Indexed OCR Text
Pages 201-220
قال سِبْط الجوزي (١): قل بصر الناصر في الآخر ، وقيل : ذهب
جملة ، وكان خادمه رشيق قد استولى على الخلافة ، وبقي يوقع عنه ، وكان
بالخليفة أمراض منها عسر البول والحصى ، فشق ذكره مراراً ومآل أمره منه
كان الموت . قال : وغسله خالي محيي الدين .
قال الموفق عبد اللطيف : أما مرض موته فسهوٌ ونسيان ؛ بقي به ستة
أشهر ولم يشعر أحد من الرعية بكُنه حاله حتى خفي على الوزير وأهل الدَّار ،
وكان له جارية قد علَّمها الخط بنفسه ، فكانت تكتب مثل خطه ، فكانت
تكتب على التواقيع بمشورة القهرمانة ، وفي أثناء ذلك نزل جلالُ الدين محمد
ابن تُكُش خوارزمشاه على ضواحي بغدادَ هارباً منفضّاً من الرجال والمال
والدواب ، فأفسد بما وصلت يده إليه ، فكانوا يُدارونه ولا يُمضون فيه أمراً
الغيبة رأي الناصر ، ثم نهبَ دقوقا ، وراح إلى أذربيجان .
نقل العدل شمس الدين الجَزَريّ في ((تاريخه)) (٢)، عن أبيه قال :
سمعت المؤيّد ابن العَلْقَميّ الوزير لما كان على الأستاذ دارية يقول : إنّ
الماء الذي يشربُه الإِمام الناصر كان تجيء به الدوابُّ من فوق بغداد بسبعة
فراسخ ويغلى سبع غلوات ثم يحبس في الأوعية أُسبوعاً ثم يشرب منه ، وما
مات حتى سُقي المُرقد ثلاث مرار وشق ذكره ، وأُخرج منه الحصى .
وقال ابن الأثير (٣): بقي الناصر ثلاث سنين عاطلاً عن الحركة
= للصفدي: ٦/ ٣١٥، وفي المطبوع من مفرج الكروب، لكنها في ((مفرج الكروب)) مضطربة
بسبب المحققين .
(١) مرآة الزمان: ٨ / ٦٣٥.
(٢) هو كتاب ((حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه))، وقد اختصر
الذهبي هذا القسم من تاريخه ، ووصل الينا هذا المختصر بخطه .
(٣) الكامل : ١٢ / ٤٤٠ ( بيروت) .
٢٠١
بالكليَّة، وقد ذهبت إحدى عَيْنَيه(١)، وفي الآخر أصابه دوسنطاريا (٢)
عشرين يوماً ومات ، وما أطلق في مرضه شيئاً مما كان أحدثه من الرسوم .
قال : وكان سىء السيرة ، خرب العراق في أيامه ، وتفرق أهله في
البلاد، وأخذ أموالهم وأملاكهم . إلى أن قال : وجعل هَمَّهُ في رمي البُنْدق
والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة .
ونقل الظَّهِير الكازرونيّ فيما أجاز لنا(٣) : إنّ الناصر في وسط خلافته
همّ بترك الخلافة وبالانقطاع إلى التعبد ، وكتب عنه ابن الضحاك (٤) توقيعاً
قُرىء على الأعيان ، وبنى رباطاً للفقراء ، واتخذ إلى جانب الرباط داراً لنفسه
كان يتردد إليها ويحادث الصوفية ، وعمل له ثياباً كبيرة بزيّ القوم .
قلت : ثم نبذ هذا ومَلّ(٥) .
ومن الحوادث في دولته قدوم أسرى الفرنج إلى بغداد وقد هزمهم
صلاح الدين نوبة مرج العيون (٦)، ومن التحف ضلع حوت طولُه عشرةُ أذرع
في عرض ذراع، وجواهر مثمنة . وقيل : بل كان ذلك في آخر دولة
المستضيء .
