Indexed OCR Text
Pages 161-180
تُجَوِّز عليه تَغَيُّر سائرٍ موتى الآدميين ورائحتهم، وأكلَ الأرضِ
الأجسادِهم، والنبيُّ ◌َ﴿ فَمُفَارقٌ لسائرٍ أُمَّته في ذلك، فلا يَبْلِى ، ولا
تَأْكُلُ الأرضُ جَسَدَه ، ولا يتغيّر ريحُه، بل هو الآن ، وما زالَ أَطِيبَ رِيحاً
من المِسْكِ، وهو حيٍّ في لحده (١) حياةً مثلِهِ في البَرْزَخ ، التي هي
أكملُ من حياةٍ سائر النَّبِين ، وحياتُهم بلا ريبٍ أَتَّمُّ وأشرفُ من حياةٍ
الشُّهداء الذين هم بِنَصِّ الكتاب ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِم يُرْزَقُون﴾ [آل عمران:
١٦٩] وهؤلاء حياتُهم الآنَ التي في عالم البَرْزَخِ حقٌّ ، ولكن ليست هي
حياةَ الدنيا من كلِّ وجهٍ ، ولا حياةً أهلِ الجنة من كُلِّ وَجْهٍ ، ولهم شِبْهُ
بحياة أهلِ الكهف ، ومن ذلك : اجتماع آدمَ وموسى ، لمَّا احتَّج عليه
موسى، وحجَّهُ آدمُ بالعلم السابق(٢) كان اجتماعُهما حَقّاً ، وهما في عالم
البَّرْزَخِ، وكذلك نبيُّنَا وََّ أَخبر أَنَّه رأى في السماواتِ آدم وموسى
وإبراهيمَ وإدريسَ وعيسى، وسَلَّم عليهم، وطالت مُحاوَرَتُه مع
= فالأمثل ، يُبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه
رقة ابتلي على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ، وما عليه
خطيئة)) أخرجه الترمذي (٢٤٠٠) في الزهد : باب ما جاء في الصبر على البلاء ، وابن ماجة
(٤٠٣٣) في الفتن: باب الصبر على البلاء، وأحمد ١٧٢/١، و١٧٤ و١٨٠ و١٨٥،
والدارمي ٣٢٠/٢، وابن حبان (٦٩٩ ) كلهم من طريق عاصم بن بهدلة ، عن مصعب بن
سعد، عن أبيه سعد ... وهذا سند حسن من أجل عاصم، وقال الترمذي : حسن
صحيح ، وصححه ابن حبان (٦٩٨ ) من طريق جرير بن عبد الحميد ، عن العلاء بن
المسيب ، عن أبيه ، عن سعد .
(١) حديث ((الأنبياء أحياء في قبورهم)): صحيح بطرقه ، أخرجه أبو يعلى الموصلي
في ((مسنده)) الورقة ١٦٨، وأبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) ٨٣/٢، والبزار في ((مسنده))
(٢٥٦)، والبيهقي في ((حياة الأنبياء)) من حديث أنس بن مالك.
(٢) رواه البخاري ٤٤١/١١ في القدر: باب تحاج آدم وموسى ، ومسلم ( ٢٦٥٢)
في القدر: باب حجاج آدم وموسى ، ومالك ٨٩٨/٢ في القدر : باب النهي عن القول
بالقدر ، وأبو داود (٤٧٠١ ) في السنة : باب في القدر، والترمذي (٢١٣٥ )، في القدر :
باب رقم ٢ .
١٦١
سير ١١/٩
موسى(١)، هذا كُلُّهُ حقٌّ . والذي منهم لم يَذُقِ الموتَ بَعْدُ هو عيسى
عليه السلام، فقد تبرهنَ لك أَنَّ نبينا نََّ ما زال طَيِّاً مُطَيَّاً، وأَنَّ
الأرضَ مُحرَّمٌ عليها أكلُ أجسادِ الأنبياء ، وهذا شيءٌ سبيلُهُ التوقيف ، وما
عنَّفَ النبيُّ وَّهِ الصحابةَ رضي اللهُ عنهم لما قالوا له بلا علمٍ : وكيف
تُعرضُ صلاتُنا عليك وقد أَرَمْتَ؟ - يعني قد بَلِيتَ - فقال: ((إِنَّ اللّهَ
حَرَّمَ على الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسادَ الأنْبياء))(٢).
وهذا بحثٌ مُعترِضٌ في الاعتذار عن إمامٍ من أئمة المسلمين ،
وقد قام في الدفع عنه مثلُ إمامِ الحِجاز سُفيان بن عيينة ، ولولا أنَّ هذه
الواقعةَ في عدَّةِ كُتُبٍ، وفي مثل ((تاريخ الحافظ ابن عساكر))، وفي
((كامل الحافظ ابن عدي)) ، لأَعرضتُ عنها جملةً ، ففيها عِبرة حتى قال
(١) وذلك في حديث الإسراء الذي رواه البخاري ٢١٩،٢١٧/٦ في بدء الخلق : باب
ذكر الملائكة ، وفي الأنبياء : باب ﴿وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً﴾، وفي فضائل
أصحاب النبي: باب المعراج، ومسلم (١٦٤) في الإِيمان: باب الإِسراء برسول اللّه الخلية،
والترمذي (٣٣٤٣) في التفسير: باب ومن سورة ألم نشرح، والنسائي ٢١٧/١ و٢١٨ في
الصلاة : باب فرض الصلاة .
(٢) أخرجه أحمد ٨/٤، وأبو داود (١٠٤٧)، والنسائي ٩١/٣، ٩٢، وابن ماجة
(١٠٨٥) و (١٦٣٦) من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه. قال: قال رسول اللّه الي:
من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة ،
فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي)) قالوا: يا رسول الله كيف تعرض
عليك صلاتنا، وقد أرمت - يعني وقد بليت - ؟ فقال: ((إن الله عز وجل حرم على الأرض
أن تأكل أجساد الأنبياء)). وإسناده صحيح، وصححه ابن خزيمة (١٧٣٣)، وابن حبان
(٥٥٠)، والحاكم ٢٨٧/٢، ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظان : المنذري وابن حجر،
وصححه النووي في ((الأذكار))، وله شاهد من حديث أبي الدرداء عند ابن ماجة (١٦٣٧ )،
ورجاله ثقات لكنه منقطع ، وآخر من حديث أبي أمامة عند البيهقي ، وحسن إسناده المنذري ،
إلا أن مكحولاً قيل: لم يسمع من أبي أمامة .
