Indexed OCR Text

Pages 221-240

دور دمشق ، وَهَرَبَ النّاسُ إلى الميادين، وَسَقَطَ من الجامع ستة عشر
شُرفة ، وتَشَقّقت قُبَّة النَّسر. إلى أن قال - والعُهدةُ عليه - : وأُحْصِيَ من هَلَك
في هذه السنة فكان ألف ألف ومئة ألف إنسان . ثم قال : نقلت ذلك من
تاريخ أبي المظفر سبط ابن الجوزيّ .
وكانت خُراسان في هيج وحُروب على المُلْك ، والتقى جيش السُّلطان
غياث الدين الغُوريّ كُفّار الهند فانهزم الكفار .
وانبأني ابن البُزُوريّ في تاريخه، قال: زُلْزِلت الجزيرة والشام ومصر،
فتخرّبت أماكن كثيرة جداً بدمشق وحمص وحماة ، واستولى الخراب على
صُور وعكا ونابلس وطرابلس ، وانخسفت قرية ، وخربت عدة قلاع .
وحارب المُعزبن(١) إسماعيل بن سيف الإِسلام صاحب اليمن عَلَوياً(٢)
خرج عليه فهزم العلوي وقتل من جنده ستة آلاف ، وقهر (٣) الرعية ، وادعى
أذّه أُموي، وتسمَّى بأمير المؤمنين .
وقَدِمَ مُدرس النِّظامية ، وكان قد بعث رسولاً من الناصر إلى الغُوري .
ونُدب طاشتكين للحج ، ولمحاربة المعزّ باليمن ، فبعث إلى أمراء
ينذرهم ويحضُّهم على طاعة الإِمام ، فشدوا على المُعزّ فقتلوه .
سنة ثمان وتسعين: تناقص الفناء بمصر لقِلّة من بقيَ، فكم من قرية كبيرة
لم يبق بها بشر، حتى لَنَقَلَ بعضُهُم أن بَلَداً كان بها أربع مئة نول للنسّاجة لم يبق بها
أحد .
(١) في الأصل : المغرب ، وهو تحريف .
(٢) هو عبد الله بن حمزة العلوي المتغلب على جبال اليمن ، وقارن الكامل لابن الأثير :
١٧١/١٢.
(٣) يعني : المعز بن اسماعيل .
٢٢١

وأرّخَ العز النسّابة خبر الزلزلة فيها فوهم وقال(١): هي الزَّلزلة العُظمَى
التي هدمت بلاد الساحل صور وطرابلس وعرقة ورمت بدمشق رؤوس
المآذن ، وأهلكت اثنين (٢) بالكلّاسة.
سنة ٥٩٩ : قال لنا ابن البُزُورِيّ : ماجت النُّجوم وتطايرت كالجراد ،
ودام ذلك إلى الفَجْر ، وضج الخَلْق إلى الله .
ومات سلطان غَزْنَة غياث الدين ، وقام بعده أخوه شهاب الدين .
وأبعَدَ العادلُ ابنَ ابن أخيه المنصور العزيز إلى الرُّها، وحاصرَ ماردين ،
ثم صَالَحَهُ صاحبُها على حمل مئة وخمسين ألف دينار في العام، وأن يخطب
له ، والتقى صاحبُ حماة المنصور الفرَنجَ مرتين ويهزمهم .
وفي سنة ست مئة : التقى الأشرف ابن العادل وصاحب المَوْصل نور
الدين فكَسَرَهُ الأشرف، وأسر أمراءَهُ ثم اصطلحا ، وتزوّجَ الأشرف بالأتابكية
اُخت نور الدين .
ودخلت الفرنج في النِّيل (٣) فاستباحوا فوّة يوم العيد .
ونازل صاحب سيس أنطاكية وجدّ في حصارها ، ثم ترحّل خوفاً من
عسكر حلب ، ثم بعد أيام أقبل وهجم أنطاكية بمواطأة من أهلها ، فقابله
البرنس ساعة ثم التجأ إلى القلعة ، ونادى بشعار صاحب حلب وسرّح بطاقة
فسارع لنجدته صاحب حلب ، ففرّ الأرمنيّ .
وأقبلت جيوش الفرنج من كل ناحية إلى عكّا عازمين على قصد
(١) نقل الذهبي ذلك من أبي شامة : ٢٩ .
(٢) يعني : رجلين ، وكان أحدهما مغربياً والآخر مملوكاً تركياً.
(٣) في جهة مدينة رشيد ( انظر مفرج الكروب : ١٦١/٣) .
٢٢٢

القدس ، ونزلَ العادل تحت الطُّور ، وجاءته أمداد العساكر ، وأغارت الفرنج
وعائت ، واستمر الخوف شهوراً .
وما زالت قسطنطينية للروم فتحزبت الفرنج وملوكها في هذا الوقت .
وسنة إحدى وست مئة : احترقت دار الخلافة ، وكان أمراً مهولاً حتى
قيل : إنَّ قيمة ما ذهبَ ثلاثة آلاف ألف دينار وسبع مئة ألف دينار ، قاله أبر
شامة(١) .
وفيها وقعت الهُدنة بين العادل وبين الفرَنْج بعد أن عاثوا وأغاروا على
حمص وعلى حماة ، ولولا ثبات المنصور لراحت حماة ، ثم أغاروا على
جَبَلة واللّذقية واستضروا، وكان العادل قد مضى إلى مصرَ فخاف وأهَمَّهُ أمر
العدو، ثم عَمل هِمَّة، وأقبلَ في سنة ثلاث وست مئة فحاصر عَكّا مُدّة ،
فصالحوه ، فلم يَغْتَرَ ، وطلب العَسْكَر من النَّواحي وانفقَ الأموالَ ، وعلم أن
الفَرَنج لا ينامون ، فنازلَ حصن الأكراد ، وأخذ منها بُرجاً ، ثم نازلَ طرابلس
مُدةً فملَّ جُندهُ ، وخضعَ له ملكُ طرابلس وسَيَّر له تُحَفاً وثلاث مئة أسير ،
وصالح .
واستضرت الكُرج ، وعائوا بأذر بيجان ، وقتلوا خَلْقاً، وعَظُم البلاءُ ،
فالتقاهم صاحب خِلاط ونَجْدة من الرُّوميين ، فَنَصَر الله وقُتِلَ طاغيةُ الكُرج .
وفي سنة ٦٠٢ : وزر النَّصير بن مهدي العلويّ ، وركب وبين يديه دواة
مُحَلّة بألف مثقال، ووراءه المَهْد وألوية الحَمْد والكوسات(٢) والعَهْد مَنْشُوراً
(١) ذيل الروضتين : ٥١ .
(٢) جمع : كوسة ، وهي صنوجات في نحاس شبه الترس الصغير ، يدق بأحدها على
الآخر بايقاع مخصوص . وكانت تضرب عادة لمثل هؤلاء الكبار في بعض أوقات الصلوات ،
حسب مقامهم. ( انظر المنتظم: ٦/٩، وصبح الأعشى: ٩/٤، ٤٣) وغيرهما .
٢٢٣

