Indexed OCR Text

Pages 121-140

حين قالت لأبي طالب ما قالوا، بعث إلى رسولِ اللهِ وَلّ فقال: يا ابن
أخي إنَّ قومك قد جاءوا إليَّ فقالوا: كذا وكذا، فأبقِ عليَّ وعلى
نفسك، ولا تُحَمِّلني من الأمرِ ما لا أُطيقُ. فظنَّ رسولُ الله ◌َِّ أنّه قد بدا
لعمّه بَدَاء وأنّه خاذله ومُسلِمه، فقال: ((يا عمّ لو وضعوا الشمسَ في
يميني والقمرَ في شمالي على أنْ أتركَ هذا الأمرَ حتى يظهره الله أو أهلك
فيه ما تركتُه))، ثم استعبر رسولُ اللهِ وَّ ثم قام، فلمّا ولَّى ناداه أبو
طالب، فقال: أقبل يا ابن أخي. فأقبلَ إليه فقال: اذهب فقُل ما أحببتَ
فَوَالله لا أُسْلِمُك أبداً.
قال ابن إسحاق فيما رواه عنه يونس: ثم قال أبو طالب في ذلك
شعراً .
حتى أُوَسَّد في التُّرابِ دَفِينا
والله لن يصِلوا إليك بجمعهم
أبشِرْ وقرَّ بذاك منك عيونا
فامضٍ لأمركَ ما عليكَ غَضَاضَةٌ
فلقد صدقت، وكنت قدماً أمينا
ودعوتَني وزعمت أنّك ناصحي
من خير أديان البَرِيَّة دِينا
وعرضتَ دِيناً قد عرفتُ بأنهُ
لَوَجَدتَنِي سَمحاً بذاك مُبينا
لولا الملامةُ أو حَذَارِي سُبَّةً
وقال الحارث بن عُبَيد: حدثنا الجُرَيْري، عن عبدالله بن شقيق، عن
عائشة، قالت: كان رسولُ اللهِ وَلَ يُحرس حتى نزلت ﴿وَاللَّهُ يَعْضِمُكَ
٢﴾ [المائدة] فأخرجَ رأسه من القُبَّة فقال لهم: ((أيّها النّاس
مِنَ النَّاسَِّ
٦٧١١
انصرفوا فقد عَصَمني الله)) .
وقال محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن المُنكَدِر، عن ربيعة
ابن عبّاد الدُّؤليّ، قال: رأيت النّبي ◌َّ بسوق ذي المجاز يتبع النّاسَ في
منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجلٌ أحوَل تقدّ وجنتاه، وهو يقول:
لا يَغُرَّنَّكُم عن دِينِكُم ودينِ آبائكم. قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: أبو لَهَب.
١٢١

وقال عبدالرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن ربيعة بن عباد من
بني الدِّيل، وكان جاهلياً فأسلم، أنه رأى النبي ◌ّ بذي المَجَاز، وهو
يمشي بين ظَهرَاني الناس يقول: ((يا أيها الناسُ قُولوا لا إله إلّ الله
تُفلحوا، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا))(١) ووراءه أبو لهبٍ. فذكر
الحديث. قال ربيعة: وأنا يومئذ أزفرُ القِربةَ لأهلي.
وقال شُعبة، عن الأشعث بن سُلَيم، عن رجلٍ من كنانة، قال:
رأيتُ رسولَ الله ◌ِ ليه بسوق ذي المجاز، وهو يقول: ((قولوا لا إله إلّ الله
تُفلحوا)). وإذا خلفه رجلٌ يَسفي عليه الثُّرابَ، فإذا هو أبو جهل ويقول:
لا يَغُرَّنَّكُم هذا عن دينكم، فإنّما يريدُ أنْ تتركوا عبادةَ اللّت والعُزَّى.
إسناده قويّ .
وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: حدثني نُعَيم بن أبي هند، عن
أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّرُ محمدٌ وجهَهُ
بين أظهُرِكُم؟ قيل: نعم، فقال: واللّت والعُزَّى لئِن رأيتُهُ يفعل ذلك
لأطَأنَّ على رقبته ولأعقِّرنَّ وجهَهُ. فأتى رسولَ الله وَّل وهو يصلي لِيَطَأ
على رَقَبَتِهِ، فما فَجَأْهُم منه إلّ وهو يَنْكُصُ على عقبَيْه ويثَّقي بيدَيه،
فقيل له: ما لَكَ؟ قال: إنّ بيني وبينه لَخَندقاً من نار. فقال رسول الله
◌َّ: (لو دنا مني لاختَطَفَتُهُ الملائكة عضواً عضواً)). أخرجه مسلم (٢).
وقال عِكرِمة، عن ابن عباس: قال أبو جهل: لَئِن رأيتُ محمداً
يصلي عند الكعبة لاطَأنَّ عنُقَهُ. فبلغ النبيِ نَّه فقال: ((لو فعلَ لأخذَتُهُ
الملائكةُ عِيانا)). أخرجه البخاري(٣).
(١) هكذا بخط المؤلف مرتين وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
(٢) مسلم ١٣٠/٨.
(٣) البخاري ٢١٦/٦.
١٢٢