(١) وتمام الخبر: (( والأخرى يبصر بها إبصاراً ضعيفاً)).
(٢) هو المعروف عندنا بالدزانتري .
(٣) الظاهر أن الذهبي نقل ذلك من تاريخه الكبير، وليس من ((المختصر)) الذي حققه
الدکتور مصطفى جواد ( بغداد : ١٣٧٠ ) ، فما وجدته فيه .
(٤) هو عضد الدين أبو نصر المبارك بن الضحاك ، كان أستاذ الدار العزيزة ( رئيس الديوان
الملكي أو الجمهوري على عصرنا ) وليها سنة ٦٠٦ وبقي فيها إلى حين وفاته سنة ٦٢٧ ( الجامع
المختصر لابن الساعي: ٩ / ٢٨٥، وتلخيص ابن الفوطي: ٤/ ١/ ٤٥٠ وغيرهما) .
(٥) قال بشار عواد: قد وقفت على هذا التوقيع في كتاب ((أخبار الزهاد)) لابن الساعي
الذي اكتشفته في دار الكتب المصرية سنة ١٣٨٥ / ١٩٦٥، ونشرت عنه بحثاً في مجلة المورد
العراقية ( العدد الثالث من السنة الثالثة : ١٩٧٤ ).
(٦) مرج واسع بين نهر اليرموك وشقيف أرنون .
٢٠٢
وأُهلِكَ وزير العراق ظهير الدين ابن العطار (١) فعرفت الغوغاءُ بجنازته
فرجموه ، فهرب الحمالون فأُخرج من تابوته ، وسُحب ، فتعرى من
الأكفان ، وطافوا به ، نسأل الله السَّتر، وكان جباراً عنيداً .
أنبأني عز الدين ابن البُزُوريّ في ((تاريخه))(٢) قال: حكى التَّيميّ،
قال : كنت بحضرة ابن العَطّار ، وقد ورد عليه شيخ فوعظه بكلام لطيف
ونهاه ، فقال : أخرجوه الكلب سحباً ، وكرر ذلك ، وقيل : هو الذي دسَّ
الباطنية على الوزير عضد الدين ابن رئيس الرؤساء حتى قتلوه(٣) . وبقي
الناصر یرکب ويتصید.
وفي سنة ٧٨ (٤) : نازل السلطان (٥) الموصل محاصراً ، فبعث إليه
الخليفة يلومه .
وفيها افتتحَ صاحبُ الرّوم مدينةً للنصارى ، وافتتح صلاحُ الدين حَرّان
وسَرُوج ونَصِيبين والرَّقة والبيرة(٦) .
(١) أبو بكر منصور بن نصر المعروف بابن العطار ، وقد أخرج ميتاً في ليلة الثامن عشر من
ذي القعدة سنة ٥٧٥ فانظر الكامل لابن الأثير : ١١ / ٤٥٩ - ٤٦٠ ( بيروت).
(٢) توفي ابن البزوري سنة ٦٩٤، وقد ذكره الذهبي في معجم شيوخه (م٢ / الورقة :
٢٨) وذكر أنه ذيّل به على ((المنتظم)) لابن الجوزي فأفاد وأجاد، وقد ذهب أكثر هذا التاريخ في
الوقعة الغازانية على دمشق سنة ٦٩٩ وأفاد منه الذهبي في كتبه ( وانظر تاريخ الاسلام ، الورقة :
١٩٨ من نسخة حلب ) .
(٣) وذلك سنة ٥٧٣ کما هو مشهور .
(٤) يعني سنة ٥٧٨ وسيتكرر مثل هذا .
(٥) يعني صلاح الدين يوسف - رضي الله عنه - وانظر كامل ابن الأثير: ١١ / ٤٨٥ -
٤٨٧ .
(٦) انظر العبر: ٤ / ٢٣٢.