والأمراء مشاة فَعذَّبَ الوزير ابن حديدة ، وصادره ، فهرب منه ثم ظهر بعد
مدة خبره بمراغة .
وأغارت الأرمن على نواحي حَلَب ، وكبسوا العَسْكر ، وقتلوا فيهم
فسارع الظاهر وقصد ابن لاون ، ففرّ إلى قلاعه .
وَسَلَّم خوارزم شاه بلد تِرْمِذ إلى الخطا مَكِيدة ليتمكن من تملّك
خُراسان .
وفيها وُجِدَ بإرْبِل خروفٌ وجهه وجه آدمي .
وسار صاحب الرَّي إيدغمش ، فافتتح خمس قلاع للإِسماعيلية وصمِّم
على أخذ ألموت ، واستئصالهم . وكانت خُراسان تموج بالحروب .
وفي سنة أربع : قَصَدَ خُوارم شاه الخطا في جيش عظيم ، فالتقوا
وتمّت بينهم مصافّات ، ثم وقعت الهزيمة على المُسلمين ، وقُتِلَ خَلْق ،
وأُسِر السُّلطان وأميرٌ من أمرائه فأظهر أنّه مملوك للأمير ، فبقي الذي أسرهما
يحترم الأمير، فقال: أحب أن تقرّر عليّ مالاً وأبعث مملوكي هذا حتى يحضر
المال ، فانخدع الخطائيّ وسَيَّبَ المملوك ومعه من يخفره ويحفظه إلى
خُوارزم فنجا السُّلطان ، وتمت الحيلة وزُيِّنت البلاد ، ثم قال الخطائي لذاك
الأمير : قد عدم سلطانكم قال : أوما تعرفه ؟ قال : لا ، قال: هو مملوكي
الذي راح . قال الخطائي : فَسِرْ بنا إلى خدمته وهَلّ عرفتني حتى كنت
أخدمه(١)! ؟ وكان خوارزم شاه محمد قد عَظُم جداً، ودانت له الأمم ،
وتحت يده ملوك وأقاليم .
(١) هذه إعادة لما ذكره المؤلف في ترجمته من ((السير)).
٢٢٤

وفي سنة ٦٠٥ : كانت الزلزلة العظمى بنّيْسابور دامت عشرة أيام ،
ومات الخَلْقُ تحت الرَّدْم .
وفي سنة ٦٠٦ : حاصر ملك الكُرج خِلاط ، وكاد أن يأخذها وبها
الأوحد ابن الملك العادل ، فقال لإِيواي (١) الملك منجمُهُ: ما تبيت الليلة إلّ
في قلعة خِلاط ؛ فاتفق أنّه سكرَ وحمل في جيشه وخرج المسلمون ، والتحم
الحرب ، وقُتِل خلق وأُسِرَ إيواي فما باتَ إلّ في القلعة، ونازلت الكُرج
أَرْجيش(٢) وافتتحوها بالسيف .
وكان العادل ربما تركَ الجِهاد وقاتل على الدُّنيا ، فحاصر سنجار مدة .
وقال ابن الأثير (٣) : سار خوارزم شاه فعبر جيحون بجيوشه فالتقاه
طاينكو طاغية الخطا فانهزمت الخطا وأسر ملكهم وأتى به خوار زمشاه فبعث به
إلى خوارزم . وعصى صاحب سمرقند على حموه (٤) خوارزمشاه ، وظلم
وتمرد وقتل من عنده من العسكر الخوارزمية ، فنازله خوارزم شاه وأخذ منه
سمرقند ، وبذل فيها السيف ، فيقال: قُتِلَ بها مئتا ألف مسلم ، ثم زحف على
القلعة وأسر ملكها فذبحَهُ .
وفي (٥) هذا الوقت أول ما سُمِعَ بذكر الَّتار ، فخرجوا من أراضيهم
بادية الصِّين ، وراء بلاد تُركستان ، فحاربوا الخَطا مَرّات وقووا بكسرة خوارزم
(١) هذا اسم الملك.
(٢) بالقرب من خلاط ، كما في معجم البلدان .
(٣) الكامل: ٢٦٧/١٢ وذكر ابن الأثير ذلك في حوادث سنة ٦٠٤، لكنه أشار إلى ان هذه
الوقعة كانت سنة ٦٠٦ .
(٤) لأن خوارزمشاه كان قد زوجه ابنته .
(٥) هذا من ابن الأثير أيضاً : ٢٦٩/١٢ - ٢٧١ بتصرف .
٢٢٥

