Indexed OCR Text

Pages 261-280

أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وقلنا: الميعادُ بيننا التَّنَاضِب من
أضاة بني غِفار، فَمن أصبح منكم لم يأتها فقد حُبِس. فأصبحتُ عندها
أنا وعيّاش، وحُبس هشام وفُتِنَ فافتتن، وقدِمنا المدينةَ فكنّا نقول: ما
الله بقابل من هؤلاء توبة، قوم عرفوا الله وآمنوا به وصدقوا رسوله، ثمّ
رجعوا عن ذلك لبلاء أصابهم في الدنيا فأُنزِلت: ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾﴾ [الزمر]، فكتبتُها بيدي كتاباً، ثمّ بعثت بها إلى
هشام، فقال هشام بن العاص: فلمّا قدِمت عليّ خرجت بها إلى ذي
طُوىّ أُصُعِّدُ فيها النَّظر وأُصوِّبُه لأفهمها، فقلتُ: اللَّهُمّ فَهُمْنِيها، فعرفت
إنّما أُنْزِلَتْ فينا لِما كنّا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، فرجعت فجلست
على بعيري، فلحقت برسول الله وَالر، قال: فقتل هشام بأجنادين.
وقال عبدالعزيز الدَّرَاوَرْدِيّ، عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر،
قال: قدِمنا من مكة فنزلنا العُصْبةَ(١) عمر بن الخطاب، وأبو عُبَيْدة،
وسالم مولى أبي حُذَيْفة، فكان يؤمّهم سالم، لأنّه كان أكثرهم قُرْآنًاً .
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: أوّل من قدِم
علينا مُصْعبَ بن عُمَير، فقلنا له: ما فعل رسول الله وَ لَه؟ قال: هو مكانه
وأصحابه على أثري. ثم أتى بعده عَمْرو بن أمّ مَكْتُوم الأعمى أخو بني
فِهْر، ثم عمّار بن ياسر، وسعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، وبلال،
ثم أتانا عمر بن الخطاب في عشرين راكباً، ثم أتانا رسول الله وَالل وأبو
بكر معه، فلم يقدِم علينا رسول الله وَلّ حتى قرأت سُوَراً من المفصَّل.
أخرجه مسلم(٢) .
(١) قيدها المؤلف بضم العين وسكون الصاد، وقال في هامش الأصل: وقيل
العَصَبة .
(٢) هكذا قال، وهو وهم، فقد أخرجه البخاري ٨٣/٥ و٨٤ و٢٠٨/٦ و٢٢٨،
وأحمد ٢٨٤/٤ و٢٩١، ولم يخرجه مسلم، وإنما أخرج مسلم من حديث
أبي إسحاق عن البراء، حديث هجرة رسول الله وَله إلى المدينة ١٠٤/٦.
٢٦١

وقال ابن ◌َهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قال: ومكث رسول
الله وَيُّ بعد الحجّ بقيّة ذي الحجة، والمحرَّم، وصَفَر، وإنّ مشركي
قريش أجمعوا أمرهم ومَكْرَهم، على أن يأخذوا رسولَ الله وََّ، فإمّا أنْ
يقتلوه أو يحبسوه أو يُخْرِجوه، فأخبره الله بمكرهم في قوله: ﴿ وَإِذْيَمْكُرُ
بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ (٣)﴾ [الأنفال] الآية، فخرج رسول الله وَله وأبو بكر تحت
الليل قبل الغار بثَوْر، وعمد عليٍّ فَرَقَدَ على فراش رسول الله ◌َّم يواري
عنه العيون.
وكذا قال موسى بن عُقبة، وزاد: فباتت قريش يختلفون ويأتمرون
أيُّهم يجثم على صاحب الفراش فيُوثقه، إلى أنْ أصبحوا، فإذا هم بعليّ
رضي الله عنه، فسألوه عن النبي ◌َّ فأخبرهم أنّه لا عِلْم له به، فعلموا
عند ذلك أنّه قد خرج فارّاً منهم، فركبوا في كلّ وجهٍ يطلبونه .
وكذا قال ابن إسحاق(١)، وقال: لمّا أيقنت قريش أنّ محمداً وَال
قد بُويع، وأمر رسولُ الله ◌َّهِ مَن كان بمكة من أصحابه أن يلحقوا
بإخوانهم بالمدينة، توامروا فيما بينهم فقالوا: الآن، فَأَجْمِعُوا في أمر
محمد فَوَ الله لكأنّه قد كرّ عليكم بالرجال، فَأَثْبِتُوه أو اقتلوه أو أَخْرِجُوه.
فاجتمعوا له في دار النَّدْوة ليقتلوه، فلمّا دخلوا الدّار اعترضهم
الشيطان في صورة رجل جميل في بَثِّ (٢) له فقال: أَّدْخُل؟ قالوا: من
أنت؟ قال: أنا رجل من أهل نجد، سمع بالذي اجتمعتم له، فأراد أن
يحضره معكم، فعسى أن لا يعدمكم منه نُصْحٌ ورأي. قالوا: أجل
فادخُلْ. فلمّا دخل قال بعضهم لبعض: قد كان من الأمر ما قد علِمْتُم،
فَأَجْمِعوا رأياً في هذا الرجل، فقال قائل: أرى أن تَحْبسوه. فقال
(١) ابن هشام ١ / ٤٨٠ .
(٢) أي: الكساء الغليظ.
٢٦٢