وقال محمد بن إسحاق(١) : ثم إنّ قريشاً أتوا أبا طالب فقالوا: يا
أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهدُ فتىّ في قريش وأجمله، فَخُذهُ فلكَ
عَقلُهُ ونُصرته واتّخِذه ولداً فهو لك، وأَسلِمْ إلينا ابنَ أخيك هذا الذي قد
خالف دِينكَ ودينَ آبائك نقتله، فإنّما رجلٌ كرجل. فقال: بئس والله ما
تسومونني، أَتُعطُوني ابنكم أغْذُوهُ لكم، وأُعطيكم ابني تَقتُلُونه! هذا والله
ما لا يكونُ أبداً. فقال المُطعِم بن عَدِي بن نوفل بن عبد مَناف: والله يا
أبا طالب لقد أنصفك قومُك وشهدوا(٢) على التخلُّص مما تكره، فما
أراك تريد أنْ تقبلَ منهم شيئاً. فقال: والله ما انصفوني ولكنّك قد
أجمعتَ خذلاني ومظاهرةَ القوم عليّ، فاصنعْ ما بَدَا لك. فَحَقَب الأمرُ،
وحميت الحرب، وتنابذ القوم، فقال أبو طالب :
ألا قُل لعَمرو والوليد ومُطعم ألا ليت حظي من حياطتكم بكرُ(٣)
من الخُور حَبحَابٌ (٤) كثير رُغَاؤه يرَشُّ على الساقين من بَوله قَطْرُ
أرى أخَوَينا من أبينا وأُمّنا إذا سُئلا قالا إلى غيرنا الأمرُ
أخُصُ خصوصاً عبدَ شمس ونَوفَلاَ هما نَبَذَانا مثلما يُنْبَذُ الجَمرُ
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق: حدثني شيخ من أهل مصر،
منذ بضعٍ وأربعين سنة، عن عِكرِمة، عن ابن عباس في قصّة طويلة
جرت بين المشركين وبين النبي ◌ّر، فلما قام عنهم قال أبو جهل: يا
معشرَ قريش إنّ محمداً قد أبى إلّ ما ترون من عَيب دِيننا، وشتم آبائنا،
وتسفيه أحلامنا، وسبِّ آلهتنا، وإنّي أعاهدُ الله لأجلسنَّ له غداً بحجر،
فإذا سجد فَضختُ به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.
(١) ابن هشام ٢٦٦/١-٢٦٧.
(٢) هكذا بخط المؤلف، وفي السيرة: ((وجهدوا)).
(٣) أي: الفتي من الإبل.
(٤) الحبحاب: الصغير.
١٢٣

فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً وجلس، وأتى النبيُّ ونَ﴿ فقام يصلي بين
الرُّكنين الأسود واليَماني، وكان يصلي إلى الشام، وجلست قريش في
أنديتها ينظرون، فلما سجد رسول الله وَالر احتمل أبو جهل الحجرَ ثم
أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع مرعوباً منتقعاً لونُه، قد يبست يداه
على حجره، حتى قذف به من يده، وقامت إليه رجالُ قريش فقالوا: ما
لَكَ يا أبا الحَكَم؟ فقال: قمتُ إليه لأفعل ما قلتُ لكم فلما دنوتُ منه
عرض لي دونه فَحلٌ من الإبلِ، والله ما رأيتُ مثلَ هامته ولا قصَرَتِهِ(١)
ولا أنيابه لفحلٍ قَطّ، فهمَّ أنْ يأكلني.
قال ابن إسحاق: فذُكرَ لي أنَّ رسولَ اللهِ وَ ل﴿ه قال: ذاك جبريل عليه
السلام لو دَنا مني لأخَذَه(٢).
وقال المُحَاربي وغيره، عن داود بن أبي هند، عن عِكرمة، عن ابن
عباس، قال: مرّ أبو جهل بالنبيِّ وَّر وهو يصلي، فقال: ألم أَنْهكَ عن
أنْ تصلي يا محمد؟ لقد علمتَ ما بها أحدٌ أكثر نادياً مني. فانتهره النبيُّ
مَه، فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَةُ ﴿) سَنَدْعُ الزَّبَانَةَ ﴿3﴾ [العلق]. والله لو
دعا نادِيَه لأخذَته زبانية العذاب.
وقال البيهقي(٣): أخبرنا الحاكم، قال: أخبرنا محمد بن علي
الصَّنعاني بمكة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا
عبدالرزاق، عن مَعمَر، عن أيّوب، عن عكرِمة، عن ابن عباس أنّ الوليد
ابن المُغيرة جاء إلى النبي ◌َّهِ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقَّ له، فبلغ ذلك
أبا جهلٍ، فأتاه فقال: يا عم إنَّ قومكَ يرون أنْ يجمعوا لك مالاً. قال:
لِمَ؟ قال: ليُعطُوكَ فإنّك أتيتَ محمداً لتعرّضَ لِما قِبَله. قال: قد عَلِمَتْ
(١) القَصَرَة: العنق.
(٢) انظر سيرة ابن هشام ٢٩٩/١.
(٣) دلائل النبوة ١٩٨/٢ - ١٩٩.
١٢٤

أنّي من أكثرها مالاً. قال: فَقُل فيه قولاً يبلُغُ قومكَ أنّكَ مُنكِرٌ لها، أو
أنّك كارهٌ له. قال: وماذا أقول؟ فَوَالله ما فيكم رجلٌ أعلمُ بالأشعار
مني، ولا أعلم برَجزه ولا بقصيدته مني، ولا بأشعار الجِنّ، والله ما
يُشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إنّ لقوله الذي يقول حلاوةً، وإنّ
عليه لطَلاوةً، وإنّه لمُثمِرٌ أعلاه، مغدِقٌ أسفلُه، وإنه لَيَعلو وما يُعلى،
وإنّه ليَحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومُكَ حتى تقولَ فيه. قال:
فَدَعنِي حتى أُفكِّرَ فيه. فلما فَكَّرَ قال: هذا سِحرٌ يُؤثَر، يأثَرُه عن غيره،
فنزلت ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (!)﴾ [المدثر] يعني الآيات. هكذا رواه
الحاكم موصولاً. ورواه مَعمَر، عن عَبّاد بن منصور، عن عكرمة
مُرسلاً. ورواه مختصراً حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مُرسلاً.
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي
محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس أنّ الوليد بن
المُغيرة اجتمع ونفرٌ من قريش، وكان ذا سِنِّ فيهم، وقد حضر الموسمُ،
فقال: إنَّ وفودَ العرب ستقدمُ عليكم فيه، وقد سمعوا بأمرِ صاحبكم
فأجمعوا فيه رأياً واحداً ولا تختلفوا فيُكذِّب بعضكم بعضاً. قالوا: فقُل
وأقِم لنا رأياً. قال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع. قالوا: نقول كاهن.
فقال: ما هو بكاهنٍ، لقد رأيت الكُهان، فما هو بزمزمة الكاهن
وسحره(١) . فقالوا: نقول مجنون. فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأينا
الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته. قال: فنقول
شاعر. قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشِّعرَ برَجزه وهَزجه وقريضه
ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشِّعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو
بساحر، قد رأينا السُّحارَ وسحرَهم، فما هو بِنَفئه ولا عقده. فقالوا: ما
(١) هكذا بخط المؤلف، وفي سيرة ابن هشام - وهي عن رواية البكائي -:
((و سجعه)) .
١٢٥

تقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إنّ لقوله حَلاوة وإنّ أصله لَغَدِق وإنّ
فرعه لَجَنيّ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلّ عُرِفَ أنّه باطلٌ، وإنّ
أقربَ القولِ أنْ نقول ساحر يفرّق بين المرء وبين ابنه وبين المرء وبين
أخيه وبين عشيرته. فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون للناس حين
قدِموا الموسم، لا يمرُّ بهم أحد إلّ حذَّروه. فأُنزل في الوليد: ﴿ ذَرْفِ
وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا لِأَ﴾ إلى قوله: ﴿سَأُصْلِهِ سَقَرَ ®)﴾ [المدثر] وأنزل الله
في الذين كانوا معه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ (٣)﴾ [الحجر] أي:
أصنافاً، ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾﴾ [الحجر].
وقال ابن بُكَير، عن ابن إسحاق، عن رجلٍ، عن عِكرِمة، عن ابن
عباس، قال: قام النَّضر بن الحارث بن كَلَدَة العَبدَرِي، فقال: يا معشر
قريش، إنّه والله لقد نزل بكم أمرٌ ما ابتُلِيتم بمثله، لقد كان محمد فيكم
غلاماً حَدَثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانةً، حتى
إذا رأيتم في صدغيه الشَّيب، وجاءكم بما جاءكم، قلتم ساحر، لا والله
ما هو بساحر، ولا بكاهن، ولا بشاعر، قد رأينا هؤلاء وسمعنا
كلامهم، فانظروا في شأنكم. وكان النَّضر من شياطين قريش، ممّن
يؤذي رسولَ الله وَلّه وينصبُ له العداوة.
وقال محمد بن فُضَيل: حدثنا الأجلح، عن الذَّيَّال بن حَرملة، عن
جابر بن عبدالله، قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: لقد انتشر علينا
أمرُ محمد، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر والكهانة والشِّعر، فكلَّمَه
ثم أتانا ببيانٍ من أمره. فقال عُتبة: لقد سمعت بقول السَّحَرة(١)
والكهانة والشِّعر، وعلمت من ذلك عِلماً، وما يخفى عليَّ إنْ كان
كذلك. فأتاه، فلمّا أتاه قال له عُتبة: يا محمد أنت خيرٌ أم هاشم، أنت
(١) هكذا بخط المؤلف، وقد ضبب على التاء لأن السياق: ((السحر))، لكنه نقل
الخبر كما هو، وهي كذلك ((السحرة)) في دلائل النبوة للبيهقي (٢٠٣/٢).
١٢٦

خيرٌ أم عبدالمطَّلب، أنت خيرٌ أم عبدالله؟ فلم يُجِبه، قال: فَبِمَ تشتم
آلهتنا وتضلِّل آباءنا، فإنْ كنتَ إنّما بك الرياسة عقدنا لك ألويتنا، فكنت
رأسنا ما بقيتَ، وإنْ كان بك الباءة زَوَّجناك عَشرَ نِسْوَةٍ تختارُ من أيِّ
أبياتٍ قريشٍ شئتَ، وإنْ كان بك المالُ جمعنا لك من أموالنا ما تستغني
به أنتَ وعقِبك من بعدك، ورسول الله ◌َّ ساكتٌ، فلمّا فرغ قال رسول
الله وَلَهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَمّ (١) تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٢
[فصلت] فقرأ حتى بلغ ﴿أَنَذَرْتُكُمْ صَعِقَةُ مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ
[فصلت] فأمسك عُتبة على فيه، وناشده الرَّحِمَ أن يكفّ عنه، ولم
يخرج إلى أهله واحتبسَ عنهم، فقال أبو جهل: يا مَعشَرَ قريش والله ما
نرى عُتبة إلّ قد صَبَأ إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلّ من حاجةٍ
أصابته، انطَلِقوا بنا إليه. فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عُتبة ما حسِبنا
إلّ أَنَّك صبوتَ، فإنْ كانت بك حاجةٌ جمعنا لك ما يُغْنيك عن طعام
محمد. فغضب وأقسم بالله لا يكلِّم محمداً أبداً، وقال: لقد علمتم أنّي
من أكثر قريش مالاً ولكنّي أتيته، فقصّ عليهم القصّة، فأجابني بشيءٍ
والله ما هو بسحرٍ ولا شعرٍ ولا كهانة، قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حَمّ ◌ِثْمَ، تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢٥) كِنَبُ فُصِلَتْ ءَايَتُهُ فُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ حتى بلغ ﴿فَقُلْ أَنْذَرَتُّكُمْ صَعِقَةُ مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ
١٣
[فصلت] فأمسكتُ بفِيهِ، وناشَدتُهُ الرحم أن يكفّ، وقد علمتم أنّ
محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفتُ أنْ ينزلَ بكم العذاب. رواه يحيى
ابن مَعِين عنه(١).
وقال داود بن عَمْرو الضَّبِّي: حدثنا المثنَّى بن زُرعة، عن محمد بن
إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما قرأ النبي ◌َّ على عُتبَة بن
ربيعة ﴿حَمّ (١) تَنْزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ أتى أصحابه فقال لهم: يا
(١) دلائل النبوة ٢٠٣/٢-٢٠٥.
١٢٧