شاه للخطا ، وعاثوا . وكان رأسهم يدعى كشلوخان(١) ، فكتب ملك الخَطَا
إلى خُوارزمشاه : ما جرى بيننا مَغْفُور ، فقد أتانا عدو صَعب ، فإنْ نُصِروا علينا
فلا دافع لهم عنك ، والمَصْلَحَة أن تُنجدنا ، فكتب : ها أنا قادم لنصرتكم ،
وكاتب كشلوخان : إنني قادم وأنا معك على الخطا ، فكان بئس الرأي ،
فأقبل ، والتقى الجمعان ، ونزل خوارزم شاه بإزائهما يوهم كلّ من الفرقين أنه
معه ، وأنه كمين له ، فوقعت الكَسْرة على الخطا فمال خُوارزم شاه حينئذ
معيناً لكشلوخان ، واستحر القتل بالخَطَا ، ولجؤوا إلى رؤوس الجبال ،
وانضم منهم خَلْقٌ إلى خُوارزم شاه، وَخَضَعَ له كشلوخان ، وقال : نتقاسم
مملكة الخَطَا ، فقال خُوارزم شاه : بل البلاد لي ، وسار لحربه ، ثم تبين له
قوة التتار ، فأخذ يراوغهم ، ويكبسهم، فبعث إليه كشلو : ما ذا فِعْلُ مَلِكٍ ،
ذا فِعْل اللّصوص، فإن كنتَ مَلِكاً فاعمل مصافّاً(٢) ، فلم يجبه ، وأمر أهل
فرغانة والشاش ومدائن الترك بالجفل إلى بخارى وسمرقند ، وَخَرَّب المدائن
ودحاها عجزاً عن حفظها منهم .
ثم خرج على كشلو خان الطاغية جنكزخان ، فتحاربوا مدة ، وظفر
جنكزخان ، وَطَغَى، وَتَمَرَّدَ ، وأبادَ البلاد والعباد، وأخذَ أقاليم الخَطا ،
وجعلَ خان بالق دارَ مُلكه، وأفنى الأمَمَ بإقليم التُّرك وما وراء النّهر
وخُراسان ، وهزَمَ الجيوش ، وما جَرَى له فسيرةٌ مُفْرَدَةٌ ، وقد جَوَّدَ وَصْفَهُم
المُوفَّق البَغْدادِيُّ ، فقال :
(١) ويقال فيه: (( كشلي خان )) أيضاً .
(٢) في الأصل : مصاف. وهذه التعابير معظمها للذهبي مع أنه نقل المادة من ابن الأثير، وقد أشرنا
غير مرة أن الذهبي ينقل المعنى ، ويغير في الألفاظ ويختصر النصوص ويصيغها بصياغته، وهذا تجوز
منه رحمه الله. وفي كامل ابن الأثير: ((وإلا إن كنت سلطاناً، كما تقول، فيجب أن نلتقي، فإما أن
تهزمني وتملك البلاد التي بيدي ، وإما أن أفعل أنا بك ذلك . فكان يغالطه ولا يجيبه إلى ما
طلب )) .
٢٢٦

حديثُهُم حديثٌ يأكلُ الأحاديثَ ، وَخَبَرٌ يُنْسي التواريخ ، ونازلةٌ تُطبق
الأرضَ ؛ هذه أمةٌ لُغَتُها مَشُوبة بلغة الهِنْد لمجاورتهم ، عِراض الوجوه ،
واسعو الصُّدور، خِفاف الأعجاز ، صِغار الأطراف ، سُمرٌ ، سريعو
الحركة ، تصل إليهم أخبارُ الأمم ، ولا تصل أخبارها إليهم ، وقَلَّما يَقدر
جاسوسٌ أن يتمكّن منهم ؛ لأن الغريب لا يشبههم ، وإذا أرادوا وجهةً كتموا
أمرهم ، ونَهَضُوا دَفْعَة ، فتنسَدُّ لهذا على النّاس وجوه الحِيَل ، وتضيق طُرُق
الهَرَب ، ويسبقون التأهّب ، نساؤُهم يُقاتلن ، يقتلون النِّساء والولدان بغير
استثناء ، وربما أبقوا ذا صَنْعَة أوذا قوةٍ ، وغالب سلاحهم النُّشَّاب ، ويطعنون
بالسيوف أكثر مما يضربون بها ، جواشِئُهُم من جلود ، وخيلهم تأكل الكلأ وما
تجد من ورقٍ وخَشَب ، وسُرُوجهم صغار ليس لها قيمة ، وأكلهم أي حيوان
وُجِدَ وَتَمَسُّه النّارُ ، تحلة القسم ، ليس في قتلهم استثناء ، كان قصدهم
إفناء النَّوعِ، ما سَلِمَ منهم إلّا غَزْنَة وأصبهان .
قلت : ثم استباحوا أصبهان سنة ٦٣٢ .
قال : وهذه القبيلة الخبيثة تُعرف بالتمرجيّ سُكان براري قاطع
الصين ، ومشتاهم بأرغون، وهُم مشهورون بالشِّر والغَدْرِ ، والصّين مُتَّسِعٌ
وهو ست ممالك . قانُهُم الأكبر مقيم بطَمْغاج ، وكان سُلطان أحد الممالك
الست دوش خان زوج عمة جنكزخان ، فزارَ جنكزخان عمته إذْ مات زوجُها
ومعه كشلوخان ، فقالت : زوجي ما خلف ابناً فأرى أن تقوم مقامه ، فقام
جنكزخان ، ونفذ تحفاً إلى القان الكبير، فَتَنَمَّرَ ، وأنف من تَمَلّك تتريّ (١)،
فتعاقد جنكز خان وكشلوخان على التّناصر ، وأبدوا الخلاف ، وكثر
(١) جاء في حاشية الأصل: ((التتري معناه الفلاح))
٢٢٧

جمعهم ، فالتقوا ، فطحنوا عساكر البلاد ، وعلم القان قوتهم ، فأرسلَ
يُخَوِّفهم ، ثم التقوه ، فكسروه أقبح كَسْرَة ، ونجا القان بنفسه واستولى
جنكز خان على بلاده ، فراسله القان بالمسالمة وقنع بما بقي في يده ، وسارا
إلى ساقون من الصين فملكاها . ثم ماتَ كشلوخان فقام بعده ولده ، فلم
يكن له مع جنكز خان كبير أمر ، فتألم ، وافترقا ، وتحاربا ، فظفر جنكز خان
به ، وانفردَ ودانت له قبائل المغول، ووضع لهم ياسةً(١) يتمسكون بها ، لا
يخالفونها ألبتة ، وتعبدُوا بطاعته وتعظيمه ، ثم أوَّل مصاف وقع بين خوارزم
شاه وبین التّتار کان قائدهم وَلَدُ جنکز خان دوشي خان ، فانهزم دوشي خان ،
ورجع خوارزم شاه من بلاد الترك في هَمٍّ وفِكْرٍ من هذا العدو لما رأى من
کثرتهم وإقدامهم وشجاعتهم .
وفي سنة ٦٠٧ : اتفقت الملوكُ على العادل : سلطانُ الرُّوم ،
وصاحب المَوْصِل ، والظاهر ، ومَلِك الجزيرة ، وصاحب إرْبِل ، وعزموا
على إقامة الخطبة بالسَّلْطَنة لصاحب الرُّوم خسرو شاه بن قِلْج أرْسلان ،
وحَسَّنوا للكُرْج قصد خِلاط فلما أُسر مقدمهم تفرقت الآراء ، وصالحوا
العادل ، وافتكّ إيوائي نَفْسَهُ بألفي أسير وثمانين ألف دينار وعشرين قلعة كان
قد تَغَلَّب عليها ، وأن يزوِّجَ الملكَ الأوحد بابنته ، فعاد إلى مُلْكِهِ وسُومِحَ
ببعض ما التزمه ، ولمّا تَمَلَّكَ الأشرف خِلاط ، تزوَّجَ بابنة إيوائي ، وتزوَّجَ
صاحبُ الموصل بينت العادل فمات قبل وصولها إليه(٢) .
ونقصت دجلة إلى الغاية ، حتى خاضها الناس فوق بغداد .
سنة ٦٠٨ : فيها استباح ركبَ العراق قَتَادَةُ صاحبُ مكة ، وقُتِلَ عدة
(١) الياسة : هي شريعة المغول وقانونهم.
(٢) من ذيل الروضتين : ٧٥ - ٧٦ .
٢٢٨