النّجديّ: ما ذا برأي، والله لئن فعلتم ليخرجنَّ رأيُه وحديثُه إلى مَنْ
وراءه من أصحابه، فَأوشكَ أنْ ينتزعوه من أيديكم، ثمّ يغلبوكم على ما
في أيديكم من أمركم. فقال قائلٌ منهم: بل نُخرجه فننفيه، فإذا غيَّب
عنّا وجهه وحديثه ما نُبالي أين وقع. قال النّجديّ: ما ذا برأي، أما
رأيتم حلاوةَ منطقِه، وحُسْنَ حديثه، وغَلَبَتَه على مَن يلقاه، ولئن فعلتم
ذلك ليدخل على قبيلة من قبائل العرب فأصفقت(١) معه على رأيه، ثم
سار بهم إليكم حتى يطأَكُمْ بهم. فقال أبو جهل: والله إنَّ لي فيه لرأياً،
ما أراكم وقعتم عليه، قالوا: وما هو؟ قال: أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة
من قريش غلاماً جَلداً نَهْداً نسيباً وسِيطاً، ثم تُعطُوهم شِفَاراً صارمةً،
فيضربوه ضربةً رجلٍ واحد، فإذا قتلتموه تفرّق دمُه في القبائل، فلم تدر
عبدُمَنَاف بعد ذلك ما تصنع، ولم يقووا على حرب قومهم، وإنّما
غايتهم عند ذلك أن يأخذوا العَقل فَتَدُونه لهم. قال النّجديّ: لله دَرُّ هذا
الفتى، هذا الرأي وإلّ فلا شيء، فتفرّقوا على ذلك واجتمعوا له، وأتى
رسولَ الله ◌َّه الخبرُ وأُمِر أن لا ينام على فراشه تلك الليلة، فلم يبت
موضعه، بل بَيَّتَ عليّاً في مضجعه. رواه سعيد بن يحيى بن سعيد
الأموي، عن أبيه .
حدثنا ابن إسحاق(٢) ، عن عبدالله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن
ابن عباس. (ح). قال ابن إسحاق: وحدثني الكلبي عن باذان(٣) مولى
أمّ هانىء، عن ابن عباس، فذكر معنى الحديث، وزاد فيه: وأذن الله
عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بالمدينة (الأنفال) يذكر نعمته عليه
(١) أي: اجتمعت .
(٢) ابن هشام ١ / ٤٨٠ .
(٣) ويقال فيه: باذام - بالميم - أيضاً.
٢٦٣

ج﴾ [الأنفال]
وبلاءه عنده ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُفْسِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوَ
الآية (١) .
1
(١) كُتِبَ على حاشية نسخة المؤلف: ((بلغت قراءة في الميعاد الثالث عشر، على
مؤلفِه الحافظ أبي عبدالله الذهبي. كتبه عبدالرحمن البعلي)).
٢٦٤

سياق خُروج النبيِ نَّه إلى المدينة مُهاجراً
قال عُقَيْل: قال ابن شهاب: وأخبرني عُرْوة أنّ عائشة زوج النبي
وَّرَ قالت: لم أعقل أبويَّ إلّ وهما يدينان الدِّينَ، ولم يمرَّ علينا يومٌ إلّ
ويأتينا فيه رسول الله وَلَوَ طَرَفَي النّهارِ بُكْرَةً وعَشِيّاً، فلمّا ابتُلي المسلمون
خرج أبو بكر مهاجراً قِبلَ أرض الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكَ(١) الغماد،
لقيه ابن الدَّغِنَّة وهو سيّد القارةَ، قال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال:
أخرجني قومي، فأريد أنْ أسيح في الأرض وأعبد ربّي. قال: إنّ مثلك
لا يَخرُج، إنك تُكْسِب المعدوم، وتَصِل الرَّحِمَ، وتحمل الكَلَّ، وتقْري
الضَّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، وأنا لك جار، فارجعْ فاعبدْ ربَّك
ببلادك. وارتحل ابن الدَّغِنة مع أبي بكر، فطاف في أشراف قريش، فقال
لهم: إنّ أبا بكر لا يَخرج مثلُهُ ولا يُخْرَج، أَتُخرِجُون رجلاً يُكسِب
المعدومَ، ويَصِل الرحِم، ويحمل الكَلّ، ويَقْري الضَّيف، ويُعين على
نوائب الحقّ! فأنفَذَتْ قريش جوار ابن الدَّغِنة، وقالوا له: مُرْ أبا بكرٍ
يعبد ربّه في داره، فلْيُصَلِّ ولْيقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن
به، فإنّا نخشى أن يُفْتَنَ أبناؤنا ونساؤنا. فقال ذلك لأبي بكر، فلبث يعبد
ربَّه ولا يستعلن بالصّلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر،
فابتنى مسجداً بفناء داره وبرز، فيصلّي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصّف(٢)
عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يُعجَبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر لا
يكاد يملك دمعه حين يقرأ، فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن
(١) وقد تكسر الباء مع سكون الراء المهملة.
(٢) أي: يزدحم.
٢٦٥

الدَّغِنة، فقدِم عليهم، فقالوا له: إنّا كنّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربّه
في داره، وإنّه جاوز ذلك، وابتنى مسجداً بفناء داره، وأعلن الصّلاة
والقراءة، وإنّا قد خشِينا أن يُفْتَنَ أبناؤنا ونساؤنا، فأَتِه فإنْ أحبّ أن
يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل، وإنْ أبَى إلّا أنْ يُعلن ذلك فسَلْه
أن يردّ عليك جِوارَك، فإنّا قد كرِهنا أنْ نُخْفِرَك، ولسنا مُقِرِّين لأبي بكر
الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدَّغِنة أبا بكر فقال: قد عَلِمْتَ الذي
عقدتُ لك عليه، فإمّا أن تقتصر على ذلك، وإمّا أن تردَّ إليَّ ذمّتي، فإنّي
لا أحبُّ أنْ تسمع العرب أنّي أخفَرْتُ في رجلٍ عقدتُ له. قال أبو بكر:
أردّ إليك جِوارَك وأرضَى بجوار الله. ورسول الله وَ ل يومئذ بمكة، فقال
رسول الله وَهُ للمسلمين: قد أُرِيتُ دارَ هجرتكم، أُرِيتُ سَبْخَةً ذات
نخلٍ بين لابَتَيْن. وهما الحَرَّتان(١) ، فهاجر مَن هاجر قِبلَ المدينة حين
ذكر رسول الله وَّ، ورجع إلى المدينة بعضُ مَن كان هاجر إلى أرض
الحبشة. وتجهّز أبو بكر مهاجراً فقال له رسول الله وَ له: على رِسْلِكَ،
فإنّي أرجو أنْ يُؤْذَن لي. قال: هل ترجو بأبي أنت ذلك؟ قال: نعم.
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله وَ ل﴿ لَيَصْحَبَه، وعلف راحلتين كانتا
عنده وَرَقَ السَّمُر أربعة أشهر. فبينا نحن جلوس في بيتنا في نحر
الظَّهيرة، قيل لأبي بكر: هذا رسول الله مقبلاً متقنّعاً في ساعةٍ لم يكن
يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، أَمَا والله إنْ جاء به في هذه
السّاعة إلّ أمرٌ. قالت: فجاء واستأذن، فأذن له فدخل، فقال لأبي بكر:
أَخْرِجْ مَنْ عندك. قال أبو بكر: إنّما هم أهلُكَ بأبي أنت يا رسول الله.
فقال: اخرج فقد أُذِن لي في الخروج. قال: فخذ منّي إحدى راحلتَيَّ.
قال: بالثمن. قالت عائشة: فجهّزتُهما أحثَّ(٢) الجهاز، فصنعنا لهما
(١) الحَرَّةُ: الأرض ذات الحجارة السود.
(٢) أي: أَسْرَعَهُ.
٢٦٦