قوم أطيعوني في هذا اليوم واعصُوني فيما بعده، فَوَالله لقد سمعت من
هذا الرجل كلاماً ما سمعت أُذُناي قطّ كلاماً مثله، وما دريتُ ما أردُّ
عليه .
ابن إسحاق(١) : حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب
القُرِي، قال: حدِّثتُ أنّ عُتبة بن ربيعة، لما أسلم حمزة قالوا له: يا أبا
الوليد كلِّم محمداً. فأتاه فقال: يا ابن أخي إنّك منّا حيث علِمتَ من
البسطة والمكان في النَّسَب، وإنّك أتيتَ قومَكَ بأمرٍ عظيم، فرَّقتَ به
بينهم، وسفَّهتَ أحلامَهم، وعبت به آلهتهم، فاسمع منّي. قال: قل يا
أبا الوليد. قال: إنْ كنت تريد مالاً جمعنا لك، حتى تكون أكثرنا مالاً،
وإنْ كنت تريد شَرَفاً سوَّدناك وملَّكناك، وإنْ كان الذي يأتيك رئياً طلبنا
لك الطِّبّ. حتى إذا فرغ قال: فاسمع منّي. قال: أفعل. قال: ﴿بِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَمَ (٥) تَنِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٥) كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ﴾
ومضى، فأنصت عُتبة، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع
منه، فلمّا انتهى رسولُ الله ◌َ﴿ إلى السَّجدة سجد، ثم قال: قد سمعتَ یا
أبا الوليد فأنتَ وذاك. فقام إلى أصحابه، فقال بعضهم: نحلفُ والله لقد
جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس قالوا: ما
وراءك؟ قال: ورائي أنّي سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما
هو بالشِّعر ولا بالسِّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني،
واجعلوها بي، خَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله
ليكوننَّ لقوله نبأ، فإنْ تُصِبه العرب فقد كُفِيتُموه بغيركم، وإنْ يظهر على
العرب، فمُلكُه مُلكُكم، وعزُّه عزُّكم، وكنتم أسعدَ الناس به. قالوا:
سَحَرَك والله بلسانه. قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بَدَا لكم.
(١) ابن هشام ١/ ٢٩٣.
١٢٨

وقال يونس، عن ابن إسحاق(١): حدثني الزُّهري. قال: حُدِّثت
أنّ أبا جهل، وأبا سُفيان، والأخنس بن شَريق خرجوا ليلةً يلتمسون
يتسمَّعُون من رسول الله وَّه وهو يصلي بالليل في جوف بيته، وأخذ كلُّ
رجلٍ منهم مجلساً، وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه، فلما أصبحوا تفرّقوا
فجمعهم الطريق، فتلاوموا وقالوا: لا نعود فلو رآنا بعض الشُّفهاء لوقع
في نفسه شيء، ثم عادوا لمثل ليلتهم، فلما تفرقوا تلاقوا فتلاوموا
كذلك، فلمّا كان في الليلة الثالثة وأصبحوا جمعتهم الطريق فتعاهدوا أن
لا يعودوا، ثم إنّ الأخنس بن شَرِيق أتى أبا سفيان في بيته، فقال:
أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد
سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يُراد بها. فقال الأخنس: وأنا والذي
حلفتَ به. ثم أتى أبا جهل فقال: ما رأيك؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا
نحن وبنو عبد مَناف الشَّرفَ، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا،
وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الرّكب، وكنّا كَفَرَسَي رهان،
قالوا: منّا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه، والله لا نؤمن
به أبداً ولا نصدقه. فقام الأخنس عنه .
وقال يونس بن بُكَير، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن
المُغيرة بن شعبة، قال: إنّ أول يوم عرفتُ رسولَ الله وَِّ أنّي أمشي أنا
وأبو جهل، إذا لَقِيَّنَا رسولُ اللهَِّ فقال لأبي جهل: يا أبا الحَكَم هَلُمَّ
إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله. فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت
مُنتَهِ عن سِّبّ آلهتنا، هل تريد إلّا أنْ نشهد أنْ قد بلَّغتَ، فَوَالله لو أني
أعلم أنّ ما تقول حقاً ما اتّبعتُكَ. فانصرف رسول الله بِّر، وأقبل عليّ
فقال: والله إنّي لأعلمُ أنَّ ما يقول حقّ، ولكنَّ بني قصي قالوا: فينا
الحِجابة، فقلنا: نعم، فقالوا: ففينا النَّدوة، قلنا: نعم، ثم قالوا: فينا
(١) ابن هشام ٣١٥/١.
١٢٩

اللّواء، فقلنا: نعم، وقالوا: فينا السِّقاية، فقلنا: نعم، ثم أطعموا
وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منّا نبيٌّ. والله لا أفعل.
وقال ابن إسحاق(١) : ثم إنَّ قريشاً وثبت كلّ قبيلة على مَنْ أسلم
منهم يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، فمنع اللهُ رسولَهُ مَّ بعمه أبي
طالب، فقام أبو طالب فدعا بني هاشم وبني عبدالمطلب إلى ما هو عليه
من منع رسولِ الله ◌َّر والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه، إلّ ما
كان من الخاسر أبي لَهَب، فجعل أبو طالب يمدحهم ويذكر قديمهم،
ويذكر فضلَ محمد بَّهِ، وقال في ذلك أشعاراً، ثم إنّه لما خشي دَهماء
العرب أن يركبوه مع قومه، لمّا انتشر ذِكرُهُ قال قصيدته التي منها:
وقد قطعوا كلَّ العُرَى والوسائلِ
ولما رأيتُ القومَ لا وُدَّ فيهم
وقد طاوعوا أمرَ العدوِّ المُزايلِ
وقد صارحونا بالعداوةِ والأذى
وأبيضَ عَضْبٍ من تراث المقاوِلِ
وأمسكتُ من أثوابه بالوصائل
علينا بسوء أو مُلحِّ بباطلٍ
صبرتُ لهم نفسي بسمراءَ سمحةٍ
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي
أعوذُ بربِّ الناس من كل طاعنٍ
وفيها يقول :
كذبتم وبيتِ الله نُبزَى محمداً
ونُسلمه حتى نُصَرَّعَ حوله
وينهض قوم نحوكم غير عزل
وأبيضَ يُستَقْىُ الغمامُ بوجهه
يلوذ به الهُلَّك من آل هاشم
لعَمري لقد كلفتُ وجداً بأحمدٌ
فمن مثلُهُ في الناس أي مُؤَمَّل
ولَمَّا نُطاعِن دونه ونُنَاضل
ونذهلَ عن أبنائنا والحلائل
ببيضٍ حديث عهدها بالصَّياقِلِ
ثِمالُ اليتامى عِصمة للأراملِ
فهم عنده في رحمةٍ وفواضلٍ
وإخوته دأبَ المُحِبِّ المُوَاصِلِ
إذا قاسه الحكامُ عند التفاضلِ
(١) ابن هشام ١/ ٢٧٢.
١٣٠

حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غيرُ طائش
فَوَالله لولا أن أجيء بسُبَّة
لكُنَّا اتّبعناهُ على كلّ حالةٍ
لقد علموا أنّ ابننا لا مُكَذَّبٌ
فأصبح فينا أحمدٌ ذو أرومة
حَدِبْتُ بنفسي دونه وحميته
جزى الله عنّا عبدَ شمس ونَوفَلاً
يوالي إلهاً ليس عنه بغافلٍ
تُجَرُّ على أشياخنا في المحافلِ
من الدَّهر جداً غير قَول التهازلِ
لدينا ولا يُعنَى بقَول الأباطلِ
يقصِّر عنها سَورة المتطاولِ
ودافعت عنه بالذُّرى والكلاكلِ
عقوبةَ شرِّ عاجلاً غيرَ آجلِ
فلما انتشر ذِكرُ رسولِ اللهِ وَ لّه بين العرب ذُكر بالمدينة، ولم يكن
حيٌّ من العرب أعلم بأمر رسول الله وَ ◌ّ﴿ حين ذُكِرَ، وقبل أن يُذكَرَ، من
الأوس والخَزرَج، وذلك لِما كانوا يسمعون من الأحبار، وكانوا حلفاء،
يعني اليهود في بلادهم. وكان أبو قيس بن الأسلت يحب قريشاً، وكان
لهم صِهراً، وعنده أرنب ابنةُ أسد بن عبدالعُزَّى، وكان يقيم بمكة السِّنين
بزوجته، فقال :
مغلغلة عنّي لُؤْيَّ بنَ غالبٍ
أيا راكباً إمّا عَرضتَ فَبَلِّغَن
على النأي محزون بذلك ناصبٍ
وشَرّ تباغيكم ودَسٌ (١) العقاربِ
هي الغول للأقصين أو للأقاربِ
لنا غاية قد نهتدي بالذّوائبِ
بأركان هذا البيت بين الأخاشبٍ
غداةَ أبي يَكسومَ هادي الكتائبِ
جنودُ المليك بين سافٍ وحاصبٍ
إلى أهله ملجيش غير عصائبٍ
رسول امریءٍ قد راعَه ذات بينكم
أعيذكمُ بالله من شرّ صُنعكم
متى تبعثوها، تبعثوها ذَميمةً
أقيموا لنا ديناً حنيفاً، فأنتمُ
فقوموا، فصلُّوا ربّكم، وتمسَّحوا
فعندكُمُ منه بلاءٌ مَصْدَقٌ
فلما أتاکم نصرُ ذي العرش ردّهم
فولُوا سراعاً هاربين ولم يَؤُبْ
(١) كتب المصنف بخطه في حاشية نسخته: ((ودوس)) أي أنها كذلك في رواية
أخرى .
١٣١

أبو يَكسُومِ: ملِكُ أصحاب الفيل.
وقال ابن إسحاق(١) : فحدثني يحيى بن عُروة بن الزُّبير، عن أبيه،
عن عبدالله بن عَمرو، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت أصابت قريشُ من
رسولِ الله ◌َّ فيما كانوا يُظهرون من عداوته؟ قال: حضرتُهُم وقد
اجتمع أشرافهُم يوماً في الحِجْر، فذكروا رسولَ الله وَلَه فقالوا: ما رأينا
مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قطّ، قد سفَّه أحلامنا، وسبّ
آلهتنا، وفعل وفعل. فطلع عليهم رسول الله وَّ، فاستلم الركنَ وطاف
بالبيت، فلما مرّ غمزوه ببعض القول، فعرفتُ ذلك في وجهه، فلمّا مرّ
الثانية غمزوه، فلمّا مرّ الثالثة غمزوه، فوقف، فقال: أتسمعون يا معشر
قريش، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذَّبْح. قال: فأخذتِ القومَ
كلمتُه حتى ما فيهم رجلٌ إلّ كأنَّ على رأسه طائراً واقع، حتى إنّ أشدَّهم
فيه وطأة ليرفؤه(٢) بأحسن ما يجد من القول، حتى إنّه ليقول: انصرفْ
يا أبا القاسم، فَوَالله ما كنت جَهُولاً. فانصرف ◌َّ حتى إذا كان من الغد
اجتمعوا في الحِجْر، وأنا معهم، فقال بعضُهم لبعض: ذكرتم ما بلغ
منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينا هم في
ذلك، إذ طلع النبي ◌ََّ فوثبوا إليه وثبةَ رجلٍ واحدٍ، فأحاطوا به
يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ فيقول: ((نعم))، فلقد رأيت رجلاً
منهم أخذ بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونهم يبكي ويقول: ﴿أَنَقْتُلُونَ
رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ لْ﴾﴾ [غافر] ثم انصرفوا عنه، فحدثني بعض آل
أبي بكر، أن أمّ كلثوم بنت أبي بكر قالت: لقد رجع أبو بكر يومئذٍ وقد
صَدَعوا فَرْقَ رأسه مما جَذَبُوه بلحيته، وكان كثير الشَّعر.
(١) ابن هشام ٢٨٩/١ - ٢٩٠.
(٢) أي: يُهدِّئه ويُسَكّنه.
١٣٢