وخُرِّجَ خلق فيقال : ذهب للوفد ما قيمته ألفا ألف دينار .
وزفت بنت العادل ضَيْفَة إلى صاحب حَلَب الظاهر ، تَزوَّجها على
خمسين ألف دينار ، وَنَفَّذَ جهازها على ثلاث مئة جمل وخمسين بغلاً ،
وخمسون جارية ، وخلعَ عليها الزَّوجُ جواهر بثلاث مئة ألف درهم .
وتملّك ألبان صاحب عكا أنطاكية ، فشنّ الغارات على التُّركمان ،
وهجم على بُورة(١) من إقليم مصر فاستباحها فَبَّته التركمان وقتلوه ، وقتلوا
فرسانه .
وفي سنة ٦٠٩ : الملحمة الكُبرى بالأندلس وتُعرف بوقعة العقاب بين
الناصر محمد بن يعقوب المُؤمني وبين الفرنج ، فنزل النصر لكن استُشهد
خلقٌ كثير .
سنة عشر : قال أبو شامة : وفيها خلص خوارزم شاه من الأسر ، خطر
له أن يكشف النَّتار بنفسه ، فدخل فيهم هو وثلاثة بزيهم فقبضوا عليهم
فضربوا اثنين فماتا تحت العذاب ، ورسموا على خوارزم شاه وآخر فهربا في
الليل (٢) .
وقتلت التركمان إيدغمش صاحب الري وهمذان فتألم الخليفة .
وتمكن منكلي ، وعظم .
في سنة ٦١١ : تَمَلَّكَ خوارزم شاه كَرْمان ومُكْران والسِّند ، وخطب له
بُهُرمُز وهلوات وكان يصيف بسمرقند ، وإذا قصد بلداً سبق خبره .
(١) مدينة على الساحل قرب دمياط .
(٢) ذيل الروضتين : ٨٣ - ٨٤ .
٢٢٩

وفي سنة ٦١٢ : أغارت الكُرْج على أذربيجان وغنموا الأموال وأزيد
من مئة ألف أسير ، قاله أبو شامة (١) .
وبعث الملك الكامل ولده المسعود فأخذ اليمن بلا كُلفة وظَلَمَ وَعَتَا
وتمرّد .
وتَوَتَّب خُوارزم شاه على غَزْنَة فتملّكها ، وجعلَ بها ولده جلال الدين
منگوبري .
وهزم صاحبُ الرُّوم كيكاوس الفرَنجَ وأخذَ منهم أنطاكية ، ثم صارت
لِيرِنْس طرابلس .
وفيها كُسِرَ مَنْكلي صاحب أصبهان والرَّي وَهَمَذَانَ وَقُتِلَ .
وفي سنة ٦١٣ : أحضرت أربعة أوتار(٢) لنسر القبة(٣) طول اثنين
وثلاثين ذراعاً أُدخلت من باب الفرج (٤) الى باب الناطفيين، وأقيمت لأجل
القرنة ، ثم مددت . وحُرِّرَ خندق القلعة (٥) وعمل فيه كل أحد ، والفقهاء
والصوفية والمُعَظِّم بنفسه ، وأنشِىء المصلى وعمل به الخطبة .
ووقع بالبصرة بَرَد صغاره كالنارنج .
وفي سنة ٦١٤: كان الغرق. قالَ سِبْط الجوزيّ(٦) - بقلّة وَرَعٍ - :
(١) ذيل الروضتين : ٨٩.
(٢) في ذيل الروضتين: ((أوتاد)) مصحف .
(٣) يعني: لقبة النسر في جامع دمشق الأموي، وقد قال المؤلف في ((تاريخ الإِسلام)) -
ونقلتُ من خطه -: (( قال أبو شامة : فيها أحضرت الأوتار الخشب لأجل نسر قبة الجامع))
( الورقة: ٢٣٠ أيا صوفيا : ٣٠١١) وقارن : ذيل الروضتين : ٩٢.
(٤) شطح قلم ناسخ الأصل فكتب ((الفرنج)).
(٥) هو خندق باب السر .
(٦) مرآة الزمان : ٥٨٢/٨.
٢٣٠

فانهدمت بغدادُ بأسرها ولم يبق أن يطفح الماء على رأس السور إلا قدر
إصبعين . إلى أنْ قال : وبقيت بغدادُ من الجانبين تلولاً لا أثر لها .
قلت : العجب من أبي شامة (١) ينقل أيضاً هذا ولا يبالي بما يقول .
وقال أبو المظفر (٢): نزلَ خُوارزم شاه في أربع مئة ألف قاصداً بغدادَ
فاستعدّ الناصر، وَفَرَّقَ الأموالَ والعُدَدَ ، ونفذ إليه رسولاً السُّهْرَ وَرْدِيّ(٣)،
فأهانه فاستوقفه ولم يجلسه ، وفي الخدمة ملوكُ العَجَم ، قال : وهو شاب
علی تخت ، وعليه قباء يساوي خمسة دراهم ، وعی رأسه قُبع جلدٍ يساوي
درهماً ، فسلَّمتُ فما ردّ ، فخطبت وذكرت فضل بني العباس ، وَعَظَّمتُ
الخليفة والتُّرجمان يعيد عليه ، فقال للترجمان : قل هذا الذي يصفه : ما
هو في بغداد ، بلى أنا أُقيمُ خليفةً كما تَصِفُ ، وردَّنا بلا جواب . ونزل ثلج
عظيم فهلكت خيلهم وجاعوا ، وكان معه سبعون ألفاً من الخَطا ، فصرفه
الله عن بغدادَ ، وقيل: إِنَّه قال : أنا مَنْ (٤) آذيت أحداً من بني العباس ؟ بل
في جيش الخليفة خلق منهم ، فأعِد هذا على مسامع الخليفة ، ومنعه الله
بثلوج لا تُوصف .
وفيها أقبلت جيوش الفرَنْج لقصد بيت المقدس والأخذ بالثأر ، ووصلوا
إلى بَيْسان، وتأخر العادل فتبعوه ، ونزل بمرج الصُّفَّر(٥) واستحثَّ العَساكر
والمُلوك وضجَّ الخَلْقُ بالدُّعاء وكانت هُدْنة فانفسخت ونهبت الفرَنج بلادَ
(١) ذيل الروضتين : ١٠٠ .
(٢) مرآة الزمان: ٥٨٢/٨ - ٥٨٣.
(٣) شهاب الدين عمر المتوفى سنة ٦٣٢ .
(٤) هكذا في الأصل ، وفي ((تاريخ الإِسلام)) - بخط المؤلف - وفي ذيل الروضتين :
((ما ) .
(٥) التقييد من معجم البلدان)).
٢٣١

