Indexed OCR Text
Pages 261-280
وعنه: من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعة، وهو يعلم، خرجَ من عصمة اللّه، ووُكِل إلى نفسه. وعنه: من سمع ببدْعة فلا يحكها لجلسائه، لا يُلقها في قلوبهم. قلت: أكثر أئمة السَّلف على هذا التَّحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشُّبَه خَطَّافة . قال محمد بن مسلم الطَّائفي: إذا رأيت عراقياً، فتعوَّذ من شَره، وإذا رأيت سفيان، فسَلِ اللّهَ الجَنَّة. وعن الأصمعي : أن الثَّوري أوصى أن تُدفن كُتُبُهُ، وكان ندم على أشياء كتبها عن قوم . عبد الله بن خُبَيْق: حدَّثْنا الهَيْثَم بن جميل، عن مُفَضَّل بن مُهَلْهَل، قال: حَجَجْتُ مع سُفيان، فوافينا بمكة الأُوْزَاعي، فاجتمعنا في دارٍ، وكان على الموسم عبدُ الصَّمد بن على، فدقَّ داقُ البابَ، قلنا: من ذا؟ قال: الأميرُ. فقام الثَّوري، فدخل المخرج، وقام الأوْزَاعيُّ فتلقاه، فقال له: مَن أنتَ [أيها الشيخ]؟ قال: أنا الأوزاعي. قال: حَيَّاك الله بالسَّلام، أَمَا إنَّ كُتُبَك [ كانت] تأتينا فنقضي حوائجك، ما فَعَلَ سُفيان؟ قال: فقلتُ: دَخَلَ المخرج. قال: فدخل الأَوْزاعي في إثره، فقال: إنَّ هذا الرَّجل ما قصد إلا قصدك. فخرج سُفيان مقطّباً، فقال: سلام عليكم، كيف أنتم؟ فقالَ له عبدُ الصَّمد: أتيتُ أكتبُ عنكَ هذه المناسك، قال: أولا أَدُلُّك على ما هو أنفعُ لك منها؟ قال: وما هو؟ قال: تدعُ ما أنت فيه، قال: وكيف أصنعُ بأمير المؤمنين؟ قال: إن أردتَ كفاكَ اللهُ أبا جعفر. فقال له الأوزاعي: يا أبا عبد الله! إن هؤلاء ليس يرضون منك إلا بالإِعظام لهم. فقال: يا أبا عَمرو! إنَّا لسنا نقدِرُ أن نضربَهم، وإنما نؤدِّبهم بمثل هذا الذي ترى. قال مُفَضَّل: فالتفتَ إليَّ الأُوْزَاعي، ٢٦١ فقال لي: قُمْ بنا من ها هنا، فإني لا آمنُ أن يبعثَ هذا من يضعُ في رقابنا حبالاً، وإنَّ هذا ما يُبالي(١). يوسُف بن أَسْباط: سِمعت سُفيان يقول: ما رأيتُ الزُّهْدَ في شيء أقلَّ منه في الرِّئاسة، ترى الرَّجل يزهدُ في المطعم [والمشرب] والمالِ والتَّياب، فإن نوزع الرئاسة، حامى عليها، وعادى(٢). عبد الله بن خُبَيْق: حدَّثنا عُبَيْد بن جناد، حدَّثنا عطاء بن مُسلم، قال: لما استُخلِف المهدي، بعث إلى سُفيان، فلما دَخَلَ عليه، خَلَعَ خاتَمَه، فرمى به إليه، وقال: يا أبا عبدِ الله! هذا خاتَمي، فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسُّنَّة. فأخذ الخاتم بيده، وقال: تأذنُ في الكلام يا أميرَ المؤمنين؟- قلت لعطاء: قال له: يا أميرَ المؤمنين؟ قال: نعم- قال: أتكلم على أَنِّي آمن؟ قال: نعم. قال: لا تبعث إليَّ حتى آتيك، ولا تُعطني حتى أسألك. قال: فغضب، وهَمَّ به، فقالَ له كاتِبُهُ: أليس قد آمنتَه؟ قال: بلى. فلما خَرَجَ، حَفَّ به أصحابُه، فقالوا: ما منعك، وقد أمرك، أن تعمل في الأمة بالكتاب والسُّنَّة؟ فاستصغر عقولهم، وخرج هارباً إلى البصرة. وعن سُفيان قال: لَيْسَ أخافُ إهانَتهم، إنما أخاف كرامتهم، فلا أرى سيّئتهم سيئة(٣)، لم أرَ للسُّلطان مثلاً إلا مثلًا ضُرب على لسان الثَّعلب، قال: عَرَفت للكلب نيفاً وسبعين دستاناً(٤)، ليس منها دستانٌ خيراً من أن لا أرى الكلب ولا يراني . محمد بن يوسُف الفِرْيابي : سمعتُ سُفيان يقول: أُدخلت على أبي (١) الخبر في ((الحلية)): ٣٩/٧، والزيادات منه. (٢) الخبر في ((الحلية)): ٣٩/٧، والزيادة منه. (٣) انظر رواية أخرى للخبر في ((الحلية)): ٤٢/٧، و: ٤٤. (٤) الدستان: كلمة فارسية، معناها: المكر والحيلة. ٢٦٢ جعفر بمنى، فقلت له: اتَّقِ اللّه، فإنما أُنزِلتَ في هذه المنزلة، وصِرت في هذا الموضع، بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعاً. حجّ عُمر فما أنفق إلا خمسةَ عشرَ ديناراً، وكان ينزل تحت الشَّجر. فقال: أتريدُ أن أكونَ مِثْلَكَ؟ قُلتُ: لا، ولكن دون ما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه. قال: اخْرُجْ(١). قال عصام بن يزيد: لما أراد سُفيان أن يوجِّهَني إلى المَهْدي، قلت له: إني غلام جَبَلي، لعلِّي أسقط بشيء، فأفضحك. قال: يا ناعِس! ترى هؤلاء الذين (٢) يجيؤوني؟ لو قلتُ لأحدهم، لظنَّ أني قد أسديتُ إليه معروفاً، و[لكن] قد رضيتُ بك، قل ما تعلم، ولا تقل ما لا تعلم. قال: فلما رجعت، قلت: لأي شيء تهرُب منه، وهو يقول: لو جاء، لخرجت معه إلى السُّوق فأمَرْنا ونهَينا؟ فقال: يا ناعس! حتى يعمل بما يعلم، فإذا فعل، لم يسعنا إلا أن نذهب، فنعلّمه ما لا يعلم. قال ◌ِصام: فَكَتَبَ معي سُفيان إلى المهدي، وإلى وزيره أبي عُبَيْد الله، قال: وأُدخلت عليه، فجرى كلامي، فقال: لو جاءنا أبو عبد الله، لوضعنا أيدينا في يده، وارتدَينَا بُرْداً، واتَّزَرْنا بآخر، وخرجنا إلى السُّوق، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، فإذا توارى عنا مثلُ أبي عبد الله، لقد جاءني قُرَّاؤكم الذين هم قراؤكم، فأُمَروني ونَهَوني ووعظوني، وبكوا- والله - لي، وتباكيت لهم، ثم لم يفجأني من أحدهم [إلا] أن أخرج من كُمِّه رقعة: أن افعل بي كذا، وافعل بي كذا، ففعلت، ومقتّهم. قال: وإنما كتبَ إليه، لأنه طال مَهْرَبُه، أن يعطيه الأمان، فأتيته(٣)، فقدمت (١) روى الفريابي هذه الحادثة، على أن سفيان قد قالها للمهدي. انظر الصفحة: ٢٥٧ . وانظر خبر الصفحة: ٢٧٤ . (٢) فى الأصل: ((الذي)) وما أثبتناه عن ((الحلية)). (٣) في ((الحلية)): ((فأمنه)). ٢٦٣ عليه البصرة بالأمان(١) ثم مرض ومات. أبو نُعَيْم: حدَّثنا الطَّراني، حدَّثنا عبد الله بن أحمد، حدَّثْنِي عَمرو بن علي : سمعتُ يحيى بن سعيد يقول: أملى عليَّ سُفيان كتابه إلى المهدي، فقال: اكتب: من سُفيان بن سعيد إلى محمد بن عبد الله. فقلت: إذا كتبت هذا لم يقرأه. قال: اكتب كما تُريد. فكتبت. ثم قال: اكتب: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، تبارك وتعالى، وهو للحمْد أهلٌ، وهو على كل شيء قدير. فقلت: من كان يكتب هذا الصَّدر؟ قال: حدَّثني منصور عن إبراهيم، أنه كان يكتبُه . وعن إبراهيم الفَرَّاء، قال: كتب سُفيان إلى المهدي مع عصام جبر(٢): طردْتَني وشرَّدْتني وخوَّفْتني، واللهُ بيني وبينك، وأرجو أن يخير الله لي قبلَ مرجوع الكتاب. فَرَجَع الكتابُ وقد مات. أخبرنا إسحاق الأسدي، أنبأنا ابْن خَليل، أنبأنا أبو المكارم النَّيْمي، أنبأنا أبو علي الحدَّاد، أنبأنا أبو نُعَيْم، حدَّثنا ابن حَيَّن، حدَّثنا الحسن بن هارون، حدَّثنا الحسن بن شَاذان النَّيْسابوري، حدَّثني محمد بن مسعود، عن سُفيان قال: أُدخلت على المهدي بمِنى، فسلَّمْت عليه بالإِمْرَة، فقال: أيُّها الرَّجل! طلبناك، فأعجزْتَنا، فالحمدُ لله الذي جاء بك، فارفع إلينا حاجتك. فقلت: قدملأتَ الأرض ظُلماً وجوراً، فاتَّقِ اللّه، وليكن منك في ذلك عِبرة (٣). فطأطأ رأسه، ثم قال: أرأيتَ إن لم أستطع دفعَه؟ قال: تُخلِّيه (١): في ((الحلية)) ٤٣/٧، ٤٤: زيادة وهي: ((ثم قال: اخرج إلى أهلك فقد طالت غيبتك فألم بهم، ثم الحق بي بالكوفة فإني منتظرك حتى تجيء)). (٢) في ((الحلية)): ٤٥/٧، بدلاً من قوله ((عصام جبر)): (( ... مع جبر)) دون كلمة عصام. (٣) في الأصل ((غيراً)) وما أثبتناه من «الحلية)): ٤٥/٧. ٢٦٤ وغيرك. فطأطأ رأسه، ثم قال: ارفع إلينا حاجتك. قلت: أبناءُ المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان بِالبَاب، فاتَّقِ اللّه، وأوصِلْ إليهم حقوقهم. فطأطأ رأسه، فقال أبو عُبَيْد الله: أيُّها الرَّجل! ارفع إلينا حاجتَك. قلت: وما أرفع؟ حدَّثني إسماعيل بن أبي خالد، قال: حج عُمر، فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعةً عشرَ درهماً(١). وإني أرى ها هنا أموراً لا تُطيقها الجبال(٢). وبه: قال أبو نُعَيم: حدَّثنا سعد بن محمد النَّاقد، حدَّثنا محمد بن عثمان، حدَّثنا ابن نُمَيْر، حدَّثنا أبي: لقيني الثَّوري بمكة(٣)، فأخذ بيدي، وسلم عَلَيَّ، ثم انطلق إلى منزله، فإذا عبدُ الصَّمد قاعدٌ على بابه ينتظِرُهُ، وكان والي مكة، فلما رآه، قال: ما أعلمُ في المسلمين أحداً أغشَّ لهم منك. فقال سُفيان: كنتُ فيما هو أوجب عَليَّ من إتيانك، إنه كان يتهيأ للصَّلاة، فأخبره عبد الصَّمد أنه قد جاءه قوم، فأخبروه أنهم قد رأوا الهلال، هلالَ ذي الحجة، فأمره أن يأمر من يصعد الجبال، ثم يُؤْذِن النَّاس بذلك، ويده في يدي، وترك عبد الصَّمد قاعداً على الباب، فأخرج إليَّ سُفرة، فيها فضلة من طعام: خبز مُكَسَّر وجبْن، فأكلْنا. قال: فأخذه عبد الصَّمد، فذهب به إلى المهدي وهو بمنى، فلما رآه، صاح بأعلى صوته: ما هذه الفَسَاطِيط؟ ما هذه السُّرادقات (٤)؟. (١) في ((الحلية)): ٤٥/٧: (( ... ديناراً))، بدلاً من: ((درهماً)). (٢) انظر الصفحتين: ٢٥٧، ٢٦٣. (٣) في ((الحلية)): ٤٨/٧: (( ... بين الصفا والمروة)). (٤) تتمة الخبر في ((الحلية)): ٤٩/٧: ((حج عمر بن الخطاب فسأل: كم أنفقنا في حجتنا هذه؟ فقيل: كذا وكذا ديناراً، ذكر شيئاً يسيراً، زاد سعد: لقد أسرفنا)). وقد مر في الترجمة غير رواية لهذا الخبر. والفساطيط: بيوت تتخذ من شعر، أو ضرب من الأبنية تتخذ في السفر، دون السرادق. والسرادق: كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء. ٢٦٥ قال عطاء الخَفَّاف: ما لقيت سُفيان إلا باكياً، فقلت: ما شأنُك؟ قال: أَتخوّف أن أكون في أُمِّ الكتاب شَقياً. قال ابن مَهدي: جَرَّ أميرُ المؤمنين سُفيان إلى القضاء، فتحامَق عليه ليُخَلِّص نفسه منه، فلما علم أنه يتحامق، أرسله، وهرب هو ... ، وذكر الحكاية. رواها محمد بن إسحاق بن الوليد، عن عبد الله أخي رُسْتَه، عنه . ابن المبارك: عن سُفيان، قال: ليس بفقيهٍ من لم يَعُدَّ البلاء نعمة، والرَّخاء مُصِيْبة . قال ابن وَهْب: رأيتُ الثَّوري في الحَرَم بعد المغرب، صلى، ثم سَجَدَ سَجْدة، فلم يرفع حتى نودي بالعِشاء . وبه : قال أبو نُعَيْم: حدَّثنا الطَّبَراني، حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا عارِم، قال: أتيتُ أبا منصور أعوده، فقال لي: بات سُفيان في هذا البيت، وكان هنا بلبل لابني، فقال: ما بال هذا محبوساً؟ لو خُلي عنه. قلت: هو لابني، وهو يَهَبُّه لك. قال: لا، ولكن أعطيه ديناراً. قال: فأخذه، فخَّلى عنه، فكان يذهب ويرعى، فيجيء بالعشي، فيكون في ناحية البيت، فلما مات سُفيان، تبع جنازته، فكان يضطرب على قبره، ثم اختلف بعد ذلك ليالي إلى قبره، فكان ربما بات عليه، وربما رجع إلى البيت، ثم وجدوه ميتاً عند قبره، فدُفن عنده. أبو منصور- هو بسر بن منصور السَّليمي -: كان سُفيان مختفياً عنده بالبصرة بعد أن خرج من دار عبد الرَّحمن بن مَهدي، قاله الطَّبراني . وفي غير حكاية: أن سُفيان كان يقبل هَدِيَّةٌ بعض النَّاس، ويُثِبُ عليها(١). (١) يفعل ذلك تأسياً برسول الله - بصل -، فقد أخرج البخاري: ١٥٤/٥، في الهبة: باب المكافأة في الهبة، عن عائشة- رضي الله عنها - قالت: ((كان رسول اللّه مَنثة، يقبل الهدية ويثيب عليها)). ٠٠ ٠ ر ٢٦٦ وعن ابن مهدي، قال: ما كنتُ أَقْدِرُ أن أنظر إلى سُفيان استحياءً وهَيْبة منه . وقال إسحاق بن إبراهيم الحُنَيْنِي: قال لنا الثَّوري- وسئل- قال: لها عندي أول نومة تنام ما شاءت، لا أمنعها، فإذا استيقظت، فلا أقيلها والله(١). الحُسين بن عَون: سمعتُ يحيى القَطَّان يقول: ما رأيت رجلاً أفضلَ من سُفيان، لولا الحديثُ كان يُصلي ما بين الظُّهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فإذا سمع مذاكرة الحديثِ، ترك الصَّلاة، وجاء. وقال خَلَف بن إسماعيل : قلتُ لسُفيان: إذا أخذت في الحديث نشطت وأنكرتك، وإذا كنتَ في غير الحديث كأنك ميت! فقال: أما علمتَ أن الكلام فتنةٌ؟ قال مِهران الرَّازي: رأيت الثَّوري إذا خلع ثيابَه طواها، وقال: إذا طُويت، رجعتْ إليها نفسُها. وقيل: التقى سُفيان والفُضَيل(٢)، فتذاكرا، فبكيا، فقال سُفيان: إني لأرجو أن يكون مجلسُنا هذا أعظمَ مجلس جلسناه بركة. فقال له فُضَيل : لكِنِّي أخافُ أن يكون أعظمَ مجلس جلسناه شُؤماً، أليس نظرتَ إلى أحسن ما عندك، فتزينتَ به لي، وتزينت لك، فعبدتني وعبدتك؟ فبكى سُفيان حتى علا نحيبه، ثم [قال: ] أحييتني أحياك الله (٣). أبو سعيد الأشَج: سمعتُ أبا عبد الرَّحمن الحارثي يقول: دَفن سُفيان كتبه، فكنت أُعِيْنِه عليها(٤)، فقلتُ: يا أبا عبد الله! و((في الرِّكاز(٥) الخمس)) (١) ذكر الخبر في ((الحلية)) ٧/ ٦٠ مفصلً. (٢) هو ابن عياض. (٣) الخبر في ((الحلية)): ٦٤/٧، والزيادة منه. (٤) في ((الحلية)) زيادة: ((فدفن منها كذا وكذا قمطرة إلى صدري)). (٥) الركاز: هو المال المدفون في الجاهلية، وهذه الجملة مقتبسة من حديث أخرجه مالك = ٢٦٧ فقال: خذ ما شئتَ. فعزلتُ منها شيئاً، كان يحدِّثني منه(١). عن يعلى بن عُبَيْد: قال سُفيان: لو كانَ معكم من يرفعُ حدیثکم إلى السُّلطان،. أكنتم تتكلمون بشيء؟ قلنا: لا. قال: فإنَّ معكم من يرفعُ الحدیث. وعن سفيان: الزُّهْد في الدُّنيا هو الزُّهد في النَّاس، وأول ذلك زهدُك في نفسِك(٢). عبد الله بن عبد الصَّمد بن أبي خِدَاش: حدَّثنا زيد بن أبي الزَّرقاء، سمعتُ الثَّوري يقول: خرجتُ حاجّاً أنا وشَيبان الزَّاعي مُشاةً، فلما صِرنا ببعض الطَّريق، إذا نحنُ بأسَدٍ قد عارضنا، فصاح به شيبان، فَبَصْبَصَ، (٣) وضرب بذنبه مثلَ الكلب، فَأَخَذَ شيبان بأذنه، فعركها، فقلت: ما هذه الشُّهرة لي؟ قال: وأي شُهْرةٍ ترى يا ثوري؟ لولا كراهيةُ الشُّهرة، ما حملت زادي إلى مكة إلاّ على ظهره(٤). الحسن بن علي الحُلواني: سألتُ محمد بن عُبَيْد: أكان لسُفيان امرأة؟ قال: نعم، رأيتُ ابناً له، بعثت به أمُّه إليه، فجاء، فجلس بين يديه، فقال سُفيان: ليت أني دُعيت لجنازتك. قلت لمحمد: فما لبث حتى دفنه؟ قال: نعم . وعن سفيان: مَنْ سُرَّ بالدُّنيا، نُزع خوفُ الآخرة من قلبه. =في ((الموطأ)): ٨٦٨/٢ - ٨٦٩، والبخاري: ٢٨٩/٣، ومسلم: (١٧١٠)، عن ابن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله - التاريخ : - قال: ((جرح العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس)). (١) للخبر رواية أخرى في ((تاريخ بغداد)): ١٦١/٩. (٢) انظره في ((الحلية)): ٦٩/٧. (٣) البصبصة: تحريك ذنبه طمعاً أو خوفاً. .(٤) الخبر في ((الحلية)): ٦٨/٧ - ٦٩. ٢٦٨ وعنه: ﴿ومُلْكاً كَبِيْراً﴾ [الإنسان: ٢٠]. قال: استئذانُ الملائكةِ عليهم. الفِرْيابي: سمعتُ الأَوْزاعي وسُفيان يقولان: لما أُلقي دانيال في الجبِّ مع السِّباع، قال: إلهي! بالعار والخزي الذي أصبْنا سَلَّطتَ علينا من لا يعرفك. وقال الخُرَيْبي: جلستُ إلى إبراهيم بن أدهم(١)، فكأنه عاب على سُفيان تَرْك الغزو، وقال: هذا الأَوْزاعيُّ يغزو وهو أسنُّ منه. فقلت لِبَهِيْم: ما كان يعني سُفيان في تَرْكِ الغزو؟ قال: كان يقول: إنهم يُضَيِّعون الفرائض. قال حَفْص بن غِياث: كنا نتعزَّى عن الدُّنيا بمجلس سفيان. خَلَف بن تَميم: سمعت سُفيان يقولُ: وجدتُ قلبي يصلحُ بين مكة والمدينة، مع قوم غُرباء، أصحاب صوف وعَباء. وعن وَكِيع قال: قالتْ أمُّ سفيان لسُفيان: اذهبْ، فاطلب العلم حتى أعولك بمِغْزَلي، فإذا كتبتَ عِدَّةً عشرة أحاديث، فانظر هل تجد في نفسِك زيادة، فاتبعه، وإلا، فلا تتعنَّ. قال الأَوْزَاعي: لم يبق من يجتمع عليه العامةُ بالرِّضى والصِّحة، إلا ما كان من رجل واحد بالكوفة- يعني سُفيان .. قال وكيع: كان سُفيان بحراً. وقال ابن أبي ذئب: ما رأيت رجلاً بالعراق يُشبه ثوريَّكم هذا. وقال ابن إدريس: ما رأيت بالكوفة من أودُّ أَنِّي في مِسْلاخه(٢) إلا سُفيان . (١) انظر ترجمته: صفحة: ٣٨٧. (٢) تقدم الخبر مضطرباً في الصفحة: ٢٥٣. وفي حديث عائشة:((ما رأيت امرأة أحبّ إليَّ أن أكون في مسلاخها من سَوْدة)» تمنت أن تكون مثلها في هَذْيها وسمتها . ٢٦٩ قال الفِرْيابي: زارني ابن المبارك، فقال: أُخرج إليَّ حديثَ الثَّوزي، فأخرجتهُ إليه، فجعل يبكي حتى أخضل لحيتهُ، وقال: رحمه الله، ما أُرى أني أرى مثلَه أبداً. وقال زائدة: سُفيانُ أفقهُ أهل الدُّنيا. قال زيد بن أبي الزَّرْقاء: كان المُعَافِى يَعِظُ الثَّورِيِّ، يقول: يا أبا عبد الله! ما هذا المُزاح؟ ليس هذا مِن فعل العلماء. وسُفيان يقبل منه. روى ضَمْرة، عن سُفيان قال: يَثَّغِرِ(١) الغلام لِسَبْع، ويحتلِمِ بعدَ سبع، ثم ينتهي طولهُ بعد سبع، ثم يتكامل عقلهُ بعد سبع، ثم هي التَّجارب. قال أبو أُسَامة: مرضَ سُفيان، فذهبْتُ بمائِهِ إلى الطّبيب، فقال: هذا بولُ راهِب، هذا رجل قد فتت الحزنُ کبده، ما له دواء. قال ضَمْرة: سمعت مالكاً يقول: إنما كانت العراق تَجيْش علينا بالدَّراهم والتِّاب، ثم صارت تجيْش علينا بسفيان الثَّوري. وكان سُفيان يقول: مالِكٌ ليس له حفظ. قلت: هذا يقوله سفيان لقوة حافظته بكثرة حديثه ورحلته إلى الآفاق، وأما مالك، فله إتقان وفِقْه، لا يُدرك شأوهُ فيه، وله حفظ تام، فرضي الله عنهما .. وقال أبو حاتِم الرَّازي: سُفيان فقيةٌ حافظ زاهد إمام، هو أحفظ من شعبة . وقال أبو زُرْعَة: سُفيان أحفظ من شُعبة في الإِسناد والمتن. (١) يثغر: أي تسقط أسنانه الرواضع، ثم ينبت مكانها الأسنان الدائمة، يقال: اثغر سنه: إذا سقط ونبت جميعاً . ٢٧٠ قال عبد المؤمن النَّسَفي: سألت صالح بن محمد جَزَرَة عن سفيان ومالك، فقال: شُفيان ليس يتقدَّمُه عندي أحد، وهو أحفظُ وأكثرُ حديثاً، ولكنْ كان مالك ينتقي الرِّجال، وسُفيان أحفظُ من شعبة، وأكثر حديثاً، يبلُغُ حديثه ثلاثين ألفاً، وشعبة نحو عشرة آلاف. أخبرنا أحمد بن هبة الله، عن عبد المُعِزِّ بن محمد، أنبأنا زاهِر بن طاهِر، أنبأنا أبو سعد الكَنْجَروذي، أنبأنا أبو سعيد عبد الله بن محمد، أنبأنا محمد بن أيوب، أنبأنا محمد بن كثير، أنبأنا سفيان الثَّوري، حدَّثني المُغِيرة ابن النُّعمان، حدَّثني سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله- وَ -: ((إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً. ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيْدُهُ وَعْدَاً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلْيْنَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، يَوْمَ القِيَامَةِ، أَلا وإِنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِي، يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِ، أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّيْنَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُوْلُ كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ عِيْسَى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيْداً مَا دُمْتُ فِيْهِمْ﴾ إلى قوله ﴿العَزِيزِ الحَكِيْمِ﴾(١))). أخرجه البخاري(٢) عن ابن كثير. (١) الآيتان: ١٢١ - ١٢٢، المائدة، ونصهما: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾. (٢) ٢٧٥/٦، في الأنبياء: باب قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾[النساء: ١٢٥]، وباب قول الله: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها .. ﴾ [مريم: ١٦]، وفي تفسير سورة ((المائدة)) باب: ﴿وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم﴾. وفي تفسير سورة الأنبياء: باب: ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾ [١٠٤]. وفي الرقاق: باب الحشر، وهنا أفاض الحافظ ابن حجر في شرحه، فراجعه . وغرل: ج. أغرل: وهو الأقلف وزناً ومعنى، وهو من بقيت غرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر. ٢٧١ قرأتُ على أحمد بن هِبَة الله في سنة ثلاث وتسعين، عن عبد المُعِزِّبن محمد، أنبأنا زاهر بن طاهر، أنبأنا أبو يَعلى الصَّابوني، أنبأنا أبو سعيد عبد الله بن محمد الرَّازي، حدَّثنا محمد بن أيوب، أنبأنا محمد بن كثير، حدَّثنا سُفيان، عن أَسْلَمَ الِمِنْقَري، عن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أُبْزَى، عن أبيه قال: قال أُبَي بن كعب: قال لي رسول الله وَّةَ -: ((أمرتُ أَنْ أَقْرِئَكَ سُوْرَةً. قَالَ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ! وسُميتُ لك؟ قال: ((نعم)). قلتُ لُأبي : فَرحتَ بذلك؟ قال: وما يمنعني. وهو يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا(١)﴾ [يونس: ٥٨](٢). قال ابن مهدي: کان لسُفیان درس من الحدیث، یعني یدرسُ حديثه. وقال علي بن ثابت الجَزَرِي : سمعتُ سُفيان يقولُ: طلبتُ العلم، فلم يكن لي نيَّة، ثم رزقني الله النَّةَ. وعن يحيى بن يَمان ، عن سُفيان قال: إني لأمر بالحائك، فأسد أذني مخافةً أن أحفظَ ما يقول. قال القَطَّان وعبد الرَّحمن: ما رأينا أحفظ من سفيان. قال أبو عُبَيْدة بن أبي السَّفَر: حدَّثنا عبد الله بن محمد المفلوج، (١) بالتاء، وهي قراءة يعقوب في رواية رويس. وذكرها ابن الجوزي في ((زاد المسير)): ٤١/٤، ونسبها إلى أبيّ وأبي مِجلز وقتادة وأبي العالية، وقرأ الباقون: ﴿فليفرحوا﴾ بالياء. (٢) إسناده حسن وأخرجه أحمد في ((المسند)»: ١٢٣/٥، من طريق مؤمل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، حدثنا أسلم المنقري، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب، قال: قال لي رسول الله - رَل ـ: ((يا أُبيّ! أمرت أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا)). قال: قلت: يا رسول الله! وقد ذكرت هناك؟ قال: ((نعم)). فقلت له: يا أبا المنذر! ففرحت بذلك؟ قال: وما يمنعني واللّهُ تبارك وتعالى يقول: ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما تجمعون﴾. قال مؤمل: قلت لسفيان: هذه القراءة في الحديث؟ قال: نعم. ٢٧٢ سمعت يحيى بن يَمان، سَمعت الثَّوري يقول: ما أحدِّث من كل عشرة بواحد. ثم قال يحيى: قد كتبت عنه عشرين ألفاً. وأخبرني الأَشْجعي أنه كتب عنه ثلاثين ألفاً. قال أبو نُعَيْم: سمعتُ سُفيان يقولُ: الإِيمانُ يزيد وينقص. هارون بن أبي هارون العَبْدي: حدَّثنا حيَّن بن موسى، حدَّثنا ابنُ المبارك، سمع سفيان يقول: من زعم أن ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾[الإِخلاص: ١] مخلوق، فقد كفر بالله . وقال زيد بن الحُباب: كان سفيان يُفضِّل عَلياً على عثمان. وعن عثام بن علي : سمعت الثَّوري يقول: لا يجتمع حبُّ علي وعثمان إلا في قلوب نبلاء الرِّجال. وقال ابنُ المبارك، عن سفيان: استوصوا بأهل السُّنَّة خيراً، فإنهم غرباء . وقال مُؤَمَّل بن إسماعيل: لم يُصلِّ سُفيان على ابن أبي رَوَّاد(١) للإِرجاء . وقال شُعَيب بن حَرْب: قال سُفيان: لا ينفعك ما كتبت حتى يكون إخفاء ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْم﴾ في الصَّلاة أفضل عندك مِن الجَهْر. وقال وكيع، عن سفيان في الحديث: ما يعد له شيء لمن أراد به الله . وعنه: ينبغي للرَّجل أن يُكرِهَ وَلَدَهُ على العلم، فإنه مسؤول عنه. عبد الصَّمد بن حسَّان: سمعتُ سفيان يقول: الإِسنادُ سلاحُ المؤمن، (١) هو عبد العزيز بن أبي رواد، انظر ترجمته: صفحة: ١٨٤. ٢٧٣ سير ١٨/٧ فمن لم يكن له سلاح، فبأي شيء يُقاتِلُ؟. ;٠ قَبْصة: سمعت سُفيان يقول: الملائكة حُرَّاس السَّماء، وأصحاب الحديث حُرَّاس الأرض. وقال يحيى بن يَمان : قيل لسفيان: ليست لهم نيَّةِ يعني أصحابَ الحديث؟ قال: طلبُهم له نيَّة، لو لم يأتني أصحابُ الحديث لأتيتُهم في بيوتهم(١) . وقال الخُرَيبِي : سمعَتُ سفيان يقول: ليس شيء أنفع للنَّاس من الحدیث. وقال مَعْدان الذي يقول فيه ابن المبارك: هو من الأبدال(٢): سألت الثَّوري عن قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾؟ [الحديد: ٤] قال: علمه(٣). وسئل سُفيان عن أحاديث الصِّفَات، فقال: أَمِرُّوها كما جاءت. وقال أبو نُعَيم، عنه: وددت أني أفلت من الحديث كفافاً. وقال أبو أسامة: قال سُفيان: وددت أن يَدِي قطعت ولم أطلب حديثاً. قال محمد بن عبد الله بن نُمَير في قول سفيان: ما أخاف على نفسي غير الحديث. قال: لأنه كان يحدِّث عن الضُّعَفاء. قلت: ولأنه كان يُدَلِّس عنهم، وكان يخاف من الشَّهوة، وعدم النِّيَّة في بعض الأحايين. (١) تقدم مثله: صفحة: ٢٥٧. (٢) هم قوم من عباد الله الصالحين لا يحصرهم عد، يهتدون بكتاب الله، وسنة رسوله الصحيحة، ويتصفون بحسن الخلق، وصدق الورع، وحسن النية، وسلامة الصدر، يستجيب الله دعاءهم، ولا يخيب رجاءهم. ورد في حقهم أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أوردها السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص ٨، ١٠ وتكلم عليها، فراجعه. (٣) قال ابن جرير الطبري في ((جامع البيان)): ٢١٦/٢٧، في تفسير الآية: يقول: وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع . ٢٧٤ قال أبو نُعَيْم: كان سُفيان يخضِبُ قليلاً إذا دخل الحمّام. وقال قَبْصة: كان سُفيان مَزَّاحاً، كنت أتأخر خلفه، مخافةَ أن يحِّرني بمُزاحه . وروی الفسوي، عن عیسی بن محمد : أن سُفیان کان یضحك حتى يستلقي ويمد رجليه . قال زيد بن أبي الزَّرقاء: كان سُفيان يقول لأصحاب الحديث: تقدَّموا يا معشرَ الضُّعفاء. وقال يحيى بن يَمان: سمعت سفيان يقول لرجل: ادنُ مني، لوكنت غنياً ما أدنيتك. وقال محمد بن عبد الوهّاب: ما رأيت الأمير والغني أذلَّ منه في مجلس سفيان . قال ابن مَهدي: يزعمون أن سُفيان كان يشرب النَّبيذ. أشهد لقد وُصِف له دواءً، فقلت: نأتيك بنبيذٍ؟ فقال: لا، ائتني بعسل وماء(١). قال خلف بن تميم: رأيت الثّوري بمكة، وقد کثروا علیه، فقال: إنا الله، أخافُ أن يكون اللهُ قد ضيَّع هذه الأمة، حيثُ احتاج النَّاس إلى مثلي. وسمعته يقول: لولا أن أُسْتَذَلَّ، لسكنت بين قوم لا يعرفوني . ونقل غير واحد، أن سُفيان كان مستكيناً في لباسه، عليه ثياب رَثَّة. قال أحمد بن عبد الله العجلي: آجَر سفيان نفسه من جمَّال إلى مكة، فأمروه يعمل لهم خبزة، فلم تجئ جيِّدة، فضربه الجمّال، فلما قدموا مكة، دخل الجمَّال فإذا سفيان قد اجتمع حولَه النَّاس. فسأل؟ فقالوا: هذا سُفيان (١) انظر الصفحة: ٢٤١، ٢٥٩. ٢٧٥ الثَّوري، فلما انفضَّ عنه النَّاسُ، تقدم الجمَّال إليه، وقال: لم نعرفك يا أبا عبد الله. قال: من يفسد طعام النَّاس يُصيبُه أكثر من ذلك. قلت: هذه حكاية مرسَلَة، وكيف اختفى طولَ الطَّريق أمرُ سفيان، فلعلها في أيام شبابه . وروی يحيى بن يمان، عن سفيان: اصحبْ من شئت، ثم أغضبه، ثم دُسَّ إليه من يسأله عنك. وقال قَبْصة، عن سفيان: كثرة الإِخوان من سَخافة الدِّين. وعن سُفيان: أَقِلَّ من معرفة النَّاس، تقلّ غِيبتك. قال قَبْصة: كان سفيان إذا نظرت إليه كأنه راهب، فإذا أخذ في الحديث أنكرته. ٠ قلت: قد كان لحق سُفيان خوفٌ مزعج إلى الغاية. قال ابن مهدي : كنا نكون عنده، فكأنما وُقُّف للحساب. وسمعه عثام بن علي يقول: لقد خِفت الله خوفاً، عجباً لي! كيف لا أموت؟ ولكن لي أجل وددتُ أنه خفف عني، من الخوف أخافُ أن يَذهب عقلي. وقال حمّاد بن دليل: سمعت الثَّوري يقول: إني لأسأل الله أن يُذهب عني مِن خوفه. وقال ابن مَهدي : كنتُ أرمقُ سفيان في الليلة بعد الليلة، ينهض مَرْعوباً ينادي: النارَ، النارَ، شغلني ذكر النَّار عن النَّوم والشَّهوات(١). وقال أبو نُعَيْم: كان سُفيان إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أياماً. (١) انظر الخبر في ((الحلية)). ٦٠/٧، و((تاريخ بغداد)): ١٥٧/٩. ٢٧٦ وقال يوسف بن أَسْباط: كان سفيان يبول الدَّم من طول حُزنه وفكرته. قال عبد الرَّزَّاق: لما قدم سُفيان علينا، طبخت له قدر سِكباج(١)، فأكل، ثم أتيتهُ بِزَبيب الطَّائف، فأكل ثم قال: يا عبد الرَّزَّاق! اعلف الحمار وكُدّه(٢). ثم قام يُصلي حتى الصَّباح. وقال أحمد بن يونس: حدَّثنا علي بن الفُضَيل: رأيت النَّوريَّ ساجداً، فطفتُ سبعة أسابيع(٣) قبل أن يرفع رأسه. وعن مُؤَمَّل بن إسماعيل قال: أقام سُفيان بمكة سنة، فما فتر من العبادة سوى من بعد العصر إلى المغرب، كان يجلس مع أصحاب الحديث، وذلك عبادة. وعن ابن مَهدي : كنتُ لا أستطيع سَماع قراءة سُفيان من كثرة بكائه. وقال مُؤَمَّل: دخلت على سفيان، وهو يأكل طباهج (٤) ببيض، فكلمته في ذلك، فقال: لم آمركم أن لا تأكلوا طيباً، اكتسبوا طيباً وكلوا. وقال أحمد بن يونس: أكلتُ عند سفيان خُشْكَنانج(٥)، فقال: هذا أهدي لنا. وقال عبد الرَّزَّاق: أكل سُفيان مرة تمراً بزُبْد، ثم قام يصلي حتى زالت الشمس. وقيل: إنه سار إلى اليمن بأربعة آلاف مُضَارَبةً(٦)، فأنفق الرِّبح. (١) السكباج: لحم يطبخ بخل. (التاج). (٢) تقدمت رواية أخرى للخبر في الصفحة: ٢٤٣ . . (٣) الأسبوع هنا: الطوافَ الكامل حول الكعبة مرة واحدة، فالمراد أنه طاف: سبعاً. (٤) الطباهج: اللحم المشرَّح (معرب). (٥) الخشكنان: فسره داود الأنطاكي في ((التذكرة)) بأنه: دقيق الحنطة إذا عجن بِشيرِج، وبُسط ومُلى بالسكر واللوز والفستق وماء الورد، وجُمع وخبز. (٦) المضاربة: أن تعطي إنساناً من مالك ما يَتَّجر فيه، على أن يكون الربح بينكما، أو يكون = ٢٧٧ وعن يحيى بن المتوكل: قال سُفيان: إذا أثنى على الرَّجل جيرانه أجمعون، فهو رجل سوء، لأنه ربما رآهم يعصون، فلا ينكر، ويلقاهم ببشر. وقال فُضيل، عن سفيان: إذا رأيت الرَّجل محبباً إلى