Indexed OCR Text
Pages 121-140
بالصُّفرة كأَنَّ لحيتَه الذَّهب(١). قلتُ : كان ذلك لائقاً في ذلك الزمان ، واليوم لو فُعل ، لاستُهْجِنَ . وروى عبدُ الجبّار بنُ عمر، عن الزُّهري، عن عُمَرَ بن عبد العزيز ، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ : سمع مُعاويةً على منبر المدينة يقولُ : أينَ فقهاؤُكم يا أهلَ المدينة؟ سمعتُ رسول اللّهِ وَّ نهى عن هذه القُصَّة ثم وضعها على رأسه . فلم أر على عروسٍ ولا على غيرها أجملَ منها على معاوية (٢) . وعن أَبَان بن عثمان : كان مُعاويةُ وهو غلامٌ يمشي مع أمه هند ، فعثر، فقالت : قُمْ لارفعكَ الله ، وأعرابي ينظر ، فقال : لِمَ تقولين له ؟ فوالله إني لأظنّه سيسود قومه ، قالت: لارفعه إن لم يَسُدْ إلا قومه(٣). قال أسلم مولى عمر : قدمَ علينا معاويةُ وهو أبَضُ الناس وأجملُهم . (١) أخرجه أبو زرعة في ((تاريخ دمشق)) ١ / ٣٤٩ عن أبي مسهر بهذا الإسناد. (٢) عبد الجبار بن عمر : هو الأيلي أبو الصباح الأموي مولاهم : ضعيف ، وباقي رجاله ثقات، وهو في ابن عساكر ١٦ / ٣٣٨ / ب ، ٣٣٩ / آ، وأخرجه مالك ١٢٤،٣٢٣/٣، والبخاري ١٠ / ٣١٤، ٣١٥ في اللباس: باب وصل الشعر، ومسلم (٢١٢٧ ) في اللباس والزينة : باب تحريم الواصلة ... ، وأبو داود (٤١٦٧)، والترمذي ( ٢٧٨١)، وأحمد ٤ / ٩٥ من طرق ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج وهو على المنبر وهو يقول - وتناول قُصَّةً من شعر كانت بيد حرسي -: أين علماؤكم؟ سمعتُ رسولَ اللهِ وَّ ينهى عن مثل هذه، ويقول: ((إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم)) ولمسلم رقم الحديث الخاص (١٢٤) من طريق قتادة عن سعيد بن المسيب أن معاوية قال ذات يوم : إنكم قد أحدثتم زِيًّ سوء ، وإن نبيَّ اللهِوَّل نهى عن الزور، وللنسائي ٨ / ١٤٤ من طريق ابن وهب ، عن مخرمة بن بكير ، عن أبيه ، عن سعيد المقبري ، قال : رأيتُ معاوية بن أبي سفيان على المنبر ومعه في يده كبة من كبب النساء من شعر، فقال: ما بال المسلمات يضعن مثل هذا؟ إني سمعتُ رسول الله صل* يقول: ((أيما امرأة زادت في رأسها شعراً ليس منه ، فإنه زور تزيد فيه )) والقُصة ، بضم القاف : الخصلة من الشعر . (٣) ابن عساكر ١٦ / ٣٣٩ / ٢. ١٢١ ابن إسحاق : عن أبيه : رأيتُ معاويةً بالأبطح أبيضَ الرأس واللحية كَأَنَّه فالج(١) . قال مصعب الزُّبيريُّ : كان معاويةُ يقول : أسلمتُ عامَ القَضِيَّة . ابن سعد : حدّثنا محمدُ بنُ عمر ، حدثني أبو بكر بن أبي سبرة ، عن عمر بن عبد الله العنسي ، قال معاويةُ : لما كان عامُ الحُدَيبية ، وصدُّوا رسولَ اللهِ وَلّ عن البيت، وكتبوا بينهم القضية، وقع الإِسلامُ في قلبي ، فذكرتُ لُّمّي ، فقالت : إِيَّكَ أَنْ تخالفَ أباك ، فأخفيتُ إسلامي ، فوالله لقد رحل رسولُ الله من الحديبية وإِنّي مُصَدّقٌّ به ، ودخل مكةَ عامَ عُمرة القَضِيَّة وأنا مسلم . وعلم أبو سفيان بإسلامي ، فقال لي يوماً : لكن أخوك خيرٌ منك وهو على ديني ، فقلتُ : لم آلُ نفسي خيراً ، وأظهرت إسلامي يوم الفتح ، فرََّّبَ بِي النبيُّ ◌َّهِ، وكتبتُ له(٢). ثم قال الواقدي : وشهد معه حنيناً ، فأعطاه من الغنائم مئة من الإِبل ، وأربعين أوقية . قلت : الواقدي لا يعي ما يقول ، فإِنْ كان مُعاوية كما نقل(٣) قدیم الإِسلام، فلماذا يتألّفُه النبيُّ ونَ﴿؟ ولو كان أعطاه ، لما قال عندما خطب فاطمةً بنتَ قيس: ((أمَّا مُعاويةُ فصُعْلُوكُ لا مال له)). ونقل المُفَضَّل الغَلابي (٤) عن أبي الحسن الكوفي ، قال : كان زيد(٥) (١) الفالج : هو البعير ذو السنامين . (٢) ابن عساكر ١٦ / ٣٣٩، وانظر ابن سعد ٧ / ٤٠٦ . (٣) تحرف في المطبوع الى ((تقدم)). (٤) هو المفضل بن غسان المفضل أبو عبد الرحمن الغلابي بصري الأصل ، سكن بغداد ، وهو ثقة مترجم في ((تاريخ بغداد)) ١٣ / ١٢٤. . (٥) تحرف في المطبوع إلى ((يزيد)). ١٢٢ ابن ثابت كاتبَ الوحي، وكان معاويةُ كاتباً فيما بين النبي وَّه وبين العرب. عَمرو بنُ مرَّة : عن عبد الله بن الحارث ، عن زُهَير بن الأقمر ، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان معاويةُ يكتبُ لرسول الله اَ(١). أبو عوانة : عن أبي حمزة ، عن ابن عباس ، قال : كنتُ ألعبُ مع الغلمان، فدعاني النبيُّ ◌َةٌ، وقال: ((ادْعُ لي معاوية)) وكان يكتب الوحي . رواه أحمد في ((مسنده))(٢) وزاد فيه الحاكم : حدّثنا علي بن حمشاد ، حدّثنا هشام بن علي ، حدّثنا موسى بن إسماعيل ، حدّثنا أبو عوانة قال : فدعوتُه ، فقيل : إنه يأكل . فأتيتُ ، فقلتُ : يا رسول الله، هو يأكل . قال: ((اذهب فادعه)) فأتيتُه الثانية، فقيل: إنه يأكل ، فأتيتُ رسولَ الله ، فأخبرتُه ، فقال في الثالثة: ((لا أشبع اللّهُ بطْنَه )) قال: فما شَبع بعدها . رواه الطيالسي: حدّثنا أبو عوانة، وهُشَيم، وفيه: (( لا أشبع الله بطنه))(٣). فسَّره بعضُ المُحبين قال : لا أشبعَ اللهُ بطنَه ؛ حتى لا يكونَ ممن يجوُ يوم القيامة، لأن الخبر عنه أنه قال: (( أَطُولُ الناس شبعاً في الدنيا. أطولُهم جوعاً يوم القيامة))(٤). (١) رجاله ثقات . (٢) ١ / ٣٣٥، وسنده قوي، وهو في ((المستدرك)). وانظر ((المسند)) ٢٤٠/١ و ٣٣٨. (٣) هو في ((مسند الطيالسي)) رقم (٢٧٤٦ )، وأخرجه مسلم (٢٦٠٤) في البر والصلة : باب من لعنه النبيُّ ◌ٍَّ أو سبَّهُ أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك، كان له زكاةً وأجراً ورحمة من طريق شُعبة، عن أبي حمزة القصاب، عن ابن عباس. وانظر: ((أنساب الأشراف)) ٤ / ١٢٥، ١٢٦. (٤) حديث قوي بشواهده ، أخرجه من حديث ابن عمر: الترمذيُّ ( ٢٤٧٨ ) ، وابنُ ماجه (٣٣٥٠)، وأخرجه من حديث أبي جُحَيفةً: ابنُ أبي الدنيا في ((الجوع)) ٢ / ٢، والطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير)) كما في ((المجمع)) ٥ / ٣١، وأخرجه من حديث عبد الله بن عمر : = ١٢٣ قلتُ : هذا ما صحَّ ، والتأويلُ ركيك، وأشبهُ منه قولُه عليه السلام : ((اللهم مَنْ سببتُه أو شَتَمْتُه مِن الأمة فاجعلها له رحمة))(١). أو كما قال. وقد كان معاوية معدوداً من الأكلة . جماعة : عن معاوية بن صالح ، عن يونس بن سيف ، عن الحارث بن زياد ، عن أبي رُهْم السَّمَاعي(٢) عن العرباض، سمع النبيَّ ◌َّژ وهو يدعو إلى السحور في شهر رمضان : هَلُمَّ إلى الغداء المبارك . ثم سمعتُه يقول : (( اللهم عَلِّم مُعاويةَ الكتاب، والحساب ، وقِهِ العذاب(٣))). رواه ابنُ مهدي ، وأسدُ السنَّة ، وأبو صالح ، وبشر بن السَّري عنه . وهذا في جزء ابن عرفة معضل(٤) سقط منه العرباض وأبو رُهْم ، وللحديث شاهد قوي . أبو مسهر : حدّثنا سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن أبي عَميرة المزني - وكان من أصحاب النبي ◌َ ◌ّ - أن النبيَّ قال لمعاوية: ((اللهُمَّ علّمهُ الكتاب، والحساب، وقِهِ العذاب))(٥) . أبو هلال محمد بن سَليم : حدّثنا جَبَلة بن عَطِيّة ، عن رجل ، عن = الطبراني، ومن حديث ابن عباس: الطبراني، وأبو نعيم ٣٤٥/٣، ٣٤٦، ومن حديث سلمان: ابن ماجه (٣٣٥١) . (١) أخرجه مسلم (٢٦٠٠) من حديث عائشة، و (٢٦٠١ ) من حديث أبي هريرة ، و (٢٦٠٢) من حديث جابر بن عبد الله، ولفظ حديث أبي هريرة: ((اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببتُه ، أو لعنتُه، أو جلدتُه، فاجعلها له زكاةً ورحمة)). (٢) ويقال: ((السمعي)) كما في ((التهذيب)). (٣) الحارث بن زياد الشامي قال الحافظ في (( التقريب)): لين الحديث ، وباقي رجاله ثقات. وهو في ((المسند)) ٤ / ١٢٧. وانظر: ((البداية)) ٨ / ١٢١. (٤) المعضل : هو الحديث الذي سقط من إسناده اثنان على التوالي . (٥) رجاله ثقات إلا أن سعيد بن عبد العزيز قد اختلط، وهو شاهد لما قبله ، ونسبه الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة عبد الله بن أبي عميرة المزني إلى الطبراني. ١٢٤ مَسْلَمَة بن مُخَلَّد ، أنه قال لعمرو بن العاص ومعاويةُ يأكلُ : إنَّ ابنَ عَمِّكَ هذا لَمِخْضَد، أما إني أقولُ هذا، وقد سمعتُ رسول الله وَّهِ يقول: ((اللهُمَّ علِّمه الكتاب، ومكِّن له في البلاد ، وقِهِ العذاب))(١) . فيه رجل مجهول ، وجاء نحوه من مراسيل الزهري ، ومراسيل عُروة بن رويم ، وحَرِيز بن عثمان . مروان بن محمد : حدّثنا سعيدُ بنُ عبد العزيز ، حدّثني ربيعةُ بن يزيد، سمعتُ عبدَ الرحمن بنَ أبي عَميرة، سمعتُ رسولَ اللهِهِ يقولُ لمعاوية: ((اللهم اجعله هَادياً، مَهْدِيّاً، واهدٍ بهِ))(٢) . حسّنه الترمذي . صفوان بن صالح : حدّثنا الوليدُ ومروان بن محمد ، حدّثنا سعيد نحوه . وقال أبو زرعة النصري ، وعباس التّرقُفي (٣): حدّثنا أبو مسهر ، حدثنا سعيدٌ نحوه، وفيه : سمعتُ رسول الله .. أحمد بن المُعَلَّى: حدّثنا محمود ، حدّثنا عُمر بنُ عبد الواحد ، عن سعيد، عن ربيعةً: أَنَّ بعثاً من أهل الشام كانوا مرابطين بآمِد ، وأن عُمِّير بنَ سعد كان على حمص ، فعزلَه عثمانُ ، وولَّى مُعاويةَ ، فبلغّ ذلك أهل (١) ابن عساكر ١٦ / ٣٤٣ / آ. ويخضد: مفعل من الخضد شدة الأكل وسرعته ، جعله كأنه آلة الأكل ، أي : أنه يأكل بجفاء وسرعة . (٢) أخرجه أحمد ٤ / ٢١٦، والترمذي ( ٣٨٤١) في المناقب، وابن عساكر ١٦/ ٣٤٣ /ب (٣) تحرف في المطبوع إلى ((الرفقي)) وأبو زرعة النصري هو الدمشقي صاحب ((تاريخ دمشق )) ، والنصري ، بفتح النون وسكون الصاد نسبة إلى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن . وقد تصحف في المطبوع إلى ((النضري)) ولم أجده في ((تاريخ دمشق)) المطبوع . ١٢٥ حمص ، فشقُّ عليهم ، فقال عبدُ الرحمن بنُ أبي عَميرة المُزني : سمعتُ رسولَ الله ﴿ يقول لمعاوية: ((اللهم اجعله هادياً، مهديّاً واهْدٍ به، واهْدِه))(١) . أبو بكر بن أبي داود : حدّثنا محمود بن خالد ، حدّثنا الوليدُ وعُمر بن عبد الواحد ، عن سعيد، عن ربيعةً بن يزيد ، عن أبي إدريس ، عن عبد الرحمن بن أبي عَميرة؛ سمعتُ رسولَ الله ويقول لمعاوية: ((اللهم اجعله هادياً، مهدّاً، واهْدٍ به))(٢) . عمرو بن واقد : عن يونس بن حَلْبَس ، عن أبي إدريس ، قال : لما عزلَ عُمر عُمير بن سعد عن حمص ، ولَّى مُعاوية ، فقال الناسُ في ذلك . فقال عُمير: لا تذكروا معاوية إلَّ بخير، فإني سمعتُ رسولَ الله وَلّ يقول: ((اللهُمَّ اهدٍ بِهِ))(٣) . رواه (٤) عن الذُّهلي ، عن النُّفَيلي ، عنه . هشام بن عمار ، حدّثنا عبدُ العزيز بن الوليد بن سليمان(٥) ، سمعتُ أبي يقول: إن عُمر ولِّ معاوية . فقالوا: ولَّه حديث السِّنِّ. فقال: تلومونني، وأنا سمعتُ رسول الله وَله يقولُ: ((اللهم اجعلْهُ هادِياً مَهْدِيّاً، واهْدٍ بِهِ))(٦). هذا منقطع . = (١) ابن عساكر ١٦ / ٣٤٤ / آ، وسعيد هو ابن عبد العزيز، وآمد : هي أعظم مدن ديار بكر ، قال ياقوت : هي بلد حصين ركين ، بُني بالحجارة السود على نشر ، دجلة محيطة بأكثره ، فتحت سنة ٢٠ هـ . (٢) رجاله ثقات غير أن سعيداً قد اختلط كما مر . (٣) أخرجه الترمذي (٣٨٤٣) في المناقب ، وعمرو بن واقد متروك . (٤) أي : الترمذي . والذهلي : هو محمد بن يحيى . (٥) تحرف في المطبوع الى ((سلمان)). (٦) أخرجه ابن عساكر ١٦ / ٣٤٤ / ب، وهو منقطع لأن الوليد بن سليمان لم يدرك عمر. ١٢٦ محمد بن شُعيب : حدّثنا مروانُ بن جَناح ، عن يونس بن مَيْسرة : أَنَّ رسولَ اللهِ ﴿ استأذَنَ أبا بكر وعُمَر في أمر، فقالا: الله ورسولهُ أعلم ، فقال: ((أشيرا عليَّ)) ثم قال: ((ادعوا معاوية)) فقال: ((أحضِرُوه أمركم ، وأَشهِدُوه أمركم، فإِنه قوي أمين))(١) . ورواهُ نُعيم بن حمّاد ، عن ابنٍ شُعيب ؛ فوصله بعبد الله بن بُسر . أبو مسهر وابنُ عائذ : عن صدقة بن خالد ، عن وحشيّ بن حرب بن وحشي، عن أبيه، عن جدّه قال: أردف النبيُّ وَهُ مُعاويةَ خَلْفَه فقال: (( ما يليني منك))؟ قال: بطني يا رسول الله. قال: ((اللهم املأهُ علماً))(٢). زاد فيه أبو مسهر : وحلماً . قال صالح جزرة : لا يُشتغلُ بوحشي ولا بأبيه . بقية : عن بحير بن سعد ، عن خالد بن مَعْدان ، عن جُبير بن نُفَير : أنَّ رسولَ الله وَلِ كان يسير ومعه جماعةٌ ، فذكروا الشام، فقال رجلٌ: كيف نستطيعُ الشام وفيه الروم ؟ . قال : ومعاويةُ في القوم وبیده عصا - فضربَ بها كَتِفَ معاوية، وقال: ((يكفيكم الله بهذا))(٣). هذا مرسل قوي (٤) . فهذه أحاديث مقاربة (٥) . وقد ساقَ ابنُ عساكر في الترجمة أحاديثَ واهية وباطلة ، طوَّل بها جداً (٦). (١) ابن عساكر ١٦ / ٣٤٤ / ب، ٣٤٥ / آ. (٢) ابن عساكر ١٦ / ٣٤٥ / آ. (٣) ابن عساكر ١٦ / ٣٤٦ / آ. (٤) أنَّى له القوة وفيه تدليس بقية . (٥) تحرفت في المطبوع إلى ((معاوية )). (٦) انظر ابن عساكر ١٦ / ٣٤٥، ٣٥٠ ١٢٧ وخلف معاويةً خلقٌ كثير يُحبونه ويَتَغالونَ فِيه ويُفضِّلونُه ، إمَّا قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء ، وإِمَّا قد وُلدوا في الشام على حُبِّه ، وتَرَبَّى أولادهم على ذلك . وفيهم جماعةٌ يسيرةٌ من الصحابة ، وعددٌ كثيرٌ من التابعين والفُضَلاء ، وحاربوا معه أهلَ العراق ، ونشؤوا على النَّصْب ، نعوذُ بالله من الهوى. كما قد نشأ جيش عليٍّ رضي الله عنه، ورعيَّته - إلا الخوارج منهم - على حُبِّه والقيامِ معه ، وبُغض من بغى عليه والتبري منهم ، وغلا خلق منهم (١) في التشيع . فبالله كيفَ يكونُ حالُ من نشأ في إقليم ، لا يكاد يُشاهد فيه إلَّ غالياً في الحب ، مُفرطاً في البغض، ومن أيْنَ يقعُ له الإِنصافُ والاعتدال؟ فنحمدُ الله على العافية الذي أوجدنا في زمانٍ قد انمحص فيه الحقُّ ، واتَّضحَ من الطرفين ، وعرفْنا مآخذَ كل واحدٍ من الطائفتين ، وتبصرنا ، فعذرْنا، واستغفَرْنا، وأحببْنا باقتصاد، وترحَّمْنا على البغاة بتأويلٍ سائغ في الجملة ، أو بخطٍ إن شاء الله مغفورٍ ، وقلنا كما علَّمنا الله ﴿رَبَّنَا اغفرْ لَنَا ولإِخْوانِنَا الذين سبَقُونا بالإِيمان ولا تَجْعَل في قُلُوبنا غِلًّ للذين آمنوا﴾ [الحشر: ١٠] وترضَّينا أيضاً عمن اعتزل الفريقين ، كسعد بن أبي وَقَّاص ، وابنٍ عُمر ، ومحمد بن مسلمة ، وسعيد بن زيد ، وخلق . وتبرأنا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليّاً، وكفَّروا الفريقين . فالخوارجُ كلابُ النار ، قد مَرَقُوا من الدين ، ومع هذا فلا نقطع لهم بخلود النار ، كما نقطع به لعَبدة الأصنام والصلبان . فمن الأباطيل المُختَلَقَة : عن واثلة مرفوعاً: ((كاد معاويةُ أن يُبْعث نبيّاً من حلمه وائتمانه على كلام ربي )) . (١) من قوله: ((منهم على حبه)) إلى هنا سقط من المطبوع. ١٢٨ وعن عثمان مرفوعاً: ((هنيئاً لك يا مُعاوية ، لقد أصبحت أميناً على خبر السماء )) . عن أبي موسى : نزل عليه الوحي ، فلما سُرِّي عنه ، طلب مُعاوية ، فلما كتبها - يعني آية الكرسي - قال: ((غفر اللهُ لك يا معاويةُ ما تقدّم إلى يومِ القيامة)) . عن مُرِّي الحوراني ، عن رجل : نزل جبريل ، فقال : يا محمدُ لیس لك أن تعزِلَ من اختاره الله لكتابة وحيه ، فأقِرَّه إنه أمين . عن سعد مرفوعاً: ((يُحشر معاوية وعليه حُلٌَّ من نور)). عن أنس : هبط جبريلُ بقلمٍ من ذهب ، فقال يا محمدُ : إن العليَّ الأعلى يقولُ: قد أهديتُ القلم من فوق عرشي إلى مُعاوية ، فمره أن يكتبَ آية الكرسي به ويشكله ويعجمه ، فذكر خبراً طويلاً . وعن ابن عباس ، قال : لما أنزلت آيةُ الكرسي، دعا معاويةً ، فلم يجد قلماً ، وذلك أن الله أمر جبريل أن يأخذ الأقلام من دواته ، فقام ليجي ءَ بقلم ، فقال النبيُّ وَّ : خذ القلم مِن أذنك ، فإِذا قلم ذهب مكتوب عليه لا إله إلا الله ، هديةٌ من الله إلى أمينه معاوية . وعن عائشة مرفوعاً : كأني أنظر إلى سويقتي معاوية ترفُلان في الجنة . عن عليٍّ ، قال : لأخرجَنَّ ما في عنقي لمعاوية ، قد استكتبه نبيُّ الله وأنا جالس ، فعلمتُ أن ذلك لم يكنْ من رسول الله وَله، ولكن من الله . عن جابر مرفوعاً: ((الأمناء عندَ الله سبعة ؛ القلم، وجبريل ، وأنا ، ومعاوية ، واللوح ، وإِسرافيل ، وميكائيل )). عن زيد بن ثابت : دخل النبيُّ عليه السلام على أُمَّ حبيبة ، ومعاويةٌ سير ٩/٣ ١٢٩ نائم على فخذها، فقال : أُتُحبينه؟ قالت: نعم. قال: ((لَلَّهُ أشدُّ حُبّاً له منك له ، كأني أراه على رفارف الجنة)). عن جعفر: أنه أُهدي للنبي وَ سفرجل، فأعطى معاويةً منه ثلاثاً ، وقال: ((القني بهن(١) في الجنة)). قلت : وجعفر قد استشهد قبل قدوم معاوية مسلماً . وعن حذيفة مرفوعاً: ((يُبعثُ معاوية وعليه رداء من نور الإِيمان)). عن أبي سعيد مرفوعاً: « يخرج معاويةُ من قبره علیه رداء من سندس مُرَصَّع بالدر والياقوت )) . عن علي: ((أن جبريل نزل ، فقال: استكتب معاوية، فإِنه أمين )). أبو هريرة مرفوعاً: ((الأمناء ثلاثة؛ أنا، وجبريل، ومعاوية)). وعن واثلة : بنحوه . أبو هريرة: أن النبيَّ وَه ناول مُعاويةَ سهماً، وقال: ((خذه حتى توافيني به في الجنة)) . أنس مرفوعاً: (( لا أفتقدُ أحداً غيرَ معاوية ، لا أراه سبعين عاماً ؛ فإِذا كان بعدُ أقبل على ناقةٍ من المسك ، فأقول : أين كنت ؟ فيقول : في روضة تحت العرش ... الحديث))(٢) . وعن بعضهم: ((جاء جبريلُ بورقة آسٍ عليها : لا إله إلا الله ، حُبُّ (١) تحرفت في المطبوع إلى ((نحن))، وهوفي ((أنساب الأشراف)) ٤ / ١٢٧، وممن حكم بوضعه أيضاً : ابنُ حبان ، وقال الخطيب البغدادي : الحديث غير ثابت ، وجعفر قتل في مؤتة، ومعاوية إنما أسلم عام الفتح ، فلعن الله الكذابين . (٢) أخرجه الخطيب في ((تاريخه)) ٩ / ٤٤٩، في ترجمة عبد الله بن حفص بن عمر الوكيل، وقال : هذا حديث باطل إسناداً ومتناً ، ونراه مما وضعه الوكيل . ١٣٠ معاوية فَرْضُ على عبادي)) . ابن عمر مرفوعاً: ((يا معاويةُ؛ أنت مني وأنا منك، لتُزاحْمنّي على باب الجنة )) . فهذه الأحاديث ظاهرةُ الوضع والله أعلم(١). ويروى في فضائل معاوية أشياء ضعيفة تُحتمل، منها: فُضيل بن مرزوق: عن رجل ، عن أنس مرفوعاً: (( دعوا لي أصحابي وأصهاري))(٢) . أحمد في ((المسند)): حدّثنا رَوْح ، حدّثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد، حدّثنا جدِّي: أنَّ معاوية أخذ الإِداوة، وتبع بها رسولَ اللهِصَ، فرفع رأسه إليه، وقال: ((يا معاويةُ؛ إن وليتَ أمراً، فاتَّق الله واعْدِلْ)) فما زلتُ أظنُّ أني مبتلىِّ بعملٍ لقول رسول الله ◌َِّ، حتى ابتُليت(٣). ولهذا طرق مقاربة : يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مُهاجر ، عن عبد الملك بن عُمير ، قال معاويةُ: والله ما