الشام ووصلوا إلى الخربة(١) ، وحاصروا قلعة الطُّور التي بناها المعظم مدةً ،
وعجزوا عنها ، ورجعوا فجاء المُعَظِّم ، وخلعَ على من بها ، ثم اتفق هو وأبوه
على هدمها ، وأخذت خمس مئة من الفرنج جزين وفَرَّ رجالها في الجبل ، ثم
بيّتوا الفرنج ، فاستحر بهم القتل حتى ما نجا من الفرنج سوى ثلاثة. وبادرت
الفَرَنج إلى قصد مِصْرَ لخلوها من العساكر ، وأشرفَ الناس على التََّف وما
جَسَرَ العادل على الملتقى لِقِلّة من عنده من العساكر ، فتقهقر .
ودخلت سنة ٦١٥ : فنازلت الفرنجُ دمياط ، وأقبل الكامل ليكشف
عنها فدام الحصار أربعة أشهر ، ومات العادل وخلص واستراح .
وفيها كَسَرَ الأشرفُ صاحبَ الرُّومِ ، ثم أقبل وأخذ معه عسکر حلب
مُغيراً على سواحل الفَرَنج .
وأخذت الفرنج بُرج السِّلسلة من دمياط ، وهو قُفْل على مصر ؛ برج
عظيم في وسط النيل فدمياط بحذائه ، والجيزة من الحافة الغربية ، وفيه
سلسلتان تمتد كل واحدة على وجه النيل إلى سور دمياط وإلى الجيزة يمنعان
مركباً يدخل من البحر في النيل ، وَعَدَتِ الفَرَنج إلى بَرّ دمياط ، فَفَرَّ العساكرُ
من الخيام ، فطمعَ العدو، ثم كر عليهم الكامل فطَحَنَهُم ، فعادوا إلى
دمياط .
ومات كيكاوس صاحب الروم ، وكان جباراً ظَلُوماً .
ومات القاهر مسعود صاحب الموصل .
ورجع من بلاد بُخارى خوارزم شاه إلى نَيْسابور، وقد بلغه أن التتار
(١) وتعرف بخربة اللصوص .
٢٣٢

قاصدوه ، وجاءه رسول جنكز خان يطلب الهدنة يقول : إنَّ القان الأعظم
يسلّم عليك ويقول: ما يخفى عليَّ عظم سلطانك وأنت كأعزّ أولادي وأنا بيدي
ممالك الصين ، فاعقد بيننا المَوَدَّة ، وتأذن للتجار وتنعمر البلاد ، فقال
السلطان لمحمود الخوارزميّ الرسول : أنت منا وإلينا ، وأعطاه جواهر وطلب
أن يكون مُناصحاً له فأجابه ، فقال : اصدقني ، تَمَلَّكَ جنكز خان طمغاج ؟
قال: نعم، قال: فما المَصْلَحَة؟ قال: الصُّلح. فأجاب. فأعجب ذلك جنكز
خان ومشى الحال . ثم جاء من جهة التتار تجار فشرهت نفس خال السلطان
متولي ما وراء النهر إلى أخذ أموالهم ، وقبض عليهم وظنهم جواسيس للتتار،
فجاء رسول جنكز خان يقول: إنّك أمّنت تجارنا والغدر قبيح، فإن قلت: فعلَهُ
خالي فسلِّمه إلينا وإلا سترى مني ما تعرفني به ، فحارت نفس خوارزم شاه ،.
وتَجَلَّد ، وأمر بقتل الرُّسل ، فيا بئس ما صنعَ ، وحَصَّن سمرقند وشحنها
بالمقاتلة فما نفع ، وقضي الأمر .
ودخلت سنة ٦١٦ : فتقهقر خُوارزم شاه ، وأقبلت المُغْل كالليل
المظلم، وما زال أمرُ خوارزم شاه في إدبار، وَسَعْدُهُ فِي سَفَال ، وَمُلكه في
زوال ، وهو في تقهقر واندفاع إلى أن قارب هَمَذَان ، وتفرّق عنه جمعُه ، حتى
بقي في عشرين ألفاً ، فما بلع ريقَه إلا وطلائعُ المُغل قد أظلَّته ، وأحدقوا
به ، فنجا بنفسه ، واستحرَّ القتل بجُنده، وفَرَّ إلى الجَبَل ، ثم إلى
مازندران ، ونزل بمسجد على حافة البحر يصلي بجماعة ويتلو ويبكي ، ثم
بعد أيام كَبَسَهُ العدو ، فهرب في مركب صغير ، فوصل إليه نشابهم وخاض
وراءه طائفة ، فبقي في لجّة ، ومرض بذات الجَنْب ، فقال : سبحان الله ما
بقي لنا من مملكتنا قدر ذراعين نُدفن فيها ، فوصل إلى جزيرة فأقامَ بها طريداً
وحيداً مجهوداً ، ومات فكفنه فَرّاشُهُ في عمامته سنة سبع عشرة وست مئة .
٢٣٣