١٦٢
الحافظُ يعقوب الفَسَويُّ في ((تاريخه))(١): وفي هذه السَّنة حدَّث وكيعٌ
بمكّة ، عن ابنِ أبي خالد ، عن البَهي (٢)، فذكر الحديث، ثم قال :
فُرُفعَ ذلك إلى العُثماني ، فحَبَسه ، وعزم على قتله ، ونُصِبتْ خَشَبَةٌ
خارجَ الحرم ، وبلغ وكيعاً ، وهو محبوسٌ . قال الحارثُ بنُ صدِّيق :
فدخلتُ عليه لما بلغني ، وقد سبقَ إليه الخبرُ ، قال : وكان بينَه وبينَ ابن
عُيينة يومئذ مُتباعَد ، فقال لي : ما أُرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل،
واحتَجْنا إليه، فقلتُ: دَْ هذا عنك، فإنْ لم يُدرِكْكَ، قُتِلتَ ، فأرسَلَ
إلى سُفِيان ، وفَزِع إليه، فدخلَ سُفيانُ على العُثماني - يعني مُتولِّي
مَكَّة ◌ِ فكلَّمه فيه ، والعُثمانيُّ يأبى عليه، فقال له سفيانُ : إني لك
ناصحٌ ، هذا رجلٌ من أهل العِلم ، وله عشيرةٌ ، وولدهُ ببابٍ أمير
المؤمنين ، فتشخّصُ لمُناظرتهم ، قال : فعمل فيه كلامُ سُفيان ، فأمر
بإِطلاقِه، فرجعتُ إلى وكيعٍ ، فأخبرتُه، فركبَ حماراً، وحملنا متاعه ،
وسافر، فدخلتُ على العُثمانيِّ من الغد، فقلتُ : الحمدُ لله الذي لم
تُبْتَلَ بهذا الرجل ، وسلَّمك اللَّهُ ، قال : يا حارثُ ، ما ندمتُ على شيءٍ
نَدَامَتي على تخليتِهِ ، خطرَ ببالي هذه الليلةَ حديثُ جابر بن عبد الله
قال : حوَّلتُ أبي والشهداءَ بعد أربعين سنة فوجدناهم رِطاباً يُثْنَون لم
يتغيّر منهم شيء (٣). ثم قال الفَسَويُّ: فسمعتُ سعيدَ بنَ منصور يقولُ:
(١) ١ / ١٧٥، ١٧٦ .
(٢) هو عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير من رجال ((التهذيب))، وقد سقطت
لفظة ((عن)) من الأصل الذي اعتمده المحقق لتاريخ الفسوي، فظن ((البهي)) صلة لابن أبي
خالد ، وعلق عليه بما ينبغي ترميجه .
(٣) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٥٦٣/٣ من طريق عمرو بن الهيثم ، أخبرنا
هشام الدستوائي ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : صُرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين
أجرى معاوية العين ، فأخرجناهم بعد أربعين سنة لينة أجسادهم تتثنى أطرافهم . وهذا سند
رجاله ثقات. وانظر ((فتح الباري)) ١٧٢/٣، ١٧٤.
١٦٣
كنَّا بالمدينة ، فكتبَ أهلُ مكَّةً إلى أهلِ المدينة بالذي كان من وكيع ،
وقالوا : إذا قَدِمَ عليكم، فلا تَتَّكِلُوا على الوالي، وارْجُموه حتى تقتُلُوه.
قال : فعرضُوا عليَّ ذلك، وبلغنا الذي هُمْ عليه، فبعثنا بَريداً إلى وكيع
أَنْ لا يَأتِيَ المدينة، ويمضيَ من طريق الرَّبَذَّة، وكان قد جاوز مَفْرَقَ
الطَّريقين، فلما أتاه البريدُ ، ردًّ، ومضى إلى الكوفة .
ونقل الحافظُ ابنُ عدي في ترجمة عبد المجيد بن عبد العزيز بن
أبي رَوَّاد أنه هو الذي أفتى بمكةً بقتل وكيع .
وقال ابنُ عدي : أخبرنا محمدُ بنُ عيسى المَرْوَزِي - فيما كتب
إلي - قال : حدثنا أبي عيسى بنُ محمد ، قال : حدثنا العبَّاسُ بنُ
مُصْعب ، حدثنا قُتَيبة ، حدثنا وكيع ، حدثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالد ،
فَسَاقَ الحديث، ثم قال قُتَيبة: حدَّث وكيعٌ بمكة بهذا سنةً حَجَّ الرَّشيدُ،
فقدَّمُوه إليه ، فدعا الرشيدُ سُفيانَ بنَ عُيَينة وعبدَ المجيد بنَ أبي روَّاد ،
فأمَّا عبدُ المجيد ، فإنَّه قال : يجبُ أَنْ يُقْتَل، فإنَّه لم يَرْوِ هذا إلا مَنْ في
قلبه غِشِّ للنبيِّي ◌ََّ . وقال سُفيانُ: لا قتلَ عليه، رجلٌ سمِعَ حديثاً ،
فأرواه، والمدينةُ شديدةُ الحَرِّ تُوفِّي النبيُّ ◌َ فْتُرِكَ ليلتين، لأنَّ القومَ في
إصلاح أمرِ الأُمَّة ، واختلفتْ قُريش والأنصارُ، فمِن ذلك تغيّر. قال
قُتَيِبة : فكان وكيعٌ إذا ذكر فِعلَ عبد المجيد ، قال : ذاكَ جاهلٌ ، سمع
حديثاً لم يَعْرِف وجهه، فتكلَّم بما تكلُّم(١).
قلتُ : فرضنا أنَّه ما فَهِمَ توجيهَ الحديثِ على ما تَزْعُمُ ، أفمالك
عقلٌ وورع؟ أما سمعتَ قولَ الإِمام عليٍّ: حدِّثُوا الناسَ بما يَعْرِفون ،
(١) ((الكامل)) لابن عدي: ٦٥٤، وهو في ((ميزان)) المؤلف ٦٤٩/٢ في ترجمة
عبد المجيد بن عبد العزيز، وعلق عليه تعليقاً نفيساً ينبغي مراجعته .
١٦٤
ودعوا ما يُنكرون، أَتُحِبُون أن يُكذبَ اللهُ ورسولهُ (١). أَمَا سمعتَ في
الحديث (٢): ((مَا أَنْتَ مُحدِّثٌ قوماً حديثاً لا تَبْلُغُه عقولُهُم إلا كان فِتْنَةً
لِبَعْضِهِم)). ثم إنَّ وكيعاً بعدها تَجاسَرَ وحجَّ، وأدركه الأجلُ بفَيْد (٣).