سُفْرَةً في جِراب، فقطعت أسماءُ بنتُ أبي بكر قطعةً من نطاقها فأوكت
به الجِراب، فبذلك كانت تُسمَّى («ذات النِّطاقَيْن)»، ثم لحق رسول الله
وَلّ وأبو بكر بغارٍ في جبلٍ يقال له ثور، فمكثا فيه ثلاث ليالٍ، يبيت
عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلامٌ شابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ، فيُدْلجُ من
عندهما بسحَرٍ، فيصبح في قريش بمكة كَبَائتٍ، فلا يسمع أمراً يكيدون
به إلّ وعاه، حتّى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليهما
عامر بن فُهَيْرة مولى أبي بكر مِنحةً، ويريح عليهما حين تذهب ساعةٌ من
الليل، فيبيتان في رِسْلِ(١) مِنْحَتِهما حتى ينعق بهما عامر بن فُهَيْرة
بغَلَس، يفعل ذلك كلّ ليلةٍ من اللّيالي الثلاث. واستأجر رسول الله وَل
وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيل هادياً خِرّيتاً(٢) ، قد غمس يمين حِلْفٍ في
آل العاص بن وائل، وهو على جاهليّته، فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه
غارَ ثَوْر، فأتاهما براحلتيهما صبيحةَ ثلاثٍ، فارتحلا، وانطلق عامر بن
فُهَيْرة والدليل الدِّيليّ، فأخذ بهما في طريق الساحل. أخرجه
البخاري(٣).
عن عمر رضي الله عنه، قال: والله لَلَيْلَةٌ من أبي بكر ويومٌ خيرٌ من
عمر، خرج رسولُ اللهَ وَّل هارباً من أهل مكة ليلاً، فتبِعَهُ أبو بكر،
فجعل يمشي مرّةً أمامه، ومرّة خلفه يحرسه، فمشى رسول الله ◌َي ليلته
حتى حفيت رِجْلاه، فلمّا رآهما أبو بكر حمله على كاهله، حتى أتى به
فَمَ الغار، وكان فيه خَرْقٌ فيه حَيَّات، فخشي أبو بكر أن يخرج منهنّ
شيء يُؤذي رسولَ الله ◌َّ فألقمه قدمه، فجعلن يضربْنه ويلسعْنه -
الحيّات والأفاعي - ودموعه تتحدّر، ورسول الله وَل يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ
(١) أي: لبن.
(٢) أي: ماهراً.
(٣) البخاري ٧٣/٥-٧٨.
٢٦٧

[التوبة]، وأمّا يومه، فلمّا ارتدت العرب قلت: يا
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً
خليفة رسول الله تألَّف النّاسَ وارْفِقْ بهم، فقال: جبّارٌ في الجاهية خَوَّارٌ
في الإسلام، بِمَ أتألَّفهم أَبِشِعْرٍ مُفْتَعَلٍ أَمْ بقَوْلٍ مُفْتَرَى! وذكر الحديث.
وهو مُنْكرٌ، سكت عنه البَيْهَقيّ، وساقه من حديث يحيى بن أبي
طالب(١) ، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبيّ، قال: حدثني
فرات بن السّائب، عن ميمون، عن ضَبَّة بن مِحْصَن، عن عمر. وآفته
من هذا الراسبيّ فإنّه ليس بثقة، مع كَوْنه مجهولاً، ذكره الخطيب في
تاريخه (٢) فغمزه.
وقال الأسود بن عامر: حدثنا إسرائيل، عن الأسود، عن جُنْدب،
قال: كان أبو بكر مع رسول الله وَّل﴿ في الغار، فأصاب يدَه حجرٌ فقال:
إِنْ أنتِ إلّ إصبعٌ دَمِيْتِ وفي سبيلِ اللهِ مَا لِقِيتِ
الأسود: هو ابن قيس، سمع من جُنْدب البَجَليّ، واحتجًّا به في
الصَّحيحَيْن (٣).
وقال همَّامٍ: حدثنا ثابت، عن أنس أنّ أبا بكر حدّثه، قال: كنت
مع رسول الله وَّر في الغار، فقلت: يا رسول الله لو أنّ أحدهم ينظر إلى
تحت قدميه لأبصَرَنا، فقال النبيِ نَّ: يا أبا بكر ما ظَنُّك باثنين الله
ثالثهما. مُتَّفَقٌ عليه(٤) .
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة أنّهم ركبوا في كلّ وجهٍ
يطلبون النبي ◌َّر، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به، ويجعلون لهم
الجُعْلَ العظيم إلى أن قال: فأجاز بهما الدليلُ أسفلَ مكة، ثم مضى بهما
(١) دلائل النبوة ٢ /٤٧٦-٤٧٧ .
(٢) تاريخ بغداد ٢٥٥/١٠-٢٥٦.
(٣) تهذيب الكمال ٢٢٩/٣.
(٤) البخاري ٨٣/٥، ومسلم ١٠٨/٧.
٢٦٨

