Indexed OCR Text

Pages 241-260

الخارجَ على المنصور(١) .
وولي أيضاً مملكةً فارس ، وكان جواداً مُمَدَّحاً .
قيل : إن الرشيد احتاطَ على تركتِه ، فكانت خمسين ألفَ ألفٍ
درهم .
وقال الخطيب : كان عظيمَ قومه ، ويقال : إنه قال عند الموت : يا
ليتَ أمِّي لم تَلِدْني، ويا ليتَني كنتُ حَمَّالاً . وكان رقيقَ القلب .
توفي سنة ثلاث وسبعين ومئة .
٥٣ - رابعة العَدَوية *
البصريةُ ، الزاهدةُ ، العابدةُ ، الخاشعةُ ، أم عمرو، رابعة بنتُ
إسماعيل ، ولاؤها للعتكِّين . ولها سيرةٌ في جزء لابن الجوزي .
قال خالد بن خِدَاش : سَمِعَتْ رابعةُ صالحاً المُرِّي يَذكرُ الدنيا في
قصصه ، فنادته : يا صالحُ ، مَنْ أَحبَّ شيئاً أكثرَ من ذِكْرِهِ .
وقال محمد بن الحُسين البُرْجُلاني : حدثنا بِشْرُ بن صالح العَتَّكي ،
قال : استأذن ناسٌ على رابعة ومعهم سُفيانُ الثَّوْري ، فتذاكروا عندها
(١) انظر ((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير: ٥٦٥/٥، و((تاريخ الطبري)) ٦٢٢/٧،
و ((تاريخ الإسلام)) للمؤلف ٢٢/٦، ٢٧، و((دول الإِسلام)) للمؤلف ١ / ٩٧.
* الإِحياء للغزالي: ٢٦٧/٢، وفيات الأعيان: ٢١٥/٣، عبر الذهبي: ٢٧٨/١ ،
الرسالة القشيرية: ٨٦، ١٧٣، قوت القلوب للمكي: ١٠٣/١، ١٥٦، التعرف :
للكلاباذي : ٧٣، ١٢١ ، نفحات الأنس : ٧١٦، الطبقات الكبرى للشعراني : ٥٦،
الكواكب الدرية للمناوي: (٩٦) ص: ١٠٨، شذرات الذهب: ١٩٣/١، تذكرة الأولياء
للعطار: ٥٩/١، الدر المنثور: ٢٠٢، ٢٠٣، النجوم الزاهرة: ٣٣٠/١، الشريشي،
شرح المقامات : ٢٣١/٢.
٢٤١

ساعةً ، وذكروا شيئاً مِن الدنيا ، فلما قاموا قالت لخادمتها : إذا جاء هذا
الشيخُ وأصحابُهُ ، فَلا تأذني لَهم ، فإني رأيتُهُم يُحِبُّونَ الدنيا .
وعن أبي يسار مِسْمَع ، قال : أتيتُ رابعة ، فقالت: جْتَني وأنا أطبخ
أرزاً، فآثرتُ حديثَكَ على طبيخ الأرز، فَرجعتْ إلى القدر وقد طُبِخَتْ.
ابنُ أبي الدُّنيا : حدثنا مُحمد بن الحسين ، حدثني عُبيس بن مَيمون
العطّار، حدثتني عَبْدة بنت أبي شَوَّال ، وكانت تَخدُمُ رابعةَ العَدوية ،
قالت : كانت رابعة تُصلي الليلَ كُلَّه، فإذا طَلَعَ الفجرُ، هَجعت هَجْعَةً
حتى يُسْفِرَ الفجرُ، فكنتُ أسمعُها تقول : يا نَفسُ كم تنامِينَ ، وإلى كم
تَقومين ، يُوشِكُ أن تَنامي نَومةً لا تقومينَ منها إلا لِيَوم النُّشور .
قال جعفر بن سُليمان : دخلتُ مع الثوريِّ على رابعة ، فقال سفيانُ :
واحزْناه ، فقالت : لا تكذبْ ، قل : واقِلَّة حُزناه .
وعن حمَّد ، قال : دخلتُ أنا وسلَّام بن أبي مُطيع على رابعة ، فأخذ
سلَّام في ذكر الدنيا ، فقالت : إنما يُذكر شيءٌ هو شيءٌ ، أما شيءٌ ليس
بشيء فلا .
شيبانُ بن فُرُّوخ: حدثنا رِياح القيسيُّ قال : كنتُ اختلفتُ إلى شُميط
أنا ورابعة ، فقالت مرةً : تعالَ يا غلامُ ، وأخذت بيدي ، وَدَعتِ الله ، فإذا
جَرَّةٌ خضراءُ مملوءةٌ عسلاً أبيض ، فقالت: كُلْ ، فهذا والله لم تحوِهِ بطونُ
النحل . ففزعتُ من ذلك ، وقمنا ، وتركناه .
قال أبو سَعيد بن الأعرابي : أما رابعةُ ، فقد حَمل الناسُ عنها حكمة
كثيرة ، وحكى عنها سُفيان وشُعبة وغيرهما ما يَدُلُّ على بُطلان ما قيل عنها ،
وقد تمثلته بهذا :
٢٤٢ >

وَلَقَدْ جَعَلْتُكَ فِي الفُؤَادِ مُحَدِّثي وَأَبَحتُ جِسْمِي مَنْ أَرَادَ جُلوسي
فنسبها بعضُهم إلى الحلول بنصف البيت ، وإلى الإِباحة بتمامه .
قلت : فهذا غُلُوَّ وجهلٌ، ولعل [ مَنْ ] نَسبها إلى ذلك مُباحيٍّ حلولي
ليحتجّ بها على كُفره كاحتجاجهم بخبر: ((كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ))(١) .
قيل : عاشت ثمانين سَنَّة .
توفيت سنة ثمانين ومئة (٢).
٥٤ - أما رابعةُ الشاميةُ *
العابدةُ فأخرى مشهورة ، أصغر من العدوية ، وقد تدخُلُ حكاياتُ هذه
في حكايات هذه ، والثانية هي القائلة ما روى أحمد بن أبي الحواري عن
(١) قطعة من حديث أخرجه البخاري ٢٩٢/١١ - ٢٩٧ في الرقاق : باب التواضع ، من
حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّهِ و18َّ: ((إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته
بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما زال عبدي يتقرب إليَّ
بالنوافل حتى أُحِبِّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش
بها ، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء
أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)). قال الخطابي: هذه أمثال ،
والمعنى : توفيق الله لعبده في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها ، بأن
يحفظ جوارحه عليه ، ويعصمه من مواقعة ما يكره الله من الإصغاء إلى اللهو بسمعه ، ومن النظر
إلى ما نهى الله عنه ببصره ، ومن البطش فيما لا يحل له بيده ، ومن السعي إلى الباطل برجله .
وقال الطوفي : اتفق العلماء ومن يعتد بقوله أن هذا مجاز ، وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته
حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها ، ولهذا وقع في رواية: (( فبي
يسمع ، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي)).
(٢) في ابن خلطان نقلاً عن ابن الجوزي أن وفاتها سنة ١٣٥، وقال غيره : ١٨٥، وأوردها
في ((النجوم الزاهرة)» فيمن توفي في سنة ١٣٥، و١٨٠ .
* صفوة الصفوة لابن الجوزي: ٣٢٠/٤، طبقات الأولياء : ٣٥، شذرات الذهب :
١١٠/٢.
٢٤٣