حَمَلني على الخلافة إلا قولُ النبي ◌ِّ لي: ((يا مُعَاويةُ إنْ مَلَكْتَ فَأَحْسِنْ)). ابن مهاجر ضعيف ، والخبر مرسل . (١) وقد ذكر أكثر هذه الأحاديث: الشوكاني في ((الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة )) في الصفحة ٤٠٣ - ٤٠٧، وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية)) ٨ / ١٢٠ بعد أن ذكر حديثاً منها: وقد أورد ابنُ عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة ، والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبّهُ عليها وعلى نكارتها وضعف حالها . (٢) إسناده ضعيف لجهالة الرجل . (٣) رجاله ثقات، وهو في ((المسند)) ٤ / ١٠١، وانظر ((البداية)) ٨ / ١٢٣. ١٣١ الأصم : حدثنا أبي ، سمعتُ ابن راهويه يقول : لا يصحُّ عن النبي وَ* في فضل معاوية شيءٍ(١) . ابن فُضَيل : حدّثنا يزيدُ بن أبي زياد ، عن سُليمان بن عمرو بن الأحوص ، عن أبي بَرْزَة؛ كنا مع النبيِّ وٌَّ، فسمع صوتَ غناء، فقال : انظروا ما هذا؟ فصعدتُ فنظرتُ ، فإِذا معاويةُ وعمرُو بنُ العاص يَتَغَنَّيَان ، فجئتُ فأخبرتُه ، فقال: (( اللهم أركسهما في الفتنة رَكْساً، ودُعَّهما في النار دَعَّاً(٢))). هذا مما أنكر على يزيد . ابن لهيعة : عن يونس ، عن ابن شِهاب : قدم عُمر الجابية ، فبقَّى على الشام أميرين، أبا عبيدة بن الجراح ، ويزيدَ بن أبي سفيان . ثم تُوفّي يزيد . فنعاه عُمر إلى أبي سفيان ، فقال : ومن أمَّرْتَ مكانه ؟ قال : معاوية ، فقال : وصلَتْكَ يا أميرَ المؤمنين رحم(٣). وقال خليفة : ثم جَمَع عمرُ الشام كلَّها لمعاوية ، وأَقْرَّه عثمان (٤). قلت : حسبُكَ بمن يُؤمِّره عُمر ، ثم عثمان على إقليم - وهو ثغر - فيضبطُه، ويقومُ به أَتَمَّ قيام ، ويُرضي الناسَ بسخائه وحلمه ، وإِنْ كان (١) ابن راهويه: هو إسحاق، وقد أورد الخبر الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) : ٤٠٧ . (٢) يزيد بن أبي زياد الهاشمي ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن ، وشيخه فيه وهو سليمان بن عمرو بن الأحوص مجهول الحال، وهو في ((المسند)) ٤ / ٤٢١، ونسبه الشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) : ٤٠٨ لأبي يعلى، وقد ذكره ابنُ الجوزي في ((موضوعاته)) وقال: لا يصح ، يزيدُ بن أبي زياد كان يتلقن. وله شاهد بنحوه يزيدُه وهناً، رواه الطبراني في ((الكبير)) عن ابن عباس . وفيه عيسى بن سوادة النخعي وهو كذاب . وركست الشيء وأركسته: إذا رددته ورجعته ، والدّمع : الطرد والدفع . (٣) انظر ((تاريخ دمشق)) ١ / ٢١٨ لأبي زرعة. (٤) ((تاريخ خليفة)»: ١٥٥، ١٧٨ . ١٣٢ بعضُهم تألَّم مرةً منه ، وكذلك فليكن الملك . وإِن كان غيرُهُ مِن أصحاب رسولِ الله ◌ِ ﴿ خيراً منه بكثير وأفضلَ وأصلَحَ ، فهذا الرجلُ ساد ، وساسَ العالمَ بكمال عقله ، وفرط حلمه، وسَعَةِ نفسه ، وقوة دهائه ، ورأيه . وله هناتٌ وأمور ، والله الموعد . وكان مُحَبَّباً إلى رَعِيَّته. عمل نيابةَ الشام عشرين سنة ، والخلافَةَ عشرين سنة ، ولم يَهِجْهُ أحدٌ في دولته، بل دانت له الأمم ، وحَكَم على العرب والعجم ، وكان ملكُه على الحرمين ، ومصر ، والشام ، والعراق ، وخراسان ، وفارس ، والجزيرة ، واليمن ، والمغرب ، وغير ذلك . عن إسماعيل بن أمية : أن عُمر أفرد معاوية بالشام ، ورزَّقه في الشهر ثمانين ديناراً . والمحفوظ(١) أنَّ الذي أفرد معاويةً بالشام عثمانُ. وعن رجل ، قال : لما قدم عُمر الشام ، تلقاهُ معاويةُ في موكب عظيم وهيئة ، فلما دنا منه ، قال : أنت صاحبُ الموكب العظيم ؟ قال : نعم . قال : مع(٢) ما بلغني عنك من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك . قال : نعم . قال : ولم تفعل ذلك ؟ قال : نحن بأرضٍ جواسيسُ العدوِّ بها كثير ، فيجبُ أن نُظهِرَ من عزَّ السلطان ما يُرهِبُهم فإِن نهيتَني انتهيتُ ، قال : يا مُعَاوِية ! ما أسألك عن شيء إلَّ تركتني في مثل رواجِبِ الضَّرِس . لئن كان ما قلتَ حقّاً ، إنه لرأي أريب ، وإِن كان باطلاً ، فإِنه لخدعة أديب. قال : فمرني . قال: لا آمُرك ولا أنهاك . فقيل: يا أمير المؤمنين ! ما أحسَنَ ما صَدَر عما أوردتَه . قال: لِحُسْنٍ مصادره ومَوَارده جشَّمناه ما جشَّمناه (٣). (١) تحرف في المطبوع إلى ((المفهوم)). (٢) كلمة ((مع )) سقطت من المطبوع . (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا فيما ذكره ابن كثير ٨ / ١٢٤ من طريق محمد بن قدامة الجوهري ، عن عبد العزيز بن يحيى ، عن شيخ له . ١٣٣ ورُويت بإسنادين عن العتبي (١) نحوها . مسلم بن