٢٠٣
وفيها(١) تَفَتَّى الناصر إلى عبد الجبار(٢) شرف الفتوة، وكان شجاعاً
مشهوراً تخافه الرجال، ثم تعبّد واشتهر ، فطلبه الناصر ، وتفتى إليه ، وجعل
المُعَوَّل في شَرْع الفتوة عليه ، وبقي الناصر يُلِّس سراويل الفتوة لسلاطين
البلاد .
وفي سنة تسع وسبعين : ورد كتاب السلطان من إنشاء الفاضل فيه (٣):
((وكان الفرنج قد ركبوا من الأمر نُكْراً، وافتَضُّوا من البحر بكراً، وشحنوا
مراكب ، وضربوا بها سواحل الحجاز ، وظُنَّ أنها الساعة ، وانتظر المسلمون
غضبَ اللّه لبيته ومقام خليله وضريح نبيِّه، فَعَمَّر الأخُ سيفُ الدين مراكب)).
إلى أن قال: ((فوقع عليها أصحابنا فأخذت المراكب بأسرها ، وفَرَّ فرنجُها ،
فسلكوا في الجبال مهاوي المهالك ، ومعاطن المعاطِب ، وركب أصحابنا
وراءهم خيل العرب يقتلون ويأسرون حتى لم يتركوا مخبِّراً، ﴿ وَسِيقَ الذين
كَفَرُوا إلى جَهَنَّم زُمَرأْ﴾(٤) )) .
وفيها(٥) تسلم صلاح الدين حلب .
وفيها تمكن شهاب الدين الغُوريّ ، وامتدّ سلطانه إلى لهاور ، وحاصر
بها خسرو شاه من وَلَد محمود بن سبكتكين ، فنزل إليه فأكرمه ، ثم غدر به .
وبعث صلاحُ الدين تقدمة إلى الديوان منها شمسة يعني الجتْر(٦) من
(١) العبر: ٤ / ٢٣٢ أيضاً.
(٢) عبد الجبار بن يوسف البغدادي المتوفى سنة ٥٨٣ .
(٣) انظر نص الكتاب : في الروضتين : ٢/ ٣٧ (ط. القاهرة الجديدة).
(٤) الزمر / ٧١ وانظر الكامل لابن الأثير : ١١ / ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٥) الكامل : ١١ / ٤٩٦ - ٤٩٨ .
(٦) لفظة فارسية تعني الشمسة، وانظر معجم دوزي: ٢ / ١٤٣ ((وفرهنك أفندراج)).
٢٠٤
ريش الطواويس عليها ألقاب المُستنصر العُبيديّ . ثم نازلَ صلاحُ الدّين
الكرك (١) حتى كاد أن يفتحها ، ثم بلغه تَحزّب الفرنج عليه فتركها ،
وقصدهم ، فعرجوا عنه فأتى دمشق ، ووهب أخاه العادل حلب ، ثم بعث
بعده على نيابة مصر ابن أخيه الملك المظفر عم صاحب حماة .
وفي سنة ثمانين : جعل الخليفة مشهد والجواد أمنا لمن لاذَ به فحصَلَ
بذلك بلاءٌ ومفاسد .
واستباح صلاح الدين نابلس ولله الحمد، ونازل الكرك، فجاءتها
نجدات العدو ، فَتَرَخَّل(٢) .
وفيها(٣) كان خروج علي بن غانية المُلَثَّم صاحب ميورقة ، فسار
وتملك بجاية عند موت يوسف بن عبد المؤمن ، وكثرت عساكره ، ثم هزم
عسكراً للموحدين ، ثم حاصر قُسطنطينية(٤) الهواء أشهراً ثم كُشِفَ عنها
الموحدون ، فأقبل ابن غانية إلى القيروان ، فحشد واستخدم والتفّت عليه بنو
سُلَيم ورياح والترك المصريون الذين كانوا مع بوزبا وقراقوش فتملك بهم
أفريقية سوى تُونس والمهدية حمتهما الموحدون ، وانضم إلى ابن غانية كل
فاسد ومجرم ، وعاثوا ونَهَبوا القُرى وسبوا ، وأقام الخطبة لبني العباس ،
وأخذ قَفْصَةَ ، فَتَحَزّب عليه الموحدون في سنة ثلاث ، وأقبل سلطانهم
يعقوب بن يوسف فخيّم بتُونس ، وجهز للمصاف ستة آلاف فارس مع ابن
(١) الكامل : ١١ / ٥٠٢ .