عبّاس بن الوليد أنها قالت : أستغفر الله مِن قِلة صِدْقي في قولي : أستغفر
الله .
ملوك الأندلس
٥٥ - عبد الرحمن بن معاوية بن هشام *
ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصِ بن أمية بن عبد
شَمْس بن عبد مناف ، أميرُ الأندلس وسلطانُها ، أبو المُطَرِّف الأموي ،
المرواني ، المشهور بالداخل ، لأنه حين انقرضت خلافةُ بني أمية من
الدنيا ، وقُتل مروانُ الحمار ، وقامت دولة بني العبّاس ، هرب هذا، فنجا
ودخل إلى الأندلس فتملكها .
وذلكَ أنه فرَّ من مصر في آخر سنة اثنتين وثلاثين إلى أرض بَرْقة ، فبقي
بِهَا خمسَ سنين ، ثم دخل المغرب ، فنفَّذ مولاه بدراً يتجسَّس له ، فَقال
للمضريَّة : لو وجدتُم رجلاً من بيتِ الخلافة ، أكنتُم تُبايعونه ؟ قالوا: وكيف
لنا بذلك؟ فقال : هذا عَبْدُ الرحمن بن معاوية ، فأَتَوْه فبايعوه ، فتملَّكَ
الأندلسَ ثلاثاً وثلاثين سنةً ، وبَقي الملك في عَقبه إلى سنة أربع مئة . ولم
يتلقَّبْ بالخلافة ، لا هو ولا أكثر ذرِّيته ، إنما كان يُقال : الأميرُ فلان .
وأول من تَلَقَّبَ بأمير المؤمنين مِنهم : النَّاصِرُ لدين الله، في حدود
العشرين وثلاث مئة ، عندما بلغه ضعفُ خلفاءِ العصر ، فقال : أنا أولى بإمرة
المؤمنين .
* الطبري: ٧ / ٥٠٠، العقد الفريد: ٤٤٨/٤، جذوة المقتبس : ٨، ٩ ، تاريخ ابن
عساكر ١٠٣/١٠ ب.، الكامل لابن الأثير ٤٩٣/٥، الحلة السيراء: ٣٥/١، البيان
المغرب: ٤٩/٢، فوات الوفيات: ٢/ ٣٠٢، ٣٠٣، ابن خلدون: ١٢٠/٤، نفح الطيب
للمقري ٣٢٧/١، نهاية الأرب ١/٢٢، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ١١٨/١.
٢٤٤

دَخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلسَ في سنة ثمان وثلاثين .
ومولدُهُ بأرض تدمرَ سنة ثلاث عشرة ومئة ، في خلافة جده .
وأما أبو القاسم بن بَشْكُوال الحافظ ، فقال : فرَّ من المشرق عند
انقراض ملكهم ، هو وأخَوانِ أصغر منه ، وغلام لهم ، فلم يزالوا يُخفون
أَنفسَهم ، والجعائلُ قد جُعلت عليهم ، والمراصدُ ، فَسَلَكوا حتى وصلوا
وادي بِجَايَةٍ(١) ، فبعثوا الغلام يشتري لهم خبزاً فأنكرت الدراهم ، وقُبض
على الغلام ، وضُرِبَ فأقرّ ، فأركبوا خيلاً ، فرأى عبد الرحمن الفرسانَ ،
فتهيأ للسباحة ، وقال لأخويه : اسبَحا معي ، فنجا هو وقصَّرا ، فأشاروا
إليهما بالأمان ، فلما حَصَلا في أيديهمْ ذَبحوهما ، وأخوهُما ينظُر مِن هناك ،
ثم آواه شيخٌ كريمُ العهد ، وقال : لأسترنَّك جهدي ، فوقع عليه التفتيشُ
ببجاية ، إلى أن جاء الطالبُ إلى دار الشيخ ، وكان له امرأة ضخمة ،
فأجلسها تتسرَّح ، وأخفى عبد الرحمن تحت ثيابها ، وصيَّح الشيخ : يا
سبحان الله ، الحرمُ ، فقالوا: غطِّ أَهلكَ ، وخرجوا ، وستره الله مدةً، ثم
دخل الأندلس في قارب سمَّاك، فحصل بمدينة المُنكَّب(٢).
وكان قوادُ الأندلس وجندُها موالي بني أمية ، فبعث إلى قائد ، فأعلمه
بشأنه ، فقبَّل يديه وفَرِحَ به ، وجعله عنده، ثم قال : جاءَ الذي كنا نتحدَّثُ
أنه إذا انقرض ملكُ بني أمية بالمشرق ، نبغ منهم عبد الرحمن بالمغرب ، ثم
كتب إلى الموالي ، وعرَّفهم ، ففرحوا وأصفقوا(٣) على بَيعته ، واستوثقوا من
(١) مدينة على ساحل البحر المتوسط بين إفريقية والمغرب .
(٢) بضم الميم وفتح النون وتشديد الكاف وفتحها : بلد على ساحل جزيرة الأندلس من
أعمال إلبيرة ، وبينها وبين غرناطة أربعون ميلاً .
(٣) أي : اجتمعوا على بيعته . قال زهير :
رأيت بني آل امرىء القيس أصفقوا
علينا وقالوا إننا نحن أكثر
٢٤٥

