Indexed OCR Text

Pages 101-120

وقيل: إن بَعْضَ الأمراء أرسل إلى أبي حازم، فأتاه وعنده الزهري
والإِفريقي، وغيرُهما، فقال: تكلّم يا أبا حازم. فقال أبو حازم: إن خيرٌ
الأمراءِ مَنْ أحبَّ العلماء، وإِنَّ شرَّ العلماءِ مَنْ أحبَّ الأمراء.
وعن أبي حازم قال: إذا رأيتّ ربَّك يُتابعُ نِعمه عليك وأنت تَعصيه،
فاحذرْه، وإذا أحببت أخاً في اللّه، فأقلَّ مخالطته في دنياه .
قال مُصعبُ بن عبد الله الزُّبيري: أبو حازم أصلُه فارسي ، وأمه روميّة، وهو
مولى بني ليث، وكان أشقَر، أفْزَر، أحول.
وقال ابنُ سعد: كان يَقُصُّ بعد الفجر وبعد العصر في مسجد المدينة،
ومات في خلافة أبي جعفر، بعد سنة أربعين ومئة. قال: وكان ثقةً كثيرً
الحدیث.
وقال الفلاس والترمذي: مات سنة ثلاث وثلاثين.
وقال خليفة: سنة خمس وثلاثين. وقال الهيثم: مات سنة أربعين ومئة.
وقال يحيى بن معين: مات سنة أربع وأربعين ومئة.
قلت: آخر من حدث عنه أنس بن عياض اللّيْثِي، وحديثه في الكتب
الستة .
أخبرنا عمر بن عبد المنعم، أنبأنا عبد الصمد بن محمد الحاكم، أنبأنا
علي بن المُسلِّم الفقيه، أنبأنا الحسين بن محمد الخطيب، أنبأنا محمد بن
أحمد الصَّيْداوي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبي. عباد الصفار بالرملة،
حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا سفيان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد،
عن النبي بَّه قال: ((مَنْ نَابَهُ فِي صَلاَتِهِ شَيْءٌ، فَلْيَقُلْ سُبْحانَ الله، إنَّما
التَّصْفِيقُ لِلنِّساءِ والتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ)).
١٠١

هذا حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه (١) عن الثقة، عن سُفيان بن عُيَيْنة،
وهو في صحيح البخاري. من طريق الثوري، عن أبي حازم الأعرج.
أخبرنا عبد الحافظ بن بدران، ويوسف بن أحمد قالا: أنبأنا موسى بن عبد
القادر، أنبأنا سعيد بن أحمد، أنبأنا علي بن أحمد، أنبأنا محمد بن عبد
الرحمن الذهبي، حدثنا عبدُ الله بن محمد، حدثنا خلفُ بن هشام، حدثنا
العَطَّافُ بن خالد، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، سمعتُ رسولَ الله
وَّ يقول: ((غَدْوَةٌ فِي سبيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ في سَبيلِ الله، خَيْرُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا
فِيهَا، وَمَوْضعُ سَوْطٍ في الجَنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيها))(٢).
أخرجه الترمذي، من حديث العطَّاف، وصححه، وهو في البخاري
(١) رقم (١٠٣٥) في إقامة الصلاة: باب التسبيح للرجال في الصلاة، والتصفيق للنساء
من حديث هشام بن عمار، وسهل بن أبي سهل قالا: حدثنا سفيان بن عُيَينة، عن أبي
حازم، عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله وَلثر قال: ((التسبيح للرجال، والتصفيق
للنساء)). وأخرجه مطولاً مالك في الموطأ ١٦٣/١ و١٦٤ في قصر الصلاة في السفر: باب
الالتفات والتصفيق عند الحاجة: عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. وأخرجه البخاري
١٣٩/٢، ١٤١ في الجماعة: باب من دخل ليؤم الناس. من طريق عبد الله بن يوسف،
ومسلم (٤٢١) في الصلاة: باب تقديم الجماعة من يصلي بهم، من طريق يحيى بن
يحيى، وأبو داود (٩٤٠) في الصلاة: باب التصفيق في الصلاة، من طريق القعنبي،
ثلاثتهم عن مالك، عن أبي حازم عن سهل بن سعد. وفيه قول رسول الله مقلية: ((مالي
رأيتكم أكثر تم التصفيق؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما
التصفيق للنساء)).
(٢) أخرجه الترمذي (١٦٤٨) في فضائل الجهاد: باب ما جاء في فضل الغدو والرواح
في سبيل الله. وأخرجه البخاري في الجهاد: باب الغدوة والروحة في سبيل الله، وباب
فضل رباط يوم في سبيل الله، وفي بدء الخلق: باب ما جاء في صفة الجنة. وفي الرقاق:
باب مثل الدنيا والآخرة. ومسلم رقم (١٨٨١) في الإمارة: باب فضل الغدوة والروحة في
سبيل الله.
١٠٢

ومسلم من رواية عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه .
٢٥ - عبد العزيز بن صُهّيْب * (ع)
البُنَاني، البصري، الأعمى، الحافظ.
حدّث عن أنس بن مالك، وأبي نَضْرة العبدي، وشهر بن حَوْشب.
روى عنه: شعبةُ، والثوريُّ، وحماد بن زيد، وهُشيم، وعبدُ الوارث،
والمباركُ بن سُحَيْمٍ، وسفيانُ بن عُيَيْنة وآخرون.
وثقه أحمد بن حنبل وغيره، وما هو بالمكثر.
مات سنة ثلاثين ومئة. وقع لنا من عواليه.
٢٦ - عبد الله بن طاووس ** (ع)
الإِمام المحدث، الثقة، أبو محمد اليماني .
سمع من أبيه وأكثر عنه، ومن عِكرمة، وعمرو بن شعيب، وعِكرمة بن
خالد المخزومي ، وجماعة، ولم يأخذ عن أحد من الصحابة، ويسوغ أن يُعد
في صغار التابعين لتقدم وفاته.
حدث عنه: ابنُ جُريج، ومَعمر، والثورييُّ، وَروْحُ بن القاسم، وُهْبُ بن
خالد، وسفيان بن عيينة، وآخرون. وثقوه.
وقال معمر: كان من أعلم الناسِ بالعربية، وأحسنهم خلقاً، ما رأينا ابنَ
فقيه مثله .
(*) طبقات خليفة: ٢١٦، تاريخ خليفة: ٣٩٥، الجرح والتعديل ٣٨٤/٥ - ٣٨٥،
ثقات ابن حبان ١٦٥/٣، تهذيب الكمال (٨٤٢)، تاريخ البخاري ١٤٨٦، تهذيب
التهذيب ٣٤١/٦ ٣٤٢٠، خلاصة تذهيب الكمال ٢٤٠ .
( ** ) تاريخ البخاري ١٢٣/٥، التاريخ الصغير: ٢٩/٢، الجرح والتعديل ٨٨/٥، ٨٩،
تهذيب الكمال ٦٩٧ - ٦٩٨، تهذيب التهذيب ٢٦٧/٥ - ٢٦٨. خلاصة تذهيب الكمال
٢٠٢.
١٠٣