وفي أول سنة ٦١٦: خَرَّب أسوارَ القدس المُعَظّمُ خوفاً من تَمَلّك
الفرَنجِ ، وَهَجّ الناسُ منه على وجوههم ، وكان يومئذ أحصن ما يكون ،
وأعْمَرَهُ ، وذاك لأنّه كان في نجدة أخيه على دمياط ، وسمعَ أنّ الفرنج على
قَصْدِه ، وكان به أخوه الملكُ العزيزُ وعزّ الدين أيْيَك صاحبُ صَرْخَد ،
فشرعوا في هدمه ، وَتَمَزَّقَ أهلُهُ وتعثّروا ونهبوا وبيع رطل النحاس بنصف
والزيت عشرة أرطال بدرهم ، ونحو ذلك .
قال ابن الأثير(١): لما أخذت الفرَنجِ بُرج السِّلْسِلة عملَ الكاملُ على
النِّيل جسْراً عَظِيماً ، فالتحم القتال حتى قطعته الفرنج ، فعمد الكامل إلى
عدة مراكب وملأها حجارةً وَغَرَّقها في الماء ليمنع مركباً من سلوك ، فحَفَرت
الفرَنْجُ خليجاً وأخروه وأدخلوا مراكبهم منه حتى دخلوا بُورة وحاذوا الكامل ،
وقاتلوه مرات في الماء ولم يتغير عن أهل دمياط شيء ، لأن الميرة واصلة
إليهم . ومات العادل فهمَّ جماعة (٢) بتمليك الفائز بمصر ، فبادر الكامل
وأصبح الجيش في خَبْطَة وقد فقدوا الكامل ، فشدت الفرَنج على دمياط
وأخذوا برها بلا كُلْفة ولولا ◌ُطف الله وقُدوم المُعَظّم بعد يومين لراحت مِصر ،
ففرحَ به الكامل ، وبعثوا عماد الدين أحمد بن المَشْطوب الذي سعى للفائز
إلى الشام، وتمادَى حصار الفَرَنج لِمْياط وَصَبَرَ أهلُها صَبْراً عظيماً، وقُتْلَ
منهم خلق ، وقلّوا وجاعوا فسلَّموها بالأمان(٣)، فحصّنها العدو وأشرفَ
الناس على خطة صَعْبةٍ وَهَمَّ أهلُ مصرَ بالجلاء ، وأخذت في شعبان سنة ست
عشرة ، ودامَ الكامل مُرابطاً إلى سنة ثماني عشرة (٤)، وأقبل الأشرف مُنجداً
(١) الكامل : ٣٢٤/١٢ فما بعدها بتصرف واختصار .
(٢) يتزعمهم الأمير عماد الدين أحمد بن علي المعروف بابن المشطوب .
(٣) شطح قلم ناسخ الأصل فكتب ((بالألمان )).
(٤) رابط معه عدد كبير من المحدثين والفقهاء وأبلوا بلاءً عظيماً في الجهاد واستشهد منهم =
٢٣٤

لأخيه وقوي المسلمون وحاربوا الفَرَنج مَرّات ، وترددت الرُّسُل في هُدْنة
وبذلوا للفرَنْجِ القُدْسَ وَعَسْقَلَان وقِلَاعاً سوى الكَرَك ، فأبوا ، وطلبوا ثلاث
مئة ألف دينار عوضاً عن تخريب سُور القُدس ، فاضطر المُسلمون إلى
حربهم ، فقلَّت الميرة على الفرنج فَفَجََّ المُسلمون النِّيل على منزلة الفرنج ،
ولم يبق لهم مسلك غير جهة ضيِّقة ، فنصبَ الكاملُ الجُسورَ على النِّيل
ودخلت العساكر فملكوا المضيق وسُقِطَ في أيدي الفرنج وجاعوا ، فأحرقوا
خيامَهُم وأثقالَهُم ومجانيقَهُم ، وعزموا على الزَّحف إلى المسلمين فعجزوا
وذلوا وعزَّ المسلمون عليهم ، فطلبوا من الكامل الأمان ، ويتركوا له دمياط ،
فبينما هم في ذلك إذا رَهَجِّ (١) عظيم وضَجّة من جهة دمياط فظنوها نجدة
للفرنج جاءت ، وإذا به الملك المُعَظِّم في جُنده ، فخُذِلت الملاعين وسَلَّموا
دمياط في رجب سنة ثماني عشرة ودخلها المسلمون ، وقد بالغت الكلاب في
تحصینها ولله الحمد .
أنبأني مسعود بن حمويه ، قال: لما تقرر الصُّلح جلسَ السُّلطان في
مخيمه : عن يمينه المُجاهد شيركوه ، ثم الأشرف ، ثم المُعَظِّم ، ثم
صاحب حَماة ، ثم الحافظ صاحب جَعْبر، وَمُقَدَّم عسكر حلب ، ومُقَدَّم
المَواصلة والماردانين ، ومُقَدَّم جُند إربل وميّافارقين ، وعن شماله نائب البابا
ثم صاحب عَكّا ثم صاحب قبرص وصاحب طرابلس وصاحب صَيْدا ثم أرباب
القلاع ومقدم الديوية ، ومُقَدّم الإِسبتار ، وكان يوماً مشهوداً ، فأذن السُّلطان
بأن يُباع عليهم المأكول فكان يدخل إليهم كل يوم خمسون ألف رغيف ، ومئتا
= عدد كبير دفاعاً عن بيضة الإسلام، ذكر عدداً منهم الزكي المنذري في ((التكملة))، والذهبي في
((تاريخ الإِسلام)) وهكذا كان العلماء رضي الله تعالى عنهم .
(١) الرَّهَج : الغبار .
٢٣٥