أمراء العَرب ، وشيوخِ الْبَرْبَر ، فلما استحكم الأمرُ ، أظهروا بيعتَه بعد ثمانية
أشهر ، وذلك في ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين ومئة ، فقصد قُرطبة ، ومتولِّي
الأندلس يومئذ : يوسف الفِهْري، فاستعَدَّ جهده ، فالتقوا ، فانهَزَمَ يوسف ،
ودخل عَبد الرحمن بن معاوية الداخل قَصر قُرطبة يوم الجمعة ، يوم الأضحى
من العام ، ثم حاربه يوسف ثانياً ، ودخل قرطبة ، واستولى عليها ، وكرَّ عبد
الرحمن عليه ، فهرب يوسف والتجأ إلى غرناطة ، فامتنع بإلبيرة ، فنازَلَهُ عبد
الرحمن وضيَّق عليه ، ورأى يوسف اجتماع الأمر للداخل ، فنزل بالأمان
بمحضر من قاضي الأندلس يحيى بن يزيد التُّجِيبي، وكان رجلاً صالحاً ،
استعمله على القضاء عمرُ بن عبد العزيز، فزاده الداخل إجلالاً وإكراماً ،
فبقي على قَضَائِه إلى أن مات سنة اثنتين وأربعين ومئة ، فاستعمل على
القضاء معاويةً بن صالح ، فلما أراد معاوية هذا ، الحجَّ ، وجَّهه الداخل إلى
أُختيه بالشام ، وعَمته رَمَلَة بنت هشام ، ليعمل الحيلة في إدخالهن إلى
عنده ، وأنشد عند ذلك :
أقْرٍ مِنْ بعضِي السلامَ لِبَعضي
أيُّها الرَّكَبُ الميمِّمُ أَرْضي
وفُؤَادِي وَمَالِكِيهِ بِأَرْضِ
إِنَّ جِسْمِي كَمَا عَلِمْتَ بِأَرْضٍ
فَطَوَى البَيْنُ عَنْ جُفُونِيَ غَمْضِي
قُدِّرَ البَيْنُ بَيْنَا فَاقْتَرَقْنَا
فَعَسَى بِاجْتِمَاعِنَا سَوْفَ يَقْضِي(١)
وَقَضَى الله بِالفِرَاقِ عَلَيْنا
فلما وصلَ إليهن ، قلنَ : السفرُ، لا نأمنُ غوائله على القرب ، فكيف وقد
حالت بيننا بحارٌ ومفاوز، ونحن حُرَم ، وقد آمننا هؤلاء القومُ على معرفتهم
(١) الأبيات في ((نفح الطيب)) ٣٨/٣، ٥٤، و((جذوة المقتبس))٩، و((الحلة
السيراء)) ٣٦/١، وذكر صاحب المغرب ١٠٣/١ أن معاوية بن صالح القاضي أنشدها، وقد
نسبت لعبد الرحمن المرواني الداخل ، وفي ألفاظها بعض اختلاف .
٢٤٦

بمكاننا منه ، فحسْبُنا أن نتملى المسرّة بعزةٍ وعافية .
فانصرف بكتابهما ، وبعثا إليه بأعلاقٍ نفيسة مِن ذخائر الخلافة ، فَسُرَّ
بها الأميرُ عبد الرحمن ، وقضى لرأيهما بالرجاحة ، ثم بعدُ وصلَ آخرُ من
الشام بكتاب منهن ، وبهدايا وتُحف منها : رُمَّن من رُصَافة جَدهم هشام ،
فسُرَّ به الداخل ، وكان بحضرته سفَر بن عُبيد الكَلَاعي من أهل الأردن ،
فأخَذَ من الرُّمان ، وزرع من عَجَمه بقريته حتى صار شجراً ، وزاد حُسناً ،
وجاء بثمره إلى الأمير ، وكَثر هناك ، ويعرف بالسَّفَري ، وغرسَ منه بمُنْيَةِ
الرُّصافة (١).
ورأى الداخل نخلةً مفردة بالرُّصافة ، فهاجت شَجَنَه ، وتذكر وطنَه
فقال(٢):
تَبَدَّتْ لَنَا وَسْطَ الرَّصَافَةِ نَخْلَةٌ
تَنَاءتْ بِأَرْضِ الغَرْبِ عَنْ بَلَدِ النَّخْلِ
فَقُلْتُ شَبِيهِي في التَّغرُّبِ وَالنَّوَى
وَطُولِ انثنائي عَنْ بَنِيَّ وَعَنْ أَهْلِي(٣)
نَشَأْتٍ بِأَرْضِ أَنْتِ فيها غَرِيبَةٌ
فَمِثْلُكِ فِي الإِقْصَاءِ والمُنْتَأَىْ مِثْلِي
سَقْكِ عَوَادِي المُزْنِ مِنْ صَوْبِهَا الَّذي
يَسُحُّ وَتَسْتَمْرِي السَّمَاكَيْنِ بِالْوَبْلِ
(١) ((نفح الطيب)) ٤٦٧/١، ٤٦٨.
(٢) الأبيات في (نفح الطيب)) ٥٤/٣، وابن عذاري ٦٢/٢، و((الحلة السيراء)):
٣٧/١ .
(٣) في ((الحلة السيراء)): ((وطول التنائي))، وفي ((نفح الطيب)): ((وطول
اكتئابي )) .
٢٤٧

قال ابن حيَّان : وحين افتتح المسلمون قُرطبة شاطرُوا أهلَها كنيستهم
العظمى ، كما فعل أبو عبيدة وخالد بأعاجم دمشق ، فابتْنَوا فيه مسجداً ،
وبقي الشَّطرُ بأيدي الروم إلى أن كَثُرت ◌ِمارَة قُرْطُبَة ، وتداولتْها بُعُوثُ
العَرب ، فضاق المسجدُ، وعُلق منه سقائفُ ، وصار الناس ينالون مشقة لِقَصر
السقائف إلى أن أذخر الله فيه الأجرَ لِصحيفة الدَّاخِل ، وابتاع الشَّطرَ الثاني
من النصارى بمئة ألف دينار، وقبضُوها على ملأ من الناس،
ورضُوا بعد تمنَّع ، وعمل هذا الجامع الذي هو فَخرُ الأرض ، وشرفُها مِن
مال الأخماس ، وكمل على مراده ، وكان تأسيسه في سنة سبعين ومئة ،
فتَمَّت أسواره في عام . وبلغ الإِنفاق فيه إلى ثمانين ألف دينار ، فقال دِحْية
البَلَوي :
ثَمَانِينَ أَلْفَأً مِنْ لُجَينٍ وعَسْجَدٍ
وأبْرَزَ فِي ذَاتِ الإِلهِ وَوَجْهِهِ
ومِنْخَتُهُ دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ (١)
وأَنْفَقّها في مَسْجِدٍ أُسُّهُ التُّقى
يُلُوحُ كَلَمْعِ الْبَارِقِ الْمُتَوَّقِّدِ (٢)
تَرى الذَّهَبَ النَّارِيَّ بَيْنَ سَمُوكِهِ
وقال أيضاً :
لِيُرْكَعَ للرَّحْمنِ فِيهِ ويُسْجَدَا
بَيْتَ لَأَهْلِ الدِّينِ بالغَرْبِ مَسْجِداً
فَقَامَ بِمَنَّ الله بَيْتاً مُمَجَّداً
جَمَعْتَ لَهُ الأَكْفَاءَ مِنْ كُلِّ صانِعٍ
إلَى أَنْ أَقَاموهِ مَنِيعَاً مُشَيِّداً
فَمَا لَبِّثُوهِ غَيْرَ حَوْلٍ وَمَا خَلا
(١) في ((نفح الطيب)) ٥٦١/١: ((توزعها)) بدل ((وأنفقها))، و((منهجه)) بدل
((ومنحته))، وللبيت رواية أخرى في ((النفح)) ٥٥/٣ :
وقرّ به دين النبي محمد
وأنفقها في مسجد زانه التقى
(٢) في ((النفح)) الرواية الأولى: يلوح كبرق العارض المتوقد ، وفي الرواية الثانية
((الوهاج)) بدل ((الناري))، و((كلمح)) بدل ((كلمع)).
: ٢٤٨