ذكر القاضي شمس الدين في ترجمة طاووس (١): أنَّ المنصور طلب ابن
طاووس، ومالك بن أنس، قال: فصدعَهُ ابنُ طاووس بكلام.
فهذا لا يتجه، لأن ابنَ طاووس مات في سنة اثنتين وثلاثين ومئة ، وذلك
قبل دولة المنصور بل في هذه السنة قُتِلَ آخِرُ الخلفاء الأموية، مروانُ الحمار،
وقامَ فيها السفاحُ، والله أعلم.
٢٧ - عمرو بن عُبيد *
الزاهد، العابد، القدري، كبيرُ المعتزلة، وأوَّلُهم، أبو عثمان البَصْري.
له عن أبي العالية وأبي قلابة، والحسن البصري .
وعنه: الحمادانِ، وعبد الوارث، وابن عُيَيْنة، ويحيى بن سعيد القَطَّان،
وعبد الوهَّابِ الثقفي، وعلي بن عاصم، وقُريش بن أنس، ثم تركه القطانُ.
وقال النسائي: ليس بثقة.
وقال حفصُ بن غياث: ما لقيتُ أزهدَ منه، وانتحل ما انتحل.
وقال ابنُ المبارك: دعا إلى القدر فتركوه.
وقال معاذ بن معاذ: سمعتُ عمراً يقول: إن كانت (تبت يدا أبي لهب)
في اللوح المحفوظ، فما لله على ابن آدم حجةٌ. وسمعتُه ذكر حديث الصادق
المصدوق، فقال: لو سمعتُ الأعمشَ يقولُه لكذبتُه إلى أن [قال]: ولو
(١) وفيات الأعيان ٥١١/٢.
(*) ثقات ابن حبان ١٤٧/٣، كتاب المجروحين ٦٩/٢، مروج الذهب ٣١٣/٣،
طبقات المعتزلة (٣٥)، المرتضى ١٦٤/١، ١٧١، ١٧٣، ١٧٨، تاريخ بغداد ١٦٢/١٢ -
١٧٨، شرح المقامات للشريشي ٣٣٢/١، وفيات الأعيان ٤٦٠/٣ -٤٦٢، تهذيب الكمال.
(١٠٤٥)، تاريخ الإِسلام ١٠٧/٦، ١١٠، ميزان الاعتدال ٢٧٣/٣ -٢٨٠، العبر ١٩٣/١،
البداية والنهاية ٧٣/١٠، ٨٠، غاية النهاية ٦٠٢/١، تهذيب التهذيب ٣٠/٨، شذرات
الذهب ٢١٠/١. خلاصة تذهيب الكمال ١٠٩.
١٠٤

سمعتُ رسول الله وَل يقوله لرددتُه.
وقال عاصم الأحول: نِمت فرأيتُ عمرو بن عُبيد يَحُثُّ آية، فلمتُهُ. فقال:
أعيدها. قلت: أَعِدْها، فقال: لا أستطيع.
وقال حماد بن زيد: قيل لأيوب: إن عمرو بنَ عُبيد، روى عن الحسن، أن
رسولَ اللهِ وَّ قال: ((إذا رأيتُم معاويةً على منبري فاقتلوه)). قال: كذب.
قال ابنُ عُلَيَّةٍ: أوَّلُ من تكلم في الاعتزال واصلُ الغَزَّال، فدخل معه عمرو
ابن عُبيد، فأعجب به وزوَّجه أختَه.
وذكر محمد بن عبد الله الأنصاري، أنه رأى عمرو بنَ عُبيد في النوم قد
مُسِخَ قِرداً.
وقد كان المنصور يُعظم ابن عُبيد ويقول:
كُلُّكُم يَمْشِي رُوَيْد كُلُّكُمْ يَطْلُبُ صَيْد
غَيْرَ عَمرو بْن عُبَيْد
قلتُ: اغترّ بزُهده وإخلاصه، وأغفل بدعته
قال الخطيب: مات بطريق مكة سنةً ثلاث. وقيل: سنة أربع وأربعين
ومئة .
قال أحمدُ بن أبي خيثمة في «تاریخه)): سمعتُ ابن مَعین یقول: كان عمرو
ابن عُبيد من الدّهريَّةَ(١)
وقال سلامُ بنُ أبي مطيع: أنا للحجاج أرجى منّي لعمرو بن عُبيد.
(١) علق المؤلف رحمه الله في ((الميزان)) على هذه الكلمة فقال: لعن الله الدهرية
فإنهم كفار، وما كان عمرو هكذا.
١٠٥