قال أبو حاتِم الرَّازيُّ : حدثنا أحمدُ بنُ حنبل ، حدثنا وكيعٌ بحديثٍ
في الكُرسي (٤) قال : فاقشعرَّ رجُلٌ عند وكيع ، فَغَضِبَ ، وقال : أدركْنَا
الأَعمشَ والثَّورِيَّ يُحدِّثُون بهذه الأحاديثِ، ولا يُنكرونَها .
قال يحيى بنُ يحيى التّميمي : سمعتُ وكيعاً يقولُ: مَنْ شَكَّ أَنَّ
القُرآنَ كلامُ الله - يعني غير مخلوق - فهو كافر .
وقال أحمدُ بنُ إبراهيم الدَّوْرَقي : سمعتُ وكيعاً يقولُ : نُسلِّم هذه
الأحاديثَ كما جاءت ، ولا نقول : كيف كذا ؟ ولا لم كذا ؟ يعني مثل
حديث: ((يَحْمِلُ السَّماواتِ على إصْبع))(٥)
(١) أخرجه عنه البخاري ١٩٩/١ في العلم : باب من خص بالعلم قوماً دون قوم
كراهية ألا يفهموا .
(٢) أي: في الأثر. فإنه ليس من حديث النبي بح بل هو من قول ابن مسعود رضي
الله عنه، أخرجه مسلم في ((صحيحه)) ١١/١ في المقدمة .
(٣) فيد : بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة .
(٤) أخرجه وكيع في ((تفسيره)) فيما قاله ابن كثير ١ /٣٠٩ من طريق سفيان ، عن عمار
الدهني ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : الكرسي موضع القدمين ،
والعرش لا يقدر أحد قدره. وقد رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٨٢/٢، من طريق سفيان بهذا
الإِسناد ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي .
(٥) أخرج البخاري ٤٢٣/٨ في تفسير سورة الزمر، و١٣ /٣٣٥، ٣٣٦، في التوحيد :
باب قوله تعالى ﴿ لما خلقت بيدي ﴾ و٣٦٩: باب قول الله تعالى ﴿ إن الله يمسك السماوات
والأرض أن تزولا ﴾ و٣٩٧: باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء، ومسلم ( ٢٧٨٦ )
في صفة القيامة ، والترمذي رقم (٣٢٣٩) من حديث ابن مسعود قال : جاء حبر إلى رسول الله
وَّة، فقال: يا محمد إن الله تعالى يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، =
١٦٥
قال أبو هشام الرِّفاعي : سمعتُ وكيعاً يقولُ : من زعم أَنَّ القرآن
مخلوقٌ ، فقد زعم أنه مُحدثٌ ، ومن زعم أَنَّ القرآنَ مُحدثٌ ، فقد
كفر .
قال عليُّ بنُ عِثَّام : مرِضَ وكيعٌ ، فدخلنا عليه ، فقال : إِنَّ
سُفيان أتاني ، فبشَّرني بجواره ، فأنا مُبادِرٌ إليه .
قال أبو هشام الرّفاعي : مات وكيعٌ سنةً سبعٍ وتسعين ومئة يوم
عاشوراء فدُفن بِفِيْد ، يعني راجعاً من الحج .
وقال أحمدُ بنُ حنبل : حجَّ وكيعُ سنةً ستُّ وتسعين ، ومات بفَيْد .
قلتُ : عاش ثمانياً وستين سنة سوى شهرٍ أو شهرين .
قال قَيْسُ بنُ أَنْيِف : سمعتُ يحيى بنَ جعفرِ البِيكَنْدِيَّ : سمعتُ
عبد الرزاق يقول : يا أهل خراسان ، إنه نُعِيَ لي إمامُ خُراسان - يعني
وكيعاً - قال: فاهتممنا لذلك، ثم قال: بُعْداً لكم يا مَعْشَر الكلاب ، إذا
سمعتُم من أحد شيئاً ، اشتهيتُم موتَه .
أخبرنا أبو المعالي أحمدُ بنُ إسحاق بن محمد بن المؤيّد بن علي
الهَمْدَاني الزاهد بقراءتي ، أخبركم أحمدُ بنُ أبي الفتحِ الدَّقَّاق ، وأبو
الفرج بنُ عبد السّلام ، وأخبرنا أبو حفص الطَّائي ، عن أبي اليُمْنِ
الكِندي ، قالوا : أخبرنا أبو الفضل محمدُ بنُ عُمر القاضي ، وأخبرنا
أحمدُ بنُ هِبة الله، أنبأنا عبدُ المُعِزِّ بنُ محمد الهَرَوي ، أخبرنا يوسفُ
= والجبال على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله { ل* حتى
بدت نواجذه ، ثم قرأ: ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ [الزمر: ٦٧] وقد توسع الحافظ ابن حجر
في شرح هذا الحديث في ((الفتح)) ٣٣٦/١٣، ٣٣٧، فارجع إليه .
١٦٦
ابنُ أَيُّوب الزَّاهد (ح ) وأخبرنا عُمرُ بنُ عبد المنعم ، عن عبد الجليل بن
مَنْدَوَيِه ، أخبرنا نصر بنُ مُظَفر، قالوا ثلاثتُهم : أخبرنا أبو الحُسين أحمدُ
ابنُ محمد بن النَّقُور ، أخبرنا عليّ بنُ عمر الحَرْبي ، حدثنا أحمدُ بنُ
الحسن الصُّوفي، حدثنا يحيى بنُ مَعين ، حدّثنا عليُّ بنُ هاشم ،
ووكيعٌ ، عن هشامِ بنِ عُزْوة ، عن أبيه ، عن عائشةً ، قالت : قال رسولُ
اللّه ◌ُه﴾: (( إذا ماتَ صاحِبُكُمْ، فَدَعُوْه)).
رواه أبو داود(١).
أخبرنا عبدُ الحافظ بنُ بَدْرَان ، ويوسفُ بنُ أحمد ، قالا : أخبرنا
سعيدُ بنُ أحمد بن البنَّاء ، أخبرنا أبو القاسم بنُ البُسْرِيِّ ، أخبرنا أبو
طاهر المُخلِّص ، حدثنا عبدُ اللّه بنُ محمد ، حدثنا أبو بكر بنُ أبي
شَيْبة ، حدثنا وكيعُ ، عن هشام ، عن قتادةَ ، عن أنسٍ ، عن زيد بن
ثابت قال : ((تَسَخَّرْنا مَعَ رَسولِ الله ◌َِّ، ثُمَّ قُمْنا إلى الصَّلاةِ، قُلنا:
كم كان قَدْرُ ما بينهما؟ قال : خَمْسونَ آيَةً )).
أخرجه مسلم(٢) عن ابن أبي شَيْبة على الموافقة .