كَمَا تَمَّمِ الوَشَّاءُ بُرداً مُقَصّدا
وزُخْرِفَ بِالأَصْبَاغِ مِنْهُ سُقُوفُه
فَبُورِكَ مِنْ بَانٍ لِذِي العَرشِ مَسْجِدا
وبالذَّهبِ الرُّومِيِّ مُوِّهَ وَجْهُهُ
وكملت أبهاءُ الجامع سَبعة أبهاء ، ثم زادَ مِن بعده حفيدُهُ الحكمُ
الرَّبَضِيُّ بَهْوَيْنِ ، ثم زاد عبدُ الرحمن بن الحكم بَهْوَيْنٍ ، فَصارت أحد
عَشَرَ بَهْوَاَ ، ثم زادَ المنصور بنُ أبي عامر ثمانية أبْهاءٍ ، وعمل جامع إشبيلية
وسورها بعد المئتين .
قال ابن بَشْكُوال : كان عددُ القَومَةِ لجامع قُرطبة في مدة المنصور
وقبلها ثلاث مئة رجل .
وقال ابن مُزْيَن : في قبلته انحرافٌ . وقد ركب الحكم المستنصر بالله
مع الوزراء والقاضي منذر البلوطي وقد همّ بتحريف القبلة ، فقالوا : يا أمير
المؤمنين ، قد صلَّى بهذه القبلة خيارُ الأئمة والتابعون، وإنما فُضِّل من فُضِّل
بالاتّباع، وأميرُ المؤمنين أولى من اتّبع . فترك القبلة بحالها .
قال ابن حَيَّن : بلغ الإنفاق في المنبر الحكَميِّ إلى خمسة وثلاثين
ألف دينار وسبع مئة دينار ونيف ، وقام من ستة وثلاثين ألف وَصْلة من
الأبْنُوس ، والصَّندل ، والعُنَّاب ، والبَقَّم(١) في مدة أربع سنين ، وأول من
خَطب عليه منذر بن سعيد البُّوطي ، وبلغت أعمدةُ جامع قرطبة إلى ألف
وأربع مئة سارية وتسع سواري ، وعمل الناصر صومعةً ارتفاعها من الأرض
إلى موقف المؤذِّن أربعة وخمسون ذراعاً، وعرضها ثمانية عشر ذراعاً ،
وبأعلى ذروتها سَفُودٌ طويل فيه ثلاث رُمَّانات: إحداهما فِضَّةٌ ، والأخرى
ذهب إبريز ، وفوقها سوسنة ذهب مُسَدسة ، فهذه المنارة إحدى عجائب
(١) بفتح الباء والقاف المشددة : خشب شجر عظام كورق اللوز وساقه أحمر .
٢٤٩

الدنيا ، وذَرع المحراب إلى داخل ثمانيةُ أذرع ونصف ، ومن الشرق إلى
الغَرب سبعة أذرع ونصف ، وارتفاع قبوِهِ ثلاثة عشر ذراعاً ونصف ، وذَرع
المقصورة من الشرق إلى الغرب خمسة وسبعون ذراعاً ، وعرضُها من جدار
الخشب إلى القبلة اثنان وعشرون ذراعاً، وطولُ الجامع ثلاث مئةٍ وثلاثون
ذراعاً ، ومن الشرق إلى الغرب مِئتان وخمسون ذراعاً (١).
وأما الإِسلام فكان عزيزاً منيعاً بالأندلس في دولةِ الدَّاخل . فانظر إلى
هذا الأمان الذي كتب عنه للنصارى :
بسم الله الرحمن الرحيم :
كتابُ أمانٍ ورحمة ، وحقْن دماء وعصْمة ، عقده الأميرُ الأكرمُ الملك
المعظم عبدُ الرحمن بن معاوية ، ذو الشرف الصميم ، والخير العميم ،
للبطارقة والرُّهبان، ومَنْ تبعهم مِن سائر البلدان ، أهل قَشتالة وأعمالها ، ما
دامُوا على الطاعة في أداء ما تحمَّلوه ، فأشهدَ على نفسه أنَّ عهده لا يُنسخ ما
أقاموا على تأدية عشرة آلاف أوقية من الذهب ، وعَشرة آلاف رطل من
الفضَّة ، وعشرة آلاف رأسٍ من خيار الخيل ، ومثلها من البغال ، مع ذلك
ألف دِرْعٍ وألف بيضة ، ومن الرِّماح الدَّرْدار مثلها في كل عام ، ومتى ثبتَ
عليهم النكثُ بأسيرٍ يأسِرونه ، أو مسلمٍ يَغْدِرُونه ، انتكث ما عُوهِدُوا عليه ،
وكتب لهم هذا الأمانُ بأيديهم إلى خمس سنين ، أولُها صفر عام اثنين
وأربعينٍ ومئة .
١
وذكر ابن عساكر بإسناد له ، أن عبد الرحمن لما عدَّى إلى الجزيرة ،
فنزلها ، اتّبعه أهلُها ، ثم مضى إلى إشبيلية ، فاتَّبعه أهلُها ، ثم مضى إلى
(١) انظر في وصف جامع قرطبة ((نفح الطيب)) ٥٤٥/١، ٥٦٣ .
٢٥٠