حتى جاء بهما الساحل أسفل من عُسْفان ثمّ سلك في أمَج، ثمّ أجاز
بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قُدَيْداً، ثمّ سلك في الخرَّار، ثمّ
أجاز على ثِيّة المَرَة، ثمّ سلك نَقْعاً، مَذْلَجة ثقيف، ثمّ استبطن مَدْلَجَة
محاجّ، ثمّ بطن مَرْجح ذي العَصَوين، ثمّ أجاز القاحة، ثم هبط للعرج،
ثمّ أجاز في ثَنِيَّة الغابر عن يمين رَكُوبَة، ثمّ هبط بطن رِئْم(١) ثمّ قدِمٍ قُباء
من قِبِلَ العالية .
وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا عَوْن بن عمرو القَيْسيّ، قال:
سمعت أبا مُصْعَب المكيّ، قال: أدركت المغيرةَ بنَ شُعْبة وأَنَسَ بنَ
مالك وزيدَ بنَ أرقم، فسمعتهم يتحدثون أنّ النبي ◌َّ ليلة الغار أمرَ اللهُ
بشجرةٍ فنبتت في وجه النبي ◌ََّ فسترته، وأمرَ اللهُ العنكبوت فنسجتْ
فسترته، وأمر الله حمامتين وحشيّتين فوقعتا بفم الغار، وأقبل فتيانُ
قريش بعِصِيِّهم وسُيُوفهم، فجاء رجل ثم رجع إلى الباقين فقال: رأيت
حمامتين بفم الغار، فعلمت أنّه ليس فيه أحد.
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: اشترى أبو بكر
من عازِب رَحْلاً بثلاثة عشر درهماً، فقال أبو بكر لعازب: مُرِ البَرَاءَ
فلْيحملْهُ إلى رَحْلي، فقال له عازِب: لا حتى تحدِّثْنا كيف صنعتَ أنتَ
ورسولُ اللهِ وَ ليل حين خرجتما، والمشركون يطلبونكما.
قال: أدلجنا من مكة ليلاً، فأحْيَيْنا ليلَتَنَا ويومَنا حتى أظهرنا، وقام
قائم الظَّهِيرة، فرميتُ ببَصَرِي هل أرى من ظلِّ نأوي إليه، فإذا صخرةٌ
فانتهيت إليها، فإذا بقيّةُ ظلِّ لها فسؤَّيْتُه، ثمّ فرشتُ لرسول الله وَل
فَرْوَةً، ثم قلت: اضطجعْ يا رسول الله. فاضطجَع، ثم ذهبت أنفض ما
حولي هل أرى من الطّلب أحداً، فإذا براعي غنم يسوق غنمه إلى
(١) ضبط المصنف بخطه هذه المواضع ضبطاً متقناً.
٢٦٩

الصَّخرة، ويريد منها الذي أريد، يعني الظَّلَّ، فسألته: لمن أنتَ؟ فقال:
لرجلٍ من قريش، فسمّاه فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال:
نعم. قلت: هل أنت حالِبٌ لي؟ قال: نعم. فأمرته، فاعتقل شاةً من
غنمه، وأمرته أن ينفُض ضَرْعَها من التراب، ثم أمرته أن ينفضَ كفَّيه،
فقال هكذا، فضرب إحداهما على الأخرى، فحلب لي كُثْبَةً من لبن،
وقد رَوَّيتُ معي لرسول الله ◌ِّر إداوةً، على فمها خرقة، فَصَبَبْتُ على
اللّين حتى بَرَدَ أسفلُه، فأتيت رسولَ الله وَلّ، فوافيته وقد استيقظ،
فقلت: اشربْ يا رسول الله. فشرب حتى رضِيت، ثم قلت: قد آن
الرحيل. قال: فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحدٌ منهم غير
سُراقة بن مالك بن جُعْشم على فرس له، فقلت: هذا الطّلب قد لحِقَنا يا
رسول الله. قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً ﴾﴾ [التوبة]. فلمّا أنْ دنا
منّا، وكان بيننا وبينه قِيْدُ رُمحَيْن أو ثلاثة، قلت: هذا الطّلب قد لحِقَنا يا
رسول الله. وبكيت، فقال: ما يُبْكيك؟ قلت: أما والله ما على نفسي
أبكي، ولكنّي إنّما أبكي عليك. فدعا عليه رسول الله وَّةٍ فقال: ((اللَّهُمَّ
اكفِناه بما شئت)). فساخت به فَرَسُه في الأرض إلى بطنها، فوثب عنها،
ثم قال: يا محمد قد علمت أنّ هذا عملك، فادع الله أن يُنجيني ممّا أنا
فيه، فَوَالله لأُعَمِّيَنَّ على مَن ورائي من الطَّلب، وهذه كِنانتي فخذ منها
سهماً، فإنّك ستمرّ بإبلي وغنمي بمكانٍ كذا وكذا، فخذ منها حاجتك،
فقال رسول الله وَله: لا حاجة لنا في إبلك وغنمك. ودعا له، فانطلق
راجعاً إلى أصحابه، ومضى رسول الله وَّ وأنا معه حتى قدِمْنا المدينةَ
ليلاً. أخرجاه(١) من حديث زهير بن معاوية، سمعت أبا إسحاق، قال:
سمعت البراء. وأخرج البخاري(٢) حديث إسرائيل، عن عبدالله بن
(١) البخاري ٧٨/٥، ومسلم ١٠٤/٦.
(٢) البخاري ١٦٦/٣ و٣/٥.
٢٧٠

رجاء، عنه .
وقال عُقَيْل، عن الزُّهرِيّ: أخبرني عبدالرحمن بن مالك المُدْلجيّ
أنّ أباه أخبره، أنّه سمع سراقة بن مالك بن جُعْشُم يقول: جاءنا رُسُلُ
كفّار قريش يجعلون في رسول الله وَ﴾ه وأبي بكر ديةَ كلّ واحدٍ منهما في
قتْله أو أسْرِهِ، فبينا أنا جالس في مجلس قومي بني مُدْلج، أقبل رجلٌ
منهم، حتى قام علينا ونحن جُلُوس، فقال: يا سراقة إنّي قد رأيت آنفاً
أَسْوِدَةً بالساحل، أُرَاها محمداً وأصحابَه. قال سُراقة: فعرفت أنَّهم هم،
فقلتُ: إنَّهم ليسوا بهم، ولكن رأيت فلاناً وفلاناً، انطلقوا باغَيِن(١)،
ثمّ قَلَّ ما لِثْتُ في المجلس حتى قمتُ فدخلتُ بيتي، فأمرتُ جاريتي أن
تخرج بفرسي فتهبطها من وراء أَكَمَةٍ فتحبسها عليَّ، فأخذتُ برمحي(٢)
وخرجتُ من ظهر البيت، فخطَطتُّ بِزُجِّهِ الأرضَ، وخفضت عالية الرمح
حتّى أتيتُ فرسي فركبتُها، فَرفَّعتُهَا تُقَرِّبُ بي(٣) ، حتّى إذا دنوتُ منهم
عَثَرْت بي فرسي فَخَرَرْت، فقمت فأهويتُ بيدي إلى كِنانتي،
فاستخرجتُ منها الأزلام، فاستقسمتُ بها أَضُرُّهم أو لا أَضُرُّهم، فخرجَ
الذي أكرهُ: لا أضرُّهم، فركبتُ فرسي وعصيت الأزلام، فرفَّعتها تُقَرِّبُ
بي، حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ اللهِ وَّهِ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكْثِر
التلفُّتَ، ساخَتْ يدا فرسي في الأرض، حتى بلغتِ الركبتين، فخررْتُ
عنها، ثم زجرتها فنهضتْ، فلم تَكَدْ تَخْرُجْ يداها، فلمّا استوت قائمةً إذا
لأَثَرِ يديها غُبارٌ ساطعٌ في السماء مثل الدُّخان، فاستقسمتُ بالأزلام،
فخرج الذي أكرهُ («لا أضرُّهم))، فناديتهما بالأمان، فوقفا لي وركبتُ
(١) هكذا جَوّد المؤلف تقييدها بخطه، وفي البخاري: ((بأعيننا))، كأنه يريد:
طالبين .
(٢) في البخاري: رمحي.
(٣) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((التقريب ضَرْبٌ من العَدْوِ)).
٢٧١