أردب شعير ، وكانوا يبيعون سلاحهم بالخُبز ، وكان السلطان قد أنشأ هناك
مدينة سماها المنصورة ، نزلها بجيشه وسوّرها .
وفي سنة ٦١٧ : التقى مظفر الدين صاحب إرْبل وبدر الدين لؤلؤ
نائب المَوْصِل ، فانهزم لؤلؤ، ونازل مظفر الدين المَوْصل فنجدها
الأشرف ، واصطلحوا .
وفي رجب وقعة البَرَلَّس(١) بين الكامل والفَرَنج، فنصرَ الله وقُتِلَ من
الفرنج عشرة آلاف وانهزموا ، فاجتمعوا بدمياط .
وفيها أخذت التّتار بُخارَى وَسَمَرْقَند بالسَّيف ، وعدوا جيحون . قال
ابن الأثير (٢): لو قيل: إنَّ العالم منذ خُلِقَ إلى الآن لم يُبتلوا بمثل كائنة الَّار
لكان صادقاً ، فإنَّ التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ؛ قوم خرجوا من أطراف
الصين فقصدوا بلاد تُركستان ، ثم إلى بخارى وسمرقند فتملكوها ، ثم تعبر
طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها تخريباً وقتلاً إلى الرَّي وَهَمَذَان ، ثم
يقصدون أذربيجان ونواحيها ويستبيحونها في أقل من سنة ، أمر لم نسمع
بمثله ، ثم ساروا إلى دَرْبَند شروين، فملكوا مُدنَهُ ، وعَبروا إلى بلاد اللان
واللكز(٣) قَتْلاً وأسْراً، ثم قصدوا بلاد قَفْجاق فقتلوا من وَقَفَ وهرب من بقي
إلى الشعراء(٤) والجبال ، واستولت التتار على بلادهم ، ومضت فرقة أخرى
إلى غَزْنة وسِجِسْتَان وَكِرْمان ، ففعلوا كذلك ، وأشد . هذا ما لم يطرق
(١) بليدة على شاطىء النيل قرب البحر من جهة الاسكندرية .
(٢) الكامل : ٣٥٨/١٢ فما بعدها .
(٣) في الأصل: ((الدكز)) وما أثبتناه من ((كامل)) ابن الأثير، و((تاريخ الإِسلام))
للذهبي ، وهو بخطه .
(٤) في الكامل: ((إلى الغياض)) وأخذ الذهبي المعنى .
٢٣٦

الأسماع مثله ، فإنَّ الإِسكندر ما ملك الدنيا بهذه السرعة ، بل في نحو عشر
سنين ولم يقتل أحداً .
وقال (١) : وخيلهم لا تعرف الشعير ، إنّما تحفر بحوافرها وتأكل عروق
النبات ، وهم يسجدون للشمس ، ولا يحرِّمون شيئاً ، ويأكلون الحيوانات
وبني آدم (٢)، ولا يعرفون زواجاً. وهم صنف من التّرك مساكنهم جبال
طمغاج . وبعث خوارزم شاه جواسيس فأتوه فأخبروه أن التتر يفوقون
الإِحصاء ، وأنهم أصبر شيء على القتال ، لا يعرفون هزيمة ، فندم خوارزم
شاه على قتل تجارهم ، وتَقَسَّم فكره ، ثم عمل معهم مصافاً ما سُمِعَ بمثله ،
دامَ ثلاثاً ، وقُتِلَ من الفريقين خلائق لا يُحصون ، حتى لقُتِلَ من المسلمين
عشرون ألفاً ، وقد ذكرنا هذه الواقعة ، وأنها ما حضرها چِنْكِز خان ، وتحاجز
الجمعان ، ومر خوارزم شاه فترك ببخارى عشرين ألف فارس ، وبسمرقند
خمسين ألفاً ، وقال : احفظوا البلاد حتى أجمع الجيوش وأعود ، فعسكّرَ
على بَلْخ ، فلما أحاطت النَّار ببُخارى خرجَ عسكرُها في الليل على حَمِيّة
وتركوها ، فخرج إلى القان بدرُ الدين ابن قاضي خان يطلب الأمان فأعطاهم
ودخلوها في رابع ذي الحجة سنة ست عشرة وست مئة ، ولم يتعرضوا أولاً
إلى غير الحواصل السُّلطانية ، وطلبوا منهم العون على حرب مَن بقلعتها
فطمّوا خَنْدَقها بالتُّراب والأخشاب حتى بالرَّبعات ، وأُخذت بالسَّيف ،
وَصَدَقَ أهلُها اللقاء حتى أُبيدوا ، ثم غدر جِنْكِز خان بالناس وهلكوا وتمزَّقوا ،
وسبوا الذُّرية ، وبقيت بخارى كأمس الذاهب . ثم أحاطوا بسمرقند في أول
سنة ٦١٧ فقيل: برز من أهلها نحو سبعين ألفاً ، فقاتلوا ، فانهزم لهم النَّتر ، ثم
(١) الكامل : ٣٦٠/١٢ فما بعدها باختصار .
(٢) لم يقل ابن الأثير انهم يأكلون بني آدم !
٢٣٧

٦
حالوا بينهم وبين البَلَد وَحَصَدُوهم ، ثم جَهَّزَ چِنْكِز خان خلف خوارزم شاه
فعبروا جيحون خَوْضاً وسباحة ، فانهزَمَ منهم وهم وراءه ، ثم عطفوا فأخذوا
الرَّي، ومازَنْدران، وظفروا بأُمِّ خُوارزم شاه ومعها خزائنه ، فأسروها ، ثم
أخذوا قزوين بالسَّيف ، وبلغت القَتْلَى أربعين ألفاً ، ثم أخذوا أذربيجان ،
وصالحهم ملك تَبْريز ابن البهلوان على أموال ، فمضوا ليشتوا بمُوقان وهزموا
الكُرْج ، وأخذوا مَرَاغة بالسَّيف ، ثم قصدوا إرْبل ، فتجَزَّبَ لهم عسكر ،
فعادوا إلى هَمَذَان ، وكانوا قد بَدَّعُوا فيها ، وَقَرّروا بها شِحْنَةً ، فطالبهم
بأموال فقتلوه وتمنَّعُوا فحاصرَهُم التَّتار، فبرزوا لمحاربتهم ، وقتلوا خَلْقاً من
التتار وجُرِحَ فقيههم جِراحات ، ثم برزوا من الغدّ فالتحم القتال ، ثم في اليوم
الثالث عجز الفقيه عن الركوب ، وعزمت التتار على الرَّحيل ، لكثرة من قُتِلَ
منهم ، فما رأوا من خرج لقتالهم ، فطمعوا وَزَحَفوا على البَلَد في رجب سنة
ثماني عشرة ، فدخِلوه بالسَّيف ، فاقتتلوا في الأزقة قتال الموت ، وقُتِلَ ما لا
يُحصَى، وأُحرقت هَمَذَان ، وسارت التتار إلى تَبْرِيز فبذَلَ أهلُها أموالاً فساروا
إلى بَيْلَقان ، فأخذوها عُنوةً في رمضان سنة ثماني عشرة ، وَحَصَدُوا أهلها ،
حتى كانوا يَزْنون بالمرأة ثم يقتلونها ، وساروا إلى كَنْجَة ، وهي أُمّ أران
فصانعوهم بالأموال ، ثم التقوا الكُرْج فطحنوهم ، وقُتِلَ من الكُرْج ثلاثون
ألفاً ، ثم قصدوا الدَّرْبَند فافتتحوا مدينة سماخي عُنوة ، ولم يقدروا على ولوج
الدَّربند ، فبعثوا يطلبون من شروان شاه رسولاً فبعث عشرة فقتلوا واحداً وقالوا
لمن بقي : إنْ لم تدلونا على طريقٍ قتلناكم ، قالوا : لا طريق لكن هنا مسلك
ضَيِّق ، فمرّوا فيه قتلاً وسبياً وأسرفوا في قتل اللان ، ثم بَيَّتْوا القَفْجاق ،
وأَبادوا فيهم ، وأتوا سُوداق(١) فملكوها ، وأقاموا هناك إلى سنة عشرين وست
(١) في الأصل: ((سوادق))، وما اثبتناه من كامل ابن الأثير (٣٨٦/١٢) وخط المؤلف =
٢٣٨