أخبرنا عُمرُ بنُ عبدالمنعم، أخبرنا عبدُ الصَّمد بن محمد القاضي ،
وأنا حاضر، أخبرنا عليُّ بنُ المُسَلَّم ، أخبرنا الحُسينُ بنُ محمد
القُرَشي ، أخبرنا محمدُ بنُ أحمد الغسَّاني ، حدثنا محمدُ بنُ الحسن
(١) رقم (٤٨٩٩) في الأدب : باب في النهي عن سب الموتى ، من طريق زهير بن
حرب، عن وكيع بهذا الإِسناد، وزاد ((ولا تقعوا فيه )) وإسناده صحيح .
(٢) رقم ( ١٠٩٧ ) في الصيام : باب فضل السحور وتأكيد استحبابه ، وأخرجه البخاري
١١٨/٤، ١١٩ عن مسلم بن إبراهيم، والترمذي (٧٠٣) عن أبي داود الطيالسي ، والنسائي
١٤٣/٤ عن وكيع ، ثلاثتهم عن هشام وهو الدستوائي بهذا الإِسناد .
١٦٧
البَغْدادي ، بالرَّملة ، حدثنا محمدُ بنُ حسَّان الأزرق ، حدثنا وكيع ،
حدثنا هشامُ بنُ عُروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قال رسول اللّه تخريج :
((نِعْمَ الإِدامُ الخَلُّ))(١).
٤٩ - [ الجرَّاح بن مَلِيح *(بخ،م، د،ت، ق)]
وقد كان والدُ وكيعٍ على بيتِ المال في دولةِ الرَّشيد ، وكان على
دارِ الضَّرب بالرَّيِّ، ويقال: مَحتِدهُ من نواحي الرَّيِّ من بُليدة أُسْتُوَا (٢).
حدَّث عن: زِيادِ بن عِلَاقَة، وأبي إسحاق ، وسِمَاك بنِ حَرْب ،
ومنصورِ بنِ المُعْتَمر ، وعِدَّة .
روى عنه : ولدُه ، وعبدُ الرحمن بنُ مَهْدي ، وقَبِيصَة ، ومُسَدَّد ،
ويحيى الحِمَّاني ، وعثمانُ بنُ أبي شيبة ، وآخرون .
روى حنش بنُ حرب، عن وكيع، قال: وُلِدَ أبي بالسُّغْد(٣)،
ووُلِدَ شَريكٌ بُخارى .
وقال ابنُ سعد : وليَ الجرَّاحُ بنُ مَليح بيتَ المال ، بمدينة
(١) إسناده صحيح، وأخرجه مسلم (٢٠٥١) في الأشربة : باب فضيلة الخل والتأدم به ،
من طريق عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، والترمذي (١٨٤١ ) في الأطعمة : باب ما جاء في
الخل ، من طريق محمد بن سهل بن عسكر البغدادي ، كلاهما عن يحيى بن حسان ، عن
سليمان بن بلال بهذا الإِسناد . ورواه مسلم ( ٢٠٥٢)، وأبو داود (٣٨٢٠) ، والترمذي
(١٨٤٠) من حديث جابر بن عبد الله .
* التاريخ لابن معين: ٧٨، التاريخ الكبير ٢٢٧/٢، الجرح والتعديل ٥٢٣/٢،
المجروحين ٢١٩/١، تاريخ بغداد ٢٥٢/٧، تهذيب الكمال : ١٨٩، تذهيب التهذيب
١/١٠٣/١، ميزان الاعتدال ٣٨٩/١، الكاشف ١٨١/١، تهذيب التهذيب ٦٦/٢، خلاصة
تذهيب الكمال : ٦١ .
(٢) هي كورة من نواحي نيسابور تشتمل على قرى كثيرة .
(٣) السُّغْد : ناحية كثيرة المياه والأشجار بين بخارى وسمرقند .
١٦٨
السَّلام ، وكان ضعيفاً في الحديث ، عَسِراً في الحديث ، مُمتنعاً به .
وروىُ جعفرُ بنُ أبي عثمان ، عن يحيى بن مَعين ، قال : ما كتبتُ
عن وكيعٍ عن أبيه ، ولا من حديث قيسٍ شيئاً قطُ .
وروى عُثمانُ الدَّارمي ، عن يحيى ، قال : الجرّاحُ ليس به بأس.
وروى عبَّاس ، عن يحيى : ثقة .
وروى أحمدُ بنُ أبي خَيْئمة ، عن يحيى : ضَعيفُ الحديث ،
وهو أمثلُ من أبي يحيى الحِمَّاني .
وقال ابنُ عمَّار : ضعيف .
وقال أبو داود : ثقة .
وقال النَّسائيُّ : ليس به بأس .
وقال ابنُ عَدِي : حديثُه لا بأسَ به ، وهو صَدُوقٌ ، لم أجد في
حديثه مُنكراً ، فأَذكُرَه .
وقال البُرْقانيُّ : سألتُ الدَّارَقُطني عن والد وكيع ، قال : ليس
بشيءٍ ، وهو كبيرُ الوهم . قُلتُ : يُعتبرُ بِه ؟ قال : لا .
وقال خليفة : تُوفِّي سنةَ خمسٍ وسبعين ومئة ، وقال ابنُ قانع :
سَنَة ست .
٥٠ - يوسف بن أَسْبَاط *
الزَّاهد ، من سادات المشايخ ، له مواعظُ وحِكَم
* التاريخ لابن معين: ٦٨٤، التاريخ الكبير ٣٨٥/٨، التاريخ الصغير ٢٦٥/٢، =
١٦٩
روى عن: مُحِلِّ بنِ خَليفة ، والثَّورِي ، وزائدةَ بنِ قُدامة .
وعنه : المُسيِّبُ بنُ واضح، وعبدُ اللّه بنُ خُبَيْق ، وغيرهما .
نزل الثُّغُور مُرابِطاً .
قال المُسيَّبُ : سألتُه عن الزُّهد، فقال: أَنْ تَزْهَدَ في الحلال،
فأمَّا الحرامُ ، فإنِ ارتكبتَهُ ، عَذَّبك .
وسُئلَ يوسفُ : ما غايةُ التَّواضع؟ قال : أَنْ لا تلقى أَحَداً إلا
رأيت له الفَضْل عليك .
وعنه قال : للصَّادِق ثلاثُ خِصال: الحلاوةُ، والمَلَاحةُ ،
والمَهَابة .
وعنه : خُلِقَتِ القُلوبُ مساكنَ للذّكر، فصارت مساكنَ للشَّهوات ،
لا يَمحو الشَّهواتِ إلا خَوْفٌ مُزعج، أو شوقٌ مُقْلِقٌ. الزُّهدُ في الرئاسة
أَشَدُّ منه في الدُّنيا .