فرسي حتّى جئتهما، ووقع في نفسي حين لَقِيتُ ما لقيتُ من الحبْس
عنهما، أنّه سيظهر رسولُ اللهِ وَّه، فقلتُ له: إنَّ قومكَ قد جعلوا فيكما
الدِّيّة، وأخبرتُهما أخبارَ ما يريد النّاسُ بهم، وعرضتُ عليهم الزَّادَ
والمتاعَ، فلم يَرْزَؤُوني شيئاً، ولم يسألني، إلّا أنْ قال: أَخْفِ عنّا.
فسألته أنْ يكتبَ لي كتابَ مُوَادعةٍ آمَنُ به، فأمر عامرَ ابن فُهَيْرة، فكتب
في رُقعةٍ من أدَم(١) ثم مضى رسول الله وَّل. أخرجه البخاري(٢).
وقال موسى بن عُقْبة: حدثنا ابن شهاب الزُّهْرِي، قال: حدثني
عبدالرحمن بن مالك بن جُعْشُم المُدْلجي أنّ أباه أخبره، أنّ أخاه سراقة
ابن جُعْشُم أخبره، ثم ساق الحديث، وزاد فيه: وأخرجت سلاحي ثمّ
لبست لأمتي، وفيه: فكتب لي أبو بكر، ثمّ ألقاه إليَّ فرجعتُ فسكتُ،
فلم أذكر شيئاً ممّا كان حتى فتحَ اللهُ مكة، وفرغَ رسولُ اللهِوَّلِ مِن حُنَين
خرجتُ لألقاه ومعي الكتابُ، فدخلتُ بين كتيبةٍ من كتائب الأنصار،
فطفِقوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليكَ إليك، حتى دَنَوْتُ من رسولِ
اللهِ وَّ وهو على ناقته، أنظر إلى ساقه في غرزه كأنّها جُمَّارة (٣)،
فرفعتُ يدي بالكتاب فقلتُ: يا رسولُ الله هذا كتابك. فقال: ((يومُ وفاءٍ
وبِِّ أدنُ)). قال: فأسلمتُ، ثمّ ذكرتُ شيئاً أسأل عنه رسولَ الله وَلَه، قال
ابن شهاب: سأله عن الضّالّة وشيءٍ آخر، قال: فانصرفتُ وسُفْتُ إلى
رسول الله ◌َل﴾ٍ صَدَقَتي .
وقال البكّائّي، عن ابن إسحاق(٤): حُدِّثتُ عن أسماء بنت أبي بكر
أنها قالت: لمّا خرج رسول الله بَّه وأبو بكر، أتى نفرٌ من قريش، فيهم
(١) أي: جلد مدبوغ.
(٢)
البخاري ٥/ ٧٣ -٧٨.
(٣) الجمارة: قلب النخلة، شَبَّه ساقه بها لبياضها.
(٤) ابن هشام ١/ ٤٧٨.
٢٧٢

أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم، فقالوا: أين
أبوكِ؟ قلتُ: لا أدري واللهِ أين أبي، فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشاً
خبيثاً - فلطمني على خَدِّي لطمةً طرح منها قُرْطي .
وحدثني يحيى بن عبّاد بن عبدالله بن الزُّبير أنّ أباه حدّثه عن جدّته
أسماء بنت أبي بكر قالت: لمّا خرج رسول الله وَّ وخرج معه أبو بكر،
احتمل أبو بكر ماله كلَّه معه، خمسة آلاف أو ستة آلاف دِرْهم، فانطلق
به معه، فدخل علينا جدّي أبو قُحافة - وقد ذهب بَصَره - فقال: والله إنّي
لأراه فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلّ يا أبه، قد ترك لنا خيراً
كثيراً. قالت: فأخذتُ أحجاراً فوضعتها في كُوَّةٍ من البيتِ كان أبي يضع
فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يدك على
هذا المال فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد
أحسنَ، وفي هذا بلاغٌ لكم، قالت: ولا والله ما تركَ لنا شيئاً، ولكنِّي
أردتُ أن أُسكِّنَ الشيخ(١) .
وحدثني الزُّهْرِيّ، أنّ عبدالرحمن بن مالك بن جُعْشُم حدّثه، عن
أبيه، عن عمّه سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم، قال: لمّا خرج رسول الله وَل
من مكة مهاجراً، جَعلَتْ قريش فيه مئةَ ناقةٍ لِمَنْ ردَّه، قال: فبينا أنا
جالسٌ، أقبلَ رجلٌ منّا فقال: والله لقد رأيتُ رَكْباً ثلاثة مُّوا عليَّ آنفاً،
إنّي لَأَرَاهم محمداً وأصحابَه، فأومأتُ إليه، يعني أن اسكُتْ، ثم قلتُ:
إنّما هم بنو فلان يبتغون ضالَّةً لهم، قال: لعلّه، قال: فمكثتُ قليلاً، ثمّ
قمتُ فدخلتُ بيتي، فذكر نحو ما تقدّم (٢) .
قال: وحُدِّثْتُ عن أسماء بنت أبي بكر قالت: فمكثنا ثلاثَ ليالٍ ما
ندري أين وجَّه رسولُ الله ◌َِّ، حتى أقبل رجلٌ من الجنّ من أسفل مكة
(١) ابن هشام ٤٨٨/١.
(٢) ابن هشام ٤٨٩/١.
٢٧٣