(٢) نفسه : ١١ / ٥٠٦ .
(٣) نفسه: ١١ / ٥٠٧ - ٥٠٨.
(٤) هكذا في الأصل، والمعروف انها: ((قُسَتْطِينية)) كما في ((معجم البلدان)) و((مراصد
الاطلاع)) وغيرهما .
٢٠٥
أخيه ، فهزمهم ابن غانية ، ثم سار يعقوب بنفسه فالتقوا ، فانهزم عليّ واسْتَحَرَّ
القتل بأصحابه واسترد يعقوب البلاد ، وامتدت دولة ابن غانية خمسين
عاماً (١) .
وجَدَّ صلاح الدين في محاصرة الكَرَك .
وفي سنة ٥٨١ : نازل صلاح الدين الموصل ، وجَدَّ في حصارها ، ثم
سار وتسلم ميّافارقين بالأمان ، ثم مرض بحرّان مرضاً شديداً ، وتناثر شعر
لحيته . ومات صاحب حمص محمد بن شيركوه ، فملّكها السلطان ولده أَسّد
الدين ، ولقّب بالملك المجاهد .
وفي سنة ٨٢ : ابتداء فتنة عظيمة بين الأكراد والتركمان بالمَوْصِل
والجزيرة وأذربيجان والشام وشهرزور، ودامت أعواماً ، وقُتِلَ فيها ما لا
يُحصى ، وانقطعت السُّبُل حتى أصلح بينهم قايماز نائب الموصل ، وأصلها
عُرس تركمانيّ .
وفيها قال العماد : أجمع المنجمون في جميع البلاد بخراب العالم
عند اجتماع الكواكب الستة في الميزان بطوفان الريح في سائر البلدان ،
فشرع خلقٌ في حفر مغائر وتوثيقها ، وسلطاننا مُتَنَمِّر موقن أن قولهم مبنيٌّ على
الكَذِب ، فلما كانت الليلة التي عيّنوها لم تتحرك نسمة .
وقال ابن البُزُوريّ : لقد توقف الهواء في ذلك الشهر على السواد وما
ذَرّوا الغلّة .
(١) انظر عن دولة بني غانية تفاصيل أوسع في كتاب ((المعجب )) لعبد الواحد المراكشي ،
وهو مما لخصه الذهبي : ص ٣٤٢ فما بعدها .
٢٠٦
وفيها جرت فتنة ببغدادَ بين الرّافضة والسُّنّة قُتِلَ فيها خلقٌ كثير ، وغلبوا
أهل الكرخ .
وكان الخُلْف والحربُ بين الأرمن والرُّوم والفرنج .
وقَتَل (١) الخليفة أستاذ داره ابن الصاحب ، ووليها قوام الدين يحيى بن
زَبادة ، وخلّف ابن الصاحب من الذهب العين أزيد من ألف ألف دينار ، وكان
عَسُوفاً فاجراً رافضياً(٢) ، ووزر جلال الدين عبيد الله بن يونُس ، وكان
شاهداً ، فارتقى إلى الوزارة .
وفيها بعث السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل السلجوقي أن تُعَمَّر له
دار المملكة لينزل بها ، وأن يُخْطَبَ له ، فَهَدَّم الناصر داره وردّ رسوله بلا
جواب (٣)، وكان ملكاً مستضعفاً مع الملوك ، فمات البهلوان ، فتمكنَ
وطاشَ .