قال ابنُ خُبَيق : قلتُ لابنِ أَسْباط : لِمَ لا تأذِنُ لابنِ المُبارك يُسلِّمُ
عليك ؟ قال : خشيتُ أَنْ لا أَقُومَ بحقٌّه، وأنا أُحِبُّهُ .
وعن يوسف : إذا رأيتَ الرَّجُلَ قد أَشِرَ وبَطِر، فلا تَعِظْهُ ، فليس
للعِظَةِ فيه مَوْضِعٌ ، لي أربعون سنةً ما حَكَّ في صدري شيءٌ إلا تركتُه .
قال شُعيبُ بنُ حَرْب : ما أُقدِّم على يوسف بن أسباط أحداً .
= الضعفاء للعقيلي لوحة ٤٧٢، الجرح والتعديل ٢١٨/٩، مشاهير علماء الأمصار ت ١٤٩٠،
حلية الأولياء ٢٣٧/٨ ، ميزان الاعتدال ٤ /٤٦٢ .
١٧٠
وعن يوسف قال : يُجزىءُ قليلُ الوَرَع والتَّواضُع من كثير الاجتهاد
في العمل .
وثَّقَهُ ابنُ مَعين .
وقال أبو حاتم : لا يُحتَجُّ به .
وقال البخاري : دفنَ كُتُبُهُ ، فكان حديثُه لا يجيء كما ينبغي .
٥١ - إسحاق الأزرق * (ع)
هو الإِمامُ الحافظ الحُجَّةُ ، أبو محمد إسحاقُ بنُ يوسف بن مِرْدَاس
القُرشي الواسِطِيُّ الأزرق .
مولده سنة سبع عشرة ومئة .
حدَّث عن : الأعمش ، وابنٍ عَوْن ، وفُضَيلِ بنِ غَزْوان ، ومِسْعَرِ
ابنِ كِدَام، وسُفيان ، وشَريك ، وعِدَّة .
وكان من جِلَّة المُقرئين، تلا على حَمْزَةَ الزَّيَّات ، وأخذ الحروفَ
عن أبي بكر بنِ عيَّش وغيره . وله اختيارٌ معروفٌ، حمله عنه: إسماعيلُ
ابن هُود الواسِطِي ، وعبدُ الله بنُ هانىء وغيرُهُما .
وكان من أئمة الحديث ، روى عنه : أحمدُ بنُ حنبل ، ويحيى بنُ
مَعين ، وأحمدُ بن مَنِيع، ومحمدُ بنُ المُثَنَّى ، وسعدانُ بنُ نصر ، وأبو
* طبقات ابن سعد ٣١٥/٧ ، تاريخ خليفة : ٤٦٦، طبقات خليفة ت ٣١٩٤، التاريخ
الكبير ٤٠٦/١، الجرح والتعديل ٢٣٨/٢، مشاهير علماء الأمصار ت ١٤٠٥، تهذيب
الكمال: ٩٢، تذهيب التهذيب، ١/٥٩/١، العبر ٣١٨/١، تذكرة الحفاظ ٣٢٠/١، الكاشف
١١٥/١، دول الإِسلام ١٢٣/١، تهذيب التهذيب ٢٥٧/١، طبقات الحفاظ: ١٣٣، خلاصة
تذهيب الكمال : ٣١، شذرات الذهب ٣٤٣/١.
١٧١
جعفرٍ بِنُ المُنادي ، وخلقٌ .
وكان حُجَّةٌ وفاقاً ، له قَدَمٌ راسخٌ في التَّقوى ، قيل : إنه مكثَ
عشرين سنةً لم يرفَعْ رأسَهُ إلى السَّماءِ ، رحمةُ الله عليه . وكان من أعلمِ
الناس بشَريك .
قالوا : تُوفِّي سنةً خمسٍ وتسعين ومئة .
روى عن شَريكٍ ستةَ آلافٍ حديث .
أخبرنا إسماعيلُ بنُ عبد الرحمن ، أخبرنا عبدُ الله بنُ أحمد ،
أخبرنا هِبَةُ الله بنُ هِلال، أخبرنا عبدُ الله بنُ علي الدَّقَّاق سنةَ أربعٍ
وثمانين وأربع مئة ، أخبرنا عليُّ بنُ محمد المُعَدَّل ، أخبرنا محمدُ بنُ
عَمرو الرَّزَّاز، حدَّثنا محمد بنُ عبيد الله ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ الأزرق ،
حدَّثنَا زَكِرِيًّا بنُ أبي زائدة ، عن سعدٍ بن إبراهيم ، عن نافع بن جُبير ،
عن أبيه، أن رسولَ الله وَّه قال: ((لا حِلْفَ في الإِسْلام، وأيُّما حِلْفٍ
كانَ في الجَاهِليةِ ، لم يَزِدْهُ الإِسْلَامُ إلا شِدَّةً))(١) .
(١) إسناده صحيح، وأخرجه سم (٢٥٣٠) في فضائل الصحابة : باب مؤاخاة النبي
وَلّ، وأبو داود ( ٢٩٢٥) في الفرائض : باب في الحلف من طرق عن زكريا بن أبي زائدة بهذا
الاسناد. قال ابن الاثير في ((النهاية)): أصل الحلف : المعاقدة والمعاهدة على التعاضد
والتساعد والاتفاق ، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات ، فذلك
الذي ورد النهي عنه في الإِسلام بقوله #: ((لا حلف في الإِسلام)) وما كان منه في الجاهلية على
نصر المظلوم ، وصلة الأرحام ، كحلف المطيِّبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه رصيد
((وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإِسلام إلا شدة)) يريد من المعاقدة على الخير ، ونصرة
الحق .
١٧٢
٥٢ - محمد بن فُضَيل * (ع)
ابن غَزْوان ، الإِمامُ الصَّدوقُ الحافظ ، أبو عبد الرَّحمن الضَّبِّي
مولاهم الكوفي، مُصَنَّفُ كتاب ((الدُّعاء))، وكتاب ((الزُّهد))، وكتاب
((الصِّيام)) ، وغير ذلك .
حدَّث عن أبيه ، وحُصين بنِ عبد الرحمن ، وعاصم الأحول ،
وعُمارةَ بنِ القَعْقاعِ، وبَيَانِ بنِ بِشْر، وإبراهيم الهَجَرِيِّ ، وعطاءِ بنِ
السَّائب ، وهشامِ بنِ عُروة ، وابنِ أبي خالد ، وزكرِيًّا بنِ أبي زائدة ،
ولَيْثِ بنِ أَبِي سُلَيم ، ومِسْعَرٍ ، وحَبيب بن أبي عَمْرة ، وخلق كثير .