قد استوفيتُ ترجمته في ((تاريخ الإِسلام)).
وقد رثاه المنصور. وله كتاب العدل، والتوحيد، وكتاب الرد على
القدرية، يريد السنة. ومن كتاب تلامذته: عثمان بن خالد الطويل شيخ
العلاف، وأبو حفص عمر بن أبي عثمان الشُّمَّزيّ.
٢٨ - داود بن الحصين * (ع)
الفقيه أبو سُليمان الأموي مولاهم المدني .
حدّث عن أبيه وعِكرمة، والأعرج، وأبي سُفيان مولى ابن أبي أحمد.
حدّث عنه: ابنُ إسحاق، ومالك، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير،
وإِبراهيم بن أبي حَبيبة، وعِدة.
وثقه يحيى بنُ مَعين مطلقاً. وقال النسائي وغيرُه: ليس به بأس، وقال ابنُ
عُيَيْنة: كنا نتقي حديثه. وقال ابنُ المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر، وقال
أبو زرعة، ليّن. وقال أبو حاتم: لولا أن مالكاً روى عنه، لتُركَ حديثُه.
وقال أبو داود: أحاديثُه عن عكرمة مناکیر، وقال ابنُ حِبَّان: کان یری
الخروج.
وتكلم الترمذي في حفظه(١)
قلت: نزل عكرمة في بيت داود، وتوفي عنده.
(*) طبقات خليفة (٢٥٩ تاريخ خليفة (٤١١)، تاريخ البخاري ٢٣١/٣. الجرح والتعديل ٤٠٨/٣ -
٤٠٩، تهذيب الكمال: ٣٨٤)، ميزان الاعتدال ٥/٢ - ٦، العبر ١٨٢/١، تهذيب التهذيب ١٨١/٣،
١٨٢، شذرات الذهب ١٩٢/١. خلاصة تذهيب الكمال ١٠٩.
(١) وتمحيص القول فيه: أنه ثقة إلا في روايته عن عكرمة.
١٠٦

٢٩ - عبد الملك بن أبي سُليمان ﴾ (خت م ٤)
الإِمام الحافظ أبو محمد، وقيل أبو عبد الله، وأبو سُليمان العرزمي الكوفي
نزل جَبَّنَة عَرْزَم فنسب إليها. وعرزم إنسان أسود. واسم أبي سليمان مَيْسرة.
حدّث عن أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وعطاء،وأنس بن سیرین، وأبي
الزُّبير، وعبد الله بن كَيْسان، وعبد الملك بن أعين، ومسلم بن ينَّاق، وزُبَيْد
الْيامِي، وسلمة بن كُهيل، وعبد الله بن عطاء، وأبي حمزة اليماني.
لم يزد صاحب تهذيب الكمال على هؤلاء.
وعنه: الثوري، وزائدة، وابنُ المبارك، وعيسى بن يونس، وعليُّ بن
مُسْهر، وهُشيم، ويحيى القطّان، وخالدُ بن عبد الله، وحفصُ بن غياث،
وإِسحاق بن يوسف، وابن نُمير، وابنُ فُضيل، ويزيدُ بن هارون، ويعلى بن
عُبيد، وخلق آخرهم موتاً عبدُ الرزاق. وليس هُو بالمكثر، وكان يُوصف
بالحفظ .
ابن المديني، عن عبد الرحمن قال: كان شعبةٌ يَعْجَبُ من حفظ عبد
الملك.
وروىُ نَّوْفل بن المُطَهّر، عن ابن المبارك، عن سفيان، قال: حفاظُ
الناس: إسماعيل بنُ أبي خالد، وعبدُ الملك بن أبي سُليمان، ويحيى بن
سعيد الأنصاري، وحفاظُ البصريين ثلاثة: سليمان التيمي، وعاصم الأحول،
وداود بنُ أبي هند، وكان عاصمٌ أحفظهم.
(*) طبقات خليفة (١٦٧)، تاريخ خليفة (٤٢٣)، تاريخ البخاري ٤١٧/٥، التاريخ
الصغير ٨٣/٢ - ٨٥، كتاب المجروحين والضعفاء ٢٩٠/١، تهذيب الكمال ٨٥٨، تذكرة
الحفاظ ١٥٥/١، ميزان الاعتدال ٦٥٦/٢، تذهيب التهذيب ٢٤٩/٢، العبر ٢٠٤/١،
تهذيب التهذيب ٣٩٦/٦ - ٣٩٨، خلاصة تذهيب الكمال ٢٤٤، شذرات الذهب ٢١٦/١.
(١) العَرْزَميْ: بفتح العين، وسكون الراء وفتح الزاي، وفي اخرها ميم نسبة إلى عَرْزم بطن
من فزارة.
١٠٧

وقال سفيان الثوري: حدثني الميزانُ، عبدُ الملك بن أبي سليمان- وأشار
سفيان بيده كأنَهُ يَزِنُ- وقال ابنُ المبارك: عبدُ الملك بن أبي سليمان ميزان.
وقال أبو داود: قلتُ لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: ثقة.
قلت: يخطىء؟ قال: نعم، وكان من أحفظِ أهل الكوفة، إلا أنه رفع أحاديثَ
عن عطاء .
وسئل يحيى بن معين، عن حديث عطاء، عن جابر، عن النبيِّ صلَّ في
الشُّفْعَةِ(١) فقال: لم يُحدِّثْ به إلا عبدُ الملك، وقد أنكره عليه الناسُ، ولكن
عبد الملك ثقة، صدوقٌ، لا يُرد على مثله، قلتُ: تكلم فيه شعبة لهذا
الحديث.
وروى عبدُ الله بن أحمد، عن أبيه، قال: هذا حديثٌ منكر(٢) قال محمد
(١) وهو ما أخرجه أبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٣٦٩)، وابن ماجه (٢٤٩٤) من
طريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله صل: ((الجار
أجِق بشفعة جاره، يُنتظر بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً)) وهذا سند قوي. قال
الترمذي: حسن غريب، ولا نعلم أحداً روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان
وعبد الملك هو ثقة مأمون عند أهل الحديث. ولا نعلم أحداً تكلم فيه غير شعبة من أجل
هذا الحدیث.
(٢) وقد رد ذلك ابن الجوزي في ((التنقيح)) فيما نقله الزيلعي في ((نصب الراية)) ١٧٤/٤
بأنه حديث صحيح، وأنه لا منافاة بينه وبين رواية جابر المشهورة، وهي: ((الشفعة في كل
ما لا يُقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة)) فإن في حديث عبد الملك إذا كان طريقهما
واحداً- وحديث جابر المشهور، لم يُنْفِ فيه استحقاق الشفعة إلا بشرط تَصَرُّف الطرق.
فنقول: إذا اشترك الجاران في المنافع: كالبئر، أو السطح، أو الطريق، فالجار أحق بسَّقَب
جاره، لحديث عبد الملك. وإذا لم يشتركا في شيء من المنافع، فلا شفعة،لحديث جابر
المشهور.
وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا يقدح فيه فإنه ثقة، وشعبة لم يكن من
الحذاق في الفقه ليجمع بين الأحاديث إذا ظهر تعارضها، إنما كان حافظاً. وغير شعبة إنما
طعن فيه تبعاً لشعبة .
١٠٨