وفيها فُتحت القُدس وغيرها ، واندكّت ملوك الفرنج ، وكُسروا
وأُسروا(٤) ، قال العماد : فتحت ست مدائن وقلاع في ست جُمع : جَبلة(٥)
واللاذقية(٦) وصهيون(٧) والشُّغْر وبكاس(٨) وسُرْمانية (٩)، ثم أخذ حصن
(١) هذا في سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة ، وقد خلطها المؤلف بسنة ٥٨٢ فليحرر ،
وكذلك ما بعدها من الحوادث .
(٢) انظر التكملة: ١ / الترجمة : ١٥ وتعليقنا عليها .
(٣) أنظر الكامل لابن الأثير : ١١ / ٥٦٠.
(٤) عني الإِمام الذهبي بهذا الحدث التاريخي العظيم فخصص له ثماني أوراق كبيرة من
تاريخه الكبير ( الورقة : ٢١٠ - ٢١٧ حلب ) .
(٥) الفتح القسي : ٢٣٣ .
(٦) نفسه : ٢٣٥ .
(٧) نفسه : ٢٤١ .
(٨) نفسه : ٢٤٥ .
(٩) نفسه: ٢٤٧ ويقال فيها: ((سَرْمينية)) كما في تاريخ ابن الأثير: ١٣/١٢.
٢٠٧
بَرْزَيَة (١) بالأمان ثم رحل صلاح الدين أيّده الله إلى دربساك(٢) ، فتسلمها ثم
إلى بَغْرَاس (٣) فتسلمها، وهادن صاحب أنطاكية (٤)، ودام الحصار على
الكرك والمطاولة فسلموها لجوعهم (٥) ، ثم أعطوا الشوبك بالأمان ، ثم
نازل السلطان صَفَّد (٦).
وفي سنة ٨٤ : كان صلاح الدين لا يفتر ولا يقر عن قتال الفرنج .
وسار عسكر الناصر عليهم الوزير ابن يُونُس (٧) فعمل المصاف مع
السلطان طغرل فانهزم عسكر الناصر وتقاعسوا، وثبتَ ابنُ يونُس
فِي نَفَرٍ بيده مُصحف منشور وسيف مشهور، فأخذَ رجلٌ بعنان فرسِهِ
وقادَهُ إلى مخيّم فأنزله ، فجاء إليه السلطان ووزيره فلزم معهم قانون الوزارة ،
ولم يقم ، فعجبوا، ولم يزل محترماً(٨) حتى ردّ، وأمّا صاحب (( المرآة))
فقال (٩) : أُحضر ابن يونس بين يدي ◌ُغرل، فألبسه طرطوراً بجلاجل ،
وتَمَزَّق العسكر ، وسارَ قُزل أخو البَهْلوان فهزم طغرل ، ومعه ابن يونُس فسار
إلى خِلاط، فأنكر عليه بكتمر ما فعله ، قال : هم بدؤوني ، قال : فأُطلق
الوزير فما قدر يخالفه ، فجهزه بكتمر بخيل ومماليك ، فرد ذلك ، وأخذ
بغلين برحلين وسار معه غلامه في زي صوفي إلى المَوْصل متنكراً ، ثم ركب
إلى بغدادَ في سفينة .
(١) نفسه : ٢٤٨ والكامل : ١٢ / ١٤.
(٢) نفسه: ٢٥٥ وتكتب: ((درب ساك)) كما في الكامل: ١٢ / ١٧.
(٣) نفسه : ٢٥٧ .
(٤) نفسه : ٢٦٠ .
(٥) نفسه : ٢٦٦ .
(٦) نفسه : ٢٦٨ .
(٧) جلال الدين عبيد الله بن يونس .
(٨) تكررت ((محترماً)) في الأصل ، وليس بشيء .
(٩) انظر حوادث السنة فيها .
٢٠٨
وفي سنة خمس وثمانين : نفذ طغرل تحفاً وهدايا ، واعتذر واستغفر .
وظهر ابن يونس ، فولي نظر المخزن ، ثم عزل بعد أشهر .