يتغنّى بأبياتٍ من شِعر غناء العرب، وإنّ النّاس ليتبعونه، ويسمعون
صوته، حتى خرج من أعلى مكة، وهو يقول:
جزَى الله رَبُّ النّاس خيرَ جزائه رفيقين حلاً خيمَتَيْ أمِّ مَعْبِدٍ
فأفلحَ مَن أمسَى رفيقَ محمدٍ
هما نزلا بالبرِّ ثَمّ تروَّحا
ومقعدها للمؤمنين بمرصَدِ
ليهْنِ بني كعبِ مكانُ فتاتهم
قالت: فعرفنا حيث وجَّه رسولُ اللهِ وَّهِ وأنَّ وجهه إلى
المدينة(١).
قلت: قد سقتُ خبرَ أمّ مَعْبَد بطوله في صفته بَّ، كما يأتي إن شاء
الله تعالى .
وقال يحيى بن زكريا بن أبي زائدة: حدثنا محمد بن عبدالرحمن بن
أبي ليلى، قال: حدثنا عبدالرحمن ابن الأصبهانيّ، قال: سمعتُ
عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بكر الصِّدّيق قال: خرجت مع النبي
وَ ل﴿ من مكة، فانتهينا إلى حيٍّ من أحياء العرب، فنظر رسول الله وَلَّل إلى
بيتٍ متنحِّياً، فقصد إليه، فلمّا نزلنا لم يكن فيه إلّ امرأة، فقالت: يا
عبدَي الله إنّما أنا امرأةٌ وليس معي أحد، فعليكما بعظيم الحيِّ إنْ أردتُم
القِرَى. قال: فلم يُجبِّها، وذلك عند المساء، فجاء ابنٌ لها بأعنُز له
يسوقها، فقالت له: يا بُنَيّ انطلق بهذه العنز والشفرة إليهما فقُلْ: اذبحا
هذه وكُلا وأطعِمانا، فلمّا جاء قال له النبي وَّر: ((انطلق بالشَّفرة وجئني
بالقدح)). قال: إنّها قد عَزبت وليس لها لبنٌ. قال: انطلق، فانطلقَ فجاء
بقدحٍ، فمسح النبيُّ نَّهَ ضَرْعَها، ثمّ حلبَ حتى ملأ القدح، ثم قال:
انطلِقِ به إلى أمّك، فشربتْ حتى رَوِيت، ثم جاء به فقال: انطلِقْ بهذه
وجئني بأخرى، ففعل بها كذلك، ثم سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى،
(١) ابن هشام ١/ ٤٨٧-٤٨٨
٢٧٤

ففعل بها كذلك، ثم شربَ وَّة، قال: فبتنا ليلتَنَا ثمّ انطلقنا، فكانت
تسمّيه (المبارَك))، وكثُر غَنمُها حتى جلبت جَلَباً إلى المدينة، فمرَّ أبو
بكر فرآهُ ابنُها فعرفه فقال: يا أمَه إنَّ هذا الرجلَ الذي كان مع المبارك.
فقامت إليه فقالت: يا عبدَالله مَن الرجلُ الذي كان معك؟ قال: وما
تدرين مَن هُوَ! قالت: لا، قال: هو النبيُّ ◌َلّ. قالت: فأدخِلْني عليه،
فأدخَلَها عليه فأطعمها وأعطاها.
رواه محمد بن عمران بن أبي ليلى، وأسد بن موسى، عن يحيى،
وإسناده نظيف لكن مُنقطع بين أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
أوس بن عبدالله بن بُرَيْدَة: أخبرنا الحسين بن واقد، عن ابن بُرَيْدة،
عن أبيه، أنّ النبي ◌َّ كان يتفاءل، وكانت قريش قد جعلت مئة من
الإبل لمن يردُّه عليهم، فركب بُرَيْدة في سبعين من بني سهم، فلقي نبيَّ
الله ليلاً فقال له: مَنْ أنتَ؟ قال: بُرَيْدة. فالتفتَ إلى أبي بكر فقال: بَرَدَ
أمرُنا وصَلُح، ثم قال: ومِمَّنْ؟ قال: مِنْ أسلم. قال لأبي بكر: سَلِمْنا،
ثم قال: ممّن؟ قال: من بني سَهْم. قال: خرج سهمُك. فأسلم بُرَيْدَةُ
والذين معه جميعاً، فلمّا أصبحوا قال بُرَيْدَةٌ للنبيِّ وَّهِ: لا تدخل المدينة
إلّ ومعك لواء، فحلّ عِمامَته ثم شدّها في رُمْح، ثمّ مشى بين يدي النبيِّ
بَّه وقال: يا نبيّ الله تنزل عليَّ. قال: إنّ ناقتي مأمورة. فسار حتى
وقفتْ على بابِ أبي أيّوب فَبَرَكَتْ. قلت: أوْس متروك.
وقال الحافظ أبو الوليد الطّيالسيُّ: حدثنا عُبَيْد الله بن إياد بن ◌َقِيط،
قال: حدثنا أبي، عن قيس بن النُّعْمان، قال: لما انطلق النبي وَلَل وأبو
بكر مُسْتَخْفِيَيْن مروا بعبدٍ يرعى غنماً فاستسقياه اللَّبن، فقال: ما عندي
شاةٌ تحلب، غير أنّ ها هنا عَناقاً حملت أوّل الشتاء، وقد أخدجت وما
بقيَ لها لبن. فقال: ادْعُ بها، فدعا بها، فاعتقلها النبيُّ بَّر ومسح
ضَرْعَها ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجنٌّ فحلب فسقى أبا بكر،
٢٧٥