ابن عثمان بن أبي صفوان، عن أمية بن خالد، قلتُ لشعبة: مالَكَ لا تُحدِّث
عن عبد الملك بن أبي سليمان، فقال: تركتُ حديثه. قلت: تُحدِّث عن محمد
ابن عبيد الله العَرْزمي، وتدع عبد الملك، وقد كان حسنَ الحديث؟ قال: مِن
حَسَنها فررتُ.
قال الخطيب: أساء شعبة في اختياره لمحمد، وتركه عبد الملك، لأن
محمد بن عبيد الله لم يختلِفْ أئمةُ الأثر في ذهاب حديثه، وسقوط روايته،
وثناؤهم على عبد الملك مستفيض.
وروى عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أنه ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت. وقال
ابن عمار: ثقة حجة. وقال أبو نُعيم: حدثنا سفيان عن عبد الملك. ثم قال
الفَسَوي : ثقة، مُتقنٌّ، فقيهٌ.
قال أبو نعيم: مات سنة خمس وأربعين ومئة.
أخبرنا أحمد بن عبد الكريم، أنبأنا نصر بن جرو، أنبأنا أبو طاهر السِّلَفيّ،
أنبأنا أبو البقاء الحبّال، أنبأنا زيد بن جعفر، حدثنا محمد بن علي بن دُخَيْم،
حدثنا أحمد بن حازم، أنبأنا يعلى بن عُبيد، عن عبد الملك بن أبي سُليمان،
عن عطاء، عن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله وَله: ((لَا تَتَّخِذُوا
بُيُوتَكُم قُبُوراً وَصَلُّوا فِيهَا))(١)
(١) وأخرجه أحمد ١١٤/٤ و١٩٢/٥ من حديث زيد بن خالد الجهني، وإسناده
صحيح. وفي الباب عن ابن عمر عند البخاري ٤٤١/١، ومسلم (٧٧٧)، والترمذي
(٤٥١)، والنسائي ١٩٧/٣ بلفظ ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً)).
١٠٩

٣٠ - عطاء بن السائب *(٤)
الإِمام الحافظ، محدثُ الكوفة، أبو السائب، وقيل: أبو زيد، وقيل : أبو
يزيد، وأبو محمد الكوفي .
عن أبيه السائب بن زيد، وقيل: ابن يزيد، وقيل: ابن مالك الثقفيّ،
مولاهم، وعن أنس بن مالك۔ ولم یثبت أنه سمع منه، وقد جاء بإدخال یزید
الرقاشي بينهما - وعن عبد الله بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي
وائل، ومُرَّة الطيِّب، وعمرو بن ميمون الأوْدي، ومجاهد وأبي(١) البَخْتَريّ
الطائي، وذَرِّ بن عبد الله، وأبي عبد الرحمن السُّلَّمَيّ، وسعيد بن جبير، وعبد
الله بن بُريدة، وعكرمة، والحسن، وأبي ظَبْيان، وسالم البرَّاد وخلق كثير.
وكان مِن كبار العلماء، لكنه ساء حفظه قليلاً في أواخر عُمره.
حدث [عنه] إسماعيلُ بن أبي خالد، وهو من طبقته، والثوري، وابن
◌ُريج، وأبو جعفر الرازي، وروح بن القاسم، والحمادانِ، وموسى بن
أَعْيَن، وأبو عوانة، وجعفر بن سُليمان، وأبو الأحوص، وشُعبة، وشريك،
وعبيدةَ بن حُميد، وابن فُضيل، وجرير بن عبد الحميد، وزائدة، وزهير بن
معاوية، وابن عُيَيْنة، وهُشيم، وأبو إسحاق الفزاري، وعلي بن عاصم، وابن
عُلية، وخلق كثير.
قال ابنُ عُييْنة: حدثني بعضُ أصحابنا، أن أبا إسحاق كان يسأل عن عطاء
ابن السائب، فيقول: إنه من البقايا.
(*) طبقات ابن سعد ٣٣٨/٦، تاريخ خليفة (٤١٥) طبقات خليفة (١٦٤)، تاريخ
البخاري ٤٦٥/٦، التاريخ الصغير ٣٩/٢، ٤٥، الجرح والتعديل ٣٣٢/٦- ٣٣٤، ثقات
ابن حبان ١٩٠/٣، تهذيب الكمال (٩٣٩ - ٩٤٠)، ميزان الاعتدال ٧٠/٣ - ٧٣، تهذيب
التهذيب ٢٠٣٨٧، خلاصة تذهيب الكمال ٢٦٦، شذرات الذهب ١٩٤/١.
(١) في الأصل ((ابن)) هو تحريف، واسم أبي البختري: سعيد بن فيروز.
١١٠