وفيها وفي المقبلة : كان الحصار الذي لم يُسمع بمثله أبداً على عَكّا ،
كان السلطان قد افتتحها وأسكنها المسلمين ، فأقبلت الفرنج براً وبحراً من
كل فج عميق ، فأحاطوا بها ، وسار صلاح الدين فيدفعهم فما تزعزعوا ولا
فكّروا بل أنشأوا سوراً وخندقاً على معسكرهم ، وجرت غير وقعة ، وقتل خلق
كثير يحتاج بسط ذلك إلى جزء ، وامتدت المنازلة والمطاولة والمقاتلة نّفاً
وعشرين شهراً، وكانت الأمداد تأتي العدو من أَقصَى البحار ، واستنجد
صلاح الدين بالخليفة وغيره حتى أنه نفذ رسولاً إلى صاحب المغرب يعقوب
المؤمني يستجيشه فما نفع ، وكل بلاء النصارى ذهاب بيت المقدس منهم .
قال ابن الأثير(١): لبس القسوس السواد حزناً على القدس ، وأخذهم
بترك (٢) القدس وركب بهم البحر يستنفرون الفرنج ، وصوروا المسيح وقد
ضربه النبي ◌ّ وجرحه ، فعظم هذا المنظر على النصارى ، وحشدوا
وجمعوا من الرجال والأموال ما لا يحصى ، فحدثني كرديٌّ كان يغير مع
الفرنج بحصن الأكراد أنهم أخذوه معهم في البحر ، قال : فانتهى بنا الطواف
إلى رومية فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني الأربعة فضة (٣).
قال ابن الأثير (٤): فخرجوا على الصعب والذلول براً وبحراً، ولولا
(١) الكامل : ٣٢/١٢.
(٢) وتكتب ((البطرك)) أيضاً، وهو البطريرك.
(٣) في الكامل: ((نقرة)).
(٤) الكامل : ٣٣/١٢ .
٢٠٩
لطف الله بإهلاك ملك الألمان وإلّ لكان يُقال: إنَّ الشام ومصر كانتا
للمسلمين .
قلتُ : كانت عساكر العدو فوق المئتي ألف ، ولكن هلكوا جوعاً ووباء
وهلكت دوابُّهم ، وجافت الأرضُ بهم ، وكانوا قد ساروا فمُرُّوا على جهة
القسطنطينية ثم على ممالك الرُّوم تقتل وتَسبي، والتقاهُ سُلطان الروم فكسره
ملك الألمان ، وهجم قونية فاستباحها ، ثم هادنه ابن قلج رسلان ومرّوا على
بلاد سيس ووقع فيهم الفَنَاء فمات الملك وقام ابنه .
قلت : قتل من العدو في بعض المصافات الكبيرة التي جرت في
حصار ◌َكّا في يوم اثنا عشر ألفا وخمس مئة ، والتقوا مرة أخرى فقُتِل منهم
ستة آلاف ، وعَمَّروا على عكا بُرجين من أخشاب عاتية ، البرج سبع طبقات
فيها مسامير كبار يكون المسمار نصف قنطار ، وصَفَّحوا البُرج بالحديد ،
فبقي منظراً مهولاً ودَفَعُوا الْبُرج ببكر تحته حتى ألصقوه بسور عَكّا وبقي أعلى
منها بكثير فسلط عليه أهل عكا المجانيق حتى خلخلوه ، ثم رموه بقدرة نفط
فاشتعل(١) مع أنّه كان عليه لبود منقوعة بالخَل تمنع عمل النفط فأوقد وجعل
الملاعين يرمون نفوسهم منه وكان يوماً مشهوداً ، ثم عملوا كبشاً عظيماً رأسه
قناطير مقنطرة من حديد ليدفعوه على السور فيخرقه فلما دحرجوه وقارب السور
ساخ في الرمل لعظمه ، وهدَّ الكلابُ بدنةً وبُرجاً فسدّ المسلمون ذلك
وأحكموه في ليلة ، وكان السلطان يكون أول راكب وآخر نازل في هذين
(١) لم يكن هذا في أول الأمر لأن النفاطين عجزوا عن إحراقه ، ثم هيأ الله سبحانه أحد
الكيماويين فابتدع نوعاً من العقاقير تقوي عمل النار ، فاستخدمت ونجحت نجاحاً باهراً وفرح بها
المسلمون ، ولم يقبل هذا العالم الفاضل مكافأة من السلطان ، وقال : إنما عملته لله تعالى ، ولا
أريد الجزاء إلا منه ( انظر التفاصيل في كامل ابن الأثير: ٤٥/١٢ - ٤٧، والفتح القسي : ٣٧٠ -
٣٧٣ ) .