إسلام أبي ذَرّ رضي الله عنه
وقال سُليمان بن المغيرة: حدثنا حُمَيد بن هلال، عن عبدالله بن
الصّامت قال: قال أبو ذَرّ: خرجنا من قومنا غِفار، وكانوا يُحِلُّون الشهرَ
الحرام، فخرجتُ أنا وأخي أنيس وأُمْنا، فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا
ذي مالٍ وهيئةٍ فأكرَمَنا، فَحَسَدنا قومُهُ، فقالوا: إنّك إذا خرجت عن
أهلك خالَف إليهم أُنَيَسٌ. فجاء خالُنَا فَتَنَا (١) علينا ما قيل له. فقلت له:
أمّا ما مضى من معروفك، فقد كذَّرتَه ولا جِماعَ لك فيما بعد، فقرَّبنا
صِرمَتَنَا (٢) فاحتملنا عليها، وتغطَّى خالُنا ثوبه، فجعل يبكي، فانطلقنا
فنزلنا بحضرة مكة، فَنَافَرِ(٣) أُنَيَس عن صِرمَتنا وعن مثلها، فأتينا الكاهنَ
فخيَّر (٤) أُنيساً، فأتانا بصِرمتنا ومثلها معها. قال: وقد صلَّيت يا ابن
أخي قبل أن ألقى رسولَ الله ◌َ ◌ّ بثلاث سنين، فقلت: لِمَن؟ قال الله.
قلت: فأين توجّه؟ قال: أتَوَجَّه حيث يوَجِّهني الله أصلي عِشاءً، حتى إذا
كان من آخر الليل أُلقيتُ كأني خِفَاءٌ - يعني الثَوب - حتى تَعْلوني
الشمس. فقال أُنَيَّس: إنّ لي حاجةً بمكة فاكفنِي حتى آتيك. فأتى مكةً
فَراثَ - أي أبطَأ - عليَّ، ثم أتاني فقلتُ ما حبسكَ؟ قال: لقيت رجلاً
بمكة يزعُمُ أنّ الله أرسله على دينك. قلت: ما يقول الناس؟ قال:
يقولون: إنّه شاعرٌ، وساحرٌ، وكاهنٌ، وكان أُنَيس أحدَ الشُّعراء. فقال:
لقد سمعتُ قول الكَهَنَة، فما هو بقولهم، ولو وضعت قَولَه على أقوال
(١) أي: أظهر وأشاع.
(٢) أي: القطعة من الإبل أو الغنم.
(٣) أي: المفاخرة والمحاكمة. وهو أن يتفاخر رجلان ثم يحتكمان أيهما خير أو
أيهما أشعرُ؟ .
(٤) أي: تراهن.
١٣٣

الشعراء، فما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنّه شِعر، ووالله إنّه لَصَادقٌ،
وإنَّهم لكاذبون. قال: قلت له: هل أنت كافيني حتى أنطلِقَ فأنظر؟
قال: نعم، وكن من أهل مكة على حَذَر، فإنّهم قد شَئِفُوا له وتجهَّموا.
فأتيت مكة، فتضعَّفتُ(١) رجلاً، فقلت: أين هذا الذي تدعونه
الصّابىء؟ قال: فأشار إليَّ الصّابىءَ(٢). قال: فمال عليَّ أهلُ الوادي
بكلّ مَدَرَةٍ وعَظم، حتى خَرَرتُ مَغشِيّاً عليّ، فارتفعتُ حين ارتفعتُ،
كأنّي نُصُبٌّ أحمر (٣) ، فأتيتُ زَمَزَمَ فشربت من مائها، وغسلت عنّي
الدَّمَ، فدخلتُ بين الكعبة وأستارها، ولقد لبثتُ يا ابن أخي ثلاثين من
بين ليلةٍ ويومٍ، وما لي طعام إلّ ماءُ زمزم، فسِمِنتُ حتى تكسَّرَت عُكَنُ
بطني(٤) ، وما وجدتُ على كبدي سَخفَةَ(٥) جُوعٍ. فبينما أهل مكة في
ليلةٍ قمراء إضحيان، قد ضرب الله على أصمخة أهل مكة، فما يطوفُ
بالبيت أحدٌ غير امرأتين، فأتتا عليَّ، وهما تدعوان إسافاً ونائلة، فأتتا
عليّ في طوافهما، فقلتُ: أنكِحا أحدَهُما الأُخرى. قال: فما تناهتا عن
قولهما - وفي لفظ: فما ثناهما ذلك عمّا قالتا - فأتَتَا عليَّ فقلت: هَنٌ
مِثْلُ الخَشَبة، غير أني لا أَكْنِي. فانطَلَقَتَا تُولولان، وتقولان: لو كان ها
هنا أحدٌ من أنفارنا. فاستقبَلَهُما رسولُ اللهِ وَ لّل وأبو بكر، وهما هابطان
من الجبل، فقالا لهما: ما لكما؟ قالتا: الصّابىء بين الكعبة وأستارها.
قالا: ما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمةً تملأُ الفَمَ. فجاء رسول الله وَله
وصاحبه، فاستلم الحَجَرَ، ثم طافا، فلما قضى صلاته أتيتُه، فكنتُ أول
مَنْ حَيَّه بتحية الإسلام. فقال: ((وعليك ورحمةُ الله)). ثم قال: ((ممن
(١) أي: سألتُ رجلاً من أضعَفِهم.
(٢) في صحيح مسلم: فأشار إليّ فقال: الصابىءَ.
(٣) أي: كأني صنمٍ مُحْمَرٌّ من دم الذبائح.
(٤) جمع عكنة، وهي الطيُّ في البطن من السِّمَن.
(٥) أي: أثر الجوع.
١٣٤

أنت))؟ قلت: من غِفار، فأهوى بيده فوضعها على جبينه، فقلت في
نفسي: كره أنّي انتميتُ إلى غفار، فأهويت لآخُذَ بيده، فَقَدَعَني(١)
صاحبُه، وكان أعلَمَ به مني، ثم رفع رأسه، فقال: متى كنت ها هنا؟
قلت: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين، بين ليلةً ويوماً(٢). قال: فمن كان
يُطعمك؟ قلتُ: ما كان لي طعام إلا ماءُ زمزم. فقال: إنّها مباركة، إنّها
طعامُ طُعْم، وشَفَاءُ سُقْم. فقال أبو بكر: إنذَن لي يا رسولَ الله في
طعامه اللَّيْلَة. ففعل، فانطلقا، وانطلقتُ معهما، حتى فتح أبو بكر باباً،
فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك أوَّلَ طعام أكلتُّهُ بها.
قال: فَغَبَرتُ ما غَبَرتُ ثم أتيت رسولَ اللهِوََّ، فقال: إنّي قد وُجِّهتُ
إلى أرضٍ ذاتِ نخلٍ لا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلِّغٌ عني قومَكَ
لعل الله أن ينفعهم بك ويَأْجُرَكَ فيهم؟ فانطلقت حتى أتيت أخي أُنَيْساً
فقال لي: ما صنعت؟ قلت: صنعت أنّي أسلمتُ وصدَّقتُ. ثم أتينا أُمَّنا
فقالت: ما بي رغبةٌ عن دينكما. فأسلمتْ، ثم احتملنا حتى أتينا قومَنا
غِفار، فأسلم نصفُهم قبل أن يقدم رسولُ اللهِوَ ﴿ المدينة، وكان يؤمُّهُم
خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغفاري، وكان سيدَهم يومئذٍ، وقال بقيتُهم:
إذا قدِم رسولُ اللهَ وَّ أسلَمنا، فقدِم المدينةَ فأسلم بقيَّتُهُم. وجاءت
أسلم، فقالوا: يا رسول الله إخواننا، نُسْلِمُ على الذي أسلموا عليه،
فأسلموا فقال: ((غِفارٌ غَفَرَ الله لها، وأسلَمُ سالَمَها الله)) أخرجه مسلم (٣)
عن هُدبة، عن سليمان.
وفي الصحيحين(٤) من حديث مثنَّى بن سعيد، عن أبي جَمرَة
(١) كتب المؤلف بخطه في حاشية نسخته شارحاً الكلمة بقوله: ((كَفَّني)).
(٢) هكذا مجودة بخط المؤلف، وفي صحيح مسلم: ((بين ليلةٍ ويومٍ)).
(٣) مسلم ٧/ ١٥٢ و ١٧٦ .
(٤) البخاري: ٢٢١/٤ و٥٩/٥، ومسلم: ١٥٥/٧.
١٣٥