قرطبة ، فاتبعه مَن فيها ، فلما رأى يوسف الفِهْريُّ العساكر قد أظلَّته ، هرب
إلى دار الشرك فتحصن هناك ، وغزاه عبدُ الرحمن بعد ذلك ، فوقعت نُفْرة في
عسكره ، فانهزم ، ورُد عبد الرحمن بلا حرب ، وجعل لمن أتاه برأس يوسف
جُعلاً ، فأتاه رجل من أصحاب يوسف برأسه .
وقال الحُمَيدي : دَخل عبدُ الرحمن الأندلس ، فقامت معه اليمانية ،
وحارب يوسف بن عبد الرحمن الفِهْري متولِّ الأندلس ، فهزمه ، وكان عبدُ
الرحمن من أهل العلم على سيرة جميلة من العدل(١).
وقال أبو المظفَّ الأَبِيْوَرْدِي في أخبار بني أمية : كان الناسُ يقولون :
مَلَكَ الأرضَ ابْنَا بَرْبَريَّتَيْنِ - يعني: عبد الرحمن وَالمنصور .
وكان المنصور يقول عن عبد الرحمن بن معاوية : ذاك صَقْرُ قريش ،
دخل المغربَ وقد قُتِلَ قومُه ، فلم يزل يضرب العَدنانيَّةَ بالقَحطانية حتى
مَلك .
وقال سعيد بن عُثمان اللغوي المتوفى سنة أربع مئة : كانت بقرطبة جَنَّةٌ
اتخذها عبد الرحمن بن معاوية ، كان فيها نخلة أدركتُها .
وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن معاوية :
في الغَرْبِ نَائِيةٌ عَنِ الأَهلِ.
با نَخْلَ أَنْتِ غَرِيَبَةٍ مِثْلِي
عَجْمَاءُ، لَمْ تُطْبَعِ عَلَى خَبْلٍ (٢)
فَابْكِي، وَهَلْ تَبْكِي مُلَمَّسَةٌ
مَاءَ الفُرَاتِ وَمَنْبِتَ النَّخْلِ
لَوْ أَنَّها تَبْكِي إِذَنْ لَبَكَتْ
(١) جذوة المقتبس : ٩،٨ .
(٢) في ((الحلة السيراء)) ١ / ٣٧ : مكبسة.
٢٥١

لَكِنَّهَا ذَهَلت وَأَذْهَلَنِي بُغْضِي بَنِي العَبَّاسِ عَنْ أَهْلي(١)
وقد ولي على الأندلس عبدُ الرحمن بن عبد الله الغافقي في أيَّام عمر بن
عبد العزيز ، فبنى تلك القناطر بقرطبة بقبلي القصر والجامع ، وهي ثمانية
عشر قوساً ، طولُها ثمان مئة باع، وعرضُها سوى ستائرها عشرون باعاً ،
وارتفاعُها ستون ذراعاً ، وهي مِن عجائب الدنيا .
ولما انقرضتْ دَولَةُ بنِي أُميَّةِ اتَّفَقَ الناسُ على تقديم يوسف بن عبد
الرحمن بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع الفِهْري ، فَعُمُرت البلاد في أيامه ،
واتَّسعتْ ، فلما أراد الله ظهورَ مُلك بني أمية بالأندلس ، ذَلَّت لعبد الرحمن
قبائلُ العرب ، وسُلِّم له الأمرُ ، وقُتِلَ يوسف الفهري بوادي الزَّيتون، وخُطِبَ
لعبد الرحمن بجميع الأمصار بها ، وشيّد قرطبة، وغزا عدة غزوات .
من ذلك : غزوةُ قشتالة ، جاز إليها من نهر طُليطِلَة ، وفرَّتِ الرومُ
أمامه ، وتعلّقت بالحبال ، فلم يزلْ حتى وصل مدينة بَرْنيقة ، من مملكة
قشتالة ، فنزل عليها ، وأمر برفع الخيام ، وشرع في البناء ، وأخذ الناسُ
يَبنون ، فسلَّموا إليه بالأمان عند إياسهم من النَّجدة ، وخرجُوا بثيابهم فقط ،
وما يُزوَّدهم ، ثم كتب لأهلِ قشتالة ذلك الأمانَ الذي تقدَّم ، وهو بخط الوزير
بِشْر بن سعيد الغافقيّ .
ولما صفا الأمرُ لعبد الرحمن بعد مقتل عثمان بن حمزة ، من ولد عمر
(١) الأبيات في ((الحلة السيراء)) ٣٧/١، وأوردها المقري في ((نفح الطيب)) ٦٠/٣،
وهي تختلف عما هنا ، ونسبها لعبد الملك بن مروان ، وهاكها :
يَا نَخلَ أنت فريدة مثلي
في الأرض نائية عن الأهل
عجماء لم تجبل على جبلي
تبكي وهل تبكي مكممة
ماء الفرات ومنبت النخل
لو انها عقلت إذاً لبكت
بغضي بني العباس عن أهلي
لكنها حرمت وأخرجني
٢٥٢

ابن الخطّاب ، وذلك بعد سبعة أعوامٍ مِن تمنُّعِه بطُليطِلة ، عظُم سلطانه ،
وامتدَّت أيامُه وعاش ستين سنة ، ثم تُوفي سنة اثنتين وسبعين ومئة ، وأيست
بنو العبّاسِ من مملكة الأندلس لبعد الشُّقَّة .
٥٦ - هشام بن عبد الرحمن بن معاوية *
الأمير أبو الوليد المروانيُّ، بُويعَ بالمُلك بالأندلس عند موت والده ،
سنةَ اثنتين وسبعين ، وعمرُهُ إذ ذاك ثلاثون سنة ، فإنه وُلِدَ بالأندلس ، وكان
دَيِّناً وَرِعاً يشهدُ الجنائز، ويعودُ المرضى، ويعدلُ في الرعية ، ويُكثر
الصَّدقات، ويتعاهدُ المساكين، وأمُّه أمُّ ولد، اسمها حَوْرَاءُ .
ولما احتُضِرَ ، عَهِدَ بالأمر إلى ولده الحكم .
ومات في صفر سنة ثمانين ومئة ، وله سبع وثلاثون سنة ، رحمه الله .
ولنذكر باقي المروانية على نسق واحد .
٥٧ - الحكم بن هشام **
ابن الداخل عبد الرحمن بن معاوية بنِ هشام بن عبد الملك بن مروان
ابن الحكم الأمويُّ المروانيّ ، أبو العاص ، أميرُ الأندلس ، وابنُ أميرها ،
وحفيدُ أميرها . ويُلقَّبُ بالمرتضى ، ويُعرف بالرَّبَضي، لِمَا فَعَلَ بأهل
* العقد الفريد : ٤٩٠/٤، ابن القوطية: ٤٢، جذوة المقتبس: ١٠، الكامل لابن
الأثير: ٥٨٣/٥، الحلة السيراء: ٤٢/١، البيان المغرب: ٦١/٢، ابن خلدون: ١٢٤/٤،
المعجب : ١٩ (طبعة الاستقامة)، أخبار مجموعة: ١٢٠، نفح الطيب: ١/ ٣٣٤.
* * العقد الفريد: ٤٩٠/٤، جذوة المقتبس: ١٠، الكامل لابن الأثير: ١٣٣/٦،
١٤٩، ١٥٨، ١٦٢، ١٨٦، المغرب في حلي المغرب: ٣٨/١، المعجب للمراكشي :
٤٤، الحلة السيراء: ٤٣/١، البيان المغرب: ٧٠/٢، فوات الوفيات: ٣٩٣/١، أخبار
مجموعة : ١٢٤ ، تاريخ ابن خلدون : ٤ /١٢٥ .
٢٥٣