وروى إبراهيم بن مهدي، عن حماد بن زيد قال: أتينا أيوب، فقال:
اذهبوا، فقد قدِمَ عطاءُ بن السائب مِن الكوفة. وهو ثقة، اذهبوا إليه، فسلُوه
عن حديث أبيه في التسبيح(١)
علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد قال: ما سمعتُ أحداً يقول في
عطاء بن السائب شيئاً قطَّ في حديثه القديم، وما حدَّث سفيان وشعبة عنه
صحيح، إلا حديثين. كان شعبةُ يقول: سمعتهما بأَخَرة عن زاذان.
أحمد بن سِنان عن عبد الرحمن قال: ليث بن أبي سُليم، وعطاء بن
السائب، ويزيد بن أبي زياد، ليث أحسنُهم حالاً عندي.
وروى عثمانُ بن أبي شيبة، عن جرير، وذكر الثلاثة، فقال: يزيدُ أحسنُهم
استقامةً في الحديث ثم عطاء. قال أحمد بن حنبل: عطاء ثقة ثقة، رجل
صالح، وقال: من سمع منه قديماً كان صحيحاً، ومن سمع منه حديثاً لم يكن
بشيء،سمع منه قدیماً شعبة، وسفيان. وسمع منه حديثاً: جریر وخالد بن عبد
اللّه، وإسماعيل وعلي بن عاصم، وكان يرفع عن سعيد بن جبير أشياء لم يكن
يرفعها .
(١) أخرجه أبو داود (١٥٠٢) من حديث الأعمش، عن عطاء بن السائب عن أبيه، عن
عبد الله بن عمرو، قال: ((رأيت رسول الله وَله يعقد التسبيح بيمينه)) وإسناده صحيح. فإن
رواية الأعمش عن عطاء قديمة، وهو من أقرانه وقد تابعه حماد بن زيد عند ابن حبان
(٢٣٤٣) وهو ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط. وأخرجه مطولاً أحمد ١٦٠/٢، ١٦١ و٢٠٤
و٢٠٥، وأبو داود (٥٠٦٥) والنسائي ٧٤/٣ و٧٥ بلفظ «خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما
عبد مسلم إلا دخل الجنة، هما يسير ومن يعمل بهما قليل، يسبح في دبر كل صلاة عشرةً،
ويحمد عشرةً، ويكبر عشرة، فذلك خمسون ومئة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان.
ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، ويسبح ثلاثاً وثلاثين، فذلك
مئة في اللسان وألف في الميزان. فلقد رأيت رسول الله # يعقدها بيده. قالوا: يا رسول
الله كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتي أحدكم - يعني الشيطان - في منامه
فينومه قبل أن يقوله، ويأتيه في صلاته فيذكره حاجته قبل أن يقولها)). وإسناده صحيح. فإن
رواية عطاء عن شعبة عند أحمد وأبي داود، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط.
١١١

قال: وقال وُهيب لما قَدِمَ عطاء البصرة قال: كتبت عن عَبيدة ثلاثين
حديثاً، ولم يسمع من عبيدة شيئاً، وهذا اختلاطُ شديد.
أبو داود عن أحمد قال: كان عطاء بن السائب مِن خيار عباد الله، كان يختِمُ
القرآن كُلَّ ليلة. وقال شعبة: حدثنا عطاء وكان نَسِيًَّ(١) وقال يحيى: لم يسمع
عطاء بن السائب من يعلى بن مُرَّة، قال: واختلط عطاء فما سمع منه قديماً
فهو صحيح، وقد سمع منه أبو عوانة، في الصحة وفي الاختلاط جميعاً، ولا
یحتج بحديثه.
ابن عدي، اُنبانا ابن أبي عصمة، حدّثنا أحمد بن أبي یحی سمعتُ یحی
ابن معين يقول: ليثُ بنُ أبي سُليم ضعيف مثل عطاء بن السائب. وجميع من
روى عن عطاء ففي الاختلاط، إلا شعبة وسفيان(٢)
قال ابنُ عدي: عطاء اختلط في آخر عمره، فمن سمع منه قديماً مثل
الثوري وشعبة، فحديثه مستقيم. ومن سمع منه بعد الاختلاط فأحاديثُه فيها
بعضُ النكرة. وقال العجلي: كان شيخاً قديماً ثقة، روى عن ابن أبي أوفى،
ومن سمع منه قديماً فهو صحيح، منهم الثوري، فأما من سمع منه باخرة، فهو
مضطرب الحديث، منهم هشيم وخالد بن عبد الله، وكان عطاء بأُخَرَة يتلقن
إذا لُقُّنَ، لأنه كان غيرَ صالح الكتاب، وأبوه تابعي ثقة.
وقال أبو حاتم: كان مَحَلُّه الصدقَ قديماً قبل أن يختلِطَ، ثم تغيَّر حفظه،
(١) ربما تكون مقالة شعبة هذه فيه حين سمع منه حديثين. بأُخَرَة. وإلا فشعبة ممن
روى عن عطاء قبل الاختلاط وكان عطاء إذ ذاك حافظاً .
(٢) وممن سمع منه أيضاً قبل الاختلاط: زهير، وزائدة، وحماد بن زيد، وأيوب، كما
في تهذيب التهذيب.
١١٢

في حديثه تخاليطُ كثيرة، وما روى عنه ابنُ فُضيل ففيه غلط واضطراب، رفع
أشياء كان يرويها عن التابعين، فرفعها إلى الصحابة.
وقال النسائي : ثقة في حديثه القديم إلا أنه تغيَّر، ورواية حماد بن زيد،
وشعبة، وسفيان عنه جيدة.
الحُمَيْديّ عن سفيان قال: كنتُ سمعتُ مِن عطاء بن السائب قديماً. ثم
قدم علينا قدمةً، فسمعتهُ يُحدِّث ببعض ما كنتُ سمعته، فخلَّط فيه، فاتقيتُه
واعتزلتُه.
وقال أبو النعمان عن يحيى بن سعيد: عطاء بن السائب تغيَّر حفظُه بعد،
وحماد بن زيد سمع منه قبل أن يتغير.
وقال أبو قطن عن شعبة: ثلاثة في القلب منهم هاجس: عطاء بن السائب،
ویزیدُ بن أبي زياد، وآخر.
إسماعيل بن بَهْرَام، عن أبي بكر بن عياش قال: كنت إذا رأيت عطاء بن
السائب، وضرار بن مُرَّة، رأيت أثرَ البكاء على خدودهما.
قال ابن سعد وغيره: مات عطاء بن السائب سنة ست وثلاثين ومئة .
أخبرنا أحمدُ بن هبة الله، أنبأنا عبد المعز بن محمد، أنبأنا تميمُ بن أبي
سعيد، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن،أنبأنا أبو عمرو بن حمدان، أنبأنا أبو يعلى
المَوْصِلِي، حدثنا هُدْبَة بنُ خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن
السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن رسول الله وَ لَّ قال: ((مَرَرْتُ
لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِرائِحَةٍ طَيَّةٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ يا جِبْرِيلُ؟ قال: هذِهِ
ماشِطَةُ بَنْتِ فِرْعوْنَ، كَانَتْ تُمَشِّطُها فَوَقَعَ الِمِشْطِ مِن يَدِها. قالَت: بِسْمِ اللهِ.
قَالَتِ ابنةُ فِرِعَوْنْ: أبي؟ قَالَتْ: رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ. قَالَتْ: أَقُولُ لَهُ إِذَاً، قَالَتْ:
قُولِي لَهُ. قَالَ لَها: أولَك رَبَّ غَيْرِي؟ قالت: ربِّي وربُّك الذي في السَّماء.
قال: فأحمى لها بَقرةً مِن نُحَاسٍ. فَقَالت: إنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قال: وما
١١٣
سير ٨/٦

