى المدينة. ووَدَّان على أربع مراحل. بَعْثُ حَمْزة ثمّ في أحد الرَّبِيعَين بعث عمَّه حمزة في ثلاثين راكباً من المهاجرين إلى سِيْق البحر من ناحية العِيص، فلقي أبا جهلٍ في ثلاث مئة. وقال الزُّهري: في مئة وثلاثين راكباً. وكان مَجْدِيُّ بن عمرو الجُهنيّ وقومُه حلفاء الفريقين جميعاً، فحجز بينهم مَجْدِيّ بن عَمْرو الجُهَنيّ. بَعْثُ عُبيدة وبعث في هذه المدَّة عُبَيْدَةَ بن الحارث بن المطّلب بن عبدمناف، في ستّين راكباً أو نحوِهم من المهاجرين، فنهض حتى بلغ ماءً بالحجاز بأسفل ثَنِيّة المِرَّة، فلقي بها جمعاً من قُريش، عليهم عِكْرمة بن أبي جَهْل، وقيل مِكْرز بن حفص، فلم يكن بينهم قتال. إلاّ أنّ سعد بن أبي ٢٩٧ وقّاص كان في ذلك البَعْث، فَرَمى بسهم، فكان أوّل سهمِ رُمِيَ به في سبيل الله . وفرّ من الكُفَّار يومئذٍ إلى المسلمين: المِقْداد بن عَمْرو البَهْرانيّ حليف بني زُهْرة، وعُتْبة بن غَزْوان المازنيّ حليف بني عبدمَناف، وكانا مسلمَيْن، ولكنّهما خرجا ليتوصَّلا بالمشركين. غزوة بُوَاط وخرج النَّبيُّ وَّ في ربيع الأول غازياً، فاستعملَ على المدينة السّائبَ أخا(١) عثمان بن مَظْعون، حتى بلغ بُوَاط من ناحية رَضْوى ثم رجع ولم يلق حرباً. غزوة العُشَيرة وخرج غازياً في جمادى الأولى، واستخلف على المدينة أبا سَلَمَة ابن عبدالأسد، حتى بلغ العُشَيْرة، فأقام هناك أياماً، ووادع بني مُدْلج. ثم رجع فأقام بالمدينة أياماً. والعُشَيْرة من بطن يَنْبُع . وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني يزيد بن محمد بن خُثَيْم عن محمد بن كعب القُرَظِيّ قال: حدثني أبوك محمد بن خُثَيْم المُحَاربيّ، عن عمّار بن ياسر قال: كنت أنا وعليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العُشَيْرة من بطن يَنْيُع. فلما نزلها رسولُ اللهِ وَ ل﴿ أقام بها شهراً، فصالح (١) هكذا مجودة في الأصل، والسائب بن مظعون من المهاجرين الأولين، وترجمته في الاستيعاب ٥٧٥/٢. وذكر ابن هشام أن الذي استعمل على المدينة هو السائب بن عثمان بن مظعون (٥٩٨/١). ٢٩٨ بها بني مُدْلِج، فقال لي عليّ: هل لك يا أبا اليقظان أنْ نأتي هؤلاء؛ نفراً من بني مُدْلِج يعملون في عينٍ لهم؛ ننظرْ كيف يعملون؟ فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعةً، ثم غَشِيَنا النَّومُ فنمنا، فَوَالله ما أهبَّنَا إلّ رسول الله وَل بقَدَمِه، فجلسنا، فيومئذٍ قال لعليّ: يا أبا تُراب، لِما عليه من التُّراب. بدر الأولى وخرج في جُمَادَى الآخرة في طلب كُرْز بن جابر الفِهْرِيّ، وكان قد أغار عَلَى سَرْح المدينة، فبلغِ بَّ وادي سَفَوان من ناحية بدر، فلم يلق حرباً، وسُمِّيت بدراً الأولى، ولم يدرِك ◌ُرزاً. [سريّة سعد بن أبي وقَّاص] وبعث سعد بن أبي وقّاص في ثمانيةٍ من المهاجرين، فبلغ الخُوَار، ثم رجع إلى المدينة . [بعث عبدالله بن جَحْش] قال عُرْوة: ثم بعث النَّبيُّ بََّ ــ في رجب - عبدَالله بِنَ جَحْش الأسَدِيّ، ومعه ثمانية، وكتب معه كتاباً، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين. فلمّا قرأ الكتاب وجده: إذا نظرتَ في كتابي هذا فامْضٍ حتى تنزل بين نخلة والطائف، فَتَرَصَّد لنا قُرَيْشاً، وتَعَلَّم لنا من أخبارهم. فلما نظر عبدالله في الكتاب قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله الرَليّ أن ٢٩٩ أمضي](١) إلى نخلة، ونهاني أنْ أسْتَكْرِه أحداً منكم. فمن كان يريد الشهادة فلينطلقْ، ومن كره الموتَ فليرجعْ، فأمّا أنا فماضٍ لأمر رسول الله. فمضى ومضى معه الثمانية، وهم: أبو حُذيفة بن عُتبة، وعُكَّاشة بن مِحْصن، وعُتْبَة بن غَزْوان، وسعد بن أبي وقّاص، وعامر بن ربيعة، ووَاقِد بن عبدالله التَّمِيمِيّ، وسُهَيْل بن بيضاء الفِهْرِيّ، وخالد بن البُكَيْرِ. فسلك بهم على الحجاز، حتى إذا كان بمَعْدِنٍ فوق الفُرْع(٢) يقال له بُحْران، أضلّ سعدُ بن أبي وقّاص، وعُتْبة بن غَزْوان بعيراً لهما، فتخلّفا في طلبه. ومضى عبدالله بمن بقي حتى نزل بنَخْلَة. فمرّت بهم عِيرٌ لقُرَيشٍ تحمل زبيباً وأُدْماً، وفيها عَمْرو بن الحَضرَميّ وجماعة. فلما رآهم القوم هابوهم. فأشرف لهم عُكَّاشة؛ وكان قد حَلَق رأسه؛ فلّما رأوه أمِنوا، وقالوا: عُمّارٌ(٣) لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر رجب، فقالوا: والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخُلُنَّ الحَرَم فليمتنعُنَّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتُلُنَّهُم في الشهر الحرام. وتردّدوا، ثم أجْمَعوا على قَتْلهم وأخْذٍ تجارتهم، فرمى واقد بن عبدالله عَمْرو بن الحَضْرَميّ فقتله، واستأسروا عثمانَ بن عبدالله، والحَكَم بن كَيْسان. وأفلت نَوْفَلُ بن عبد الله. وأقبل ابن جَحْشٍ وأصحابه بالعِير والأسيرَيْن، حتى قدِموا المدينة. وعزلوا خُمْسَ ما غنِموا للنَّبِيِّ ◌ََّ، فنزل القرآن كذلك. وأنكر النَّبِيُّ ◌َل قَتل ابنِ الحَضْرَمِيّ، فنزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَّةٍ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة] الآية، وقَبِلَ النَّبِيُّ ◌َلَ الفِداءَ في الأسيريْن. فأمّا (١) ما بين المعقوفتين من نسخة (ع). (٢) بضم الفاء وسكون الراء، وقد تَضم. (٣) أي: أُناسٌ معتمرون. ٣٠٠