مئة . وأما جنكزخان فجهّزَ فِرقة إلى تِرْمِذ وطائفة إلى كلاثة على جانب
جيحون ، فاستباحوها ، ثم عادوا إليه ، وهو بسمرقند فجهز جَيْشاً كثيفاً مع
ولده لحرب جلال الدين ابن خوارزم شاه ، وحاصروا خُوارزم ثلاثة أشهر
وأخذوها ، وعليهم أوكتاي الذي تَملَّك بعد جنكزخان ، وقُتِلَ بها أممٌ لكن
بعد أن قَتَلوا خلائق من التتار ، وأخذوا بالسيف مَرْو ، وبَلْخ ، ونيسابور ،
وطُوس، وسَرْخَس، وهَراة ، فلا يُحصَى من راحَ تحتَ السَّيف .
وقال الموفق عبد اللطيف : قَصَدَت فرقةٌ أذربيجان وأرّان والكُرْج ،
وفرقة هَمَذَان وأصبهان وخالَطَت حُلوان قاصدة بغداد ، وماجوا في الدنيا
بالإِفساد يعضّون على مَن سَلَّم الأنامل من الغَيط . إلى أن قال : وَعَبَرُوا إلى
أمم القَفْجاق واللان فغسلُوهم بالسَّيف، وخرجَ من رقيق التّرك خلقٌ حتى
فاضوا على البلاد .
وأما الخليفة فإنّه جمعَ الجُموعِ وَجَيَّش الجيوش، وَحَشَر فنادَى ، وأتته
البُعوث من كل حَدَب يَنْسلون ، ولما جاء رسول التتار احتفل الجيش
وبالغوا ، حتى امتلأ قلبه رُعباً ، ودماغُهُ خيالاً، فرجع مُخَبِّراً .
وأمّا أهلُ أصبهَان ففتحوا ، ودخلت التتار ، فمال عليهم الناس قتلاً ،
فقل من نجا من التَّتار ، سُئِلَ عنهم الملك الأشرف ، فقال : ما أقول في قوم لم
يؤسر أحدٌ منهم قط . وعن نَيْسابوري قال : أُحصي من قُتِلَ بِنَيْسَابور ، فبلغوا
أزيد من خمس مئة ألف . ومما أبادوه بلاد فَرْغانة وهي سبع ممالك ، ومتَى
التمسَ الشَّخصُ رحمَتَهُم ، ازدادوا عتواً ، وإذا اجتمعوا على خمر ، أحضروا
= في تاريخ الإِسلام ، الورقة : ٢٤٤ أيا صوفيا ٣٠١١، وكانت هذه البلدة فرضة التجار يسافرون
منها إلى خليج القسطنطينية ( وانظر تقويم البلدان لأبي الفدا : ٢١٤ - ٢١٥ ).
٢٣٩

أَسارى ويمثلون بهم بأن يقَطِّعوا أعضاءَهم ، فكلما صاح ، ضحكوا ، نسأل
الله العافية . وقد جمع فیھم من کل وحش رديء خلقه .
وقال ابن واصل(١): أحصيت القتلى بمرو فكانوا سبع مئة ألف .
وفي سنة ثماني عشرة التقى خوارزم شاه ، وتُولّي بن جِنْكِز خان
فانهزموا ، وقُتِلَ تُولِّي ، وبلغَ الخبر أبوه فجنَّ وَتَنَمِّر ، وأسرع مُجِدّاً، فالتقاه
خُوارزم شاه في شَؤالها ، فحملَ على قلب جنكزخان فمزّقَهُ ، وانهزموا لولا
كمين لهم خرجوا على المسلمين ، فانكسروا وأُسِرَ ولد جلال الدين وَتَقَهْقَر
إلى نَهْر السِّند فغرق حرمه ، ونجا في نحو من أربعة آلاف حُفاة عُراة ليختفي
في الجبال والآجام يعيشون من النَّهب ، فحاربه ملكٌ من ملوك الهند فرماه
جلال الدين بسهم في فؤاده فَسَقَطَ وَتَمَزَّقَ جيشُهُ ، وحازَ جلال الدين
الغنائم ، وعاشَ ، فسار إلى سِجِسْتَان ، وبها خَزائن له فأنفقَ في جُنده .
وقال ابن واصل(٢) : التقاهم جلال الدين بكابل فهزمهم ، ثم فارقه
شطرُ جَيْشِهِ لِفِتْنَة جرت ، وفاجأه جنكز خان ، فتحَيّر جلالُ الدين ، وسار إلى
نهر السِّنْد ، فلم يجد سفناً تكفيهم ، وضايقه جنكز خان فالتقاه حتى دام
الحرب ثلاثة أيام ، وقُتِلَ خلقٌ من الفريقين ، وجاءت سفن فعدُّوا فيها ،
ونازلت التتار غَزْنَة فاستباحوها .
قلت : هذا كله وجيش مِصْرَ والشَّام في مُصابرة الفرَنج بدمياط والأمر
شدید .
ودخلت سنة تسع عشرة ، فَتَحَزَّبت ملوكُ الهِنْد على جلال الدين لأذِيّته
(١) مفرج الكروب: ٤ /٦٠.
(٢) مفرج الكروب : ٤ /٦١ - ٦٣ باختصار وتصرف .
٢٤٠