حاجَتُك؟ قالَت: أنْ تَجْمع عِظَامي وعِظَامَ وَلِدِي. قال: ذلك لكِ علينا، لِما
لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الحَقِّ. فَأَلْقَىْ وَلَدها في البقرة واحداً واحداً. فكان آخِرهم
صبي. فَقَال: يا أُمَّهَ اصْبِري فإِنَّكِ علَى الحَقِّ))(١).
قال ابنُ عباس: فأربعة تكلَّموا وهم صبيان: ابن ماشطة فرعون، وصبي
جريج، وعيسى بن مريم، والرابع لا أحفظه.
٣١ - موسى بن عُقبة * (ع)
ابن أبي عياش، الإِمام الثقة الكبير، أبو محمد القرشي مولاهم، الأسدي
المِطْرَقِيُّ، مولى آل الزبير، ويُقال: بل مولى الصحابية أم خالد بنت خالد
الأموية، زوجة الزُّبير. وكان بصيراً بالمغازي النبوية، ألّفها في مجلد، فكان
أول من صنف في ذلك، وهو أخو إبراهيم بن عقبة، ومحمد بن عقبة، وعم
إسماعيل بن إبراهيم.
أدرك ابن عمر، وجابراً، وحدَّث عن أم خالد، وعِدادُه في صغار التابعين،
وحدث أيضاً عن علقمة بن وقاص، وأبي سَلَمة، وكُرَيْب، وسالم بن عبد
الله، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ونافع بن جبير بن مُطْعِم ،ونافع مولى ابن
عمر، وصالح مولى التّوْأمة، وعروة بن الزُّبير، وعِكرمة، وابن المنكدر،
(١) إسناده ضعيف لاختلاط عطاء، وراويه عنه وهو: حماد بن سلمة سمع منه قبل
الاختلاط وبعده فلم يتميز حديثه. ومع هذا فقد صححه الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في
تعليقه على ((المسند))٣٠٩/١. وقال ابن كثير: لا بأس بإسناده. وقد أورده الهيثمي في
المجمع ٦٥/١، ونسبه لأحمد والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط. وقال: فيه عطاء بن
السائب، وهو ثقة، ولكنه اختلط.
(*) طبقات خليفة (٢٦٧)، تاريخ خليفة (٤١١) تاريخ البخاري ٢٩٢٨٧، التاريخ الصغير
٧٠/٢، والجرح والتعديل ١٥٤/٨، ثقات ابن حبان ٢٤٨/٣ تهذيب الكمال (١٣٩٢)، تذكرة
الحفاظ ١٤٨/١، العبر ١٩٢/٤، الوافي بالوفيات ١٣٧/٢، التهذيب ٣٦٠/١٠، خلاصة تذهيب
الكمال ٣٩٢، شذرات الذهب ٢٠٩/١ .
١١٤

والزهري، وأبي الزبير، وسالمٍ أبي الغَيْث، وعبد الله بن دينار، ومحمد بن
یحیی بن حبّان، وحمزة بن عبد الله بن عمر، وأبي الزناد،ومحمد بن أبي بكر
الثقفي وخلقٍ سواهم.
وعنه: بُكير بن عبد الله بن الأشج مع تقدُّمه، وشُعبة، ويحيى بن سعيد
الأنصاري، وابنُ جريج، ومالك، وإِبراهيم بن طَهْمان، وابنُ أبي الزّناد،
وحفصُ بن مَيْسَرة، والسُّفيانانِ، وزُهير، وعبدُ العزيز بن أبي حازم، وعبد العزيز
الدَّرَاوردي، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ووُهيب، وأبو قُرَّة موسى بن
طارق، وأبو إسحاق الفَزاري، وفُضيل بن سليمان، ومحمد بن فُليح،
وإسماعيل بن إبراهيم بن عُقبة، وإسماعيل بن عيَّاش، وأبو ضَمْرة اللَّيْئِي
وحاتِم بن إسماعيل، وزُهير بن محمد المروزي، وأبو بدر السَّكُوني، وعبدُ
الله بن رجاء المكي، وأبو همام محمد بن الزّبْرقان، ويعقوب بن عبد الرحمن
القاريُّ، وخلق كثير.
قال ابن سعد: كان ثقةً قليلَ الحديث، كذا هنا، وقال في موضع آخر وهو
أشبه: كان ثقة ثبتاً، كثير الحديث.
إبراهيم بن المنذر عن معن قال: كان مالك إذا قيل له: مغازي مَنْ نكتُبُ؟
قال: عليكم بمغازي موسى بن عُقبة فإِنه ثقة، وقال ابن المنذر أيضاً: حدثني
مطرِّف، ومعن، ومحمد بن الضحاك، قالوا: كان مالك إذا سئل عن
المغازي، قال: عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة، فإِنها أصحُ
المغازي. وقال أيضاً سمعتُ محمد بن طلحة، سمعتُ مالكاً يقول: عليكم
بمغازي موسى،.فإِنه رجل ثقة، طلبها على كبر السن، لِيقيد من شهد مع
رسول الله وَ﴾ ولم يُكَثّر كما كثَّر غیرُه.
قلتُ: هذا تعريض بابن إسحاق. ولا ريب أن ابن إسحاق كثَّر وطوَّل
١١٥