الضُّبَعي، أنّ ابن عباس حدثهم بإسلام أبي ذَرّ، قال: أرسلت أخي فرجع
وقال: رأيت رجلاً يأمر بالخير. فلم يَشفني، فأتيتُ مكةَ، فجعلت لا
أعرفه، وأشرب من زمزم، فمر بي عليٌّ، فقال: كأنّك غريب. قلت:
نعم. قال: انطلق إلى المنزل. فانطلقتُ معه، فلم أسأله، فلمّا أصبحنا،
جئت المسجد، ثم مرّ بي عليٍّ، فقال: أما آنَ لك أن تعود؟ قلت: لا.
قال: ما أمرك؟ قلت: إنْ كتمتَ عليَّ أخبرتُك، ثم قلت: بَلَغَنا أنّه خرج
نبيٌّ. قال: قد رشدتَ فاتبَعني. فأتينا النَّبِي وََّ فقلت: اعرضْ عليَّ
الإسلام. فعرضه عليَّ، فأسلمت، فقال: اكتُم إسلامَك وارجع إلى
قومك. قلت: والله لأصرُخَنَّ بها بين أظهُرِهِم، فجاء في المسجد،
فقال: يا معاشر قريش أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً عبده
ورسوله. فقالوا: قوموا إلى هذا الصّابىء. فقاموا، فضُرِبتُ لأموتَ،
فأدركني العباسُ فأكبَّ عليَّ وقال: تقتلون، ويلَكُم رجلاً مِن بني غِفار،
ومتجَرُكم وممركُم على غِفار؟! فأطلقوا عني. ثم فعلت من الغد
كذلك، وأدركني العباس أيضاً.
وقال النَّضر بن محمد اليَمامي: حدثنا عِكرِمة بن عمار، عن أبي
زُمَيل سِماك بن الوليد، عن مالك بن مَرثَد، عن أبيه، عن أبي ذَرّ قال:
كنت رُبع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثةُ نَفَر، أتيت النبي ◌َّ فقلت: السّلام
عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله،
فرأيت الاستبشار في وجهه .
١٣٦

إسلامُ حمزة رضي الله عنه
وقال ابن إسحاق(١) : حدثني رجلٌ من أسلَمَ، كان واعيةً ، أنّ أبا
جهل مرَّ برسول الله وَلّ عند الصّفا، فَآذاه وشتمه، فلم يكلّمه النبيُّ رَّرَ،
ومولاةٌ لعبدالله بن جُدعان، تسمع، ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادي
قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبدالمطلب أن
أقبل متوَشحاً قوسَه، راجعاً من قنصٍ له، وكان صاحب قنصٍ، وكان إذا
رجع من قنصه بدأ بالطَّواف بالكعبة، وكان أعزَّ فتى في قريش، وأشده
شكيمة، فلما مرَّ بالمولاة قالت له: يا أبا عمارة ما لقيَ ابنُ أخيك آنفاً
من أبي الحَكَم، وجده هاهنا جالساً فَآذاه وسبَّه وبلغ منه، ولم يكلّمه
محمد. فاحتمل حمزةَ الغضبُ، لِما أرادَ اللهُ به من كرامتِهِ، فخرج
يسعى مُغِذّاً لأبي جهل، فلمّا رآه جالساً في القوم أقبل نحوه، حتى إذا
قام على رأسه رفع القوس، فضربه بها، فشجَّهُ شَجَّةً مُنكَرَة، ثم قال:
أتشتمه! فأنا على دِينِه أقولُ ما يقول، فَرُدَّ عليَّ ذلك إن استطعتَ،
فقامت رجالٌ من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو
جهل: دعوا أبا عمارَة فَوَالله لقد سَبَبتُ ابنَ أخيه سبّاً قبيحاً. وتَمَّ حمزةُ
على إسلامِه، فلما أسلم، عرفت قريش أنّ رسول الله وَ ◌ّه قد عَزَّ وامتنع،
وأنَّ حمزة رضي الله عنه سيمنعه، فكفُّوا بعض الشَّيء.
(١) ابن هشام ١/ ٢٩١.
١٣٧