حدَّثَ عنه : أحمدُ ، وأبو عُبَيد ، وإسحاقُ ، وعليُّ بِنُ حَرْب ،
وأحمدُ بنُ بُدَيل ، وأحمدُ بن سِنَان القَطَّان، وعَمْرو بنُ علي ، وبنو أبي
شَيْبة، وأبو كُرَيب ، وأبو سعيد الأَشَجُّ ، وأحمدُ بنُ حَرب ، وعليُّ بنُ
المُنذِرِ الطّرِيقِي، وأحمدُ بنُ عبد الجبّار العُطَارِدِي، وعددٌ كثير، وجمّ
غفير . على تشيُّعٍ كان فيه ، إلا أنَّه كان من عُلماء الحديث ، والكمالُ
عزيز .
وثَّقه يحيى بنُ مَعین .
* التاريخ لابن معين : ٥٣٤ ، طبقات ابن سعد ٣٨٩/٦ ، تاريخ خليفة : ٤٦٦، طبقات
خليفة : ١٣١٠، التاريخ الكبير ٢٠٧/١، التاريخ الصغير ٢٧٦/٢، المعارف : ٥١٠ ،
الضعفاء للعقيلي لوحة ٣٩٤، الجرح والتعديل ٥٧/٨، مشاهير علماء الأمصار ت ١٣٦٩،
فهرست ابن النديم ٢٢٦، تهذيب الكمال: ١٢٥٨، العبر ٣١٩/١، ميزان الاعتدال ٩/٤،
تذكرة الحفاظ ٣١٥/١، المغني في الضعفاء ٦٢٤/٢، الكاشف ٨٩/٣، طبقات القراء لابن
الجزري: ٢٢٩/٢، تهذيب التهذيب ٤٠٥/٩، النجوم الزاهرة ١٤٨/٢، طبقات الحفاظ :
١٣٠، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٥٦، طبقات المفسرين للداوودي ٢٢٣/٢ ، شذرات الذهب
٣٤٤/٢ .
١٧٣
وقال أحمدُ بنُ حنبل : هو حسنُ الحديث شيعي .
وقال أبو داود السِّجِسْتَاني : كان شِيعياً مُتَحرِّقاً .
قلتُ : تحرُّقُه على من حارب أو نازع الأمرَ علياً رضي الله عنه،
وهو مُعَظِّم للشّيخين رضي الله عنهما .
وكان ممن قرأ القرآنَ على حمزةَ الزَّيَّات .
وقد أدركَ مَنصورَ بِنَ المُعتمر ، ودخل عليه ، فوجده مريضاً . وهذا
أوانُ أولِ سماعه للعلم .
قال محمدُ بنُ سعد : بعضُهم لا يحتَجُّ به(١) .
وكان أبو الأحْوص يقول : أَنْشُدُ اللهَ رجلاً يُجالِسُ ابنَ فُضَيل ،
وعَمْرو بنَ ثابت ، أن يُجالسنا .
قال يحيى الحِمَّاني: سمعتُ فُضَيلاً أو حُدِّثتُ عنه ، قال : ضربت
ابني البارحةَ إلى الصَّباحِ أن يترجَّمَ على عُثمان رضي الله عنه ، فأبى عليَّ .
وقال الحسنُ بنُ عيسى بن ماسَرْجِس : سألتُ ابنَ المُبَارك عن أَسْباط
وابن فُضَيل، فسكتَ، فلما كان بعدَ ثلاثةِ أيام ، قال: يا حَسَنُ ،صاحباك(٢)
لا أرى أصحابنا يرضَونهما .
قلت : ماتَ في سنةٍ خمسٍ وتسعين ومئة ، وقيل : سَنة أربع .
(١) نص ابن سعد في ((الطبقات)): وكان ثقة صدوقاً كثير الحديث، وبعضهم لا يحتج
به. قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ٤٤١: إنما توقف فيه من توقف لتشيعه . فالرجل ثقة لا
يتوقف في قبول مروياته ، وقد أخرج حديثه الأئمة الستة في كتبهم .
(٢) في الأصل : صاحبيك .
١٧٤
وقد احتجَّ به أربابُ الصِّحاح .
أخبرنا أحمدُ بنُ هِبَة الله، أنبأنا عبدُ المُعِزِّبنُ محمد، أخبرنا زاهرُ بنُ
طاهر ، أخبرنا أبو سعيد الطّبيب، أخبرنا أبو عَمْرو بنُ حَمْدان ، حدثنا
الحسنُ بنُ سُفيان ، حدثنا محمدُ بنُ خلَّد الباهلي ، حدثنا محمدُ بنُ
فُضَيل، أخبرنا يحيى بنُ سعيد ، عن أبي سَلَمة ، عن أبي هُريرة ، قال :
قال رسول الله وَلّ: ((تَسَخَّرُوا فإِنَّ في السّحورِ بَرَكَة))(١).
أخرجه النَّسائيُّ عن زكريا خَيَّطِ السُّنّة(٢)، عن الباهلي، فوقع بدلاً
عالياً بدرجتين . وحديثُه أعلى من هذا في جُزءِ ابنِ عَرَفة .
٥٣ - يَحيىُ القَطَّان * (ع)
يحيى بن سعيد بن فُرُّوخ، الإِمامُ الكبيرُ ، أميرُ المؤمنين في
الحديث ، أبو سعيد التَّميمِي مولاهم البَصريّ ، الأحول ، القطّان ،
الحافظ .
(١) أخرجه النسائي ٤ /١٤٢ في الصوم : باب الحث على السحور ذكر الاختلاف على
عبد الملك بن أبي سليمان، ورواه البخاري ١٢٠/٤، ومسلم (١٠٩٥)، والترمذي (٧٠٨)
من طرق ، عن عبد العزيز بن صهيب ، وقتادة ، عن أنس بن مالك ، وأخرجه أيضاً من طريقين
عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، وأخرجه من طريق يحيى عن ابن
أبي ليلى ، عن عطاء، ومن طريق يحيى ، عن سفيان ، عن ابن أبي ليلى ، عن عطاء .
(٢) سمي بذلك لأنه كان يخيط أكفان أهل السنة .