بأنساب مستوفاة اختصارُها أملحُ، وبأشعارٍ غير طائلة حذفُها أرجح، وبآثار لم
تُصحح، مع أنه فاته شيء کثیر من الصحیح لم یکن عنده، فکتابه محتاج إلى
تنقيح وتصحيح، ورواية ما فاته.
وأما مغازي موسى بن عقبة، فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها،
وغالبُها صحيح، ومرسل جيد، لكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة بيان وتتمة .
وقد أحسن في عمل ذلك الحافظُ أبو بكر البيهقي في تأليفه المسمى
بکتاب «دلائل النبوة».
وقد لخصت أنا الترجمةَ النبوية، والمغازي المدنية، في أوَّل تاريخي
الكبير، وهو كامل في معناه إن شاء الله.
إبراهيم بن المنذر الحِزاميّ، حدّثنا سفيانُ بن عُيَيْنة، قال: كان بالمدينة
شيخ يُقال له: شُرَحْبيل أبو سعد، وكان من أعلم الناس بالمغازي. قال:
فاتهموه أن يكونَ يَجْعَلُ لمن لا سَابقة لهُ سابقةً. وكان قد احتاج، فأسقطوا
مغازيه وعلمه، قال إبراهيم: فذكرتُ هذا لمحمد بن طلحة بن الطّويل، ولم
يكن أحد أعلم بالمغازي منه، فقال لي: كان شُرَحْبيل أبو سعد عالماً
بالمغازي، فاتهموه أن يكون يُدخل فيهم من لم يشهد بدراً، ومن قُتِلَ يومَ
أحد، والهجرة ومن لم يكن منهم، وكان قد احتاج، فسقط عند الناس، فسمع
بذلك موسى بن عقبة، فقال: وإن الناس قد اجترؤوا على هذا؟! فدبَّ على
كبر السن، وقيّد من شهد بدراً، وأُحداً، ومن هاجر إلى الحبشة والمدينة،
و کتب ذلك.
وقال إبراهيم: حدّثنا محمد بن الضحاك، سمعت المِسْوَر بن عبد الملك
المخزومي يقول لمالك: يا أبا عبد الله، فلان كلمني يعرض عليك، وقد شهد
جدُّه بدراً. فقال مالك: لا تدري ما يقولون، مَنْ كان في كتاب موسى بن عقبة
قد شهد بدراً، فقد شهدها، ومن لم يكن في كتاب موسى، فلم يشهد بدراً.
١١٦

قال أحمدُ بن أبي خيثمة: كان يحيى بنُ معين يقول: كتابُ موسى بن عُقبة
عن الزّهري مِن أصحِّ هذه الكتب.
وقال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائي : موسى ثقة. وروى المفضل
ابن غسان، عن يحيى بن معين، قال: موسى بن عقبة ثقة، يقولون: روايتُه عن
نافع فيها شيء، وسمعتُ ابنَ معين يضعِّفُ موسى بعضَ الضعف.
قلتُ: قد روى عباس الدُّوري وجماعة، عن يحيى توثيقه. فَلْيُحْمَلْ هذا
التضعيفُ على معنى أنه ليس هو في القوة عن نافع كمالك، ولا عُبيد اللّه.
وكذلك روى إبراهيمُ بن عبد الله بن الجُنيد، عن يحيى بن معين قال: ليس
موسى بن عقبة في نافع مثل عُبيد الله بن عمر ومالك.
قلتُ: احتج الشيخانِ بموسى بن عقبة، عن نافع ولله الحمد. قلنا: ثقة
وأوثقُ منه، فهذا من هذا الضرب.
قال الواقدي: كان لإبراهيم وموسى ومحمد بني عقبة حلقة في مسجد
رسول الله پچ وکانوا کُلّهم فقهاء، محدثین، وکان موسی يُفتي.
وقال مُصعب بن عبد الله الزبيري: كان لهم هيئةٌ وعلم. وقال يحيى بن
معين: سمع ابنُ المبارك من موسى بن عُقبة، ولم يسمع من أخويه، أقدمُهم
محمد، ثم إبراهيم، ثم موسى، وموسى أكثرُهم حديثاً.
وقال يحيى بن سعيد القطان فيما نقله عنه أبو حفص الفلاس: مات موسى
ابن عقبة قبل أن يدخل المدينة بسنة سنة إحدى وأربعين ومئة، وفيها أرخه
خليفة والترمذي، وغيرهما، وشذَّ نوح بن حبيب فقال: مات سنة اثنتين.
وقع لنا حديثُه عالياً، في مواضع، من أعلاها في جزء ابن عرفة.
أخبرنا أحمد بن فرح الإِشبيلي الحافظ، أنبأنا عبد العزيز بن محمد،
وأحمد بن عبد الدائم قالا: أنبأنا عبد المنعم بن عبد الوهّاب (ح) وأنبأنا أحمد
١١٧

ابن سلامة، عن عبد المنعم، أنبأنا علي بن بيان، أنبأنا محمد بن محمد بن
محمد البزاز، أنبأنا إسماعيل بن محمد، أنبأنا الحسن بن عرفة، أنبأنا إسماعيل
ابن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله واله
قال: (لَا تَقْرَأُ الحَائِضُ وَلَ الْجُنُبُ شَيئاً مِنَ القُرآنِ))(١). هذا حديث لين
الإِسناد من قبل إسماعيل، إذ روايتُه عن الحجازيين مضعفة، أخرجه الترمذي
عن ابن عرفة، فوافقناه بعلو.
أخبرنا أحمد بن إسحاق، أنبأنا أكمل بن أبي الأزهر العلوي، أنبأنا سعيد
ابن أحمد، أنبأنا أبو نصر الزَّينبي، أنبأنا محمد بن عمر الورّاق، حدثنا عبد الله
ابن أبي داود، حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدُ الله بن رجاء، عن موسی
ابن عقبة، عن أم خالدبنت خالد قالت: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ يَتْعَوَّذُ مِنْ عَذَاب
القَبْر)). تابعه وُهيب بن خالد وإسماعيل بن جعفر، أخرجه البخاري
والنسائي(٢).
٣٢ - عمرو بن أبي عمرو *(ع)
مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي الفقيه، أبو عثمان
المدني .
(١) أخرجه الترمذي (١٣١) في الطهارة: باب ما جاء في الجنب والحائض أنهما لا
يقرآن القرآن. وابن ماجه (٥٩٥). وإسماعيل بن عياش ضعيف في روايته عن الحجازيين
كما قال المؤلف رحمه الله، لكن له طريقان آخران عند الدار قطني ص ٤٣. أحدهما عن
المغيرة بن عبد الرحمن، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر. والثاني: عن
محمد بن إسماعيل الحساني، عن رجل، عن أبي معشر، عن موسى بن عقبة، فيتقوى
بهما .
(٢) أخرجه البخاري ٩٢/٣ في الجنائز: باب التعوذ من عذاب القبر، و١٤٩/١١ في
الدعوات: باب التعوذ من عذاب القبر، والنسائي ٥٨٣ في السهو: باب نوع آخر من التعوذ
في الصلاة.
(*)تاريخ خليفة (٢٤٨) وقد عدَّه فيمن قتل يوم الحرّة. طبقات خليفة (٢٦٦). تاريخ
البخاري ٣٥٩/٦، تهذيب الكمال (١٠٤٩)، ميزان الاعتدال (٢٨١/٣) تهذيب التهذيب=
١١٨