٢١٠
العامين ، ومرض وأشرف على التَّلَف ثم عُوفي(١).
قال العماد : حُزِر ما قُتِل من العدو فكان أكثر من مئة ألف .
ومن إنشاء الفاضل إلى الديوان وهم على عكا(٢): ((يمُدُّهم البحرُ
بمراكب أكثر من أَمْواجه ، ويخرج لنا أَمَرَّ من أُجاجه ، وقد زَرَّ هذا العدو عليه
من الخنادق دروعاً ، واستجنّ(٣) من الجنونات(٤) بحصون ، فصار
مُصحراً(٥) ممتنعاً حاسِراً مدرعاً، وأصحابنا قد أَثَّرَت فيهم المدة الطويلة في
استطاعتهم لا في طاعتهم ، وفي أَجْوالهم لا في شجاعتهم فنقول : اللهم إن
تَهْلِك هذه العِصابة(٦) ، ونرجو على يد أمير المؤمنين الإِجابة ، وقد حرّم
باباهم لعنهُ الله كل مُباح واستخرج منهم كل مَذْخُور، وأغلَق دُونَهم
الكنائس ، ولبسوا الحِداد ، وحَكَمَ أنْ لا يزالُوا كذلك أو يستخلصوا المَقْبَرَة ،
فيا عَصَبة نبينا وَّةِ اخْلُفه في أُمَّته بما تطمئن به مضاجِعُه ، وَوَفِّه الحق فينا ،
فها نحن عندك ودائعه ، ولولا أن في التصريح ما يعود على العدالة بالتجريح
لقال الخادم ما يُبكي العُيون ويُنكي القُلوب، ولكنه صابرُ محتَسِب وللنصر
مُرتقب ، رب لا أملك إلّ نفسي وها هي في سبيلك مبذولة ، وأخي وقد هاجر
(١) قال الإِمام الذهبي في ((تاريخ الإِسلام)) بعد ذكره لحصار عكا وبلاء السلطان صلاح
الدين رضي الله عنه فيه: (( ولعله وجبت له الجنة برباطه هذين العامين)) الورقة: ٢٢٣
( حلب ) .
(٢) انظر النص الكامل في الروضتين : ١٥٧ وصبح الأعشى: ١٢٦/٧ - ١٣٠، وقد
اختصر الذهبي منه وغيّر بعض الألفاظ اليسيرة مما لا يخل بالمعنى .
(٣) استجن : استتر .
(٤) في الروضتين: ((الجنانات)). وهما جمع: جُنان وجُنانة: التِّرْس. وفي صبح
الأعشى : الجَنَويات .
(٥) أصحر الرجل : خرج إلى الصحراء ، فهو مصحر .
(٦) من قول رسول الله {# يوم بدر الكبرى .
٢١١
هجرة نرجوها مقبولة ، ووُلْدي وقد بذلتُ للعدو صفحات وجوههم ، ونقف
عند هذا الحد ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ )).