الرَّبَض(١). بُويع بالمُلْكِ عند موت أبيه في صفر سنة ثمانين ومئة .
وكان من جَبَابرة الملوك ، وفُسَّاقِهِم ، ومُتَمرديهم ، وكان فارساً شجاعاً
فاتِكاً ، ذا دهاء وحزمٍ وعُتَوِّ وظُلْم ، تملَّك سبعاً وعشرين سنة .
وكان في أول أمره على سيرة حميدة ، تلا فيها أباه ، ثم تَغيَّر ، وتجاهر
بالمعاصي .
قال أبو محمد بن حزم : كان من المجاهرين بالمعاصي ، سفَّاكاً
للدِّماء ، كان يأخذ أولاد الناسِ المِلاح ، فيَخصيهم ويُمسكهم لِنَفسه . وله
شعرٌ جيدٌ .
!
قال اليَسع بنُ حزم : همت الرومُ بما لم ينالُوا من طلب الثُّغور ، فنكثوا
العهد ، فتجهّز الحكم إليهم حتى جاز جبل السَّارة - شمالي طُليطِلة - ففرَّت
الرومُ أمامَه حتى تجمّعوا بِسَمُّورَة ، فلما التقى الجمعانِ ، نزل النصرُ ،
وانهزم الكفرُ، وتحصَّنوا بمدينة سَمُّورة ، وهي كَبيرة جداً، فحصرها
المسلمون بالمجانيق ، حتى افتتحوها عنوة ، ومَلكوا أكثرَ شوارعها ، واشتغل
الجندُ بالغنائم ، وانضمَّت الروم إلى جهة من البلد، وخرجوا على حميَّة
فقتلوا خَلقاً في خروجهم ، فكانت غزوته من أعظم المغازي لولا ما طَرأ فيها
من تضييع الحزم ، ورامت الرؤُم السلم ، فأبى عليهم الحكم ، ثم خرج من
بِلادهم خوفاً مِن الثُّلوج ، فلما كان العام الآتي ، استعدَّ أعظمَ استعداد ،
(١) وذلك أن الحكم هذا قد انهمك في لذاته ، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة ، فثاروا
به ، وخلعوه ، وبايعوا بعض قرابته ، وكانوا بالربض الغربي من قرطبة ، فقاتلهم الحكم فغلبهم ،
فافترقوا ، وهدم دورهم ومساجدهم ، ولحقوا بفاس من أرض العدوة. انظر سنة ١٨٩ وسنة ٢٠٢
في ((البيان المغرب في أخبار المغرب)) ١٠٦/٢، وابن القوطية: ٧٢، و((الحلة السيراء))
٤٤/١، وابن خلدون ١٢٦/٤.
٢٥٤

وقَصد سَمُّورةِ ، فَقَتل وسَبَى كُلَّ ما مرَّ به ، ثم نازَلها شهرين ، ثم دخلوها بعد
جهد ، وبذلوا فيها السيفَ إلى المساءِ ، ثم انحاز المسلمون ، فباتوا على
أسوارها ، ثم صبَّحوها من الغد لا يُبقون على محتلمٍ .
قال الرازي(١) في ((مغازي الأندلس)): الذي أحصيَ ممن قُتل في
سَمُورة ثلاث مئة ألف نفس ، فلما بلغ الخبر ملك رومية ، كتب إلى الحكم
يرغب في الأمان ، فوضع الحكَمُ على الروم ما كان جدُّه وَضَعَ عليهم ، وزاد
عليهم أن يجلِبُوا مِن تراب مدينة رومية نفسها ما يُصنع به أكوام بشرقي قرطبة
صَغاراً لهم ، وإعلاءً لمنار الإِسلام ، فهما كومان من التّراب الأحمر في بسيط
مدرتها السوداء .
قلت : وكثرت العلماءُ بالأندلس في دولته ، حتى قيل : إنه كان بقُرطبة
أربعة آلاف مُتَقلِّس متزيِّين بِزِيِّ العلماءِ ، فلما أراد اللّهُ فناءهم، عزَّ عليهم
انتهاكُ الحكم للحُرمات ، وائتمروا ليخلعوه، ثم جيَّشوا لِقتاله ، وجرَت
بالأندلس فتنةٌ عظيمة على الإِسلام وأهله ، فلا قوة إلا بالله ، فذكر ابن مُزْيَن
في تاريخه : طالوتَ بن عبد الجبار المعَافري ، وأنه أحد العلماء العاملين
الشهداء الذين همُّوا بِخَلع الحَكَم ، وقالوا : إنه غيرُ عَدل ، ونكثوه في نفوس
العوام ، وزعموا أنه لا يَحِلُّ المكث ولا الصبرُ على هذه السيرة الذَّميمة ،
وعَوَّلوا على تقديم أحد أهل الشُّورى بقرطبة ، وهو أبو الشَّماس أحمد بن
(١) ذكره في ((المغرب)) ٤٤/١ نقلاً عن ابن حزم في كتابه ((نقط العروس)): هو أحمد
ابن محمد بن موسى بن بشير بن جناد بن لقيط الرازي الأندلسي ، ذكره الحميدي في (( جذوة
المقتبس)) : ١٠٤ ، فقال: هو أندلسي، أصله من الري ، له في أخبار ملوك الأندلس وخدمتهم
وركبانهم وغزواتهم كتاب كبير، وألف في صفة قرطبة وخططها ، ومنازل العظماء بها كتاباً
عظيماً ، وله كتاب في أنساب مشاهير أهل الأندلس في خمسة مجلدات ضخمة ، توفي سنة
٣٤٤هـ. مترجم في ((معجم الأدباء)) ٢٣٥/٤، ٢٣٦.
٢٥٥