حدّث عن أنس بن مالك، وأبي سعيد المَقْبُريّ، وسعيد بن جُبير، وعِكرمة،
والأعرج.
وعنه: مالك، ومحمد بن جعفر، وأخوه إسماعيل بن جعفر، وعبد العزيز
الدَّرَاوَرْدي، وعبد الرحمن بن أبي الزناد وآخرون.
قال أبو حاتم، لا بأس به. وقال ابنُ معين: ليس بحجة. وقال أحمد: ما به
بأس، اسمُ أبيه مَيْسرة. وقال أبو داود: ليس بذاك؟
٣٣ - محمد بن واسع * (م، د، ت، س)
ابن جابر بن الأخنس، الإِمام الرباني، القدوة، أبو بكر، ويقال: أبو عبد
الله الأزدي، البصري. أحد الأعلام.
حدّث عن أنس بن مالك، وعُبيد بن عُمير، ومطرِّف بن الشّخِّير، وعبد الله
ابن الصامت، وأبي صالح السمان، ومحمد بن سيرين وغيرهم.
=٨٢/٨-٨٤، خلاصة تذهيب الكمال (٢٩٢).
(١) وقد وصفه المؤلف في ميزانه بقوله: ((صدوق، حديثه صالح حسن، ينحط عن
الدرجة العليا من الصحيح. ورد على ابن القطان قوله: الرجل مستضعف، فقال: ما هو
. بمستضعف ولا بضعيف، نعم ولا هو في الثقة كالزهري وذويه)» وفي ((التقريب)» ثقة، ربما
وهم. وفي مقدمة ((الفتح)) ٤٣١ ((وثقه أحمد وأبو حاتم والعجلي، وضعفه ابن معين،
والنسائي، وعثمان الدارمي، لروايته عن عكرمة حديث البهيمة. وقال العجلي: أنكرواعليه
حديث البهيمة. يعني حديثه عن عكرمة، عن ابن عباس: ((من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا
البهيمة)). قال الحافظ: لم يخرج له البخاري من روايته عن عكرمة شيئاً، بل أخرج له من
روايته عن أنس أربعة أحاديث، ومن روايته عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حديثاً
واحداً، ومن روايته عن سعيد المقبري حديثاً واحداً. واحتج به الباقون.
(*) طبقات خليفة ٢١٥، تاريخ البخاري ١ / ٢٥٥، التاريخ الصغير ٣١٩،٣١٨/١، الجرح
والتعديل ١١٣/٨، حلية الأولياء ٣٤٥/٢ -٣٥٧ وتهذيب الكمال (١٢٨٣)، ميزان الاعتدال ٢٥٨/٤
تاريخ الإسلام للمؤلف ١٥٩/٥- ١٦١، الوافي بالوفيات ٢٧٢/٥، تهذيب التهذيب ٤٩٩٩-٥٠٠،
خلاصة تذهيب الكمال، ٣٦٢، شذرات الذهب ١٦١/١ .
١١٩

وهو قليلُ الرواية .
حدّث عنه: هشامُ بن حسان، وأزهرُ بن سنان، وإسماعيل بنُ مسلم
العبدي، وسفيانُ الثوري، ومعمر، وحمادُ بن سلمة، وسلام بن أبي مطيع،
وصالح المُرِّي، وحمادُ بن زيد، وجعفر بن سليمان الضَّبَعي، ونوح بن قيس،
وسلامُ القارىء، ومحمد بن الفضل بن عطية .
قال علي بن المديني: له خمسة عشر حديثاً، وقال أحمد العجلي : ثقة،
عابد، صالح. وقال الدارقطني: ثقة بُلِيَ بُرُواة ضُعفاء.
قال ابنُ شوذب: لم يكن لمحمد بن واسع عبادة ظاهرة، وكانت الفتيا إلى
غيره، وإِذا قيل: مَنْ أفضلُ أهل البصرة؟ قيل: محمد بن واسع.
قال الأصمعي: قال سُليمان التيمي: ما أحدٌ أُحِبُّ أن ألقى الله بمثلٍ
صحيفته مثلَ محمد بن واسع.
وروىْ مُعْتَمِر عن أبيه: ما رأيتُ أحداً قطُّ أخشعَ مِن محمد بن واسع. وقال
جعفرُ بن سُليمان: كنتُ إذا وجدت من قلبي قسوةً، غدوتُ فنظرتُ إلى وجه
محمد بن واسع. كان كأنه ثَكلی. قال حماد بن زيد: قال رجل لمحمد بن
واسع: أوصني. قال: أوصيك أن تكون ملكاً في الدنيا والآخرة. قال: كيف؟
قال: ازهد في الدنيا.
وعنه قال: طُوبى لمن وجدَ عشاء ولم يجد غَداءً، ووجد غَداء ولم يجد
عشاء، واللهُ عنه راضٍ .
قال ابن شوذب: قسم أمیر البصرة علی قرائها، فبعث إلى مالك بن دينار
فأخذ، فقال له ابنُ واسع: قبلتَ جوائزهم؟ قال: سل جلسائي. قالوا: يا أبا
بكر اشترى بها رقيقاً فأعتقهم. قال: أنشدك الله، أقلبُك الساعة على ما كان
عليه؟ قال: اللهم لا، إنما مالك حمار، إنما يعبد الله مثلُ محمد بن واسع.
قال ابن عُپینة، قال ابن واسع: لو كان للذنوب ريح ما جلس إليَّ أحد.
١٢٠