جندب ، عن أسلم مولى عمر ، قال : قدم معاويةُ وهو أبضُ الناس وأجملُهم ؛ فخرج مع عمر إلىّ الحج ، وكان عُمر ينظر إليه ، فيعجب ، ويضعُ أصبعَهُ على متنه ، ثم يرفَعُها عن مثل الشِّراك فيقول : بخٍ بخٍ . نحن إذاً خيرُ الناس إن جُمع لنا خيرُ الدنيا والآخرة . قال : يا أمير المؤمنين! سأُحدِّثُك؛ إنا بأرض الحمَّاماتِ والرّيف. قال عُمر: سأحدِّثك ، ما بك [إلا] إلطافك نفسك بأطيب الطعام، وتَصَبُّحُك حتى تضربَ الشمسُ متنيك ، وذوو الحاجات وراء الباب . قال : فلما جئنا ذا طُوى ، أخرج معاويةُ حلَّة ، فلبسها ، فوجد عمر منها طيباً ، فقال : يعمد أحدُكم يخرُجُ حاجّاً تَفِلًا(٢)، حتى إذا جاء أعظمَ بلدٍ لله حُرْمةً ، أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب(٣) فلبسهما، قال: إنما لبستُهما لأدخُلَ فيهما على عشيرتي . والله لقد بلغني أذاك هنا وبالشام ، واللهُ يعلمُ أني قد عرفتُ الحياء فيه . ونزع معاويةُ الثوبين ، ولبس ثوبي إحرامه (٤) . قال المدائنيُّ : كان عُمر إذا نظر إلى معاوية ، قال : هذا كسرى العرب(٥) . ابن أبي ذئب ، عن المَقْبُري؛ قال عمر : تعجبونَ من دَهاء هرقل (١) هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمرو الأموي الأخباري ، متوفى سنة (٢٢٨) . مترجم في ((العبر)) ٤٠٣/١، و((وفيات الأعيان)) ٣٩٨/٤ . (٢) التَّغِل : الذي قد ترك استعمال الطيب، من النَّفَل: وهي الريح الكريهة . وقد تحرف في المطبوع إلى ((قولاً)). (٣) تحرف في المطبوع إلى ((العلب)). (٤) أخرجه عبد الله بن المبارك في ((الزهد)) فيما ذكره ابن كثير ٨ / ١٢٥، وابن حجر ٣ / ١٣٤ من طريق ابن أبي ذئب بهذا الاسناد . وذو طُوى : موضع عند مكة . (٥) أورده ابن كثير ٨ / ١٢٥ ، ونسبه لابن أبي الدنيا . ١٣٤ وكسرى وتَدَعون معاوية ؟ عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جدِّهِ ، قال : دخل معاويةُ على . عُمر، وعليه حُلَّةٌ خضراء . فنظر إليها الصحابة . قال : فوثبَ إليه عُمر بالدِّرَّة ، وجعل يقولُ: الله الله يا أميرَ المؤمنين ، فيم فيمَ ؟ فلم يكلِّمْهُ حتى رجع . فقالوا : لم ضربتَه وما في قومك مثله ؟ قال : ما رأيتُ وما بلغني إلا خيراً، ولكنَّه رأيتُه، وأشار بيده، فأحببتُ أنْ أَضَعَ منه(١). قال أحمدُ بنُ حنبل : فُتِحت قَيْسارِيَّةُ سنةَ تسع عشرة وأميرُها معاوية (٢) . وقال يزيد بن عَبيدة: غزا معاويةُ قبرص سنةً خمسٍ وعشرين(٣) . وقال الزُّهري : نزعَ عثمانُ عُمير بنَ سعد، وجمعَ الشامَ لمعاوية . وعن الزُّهري قال : لم يَنْفَرِدْ مُعاويةُ بالشام حتى استُخلِفَ عُثمان . سعيد بن عبد العزيز: عن إسماعيل بن عُبيد الله، عن قيس بن الحارث ، عن الصُّنابحي ، عن أبي الدرداء ، قال : ما رأيتُ أشبه صلاةً برسول الله خير من أميركم هذا، يعني معاوية (٤). وكيع : عن الأعمش ، عن أبي صالح قال : كان الحادي يحدو بعثمان : (١) ذكره ابن كثير ٨ / ١٢٥، وزاد في آخره : ما شمخ. (٢) (( تاريخ دمشق)) لأبي زرعة ١ / ١٧٩ . (٣) أخرجه أبو زرعة ١ / ١٨٤ في ((تاريخ دمشق)) من طريق الوليد بن عتبة ، عن الوليد بن مسلم ، عن عثمان بن حصن بن علاق ، عن يزيد بن عبيدة .. (٤) رجاله ثقات. وقد تحرف في المطبوع ((عبيد)). إلى ((عبد))، والصُّنابحي - وقد تصحف في المطبوع إلى ((الضُّنابحي)) -: هو عبد الرحمن بن عُسيلة المرادي أبو عبد الله ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة بعد موت النبي ◌َّ بخمسة أيام ، مات في خلافة عبد الملك. ١٣٥ إن الأمير بعدَهُ عليُّ وفي الزُّبِير خلَفٌ رَضِيُّ فقال كعبٌ : بل هو صاحبُ البغلة الشهباء ، يعني : معاوية . فبلغ ذلك معاويةً ، فأتاه فقال : يا أبا إسحاق تقولُ هذا وها هنا عليٌّ والزُّبِيرُ وأصحابُ رسول اللهِوََّ! قال: أنت صاحبُها(١). قال الواقديُّ: لما قُتِلَ عثمانُ ، بعثتْ نائلةُ بنتُ الفَرافِصة امرأتُه إلى معاوية كتاباً بما جرى ، وبعَثَتْ بقميصه بالدم ، فقرأ معاويةُ الكتابَ ، وطيفَ بالقميص في أجناد الشام ، وحرَّضهم على الطلب بدمه . فقال ابنُ عباس لعليٍّ: اكتبْ إلى معاوية، فأقرَّ على الشام، وأطمِعه(٢) يَكْفِكَ نَفْسَهُ وناحيته . فإِذا بايَعَ لك الناسُ ، أقررْته أو عزلته . قال : إنه لا يرضى حتى أعطيه عهد الله وميثاقه أن لا أعزله . وبلغ معاوية فقال : والله لا ألي له شيئاً ، ولا أُبايعه . وأظهر بالشام أن الزبير قادم عليكم ونبايعه . فلما بلغه مقتلُه ، تَرَجَّمَ عليهِ ، وبعث عليٍّ جريراً إلى معاوية ، فكلَّمه وعظّم عليّاً ، فأبى أن يُبايع ، فردّ جرير ، وأجمع على