المنذر بن الداخل الأموي ابن عم الحكم ، لِما عرفوا مِن صلاحه ، وعقله
ودينه ، فقصدوه وعرَّفوه بالأمر ، فأبدى الميلَ إليهم ، والبُشرى بهم ، وقال
لهم: أنتم أضيافي الليلة، فإنَّ الليلَ أستر، وناموا، وقام هو إلى ابن
عمه بجَهلٍ ، فأخبره بشأنهم، فاغتاظَ لذلك، وقال : جئتَ لسفك دمي أو
دمائهم ، وهم أعلامٌ ، فمن أين نتوصلُ إلى ما ذكرت ؟ فقال : أرسل معي من
تَثِقُ به ليتحقق ، فوجه من أحب،فأدخلهم أحمد في بيته تحت ستٍ ، ودخل
الليل ، وجاء القوم ، فقال: خبِّروني من معكم ؟ فقالوا : فلانٌ الفقيه ، وفلان
الوزير ، وعدُّوا كباراً ، والكاتب يكتب حتى امتلأ الرَّق، فمدَّ أحدُهُم يده
وراءَ الستر ، فرأى القوم ، فقام وقاموا ، وقالُوا : فعلتها يا عدوًّ الله ، فمن فرَّ
لحينه ، نجا، ومن لا ، قُبِضَ عليه ، فكان ممن فرَّ عيسى بن دينار
الفقيه(١) ، ويحيى بن يحيى الفقيه(٢) صاحب مالك ، وقَرعُوس بن العباس
الثقفي(٣).
(١) هو عيسى بن دينار الغافقي الطليطلي، رحل فسمع من عبد الرحمن بن القاسم
العتقي ، وصحبه ، وعول عليه ، وانصرف إلى الأندلس ، كان إماماً في الفقه على مذهب مالك
ابن أنس ، وعلى طريقة عالية من الزهد والعبادة ، وكانت الفتيا تدور عليه ، لا يتقدمه في وقته أحد
في قرطبة ، وبه وبيحيى انتشر علم مالك بالأندلس، وكان يعجبه ترك الرأي والأخذ بالحديث .
توفي سنة اثنتي عشرة ومئتين . وسيترجمه المؤلف في الجزء العاشر .
(٢) هو يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس المصمودي الليثي مولاهم، رحل إلى
المشرق ، فسمع من مالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة، والليث بن سعد ، وابن القاسم ، وابن
وهب ، وتفقه بالمدنيين ، والمصريين ، من أكابر أصحاب مالك بعد انتفاعه بمالك وملازمته ،
وهو أحد رواة ((الموطأ)) عن مالك، وروايته هي المطبوعة المتداولة في هذه الأعصار. وصفه ابن
عبد البر فقال : كان إمام بلده ، المقتدى به ، المنظور إليه ، المعوَّل عليه، وكان ثقة عاقلاً حسن
الهدي والسمت ، توفي سنة ٢٣٠ هـ وسترد ترجمته في الجزء العاشر .
(٣) هو قرعوس بن العباس بن قرعوس بن عبيد بن منصور بن محمد بن يوسف الثقفي ، أحد
فقهاء الأندلس ، سمع من مالك بن أنس ، وابن جريح، والليث ؛ وغيرهم . كان فاضلاً ورعاً عالمً
بمذهب مالك وأصحابه، لا علم له بالحديث، روى عن مالك ((الموطأ)) وشيئاً من المسائل ، توفي =
٢٥٦

وقُبِضَ على ناس كأبي كعب ، وأخيه ، ومالك بن يزيد القاضي ،
وموسى بن سالم الخولاني، ويحيى بن مُضر الفقيه ، وأمثالهم من أهل العلم
والدِّين، في سبعة وسبعين رجلاً، فَضُربت أعناقُهم، وصُلِبُوا .
وأضافَ إليهم عَمَّيْه كليباً ، وأمية ، فصُلِبَا ، وأحرق القلوبَ عليهم ،
وسار بأمرهم الرِّفاق ، وعلم الحكم أنه محقود من الناس كلِّهم ، فأخذ في
جمع الجنود والحشَم وتهيأ ، وأخذت العامَّة في الهيج ، واستأسد الناسُ ،
وتنَمَّروا ، وتأهَّبوا، فاتفق أن مملوكاً (١) خَرج مِن القصر بسيف دَفَعه إلى
الصَّيقل ، فماطله ، فسبَّه ، فجاوبه الصيقلُ ، فتضاربا ، ونال منه المملوكُ
حتى كاد أن يُتلفه ، فلما تركه ، أخذ الصيَّقلُ السيفَ فقتل به المملوكَ ،
فتألَّب إلى المقتول جماعة ، وإلى القاتل جماعة أخرى ، واستفحل الشرُّ ،
وذلك في رمضان سنة اثنتين ومئتين ، وتداعى أهلُ قرطبة من أرباضهم ،
وتألَّبوا بالسلاح، وقَصدُوا القصر ، فركب الجيشُ والإِمامُ الحكم ، فهزموا
العامَّة ، وجاءهم عَسكر مِن خلفهم ، فوضعوا فيهم السيفَ ، وكانت وقعةً
هائلةً شنيعة ، مضى فيها عددٌ كثير زهاء عن أربعين ألفاً مِن أهل الرَّبَض ،
وعاينوا البلاءَ من قُدَّامهم ومِن خلفهم فتداعَوْا بالطّاعة، وأَذْعِنُوا ولاذُوا
بالعفْو ، فَعفا عنهم على أن يخرجوا من قرطبة ، ففعلوا وهُدِمَتْ ديارُهم
ومَساجِدُهم ، ونَزل منهم ألوفٌ بِطُلْيْطِلَة، وخلقٌ في الثُّغور، وجاز آخرون
البحرَ ، ونَزَلُوا بلاد البربر، وثَبَت جَمِعٌ بفاس، وابتنوا على ساحِلها مدينةً
غلب على اسمها مدينةُ الأندلس ، وسار جَمع منهم زهاء خمسة عشر ألفاً ،
= بالأندلس سنة عشرين ومئتين. ((جذوة المقتبس)): ٣٣٣، و((الديباج المذهب)) ١٥٤/٢ و
((ترتيب المدارك)) ٤٩٢/٢.
(١) انظر ((المغرب)) ٤٢/١.
٢٥٧

وفيهم عمر بن شُعيب الغليظ، فاحتلُّوا بالإِسكندرية ، فاتَّفق بعد ذلك أن رجلاً
منهم اشترى لَحماً من جزَّار، فتضاجر معه، ورماه الجزَّار بكرش في وجهه،
فرجع بتلك الحالة إلى قومه ، فجاؤوا فقتلوا اللحام ، فقام عليهم أهلُ
الإِسكندرية ، فاقتتلوا ، وأخرج الأندلسيُّون أهلَها هاربين ، وتملكوا
الإِسكندرية ، فاتَّصل الخبر بالمأمون ، فأرسل إليهم ، وابتاع المدينة منهم ،
على أن يخرجوا منها ويَنزلوا جزيرة إقريطش(١)، فخرجوا، ونَزلوها،
وافتتحوها ، فلم يزالوا فيها إلى أن غلب عليها أرمانوسُ بن قُسْطَنطين سنّة
خمس وثلاث مئة .
وأما الحكم ، فإنه اطمأنَّ ، وكتب إلى القائد محمد بن رستم كتاباً
فيه : وأنه تداعى فَسَقةٌ مِن أَهل قُرطبة إلى الثورة ، وشَهَروا السِّلاح ، فأنهضنا
لهم الرجال ، فقتلنا فيهم قتلاً ذريعاً، وأعان الله عليهم ، فأمسكنا عن
أموالهم وحرمهم .
ثم كتب الحكمُ كتاب أمانٍ عام ، وكان طالوتُ(٢) اختفى سنةً عند
يهودي، ، ثم خرج وقصد الوزير أبا البَسَّام ليختفي عِندَه فأسلمه إلى الحكم ،
فقال : ما رأيُ الأمير في كبشٍ سمين ، وقف على مِذْوَدِهِ عاماً ، فقال
الحكمُ : لحم ثقيل ، ما الخبرُ؟ قال : طالوت عندي ، فأمره بإحضاره ،
(١) هي في البحر المتوسط، وتعرف اليوم بـ ((كريت))، والذي أنزلهم فيها هو عبد الله بن
طاهر قائد المأمون المشهور، ولاه مصر سنة ٢١١ ، وقد خرج في جيوشه إلى الإسكندرية ،
فحاصر أهلها ومن معهم من الأندلسيين سنة ٢١٢ هـ ، وصالحه الأندلسيون على أن يخرجوا إلى
إقريطش (كريت) فيملكوها، وكان أميرهم أبو حفص عمر بن عيسى. انظر ((الولاة والقضاة))
للكندي: ١٨٣، و((خطط المقريزي)) ١٧٢/١، و((معجم البلدان)) ٢٣٦/١.
(٢) هو طالوت بن عبد الجبار المعافري الأندلسي، دخل مصر، وحج ، ولقي مالك بن
أنس، وعاد إلى قرطبة، ((نفح الطيب)) ٦٣٩/٢ .
٢٥٨