إسلامُ عمر رضي الله عنه
قال عبد بن حُمَيد وغيره(١) : حدثنا أبو عامر العَقَدي، قال: حدثنا
خارجة بن عبدالله بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبي ◌َّ قال:
اللَّهُمّ أعِزَّ الإسلام بأحبِّ هذين الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب، أو
بأبي جهل بن هشام. ورُوي نحوه عن عبدالله بن دینار، عن ابن عمر .
وقال مُبارك بن فَضالة، عن عُبَيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، عن
ابن عباس، أنّ النبيِّه قال: اللَّهُمَّ أعزَّ الدِّين بعُمَر (٢).
وقال عبدالعزيز الأُويسيُّ: حدثنا الماجشُون بن أبي سَلَمة، عن
هشام بن عُروَة، عن أبيه، عن عائشة أنّ رسول الله مَّه قال: ((اللهم أعِزَّ
الإسلام بعمر بن الخطاب خاصّة)).
قال إسماعيل بن أبي خالد: حدثنا قيس، قال ابن مسعود: ما زلنا
أعِزَّة منذ أسلم عمر. أخرجه البخاري (٣).
وقال أحمد في ((مسنده))(٤): حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا
صَفوان، قال: حدثنا شُريح بن عُبيد، قال: قال عمر: خرجت أتعرَّض
رسولَ الله ◌َ ﴾، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح
سورة الحاقة فجعلت أُعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر،
كما قالت قريش، فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الْجَ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا
(١) مسند عبد بن حميد (٧٥٩)، والترمذي (٣٦٨١)، وأحمد ٢ /٩٥.
(٢) طبقات ابن سعد ٢٦٩/٣.
(٣) البخاري ١٤/٥.
(٤) أحمد ١٧/١.
١٣٨

نُؤْمِنُونَ (٩)﴾ [الحاقة] الآيات، فوقع في قلبي الإسلامُ كلَّ موقع.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن يَعلَى الأسلمي، عن
عبدالله بن المؤمل، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: كان أوّل إسلام
عمرَ أنّ عمر قال: ضربَ أُختي المخاضُ ليلاً، فخرجت من البيت،
فدخلتُ في أستار الكعبة في ليلةٍ قرَّة، فجاء النبيُّ نَّهِ فدخل الحِجرَ،
وعليه تُبَّان(١) ، فصلى ما شاء الله، ثم انصرفَ، فسمعتُ شيئاً لم أسمعْ
مثله، فخرج، فاتّبعته فقال: ((مَنْ هذا))؟ قلتُ: عمر. قال: ((يا عمر ما
تَدَعُني ليلا ولا نهاراً))، فخشيتُ أنْ يدعوَ عليَّ فقلت: اشهدُ أن لا إله إلّ
الله، وأنّكَ رسولُ الله. فقال: ((يا عمر أسِرَّهُ)). قلتُ: لا والذي بعثَكَ
بالحقِّ لُأُعلِنَّه، كما أعلنتُ الشِّركَ.
وقال محمد بن عُبيد الله ابن المنادي: حدثنا إسحاق الأزرق، قال:
حدثنا القاسم بن عثمان البصري، عن أنس بن مالك، قال: خرج عمر
رضي الله عنه متقلّداً السيف، فلقيه رجل من بني زُهرة فقال له: أينَ
تَعمِدُ يا عمر؟ قال: أريدُ أنْ أقتلَ محمداً. قال: فكيف تأمَنُ في بني
هاشم وبني زُهرة، وقد قتلتَ محمداً؟ فقال: ما أراك إلا قد صبوتَ.
قال: أفلا أدُلُكَ على العَجَب، إنّ خَتَنكَ وأختك قد صبوا وتركا دينك.
فمشى عمر فأتاهما، وعندهما خَبَّاب، فلما سمع بحسّ عمر توارى في
البيت، فدخل فقال: ما هذه الهَيْنَمَة؟ وكانوا يقرءون ((طه))، قالا: ما
عَدَا حديثاً تَحَدَّثْنَاهُ بيننا. قال: فلعلَّكما قد صبوتما؟ فقال له خَتَنَهُ: يا
عمر إنْ كان الحقّ في غير دينك. فوثب عليه فوطئه وطئاً شديداً،
فجاءت أختُه لتدفعه عن زوجها، فَنَفَحَهَا نفحةً بيده فدمَّى وجهها،
فقالت وهي غَضَبَى: وإنْ كان الحق في غير دينك إنّي أشهد أن لا إله إلّ
(١) أي: سروال صغير.
١٣٩

الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله. فقال عمر: أعطوني الكتابَ الذي هو
عندكم فأقرأه، وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت أخته: إنّك رِجْسٌ، وإنّه
لا يَمَسُّهُ إلّ المُطَهَّرون، فقُم فاغتسل أو توضّأ، فقام فتوضأ، ثم أخذ
الكتاب، فقرأ ﴿طه﴾ حتى انتهى إلى: ﴿إِنَِّى أَنَا اللّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاعْبُدْنِى
وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ ◌َ﴾﴾ [طه] فقال عمر: دُلَّوا على محمد، فلما
سمع خبّابَ قول عمر خرج فقال: أبشِر يا عمر فإني أرجو أن تكون
دعوةُ رسول الله وَّ لك ليلةَ الخميس: ((اللهم أعِزَّ الإسلامَ بعمر بن
الخطاب أو بعَمْرو بن هشام)). وكان رسول الله بَّر في أصل الدّار التي
في أصل الصّفا. فانطلق عمر حتى أتى الدَّار وعلى بابها حمزة،
وطلحة، وناس، فقال حمزة: هذا عمر، إنْ يُرِدِ الله به خيراً يُسْلِمِ وإِنْ
يُرِد غير ذلك يكن قتلُهُ علينا هيِّناً. قال: والنبي ◌َِّ داخِلٌ يوحى إليه،
فخرج حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: ((ما
أنت منته يا عمر حتى يُنزِل الله بك من الخِزي والنكال ما أنزل بالوليد بن
المغيرة))؟ فهذا عمر ((اللَّهُمّ أعزَّ الإسلام بعمر)). فقال عمر: أشهد أنَّ لا
إله إلّ الله وأنّك عبدالله ورسوله.
وقد رواه يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق، وقال فيه: زوج أخته
سعید بن زيد بن عمرو .
وقال ابن عُيَينَة، عن عَمرو، عن ابن عمر، قال: إنّي لَعَلى سطح،
فرأيت الناسَ مجتمعين على رجل وهم يقولون: صبأ عمر، صبأ عمر.
فجاء العاص بن وائل عليه قَباء ديباج، فقال: إنْ كَانَ عمر قد صبأ فمه
أنا له جار. قال: فتفرَّقَ الناس عنه. قال: فعجبت من عزّه. أخرجه
البخاري(١) عن ابن المَدِيني، عنه.
(١) البخاري ٥/ ٦١.
١٤٠