ثم حلب فسقى الرّاعي، ثم حلب فشرب، فقال الرّاعي: باللهِ مَنْ أنتَ،
فَوَالله ما رأيتُ مثلكَ قطّ؟ قال: ((أتكتمُ عليَّ حتى أُخبرك))؟، قال: نعم،
قال: فإنّي محمدٌ رسول الله. فقال: أنتَ الذي تزعمُ قريش أنّه صابىء؟
قال: ((إنّهم ليقولون ذلك)). قال: فَأَشْهَدُ أنّك نبيٌّ، وأشهدُ أنَّ ما جئتَ
به حقٌّ، وأنّه لا يفعلُ ما فعلتَ إلّ نبيٌّ، وأنا مُتَبِعُك. قال: ((إنّك لن
تستطيع ذلك يومك، فإذا بَلَغَك أنِّي قد ظهرت فائتنا».
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(١)، قال: فحدثني محمد بن
جعفر بن الزُّبَيْر، عن عُرْوة بن الزُّبَير، عن عبدالرحمن بن عُوَيم بن
ساعدة، عن رجالٍ من قومه، قالوا: لمّا بَلَغَنا مخرجُ رسولِ الله وَِّ من
مكة، كنّا نخرج كُلَّ غَداةٍ فنجلس له بظاهر الحرَّة، نلجأ إلى ظلّ الجُدُر
حتى تغلبنا عليه الشمسُ، ثمّ نرجع إلى رِحالنا، حتى إذا كان اليوم الذي
جاء فيه رسولُ الله ◌َّ﴾، جلسنا كما كنّا نجلس، حتى إذا رجعنا جاء
رسولُ اللهِ وَّ، فرآه رجلٌ من اليهود، فنادى: يا بني قَيْلَة هذا جَدُّكم قد
جاء، فخرجنا وَرسول الله وََّ قد أناخ إلى ظلِّ هو وأبو بكر، والله ما
ندري أيُّهما أسَنُّ، هما في سنٌّ واحدة، حتى رأينا أبا بكرٍ ينحازُ له عن
الظُّلِّ، فعرفنا رسول الله وَ له بذلك، وقد قال قائل منهم: إنّ أبا بكر قام
فأظَلَّ رسول الله ◌َّه بردائه، فعرفناه.
وقال محمد بن حِمْيَر، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة: حدثني عُقْبة بن
وسّاج، عن أَنَس بن مالك أنّ النبي ◌ََّ قدِم، يعني المدينة، وليس في
أصحابه أشمطُ (٢) غيرُ أبي بكر، فَغَلَّفَها بالحِّاء والكَتْم. أخرجه
البخاري(٣)، من حديث محمد بن حِمْيَر.
(١) ابن هشام ١/ ٤٩٢ .
(٢) أي: خالط شعره البياض.
(٣) البخاري ٨٢/٥.
٢٧٦

وقال شُعْبَة: أنبأنا أبو إسحاق، قال: سمعت البَرَاء يقول: أوّل من
قدِمَ علينا من الصّحابة مُصْعَب بن عُمَير، وابنُ أمّ مكتوم، وكانا يُقْرِئان
القرآن، ثم جاء عمّار، وبلال، وسعد، ثمّ جاء عمر بن الخطّاب في
عشرين راكباً، ثمّ جاء رسولُ اللهِ وَّرَ، فما رأيتُ أهلَ المدينة فرحوا
بشيءٍ قطّ فَرَحَهُم به، حتى رأيت الولائدَ والصّبيان يسْعَوْن في الطُّرُق
يقولون: جاء رسول الله وَله، فما قدِم المدينةَ حتى تعلّمت ﴿سَيِحٍ أَسْمَ رَّكَ
اُلْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى] في مثلها من المفضَّل. خ (١).
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، في حديث الرَّحْل،
قال أبو بكر: ومضى رسول الله وَل﴿ وأنا معه، حتّى قدِمْنا المدينةَ ليلاً،
فتنازعه القوم أيُّهم ينزل عليه، فقال رسول الله وَله: ((إنّي أنزل اللَّيلَة
على بني النّجّار أخوال بني عبدالمطّلب أُكْرِمُهم بذلك، وقَدِمَ النّاسُ حين
قدِمْنا المدينةَ، في الطّريق وعلى البيوت، والغِلْمان والخَدَم يقولون:
جاء رسول الله، جاء رسول الله وَ الل الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء
محمد رَّه، فلمّا أصبح انطلق فنزلَ حيثُ أُمِرَ. مُنَّفَقٌ عليه(٢).
وقال هاشم بن القاسم: حدثنا سليمان - هو ابن المغيرة - عن
ثابت، عن أَنَس، قال: إنّي لأسعى في الغُلْمان يقولون: (جاء محمد)،
وأسعى ولا أرى شيئاً، ثمّ يقولون: (جاء محمد)، فأسعى، حتى جاء
النبيُّ ◌َّةٍ وصاحبُه أبو بكر فكمَنَا في بعض جدار المدينة، ثمّ بعثا رجلاً
من أهل البادية لِيُؤْذِن بهما الأنصار، قال: فاستقبلهما زُهَاء خمس مئة
من الأنصار، حتى انتهوا إليهما، فقالوا: انْطَلِقًا آَمِنَيْن مُطاعَيْن. فأقبل
رسول الله مَ﴿ وصاحبُهُ بين أَظْهُرِهم، فخرج أهلُ المدينة، حتّى إنَّ
العواتقَ لَفَوْقَ البيوتِ يَتَرَاءَيْنَهُ يقُلْن: أيُّهم هو؟ أَيُّهم هُو؟ قال: فما
(١) البخاري ٨٤/٥ .
(٢) هكذا قال، وإنما تفرد به البخاري دون مسلم، فأخرجه ٨٣/٥ و٨٤ و٢٠٨/٦.
٢٧٧

رأينا منظراً شبهاً به يومئذٍ. صحيح.
وقال الوليد بن محمد المُوَقَّريّ وغيره، عن الزُّهْري، قال: فأخبرني
عُرْوة أنّ الزُّبَير كان في رَكْب تجّارٍ بالشام، فقفلوا إلى مكة، فعارضوا
رسولَ الله وَّر وأبا بكر بثياب بياض، وسمع المسلمون بمخرج رسول
الله ◌ََّ، فكانوا يَغْدون كلّ غَداةٍ إلى الحَرَّة فينتظرونه، حتى يَرُدَّهم نحرُ
الظَّهِيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظاره، فلمّا أَوَوْا إلى بيوتهم، أوفى
رجلٌ من يهود أُطُماً من آطامهم لشأنه، فبصُرَ برسول الله وَّ وأصحابه
مُبيِّضين يزولُ بهم السَّرابُ فلم يملك اليهوديُّ أنْ قال بأعلى صوته: يا
معشر العُريب هذا جدُّكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح،
فلقوا رسولَ اللهِ وَلَهَ بظهر الحَرَّة، فعدل بهم رسولُ اللهِ وَِّ ذات اليمين،
حتى نزل في بني عَمْرو بن عَوْف من الأنصار، وذلك يوم الإثنين من
شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر يُذَكِّرُ النّاسَ، وجلس رسولُ اللهِ وَه
صامتاً، فطفِقٍ مَنْ جاء من الأنصار ممّن لم يَرَ رسولَ الله ◌َّ يحسبه أبا
بكر، حتى أصابت الشمسُ رسولَ الله ◌َّله، فأقبل أبو بكر حتى ظلَّل عليه
بردائه، فعرفوا رسولَ الله عند ذلك، فلبِث في بني عَمْرو بن عَوْف بِضْعَ
عشرة ليلة .
وأَسّس المسجدَ الذي أُسِّس على التَّقْوَى، فصلّى فيه، ثم ركب
راحلته فسار، فمشى معه النّاسُ، حتى بركت بالمدينة عند مسجدِه وَّے،
وهو يصلّي فيه يومئذ رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً للتَّمْرِ لسَهْلٍ
وسُهَيْل، غلامين يتيمين أخَوَين في حِجْر أسعد بن زُرَارة من بني النّجّار،
فقال حين بركت به راحلتُه: ((هذا إنْ شاء الله المنزل)). ثمّ دعا الغلامين
فساومهما المِرْبَد ليتَّخذَهُ مسجداً، فقالا: بل نَهبه لكَ. فأبى حتى ابتاعه
وبناه(١) .
(١) أخرجه البخاري ٧٣/٥-٧٨.
٢٧٨