* التاريخ لابن معين : ٦٤٥، طبقات ابن سعد ٢٩٣/٧، تاريخ خليفة ٤٦٨، طبقات
خليفة ت ١٩٠٩، التاريخ الكبير ٢٧٦/٨، التاريخ الصغير ٢٨٣/٢، المعارف : ٥١٤،
الجرح والتعديل ١٥٠/٩، مشاهير علماء الأمصار: ت ١٢٧٨، حلية الأولياء ٣٨٠/٨، تاريخ
بغداد ١٤ / ١٣٥، تهذيب الأسماء واللغات ١٥٤/٢، تهذيب الكمال لوحة ١٤٩٧، تذهيب
التهذيب ٤ /٢/١٥٤، العبر ٣٢٧/١، تذكرة الحفاظ ٢٩٨/١، الكاشف ٢٥٦/٣، دول
الإِسلام ١٢٥/١، شرح العلل لابن رجب ١٩٢/١، تهذيب التهذيب ١٦/١١، طبقات
الحفاظ : ١٢٥ ، خلاصة تذهيب الكمال ٤٢٣، شذرات الذهب ٣٥٥/١.
١٧٥
وُلد في أول سنة عشرين ومئة .
سمع سُليمان التَّيمي ، وهِشَامَ بن عروة ، وعطاءَ بنَ السَّائب ،
وسُلَيمانَ الأعمش، وحُسيناً المُعَلِّم، وحُمَيداً الطّويل، وخُثَيم بن عِرَاك ،
وإسماعيلَ بنَ أبي خالد ، وُبيدَ الله بنَ عُمر ، ويحيى بنَ سعيد الأنصاري ،
وابنَ عَوْن ، وابنَ أبي عَرُوبة ، وشُعبَة، والثَّوْرِيَّ، وأَخضَرَ بنَ عَجْلان ،
وإسرائيلَ بنَ موسى - نزيل الهند - ، وأشعثَ بنَ عبد الملك الحُمْراني ،
وأشعثَ بنَ عبد الله الحُدَّاني ، وبَهْزَ بنَ حكيم ، وجعفرَ بنَ محمد ، وحاتِم
ابنَ أبي صغيرة، وحبيبَ بنَ الشَّهيد، وحجَّاجَ بنَ أبي عُثمان الصَّوَّاف ،
وزكرِيًّا بنَ أبي زائدة، وعبدَ الله بنَ سعيد بن أبي هِند، وعبد الرحمن بن
حَرْمَلَة الأَسْلمي ، وعبدَ الملك بن أبي سُليمان ، وعُثَمَانَ بنَ الأسود المكي ،
وفضَيْل بن غَزْوان ، ومحمدَ بنَ عَجْلان ، وخلقاً كثيراً .
وعُني بهذا الشَّأنِ أتمَّ عناية ، ورَحَل فيه ، وسادَ الأقران ، وانتهى إِليه
الحِفْظُ ، وتكلّم في العِلَلِ والرِّجالِ، وتَخرَّجَ به الحُفَّاظِ، كَمُسَدَّدٍ ،
وعليٍّ ، والفَلَّس ، وكان في الفروع على مذهبٍ أبي حنيفة - فيما بلغنا - إذا
لم يجد النصَّ .
روى عنه : سُفيانُ، وشُعبةُ، ومُعْتَمِرُ بنُ سُليمان - وهم من شيوخه -
وعبدُ الرحمن بنُ مَهْدِي ، وعفَّن ، ومُسَدَّدُ ، وابنُه محمدُ بنُ يَحْبِى ، وعُبيدُ
الله القَوَاريري ، وأبو بكر بنُ أبي شَيْبة ، وعليٍّ ، ويحبى ، وأحمد ،
وإسحاقُ، وعَمْرو بنُ على، وبُنْدَار ، وابنُ مُثْتَّى ، ومحمدُ بنُ حاتِم
السَّمِين ، وسُلَيمانُ الشَّاذِكُوني ، وعُبِيدُ اللّه بنُ سعيد السَّرَخسي ، ويحيى بنُ
حكيم المُقَوِّم، وعُمَرُ بنُ شَبَّة ، ونصرُ بنُ علي ، ومحمدُ بنُ عبد الله
المُخَرِّمي ، وأحمدُ بنُ سِنان القَطَّان ، وإسحاقُ الكوْسَج، وزيدُ بنُ أَخْزَم ،
١٧٦
ويعقوبُ الدَّوْرَقي ، وخلقُ كثير ، خاتِمتهم محمدُ بنُ شَدَّاد المِسْمَعي .
وكان يقولُ : لزمتُ شُعبةَ عشرين سنة .
قال محمدُ بنُ عبد الله بن عمَّار : روى ابنُ مَهْديٍّ في تصانيفه ألفي
حديثٍ عن يحيى القَطَّان ، فحدَّثَ بها ويحيىُ حَيٌّ .
وثبتَ أنَّ أحمدَ بنَ حنبل قال : ما رأيتُ بعينيَّ مثلَ يحيى بن سعيد
القَطَّان .
وقال يحيى بنُ مَعين : قال لي عبدُ الرَّحمن : لا تَرى بعينيك مثلَ
يحيى القَطَّان .
وقال عليُّ بنُ المَديني : ما رأيتُ أحداً أعلمَ بالرِّجال من يحيى بنٍ
سعيد .
وقال بُندار : حدثنا يحيى بنُ سعيد إِمامُ أهل زمانِه .
وقال أبو الوليد الطََّالسي : كانَ يحيى بنُ سعيد مولى بني تميم ،
زعموا ، وكان يُوَقَّرُ وهو شاب .
وقال ابنُ مَعين : قال لي يحيى بنُ سعيد : ليس لُأحَدٍ عليَّ عقدٌ ولا
ولاء .
قال العبّاسُ بنُ عبد العظيم : سمعتُ ابنَ مَهْدِيٌّ يقولُ: لما قدم
الثَّورِيُّ البَصْرة ، قال : يا عبدَ الرحمن ، جئني بإنسانٍ أَذَاكِرُه ، فأتيتُه بيحيى
ابنِ سعيد، فذاكَرَهُ ، فلما خرج ، قال : قلتُ لك : جئني بإنسانٍ ، جئتَني
بشيطان - يعني : بَهَرَهُ حِفْظُه - .
قال عبدُ الله بنُ جعفر بن خاقان : سمعتُ عَمْرو بن عليٍّ يقولُ : كان
١٧٧
سير ١٢/٩
يحيى بنُ سعيد القَطَّان يختِمُ القُرآنَ كُلَّ يومٍ وليلة(١) ، يدعو لألفِ إنسانٍ ،
ثم يخرجُ بعد العَصْرِ، فُيُحدِّثُ الناسَ .
قال ابنُ خُزيمة : سمعتُ بُنْدَاراً يقولُ : اختلفتُ إلى يحيى بن سعيد
أكثر من عشرين سنة ، ما أظنُّه عصى الله قطُّ ، لم يكن في الدُّنيا في شيءٍ .