جيرانه، فاعلم أنه مُداهن. وقال يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيَّة: ما رأيتُ أحداً أصفق وجهاً في ذات الله من سُفيان. وعن سفيان، قال: إن هؤلاء الملوك قد تركوا لكم الآخرة، فاتركوا لهم الدُّنيا. قال عبد الرَّزَّاق: سمعت الثَّوري يقول لوُهَيْب: وربِّ هذه البَنَّة إني لأحب الموت. وعن ابن مَهدي، قال: مرض سُفيان بالبَطَن، فتوضأ تلك الليلة ستين مرة، حتى إذا عاين الأمر، نزل عن فراشه، فوضع خدَّه بالأرض، وقال: يا عبد الرّحمن! ما أشدَّ الموتَ. ولما مات غمضتُه، وجاء النَّاس في جوف الليل، وعلموا. وقال عبد الرّحمن: كان سُفيان يتمنى الموت لِيسلم من هؤلاء، فلما مرض كرهه، وقال لي: اقرأ عليَّ ﴿يس﴾، فإنه يقال: يخفّف عن المريض، فقرأت، فما فرغت حتى طُفى . وقيل: أخرج بجِنازته على أهل البصرة بغتة، فشهده الخلق، وصلى عليه عبدُ الرَّحمن بن عبد الملك بن أبجر الكوفي، بوصيَّةٍ من سُفيان، لصلاحه . =له سهم معلوم من الربح، وكأنه مأخوذ من ((الضرب)) في الأرض لطلب الرزق. قال الله تعالى: ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾ [المزمل: ٢٠] .. ٢٧٨ - ٠ قال ابن المديني: أقام سُفيان في اختفائه نحو سنة. وقال يحيى القَطّان: مات في أول سنة إحدى وستين ومئة. قلت: الصحيح: موته في شعبان سنة إحدى ، كذلك أرخه الواقدي، ووَهِم خليفة، فقال: مات سنة اثنتين وستين. قال يوسُف بن أَسْباط: رأيت الثَّوري في النَّوم، فقلت: أي الأعمال وجدتَ أفضل؟ قال: القرآن. فقلت : الحديث؟ فولى وجهه . وقال بكر بن خَلَف: حدَّثنا مُؤَمَّل، قال: رأيتُ شُفيان في المنام، فقلت: يا أبا عبد الله! ما وجدتَ أنفع؟ قال: الحديث. وقال سُعَير بن الخمس: رأيتُ سُفيان في المنام يطير من نخلة إلى نخلة وهو يقرأ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾. [الزمر: ٧٤]. وقال أبو أْسَامة: لقيتُ يزيد بن إبراهيم صبيحةَ الليلة التي مات فيها سفيانُ، فقال لي : قيل لي الليلة في منامي : مات أميرُ المؤمنين. فقلت للذي يقول في المنام: مات سفيان الثَّوري؟ قال: نعم. (١) وقال مُصعب بن المقدام: رأيت النّبي - ◌ِّ- في النَّوم آخذاً بيد سُفيان الثَّوري، وهو يجزيه خيراً. وقال أبو سعيد الأشَجُّ : حدَّثنا إبراهيم بن أَعْيَن، قال: رأيت سُفيان بن سَعيد، فقلتُ: ما صنعتَ؟ قال: أنا مع السَّفَرَة الكرام البَرَرَة (٢). تمت التَّرجمة ، والحمدلله . (١) في ((الحلية)): ٣٨٢/٦: ((قد مات الليلة)) بدلاً من ((نعم)) وتمام الخبر فيه: ((قال: فكان قد مات تلك الليلة ولم نعلم)). (٢) انظر الخبر في ((الحلية)): ٣٨٤/٦. ٢٧٩ -. .. - ٨٣- عِمْران القَطَّان * (٤) الإِمام المحدِّث، أبو العوَّام، عِمران بن دَاورَ العَمِّي البصري القَطَّانِ. حدّث عن: الحسَن ، ومحمد بن سِيرين، وبَكْر بن عبد الله، وقتادة، وأبي جَمْرَةَ الضُّبَعِي ، وجماعة. روى عنه: أبو عاصم، وعبد الرّحمن بن مَهدي، وأبو داود الطَّيَالِسي، وعمرو بن عاصم، وعبد الله بن رجاء الغُداني، وآخرون. قال يزيد بن زُرَيْع : كان ◌ِمران القَطَّان حَرورياً (١) يرى السَّيْف. وقال أحمد بن حنبل: أرجو أن يكون صَالحَ الحديثِ. وقال ابن عدي : يُكتب حديثُه . وقال النَّسَائي: ضعيف الحديث. وقال أبو داود: ضعيف، أفتى في أيام خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن (٢) بفتوى شديدة، فيها سَفْك الدِّماء. وروى عنه عفَّان ووثَّقه. وقال ابن مَعِيْن: ليس بشيء ، كان یری الخروج، ولم یکن داعية . وقد ذكره يحيى بن سعيد القَطَّان يوماً، فأحسن الثناء عليه، وذكر أنه. کان بينه وبينه شركة. مات في حدود الستين ومئة، رحمه الله. قلت: خرَّجوا له في ((السُّنن)) الأربعة. : طبقات خليفة: ٢٢١، التاريخ الكبير: ٤٢٥/٦، المعرفة والتاريخ: ٢٥٨/٢، الضعفاء: خ: ٣١٣، الجرح والتعديل: ٢٩٧/٦ -٢٩٨، الكامل لابن عدي: خ: ٥١٢ - ٥١٣، تهذيب الكمال: خ: ١٠٥٨، تذهيب التهذيب: خ: ١١٥/٣، تاريخ الإسلام: ٢٥٩/٦، ميزان الاعتدال: ٢٣٦/٣ -٢٣٧، تهذيب التهذيب: ١٣٠/٨-١٣٢، خلاصة تذهيب الكمال: ٢٩٥. (١) انظر الصفحة: ١٤٣، حا: ١ (٢) انظر الصفحة: ٢١، حا: ١. ٢٨٠