وقال عبدالوارث بن سعيد وغيره: حدثنا أبو النَّاح، عن أَنَس،
قال: لما قدِم رسولُ اللهِوَ ﴿ المدينةَ نزل في علْو المدينة في بني عَمْرو
ابن عَوْف، فأقام فيهم أربعَ عشرة ليلة، ثمّ أرسل إلى ملأ بني النّجار،
فجاؤوا متقلِّدين سيوفَهم، فكأنّي أنظرُ إلى رسولِ اللهِ وَل ◌َه وأبو بكر
رِدْفَه، وملأُ بني النّجّار حوله، حتى ألقى بِفناء أبي أيّوب. مُتَّفقٌ
عليه(١) .
وقال عثمان بن عطاء الخُراسانيّ، عن أبيه، عن عِكْرِمَة، عن ابن
عباس قال: لمّا دخل النبيُّ نَّهَ المدينة مرّ على عبدالله بن أُبَيّ وهو
جالس على ظهر الطّريق، فوقف عليه رسول الله وَلّه يَنْظر أنْ يدعوه إلى
المنزل، وهو يومئذٍ سيّدُ أهلِ المدينة في أنفسهم، فقال عبدالله: انظر
الذين دعوك فَأَتِهِم، فعمدَ إلى سعد بن خَيْثَمة، فنزل عليه في بني عَمْرو
ابن عَوْف ثلاثَ ليالٍ، واتّخذ مكانه مسجداً فكان يصلّي فيه، ثم بناه بنو
عَمْرو، فهو الذي أُسِّس على التَّقْوَى والرِّضوان.
ثم إنّه ركب يوم الجمعة، فمرَّ على بني سالم، فَجَمَّع فيهم، وكانت
أول جمعة صلّها حين قَدِمَ المدينةَ، واستقبل بيتَ المقدس، فلمّا
أبصرته اليهودُ صلّى قِبْلَتهم طَمِعُوا فيه لِلَّذِي يَجدونَهُ مكتوباً عندهم، ثم
ارتحلَ فاجتمعت له الأنصارُ يُعظَّمون دِينَ الله بذلك، يمشون حول ناقة
رسول الله وَل﴾، لا يزال أحدهم ينازع صاحبَه زِمامَ النّاقة، فقال: خَلُّوا
سبيلَ النّاقة، فإنّما أَنزِلُ حيث أَنزلني اللهُ. حتى انتهى إلى دارِ أبي أيّوب
في بني غَنْم، فبركتْ على الباب، فنزل، ثمّ دخل دارَ أبي أيّوب، فنزل
عليه حتى ابتنى مسجده ومسكنه في بني غَنْم، وكان المسجد موضعاً
للتّمر لابنَيْ أخي أسعد بن زُرَارة، فأعطاه رسولَ الله ◌َّر، وأعطى ابنيْ
(١) البخاري ١١٧/١ و٢٥/٣ و١٤/٤ و١٥ و٨٦/٥، ومسلم ٦٥/٢ و ١٨٨/٥.
٢٧٩

أخيهِ مكانه نخلاً له في بني بياضة، فقالوا: نُعطيه رسولَ الله وَ لّ لا نأخذ
له ثمناً، وبنى النبي # لحمزة ولعليّ ولجعفر، وهم بأرضٍ الحبشة،
وجعل مسكنهم في مسكنه، وجعل أبوابهم في المسجد مع بابه، ثمّ إنّه
بدا له، فصرف بابَ حمزة وجعفر. كذا قال: وهُم بأرض الحبشة،
وإنّما كان عليٍّ بمكة. رواه ابن عائذ، عن محمد بن شعيب، عنه.
وقال موسى بن عُقْبة: يقال: لمّا دنا رسولُ اللهِ وَلجه وأبو بكر من
المدينة، وقدِم طلحة بن عبيدالله من الشام، خرج طلحة عامداً إلى مكة،
لمّا ذُكِر له رسولُ اللهِ وَّهِ وأبو بكر، خرج إمّا متلقيّاً لهما، وإمّا عامداً
عَمْده بمكة، ومعه ثيابٌ أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلمّا لَقِيه
أعطاه الثيابَ، فليس رسولُ الله ◌َّه وأبو بكر منها.
وقال الوليد بن مسلم، عن عبدالله بن يزيد، عن أبي البَدّاح بن
عاصم بن عَدِيّ، عن أبيه: قدِم رسول الله بَّر المدينةَ يوم الاثنين،
لاثنتي عشرة ليلةٍ خَلَتْ من ربيع الأول، فأقام بالمدينة عشر سنين.
وقال ابن إسحاق(١) : المعروف أنّه قدِم المدينةَ يوم الاثنين لِثْنَتي
عشرة ليلة مَضَتْ من ربيع الأول، قال: ومنهم من يقول لليلتين مَضَتا
منه. رواه یونس وغیره، عن ابن إسحاق.
وقال عبدالله بن إدريس: حدثنا ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر،
عن عُرْوَة، عن عبدالرحمن بن عُوَيْم، قال: أخبرني بعض قومي، قال:
قدِم رسول الله وَ ◌ّر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مَضَتْ من ربيع الأول،
فأقام بقُباء بقيّة يومه وثلاثة أيام، وخرج يوم الجمعة على ناقته القَصْوَاء،
وبنو عَمْرو بن عَوْف يزعمون أنّه لِث فيهم ثماني عشرة ليلة .
وقال زكريا بن إسحاق: حدثنا عَمْرو بن دينار، عن ابن عباس،
(١) انظر سيرة ابن هشام ١ / ٤٩٢، وتاريخ خليفة ٥٥ .
٢٨٠