المسير إلى صِفِّين ، فبعثَ معاويةُ أبا مسلم الخولاني إلى عليٍّ بأشياء يطلبها منه، وأن يدفع إليه قتلة عثمان ، فأبى ، ورجع أبو مسلم ، وجَرَتْ بينهما رسائل ، وقَصَدَ كلٍّ منهما الآخر ، فالتقوا لسبع بقين من المحرم سنة سبع(٣). وفي أول صفر شبَّت(٤) الحربُ، وقُتِلَ خَلْقٌ، وضجِروا ، فرفَعَ أهلُ الشام المصاحفَ ، وقالوا : ندعوكم إلى كتاب الله والحكم بما فيه ، وكان (١) ((البداية)) ٨ / ١٢٧. (٢) تحرفت في المطبوع إلى ((وأطعمه)). (٣) أي: سبع وثلاثين انظر ((الطبري)) ٥ / ٦ وما بعدها، وابن الأثير ٣ / ٢٨٩، ٣٢٦، وابن كثير ٧ / ٢٥٨، ٢٧٨ . (٤) تحرف في المطبوع إلى ((نشبت)). ١٣٦ ذلك مكيدةً من عمرو بن العاص ، فاصطلحوا وكتبوا(١) بينهم كتاباً على أن يُوافوا أذْرُح(٢). ويُحكِّموا حكمين . قال : فلم يقع اتفاق . ورجع عليٍّ إلى الكوفة بالدَّغل(٣) من أصحابه والاختلاف . فخرج منهم الخوارجُ ، وأنكروا تحكيمَه ، وقالوا : لا حكم إلّ لله . ورجع معاويةُ بالألفة والاجتماع . وبايعه أهلُ الشام بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمانٍ وثلاثين . فكان يبعثُ الغاراتِ ، فيقتلون من كان في طاعة عليٍّ ، أو من أعان على قتل عثمان . وبعثَ بُشْرَ بنَ أبي أرطاة إلى الحجاز واليمن يستعرضُ الناس ، فَقتل باليمن عبد الرحمن وقئماً ولدي عُبيد الله بن عباس، ثم استُشهد عليٌّ في رمضان سنة أربعين . وصالَحَ الحسنُ بنُ عليّ معاوية ، وبايعه ، وسُمِّي عام الجماعة (٤)، فاستعمل معاويةُ على الكوفة المُغيرة بنَ شُعبة ، وعلى البصرة عبد الله(٥) بن عامر بن كُرَيز ، وعلى المدينة أخاه ◌ُتبة ثم مروان ، وعلى مصر عمرو بنَ العاص ، وحجَّ بالناس سنةً خمسين . وكان على قضائه بالشام فَضَالة بن عُبید . ثم اعتمر سنة ستٍ وخمسين في رجب ، وكان بينه وبين الحُسين ، وابنٍ عُمر ، وابنِ الزُّبير ، وابن أبي بكر ، كلام في بيعة العهد ليزيد ، ثم قال : إني متكلم بكلام ، فلا تردُّوا عليَّ أَقْتُلْكُم ، فخطب ، وأظهر أنهم قد (١) لفظ ((كتبوا)) سقط من المطبوع. (٢) أذرح : اسم بلد في أطراف الشام من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز . (٣) الدغل : الفساد . (٤) في ((تاريخ دمشق)) ١ / ١٩٠ لأبي زرعة: سمعتُ أبا مُسهر أملاه علينا أن معاوية بويع سنة أربعين وهو عام الجماعة. وانظر ((تاريخ خليفة)) ٢٠٣ . (٥) تحرف في المطبوع إلى ((عبد الرحمن)). ١٣٧ بايعوا ، وسكتوا ولم ينكروا(١)، ورحل على هذا (٢) . وادَّعى زياداً أنّه أخوه(٣)، فولاَهُ الكوفة بعد المُغيرة، فكتب إليه في حُجْرِ بنِ عدي وأصحابه ، وحملهم إليه ، فقتلهم بمرج عذراء (٤). ثم ضمَّ الكوفة والبصرة إلى زياد، فمات ، فولاهما ابنَه عُبيد الله بن زياد . (١) جملة ((ولم ينكروا)) سقطت من المطبوع. (٢) انظر ((الطبري)) ٥ / ٣٠٣، ٣٠٤، و((ابن الأثير)) ٣ / ٥٠٦، ٥١١، وابن كثير: ٨ / ٧٩، ٨٠، و((تاريخ خليفة)): ٢١٣، ٢١٧، و((تاريخ الإِسلام)) ٢ / ٢٥٠، ٢٦٢، للمؤلف . (٣) وأخرج مسلم في ((صحيحه)) (٦٣) في الإِيمان: باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم ، من طريق أبي عثمان ، قال : لما ادُّعي زياد ، لقيتُ أبا بكرة ، فقلتُ له : ما هذا الذي صنعتُم ؟ إني سمعتُ سعد بن أبي وقاص يقول: سمع أذناي من رسول الله و له وهو يقول: ((من ادَّعى أباً في الإِسلام غير أبيه يعلم أنه غير أبيه ، فالجنة عليه حرام ))؛ فقال أبو بكرة : وأنا سمعتُه من رسول الله صلقوله، وأخرج المرفوع منه البخاري: ١٢ / ٤٦ في الفرائض. قال الحافظ: والمراد بزياد الذي ادُّعي : زياد بن سمية وهي أمه ، كانت أَمَّةً للحارث بن كَلَدة وهو زوجها لمولى عبيد، فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهلُ الطائف ، فلما كان في خلافة عمر ، سمع أبو سفيان ابن حرب كلام زياد عند عمر ، وكان بليغاً فأعجبه ، فقال : إني لأعرف من وضعه في أمه ، ولو شئتُ لسميتُه ، ولكن أخاف من عمر ، فلما ولي معاوية الخلافة ، كان زياد على فارس من قبل علي ، فأراد مداراته ، فأطمعه في أنه يلحقه بأبي سفيان ، فأصغى زياد الى ذلك ، فجرت في ذلك خطوب إلى أن ادَّعاه معاوية ، فأمَّره على البصرة ، ثم على الكوفة ، وأكرمه ، وسار زياد سيرته المشهورة ، وسياسته المذكورة ، فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية محتجين بحديث ((الولد للفراش)) . (٤) انظر ((/الطبري)) ٥ / ٢٥٣، ٢٧٠ و((ابن الأثير)) ٣ / ٤٧٢، ٤٨٨، وابن كثير : ٥٣/٨، ٥٤ و((تاريخ الإسلام))٢ / ٢٧٦. و((تاريخ خليفة)): ٢١٣، وروى الحاكم في ((المستدرك)) ٣ / ٤٦٩ من طريق إسماعيل بن علية، عن هشام بن حسان ، عن ابن سيرين أن زياداً أطال الخطبة ، فقال حجر بن عدي : الصلاة ، فمضى في خطبته ، فقال له : الصلاة ، وضرب بيده إلى الحصى ، وضرب الناس بأيديهم إلى الحصى ، فنزل ، فصلّى ، ثم كتب فيه إلى معاوية ، فكتب معاوية : أن سرِّح به إلي ، فسرَّحه إليه ، فلما قدم عليه ، قال : السلامُ عليك يا أمير المؤمنين ، قال : وأمير المؤمنين أنا ؟ إني لا أقيلك ولا أستقيلك ، فأمر بقتله ، فلما انطلقوا به ، طلب منهم أن يأذنوا له ، فيصلي ركعتين ، فأذنوا له ، فصلَّى ركعتين ، ثم قال : لا تطلقوا عني حديداً ، ولا تغسلوا عني دماً . وادفنوني في ثيابي ، فإني مخاصم ، قال : فقتل . ١٣٨ عن عبد المجيد بن سُهَيل ، عن عبيد الله بن عبد اللّه ، عن ابن عباس ، قال : استعملني عثمانُ على الحج ، ثم قدمتُ وقدٍ بويع لعليّ ، فقال لي : سر إلى الشام ، فقد ولَّيْتُكَها . قلتُ : ما هذا برأي ، معاويةُ أُموي، وهو ابنُ عم عثمان وعاملُه على الشام ، ولستُ آمنُ أن يَضْرِبَ عنقي بعثمان ، أو أدنى ما هو صانعٌ أن يحبسني ، قال عليٍّ: ولم ؟ قلتُ : لقرابة ما بيني وبينك ، وأنَّ كل من حمل عليك حمل عليَّ . ولكن اكتب إليه ، فَمنَّه وعده ، فأبى عليّ ، وقال : لا والله لا كان هذا أبداً . مجالد : عن الشعبي ، قال : أرسلتْ أُمُّ حبيبة إلى أهل عثمان: أرسلوا إليَّ بثياب عثمان التي قُتِلَ فيها ، فبعثوا بقميصه بالدم وبالخصلة التي نتفت من لحيته ، ودعت النَّعمانَ بنَ بشير ، فبعثت به إلى معاوية ، فصعد معاويةُ المنبر ، ونشر القميصَ ، وجمع الناسَ ، ودعا إلى الطلب بدمه ، فقام أهلُ الشام، وقالوا : هو ابنُ عمِّك وأنتَ ولِيُّه ونحن الطالبون معك بدمه . ابن شَوْذَب : عن مطر الوَرَّاق ، عن زَهْدَم الجرمي ، قال : كنا في سَمِر ابن عباس ، فقال: لما كانَ من أمرٍ هذا الرجل ما كان ، يعني عُثمان ، قلت لعليّ: اعتزل الناسَ ، فلوكُنْتَ في جُحرٍ (١)، لطُلِبْتَ حتى تستخرج ، فعصاني ، وايُ الله ليتأَمَّن عليكم مُعاوية ، وذلك أنَّ الله يقول: ﴿ومَنْ قُتِلَ مَظلوماً فقد جعَلْنا لوليّه سُلْطانً فَلا يُسْرِفْ في القَتْل إنه كان منصوراً﴾ (٢) [الإسراء : ٣٣] . (١) تحرفت في المطبوع إلى ((حجر)). (٢) أخرجه الطبراني في «الكبير)) برقم (١٠٦٣) من طريق يحيى بن عبد الباقي الأذَني ، حدثنا أبو عمير بن النحاس ، حدثنا ضمرةُ بن ربيعة بهذا الإسناد . ويحيى وأبو عمير لم أجد لهما ترجمة، وباقي رجاله ثقات، وأورده في ((المجمع)) ٧ / ٢٣٦، وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم، وذكره ابن كثير في ((تفسيره)) ٣ / ٣٩ عن الطبراني ، وسكت عنه . ١٣٩ يونس : عن ابن شهاب ، قال : لما بلغَ معاويةَ هزيمةُ يوم الجمل وظهورُ عليٍّ ، دعا أهلَ الشام للقتال معه على الشورى والطلبٍ بدمٍ عُثمان ، فبايعوه على ذلك أميراً غيرَ خليفة . وفي كتاب صفِّين ليحيى بن سليمان الجعفي(١) بإِسناد له : أن مُعاويةً قال لجَرير البجلي لما قدم عليه رسولاً بعد محاورة طويلة : اكتبْ إلى عليٍّ أنْ يجعلَ لي الشام ، وأنا أبايعُ له ما عاش، فكتب بذلك إلى عليٍّ، ففشا كتأبُه ، فكتب إليه الوليدُ بنُ عُقْبة : بشامِكَ لا تُدْخِلْ عليكَ الأفَاعيا مُعاويُّ إِنَّ الشَّامَ شامُك فاعتصِمْ وَحَامِ عَلَيها بالقنابل والقَنَا ولاتَكُ مَخْشُوشَ الذِّراعين وانيا (٢) فإنَّ عَلِيّاً ناظِرٌ ما تُجِيْبِهُ فَأَهْدِ لَهُ حَرْباً تُشِيبُ النَّواصِيا (٣) ثم قال الجعفي : حدّثنا يعلى بن عُبيد ، عن أبيه ، قال : جاء أبو مسلم الخولاني وأناسٌ إلى معاوية ، وقالوا : أنت تُنازِعُ عليّاً أم أَنْتَ مثلُه ؟ فقال : لا والله، إني لأعلمُ أنه أفضلُ مني وأحقُّ بالأمر مني ، ولكنْ ألستُم تعلمون أنَّ عثمان قُتِلَ مظلوماً، وأنا ابنُ عَمِّه ، والطالبُ بدمه ، فائتوه ، فقولوا له ، فليدفَعْ إليَّ قتلةَ عُثمان، وأُسلم له . فأتوا عليّاً، فكلَّموه ، فلم يدفَعْهُم إليه(٤) . (١) هو يحيى بن سليمان بن يحيى بن سعيد الجعفي الكوفي المقرىء الحافظ نزيل مصر روى له البخاري، ومع ذلك فقد قال الحافظ في ((التقريب)): صدوق يخطىء. مات سنة ٢٣٧ هـ ، أو التي بعدها . (٢) مخشوش ، بالخاء المعجمة والشين ، أي : ولاتَكُ مقيد اليدين ، من قولهم خش البعير: إذا جعل في أنفه الخشاش ، وهو عود من خشب يجعلُ في أنف البعير يشدُّ به الزمام ليكون أسرع لانقياده. وقد تصحف في المطبوع إلى ((محسوس)). (٣) الخبر مع الأبيات عند ابن عساكر ١٦ / ٣٥٥ / ب، ٣٥٦ /٢. (٤) رجاله ثقات، وانظر ((البداية)) ٨ / ١٢٩. ١٤٠