عبَّاس الدُّوري: سمعتُ يحيى يقولُ: قال لي يحيى القَطَّان: لولم
أَرْوِ إلا عَمَّن أرضى، لم أُرْو إلا عن خمسة.
قال عبدُ الله بنُ بِشْرِ الطَّالقاني : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقولُ: يحيى
ابنُ سعيد أثبتُ الناس .
وقال جعفرُ بنُ أَبَان الحافظُ : سألتُ أبا الوليد الطَّيالسي عن خالد بن
الحارث ، ويحيى بن سعيد القطَّان ، فقال: يحيى أكثرُ منه بكثير ، وأمَّا
خالد ، فثقةٌ صاحِبُ كتاب ، فقال رجلٌ : ما كان بالبصرةِ مِثلُ خالدٍ بعد
شُعبة . فقال : وكان شُعبة يُحسِن ما يُحْسِنُ يحيى؟ فقُلتُ : فمن كان أكثرَ
عندك ، يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي ؟ فإنَّ قوماً يُقَدِّمُون عبد الرحمن
عليه ، قال : ما يُنْصِفُون ، هو أكبرُ من عبد الرحمن .
وعن أبي عَوَانَةَ قال : إِن كنتُمُ تُريدون الحديثَ ، فعليكُم بَيحيى
القَطّان ، فقال له رجلٌ : فأينَ حَمَّدُ بنُ زيد؟ قال : يحيى بنُ سعيدُ
مُعلِّمُنا .
قال أحمدُ بنُ سعيد الدَّارِمي : سمعتُ أحمدَ بنَ حنبل يقولُ : ما كتبتُ
(١) ذكرنا في أكثر من تعليق أن من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لا يفقهه كما صح عنه وصلاة،
وأنه لم يأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يقرأه في أقل من ثلاث، وهدي رسول الله ومية أولى
بالاتباع، فيحيى القطان يعتذر له في صنيعه هذا ، ولا يقلد .
١٧٨
الحديثَ عن مثل يحيى بن سعيد .
قال ابنُ مَعين : روى يحيى القَطَّان عن الأوزاعي حديثاً واحداً .
قال أبو قُدَامَة السَّرَ خسيُّ : سمعتُ يحيى بن سعيد يقولُ : كلُّ من
أدركتُ من الأئمة كانوا يقولون : الإِيمانُ قولٌ وعملٌ، يزيدُ وينقُصُ ،
ويُكفِّرون الجهمية(١) ويُقدِّمون أبا بكر وعمر في الفضيلة والخلافة .
مُسَدَّد ، عن يحيى قال : ما حملتُ عن سُفيان الثوري شيئاً إلا ما
قال : حدَّثني وحدَّثنا سوى حديثيْن من قول إبراهيم وعِكْرمة.
قال أبو بكر الصَّغَاني : قال لي ابنُ معين : يحيى بنُ سعيد فوقَ يزيد
ابنِ زُريع وخالدِ بنِ الحارث ومعاذ بن مُعاذ .
قال يحيى : ربما أتيتُ التَّيمي ، وليس عنده أحدٌ من خلق الله،
وكان إذا حدَّث في بني مُرَّةً إنما يكون عنده خمسةٌ أو ستة .
قال الحافظُ ابنُ عمَّار : كنتَ إذا نظرتَ إلى يحيى القَطَّان ، ظننتَ أنه
لا يُحسِنُ شيئاً، بزيِّ التُّجَّار، فإذا تكلّمَ أنصتَ له الفُقَهاء .
قال أحمدُ بنُ محمد بن يحيى القطّان : لم يكن جَدِّي يَمْزَحُ ولا
يضحكُ إلا تَبَسُّماً، ولا دخل حمَّاماً، وكان يَخْضِب .
قال يحيى بنُ مَعين: أقام يحيى بنُ سعيد عشرين سنةً ، يختمُ القُرآنَ
كُلَّ ليلة .
(١) هذا من الغلو غير المحمود الذي لا يوافقه عليه جمهور العلماء سلفاً وخلفاً ، وكيف
يكفر الجهمية - وهم المعتزلة - وقد روى عنهم الأئمة في ((الصحيحين)) وغيرهما من كتب السنة
أحاديث كثيرة وفيرة .
١٧٩
وقال عليُّ بنُ المديني : كنَّا عند يحيى بن سعيد ، فقرأ رجلٌ سورةً
الدُّخَان ، فَصَعِقَ يحيى ، وغُشِيَ عليه .
قال أحمدُ بنُ حنبل : لو قَدَرَ أحدٌ أن يدفعَ هذا عن نفسه ، لدفعه
يحيى - يعني الصَّعْقَ -.
قال أحمدُ بنُ محمد بن يحيى بن سعيد : ما أعلمُ أَنّي رأيتُ جدِّي
قَهْقَهَ قطُّ، ولا دخلَ حمّاماً قط ، ولا اكتحل ، ولا ادَّهَن .
عبَّاس الدُّوري: عن يحيى قال: كان يحيى بنُ سعيد إذا قُرِىءَ عنده
القُرآنُ ، سقط حتى يُصيبَ وجهُهُ الأرضَ . وقال : ما دخلتُ كَنيفاً قطُّ إلا
ومعي امرأةٌ - يعني مِن ضعف قلبه - .
قال يحيى بنُ معين : جعل جارٌ له يَشْتِمُه، ويقعُ فيه ، ويقول : هذا
الخوزي ، ونحن في المسجد ، قال : فجعلَ يبكي ، ويقولُ : صَدَقَ ، ومن
أنا ؟ وما أنا ؟
قال ابنُ معين : وكان يحيى يجيء معه بمِسْبَاحٍ ، فيُدخِلُ يده في
ثيابه ، فَيُسِبِّح .
قال عبدُ الرحمن بنُ مَهْدي : اختلَفُوا يوماً عند شُعبة ، فقالوا له :
اجعلْ بيننا وبينك حَكَماً . قال : قد رضيتُ بالأحول - يعني القطّان -
فجاء ، فقضى على شُعبة، فقال شُعبة : ومن يُطيق نقدَكَ يا أَحول؟(١).
قال ابنُ سعد : كان يحيى ثقةً مأموناً رفيعاً حُجَّةً .
(١) ((مقدمة الجرح والتعديل)): ٢٣٢، وشرح علل الترمذي ١٩٢/١، وعلق عليه ابن
أبي حاتم ، فقال : هذه غاية المنزلة إذا اختاره شعبة من بين أهل العلم، ثم بلغ من دالته بنفسه ،
وصلابته في دينه أن قضى على شعبة .
١٨٠