فأحضر ، فقال : يا طالوتُ ، أخبرني لو أنَّ أباكَ أو ابنَك ملك هذه الدار ،
أكنتَ فيها في الإِكرام والبرِّ على ما كُنْتُ أفعلُ معك؟ ألم أفعل كذا ؟ ألم
أمش في جِنازة امرأتك ، ورَجعتُ معك إلى دارك ؟ أفما رضيتَ إلا بسفكِ
دمي ؟ فقال الفقيهُ في نفسه : لا أجد أنفعَ من الصدق . فقال: إني كنتُ
أُبغضُك لله فلم يمنعْك ما صنعتَ مَعي لغير الله ، وإني لمعترفٌ بذلك ،
أصلحك الله . فوجَمَ الخليفةُ وقال : اعلم أنَّ الذي أبغضتني له قد صرفني
عنك ، فانصرفْ في حفظ الله ، ولستُ بتارِكٍ برك ، وليتَ الذي كان لم
يكن ، ولكن أين ظَفِرَ بك أبو البسَّام لا كانَ ، فقال : أنا أظفرتُه بنفسي ،
وقصدتُه . قال : فأين كنتَ في عامك ؟ قال : في دار يهوديٍ ، حفظني لله ،
فأطرق الخليفةُ مليّاً ، ورفع رأسه إلى أبي البسَّام وقال: حَفظه يهوديّ ، وسترَ
عليه لِمكانه من العلم والدين ، وغدرتَ به إذْ قصدك وخفَرت ذِمته ، لا أرانا
اللّهُ في القيامة وجههُ إن رأينا لك وجهاً. وطَرده وكتب لليهوديِّ كتاباً بالجزية
فيما ملك ، وزادَ في إحسانه ، فلما رأى اليهوديُّ ذلك ، أسلم مكانه(١) .
قال ابن مُزْيَن : وكان أهل طُليطِلَة لهم نفوس أبِيَّة ، وكانوا لا يصبِرُون
على ◌ُلم بني أمية ، فإن ولاتهم كانَ فيهم ظلمٌ وتعدٍّ ، فكانُوا يثبون على
الوالي ويخرجونه ، فولَّى عليهم الحكم عمروساً(٢)، رجلاً منهم . وكان
عَمروسٌ داهيةً ، فداخل الحكم ، وعمل على رؤوس أهل طُلَيْطِلَة حتى قتل
جماعةٌ منهم .
(١) انظر ((المغرب)) ٤٣/١، و((نفح الطيب)) ٦٣٩/٢.
(٢) هو عمروس بن يوسف والي الحكم على الثغر، وأحد المتفانين في الإخلاص له ،
وإن كانت بدرت منه بادرة عصيان ، ويشتهر بذبحه للزعماء المنشقين في فناء قصره كما ذكر
المؤلف فيما بعد . انظر ابن خلدون ١٢٦/٤ .
٢٥٩

قال ابن مُزْيَن : فأشار أولاً على الأعيان ببناء قلعة تحميهم ، ففعلُوا ،
فبعث إلى الخليفة كتاباً بمعاملة منه ، فيه شتمهُ وسبُّه ، فقام له ، وقَعَد ،
وسبَّ وأفحش ، وبعث للخليفة ولدَه للغزو ، فاحتال عمروس على الأكابر
حتى خرجُوا ، وتلقَّوه ورغَّبوه في الدخول إلى قلعتهم ، ومدَّ سِمَاطاً
واستدعاهم ، فكان الداخلُ يُدخَلُ على باب ، ويُخرج من باب آخر ،
فَتُضْرَبُ عُنُقُهُ حتى كَمُلَ منهم كذلك نحو الخمسة آلاف ، حتى غلا بخار
الدِّماء وظهرت الرائحة ، ثم بعث الحكّم أماناً ليحيى بن يحيى الليثي .
مات الحكّمُ سنة ست ومئتين في آخرها ، وله ثلاثٌ وخمسون سنة ،
وولي الأندلسَ بعده ابنُه أبو المُطَرِّف عبد الرحمن ، فلنذكره .
٥٨ - عبدُ الرحمن بن الحكم بن هشام*
ابن الداخل ، أميرُ الأندلس ، أبو المُطَرِّف المروانيُّ، بُويع بعد والده
في آخر سنة ست ومئتين ، فامتدَّت أيامُه ، وكان وادعاً حسنَ السيرة ، لينَ
الجانب ، قليلَ الغزو ، غلبت المشركون في دولته على إشْبيليةَ ، ولكن الله
سلَّم .
كتب إليه عبدُ الملك بن حبيب الفقيه يُحرِّضه على بناء سور إشبيلية ،
يقول له : حَقْنُ دماءِ المسلمين - أيدك الله ، وأعلى يدك بابتناء السور - أحقُّ
وأولى . فأخذ برأيه ، وجمع بينه وبينَ زيادة جامع قرطبة ، وابتنى أيضاً جامع
إشبيلية على يد قاضيها عمروبن عدبَّس ، وكانت إشبيلية من ناحية الوادي بلا
سور .
* العقد الفريد : ٤٩٣/٤، جذوة المقتبس: ١٠، الكامل لابن الأثير: ٩/٦، ١٢،
٣٥، ٥٠، المغرب في حلي المغرب: ٤٥/١، ٥١، الحلة السيراء : ٦١، البيان المغرب:
٨٢/٢، أخبار مجموعة: ١٣٥، ابن خلدون: ١٢٧/٤، نفح الطيب: ٣٤٤/١.
٢٦٠