ومن كتاب إلى الديوان(١): ((قد بُلِيَ الإِسلام منهم بقوم استطابوا
الموتَ ، وفارقوا الأهل طاعة لقسيسهم ، وغيرةً لمعبدهم ، وتهالكاً على
قُمامتهم(٢) ، حتى لسارت ملكةٌ منهم بخمس مئة مقاتل التزمت بنفقاتهم ،
فأخذها المسلمون برجالها بقرب الإِسكندرية ، فذوات المقانع مقنّعات
دارعات تحمل الطوارق والقبطاريات ، ووجدنا منهم عدة بين القَتْلَى ، وبابا
رومية حَكَمَ بأنَّ من لا يتوجه إلى القُدس فهو مُحرّم لا مَنْكِح له ولا مَطْعَم ،
فلهذا يتهافتون على الورود ويتهالكون على يومهم الموعود ، وقال لهم : إنني
واصل في الربيع جامع على استنفار الجميع ، وإذا نَهَض فلا يقعد عنه أحدٌ ،
ويقبل معه كلُّ من قال : لله ولد)) .
ومن كتاب(٣): (( ومعاذ الله أن يفتح الله علينا البلادَ ثم يغلقها، وأن
يسلم على يدينا القُدس ثم ننصره ، ثم معاذ الله أن نغلب عن النصر أو أن
نُغْلَب عن الصَّبر ﴿فلاتَهِنوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْم وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ
مَعَكُمْ ﴾(٤) .
وَلَسْتُ بِقَرْمٍ هَازِمٍ لِنَظِيرِهِ
وَلَكِنَّهُ الإِسْلَامُ لِلشِّرْكِ هَازِمُ
إلى أن قال : والمشهور الآن أن ملك الألمان خرج في مئتي ألف وأنّه
الآن في دون خمسة آلاف )» .
(١) انظر نص الكتاب كاملاً في الروضتين : ١٦١ - ١٦٢.
(٢) يعني : كنيسة القيامة .
(٣) انظر النص كاملاً في الروضتين : ١٦٧ - ١٦٨.
(٤) سورة محمد: ٣٥ وأتممتُ من القرآن الكريم ((وأنتم الأعلون)).
٢١٢
وخرج جيش الخليفة عليهم نجاح إلى دقوقا لحرب طُغرل فقدم بعد
أيام ولد طغرل صبيّ مميز يطلب العفو عن أبيه .
سنة سبع وثمانين اشتدت مضايقة العدو عكا وأمدادهم متواترة ، فوصل
ملك الإِنكيتر(١) وقد مَرّ بقبرص(٢) وغدر بصاحبها ، وتملكها كلها ، ثم سار
إلى عكا في خمس وعشرين قطعة ، وكان ماكراً داهية شجاعاً ، فخارت قوى
من بها من المسلمين وضعفوا بخروج أميرين منها في شيني (٣) ، وقلقوا فبعث
إليهم السلطان: أن اخرجوا كلكم من البلد على حَمِيّة وسيروا مع البحر واحملوا
عليهم وأنا أجيئهم من ورائهم وأكشف عنكم ، فشرعوا في هذا فما تهيّأ ثم
خرج أمير عكا ابن المشطوب إلى ملك الفرنج وطلب الأمان فأبى ، قال(٤):
فنحن لا نُسَلِّم عَكّا حتى نُقتل جميعاً ورجع ، فزحف العدو عليها ، وأشرفوا
على أخذها فطلب المسلمون الأمان على أن يسلموا عكا ومئتي ألف دينار
وخمس مئة أسير وصليب الصلبوت فأجيبوا ، وتملك العدو عكا في رجب
ووقع البكاء والأسف على المسلمين ، ثم سارت الفرنج تقصد عسقلان ،
فسار السلطان في عراضهم، وبقي اليَزَك(٥) يقتتلون كل وقت، ثم كانت وقعة
نهر القصب ، ثم وقعة أرسوف فانتصر المسلمون(٦) وأتى صلاح الدين
عسقلان فأخلاها ، وشرع في هدمها (٧)، وهدم الرملة ولُدّ ، وشرعت الفرنج
(١) وتكتب: ((الأنكلتير))، وهو ملك انكلترا ريتشارد قلب الأسد.
(٢) هكذا بالصاد، والمشهور: ((قبرس)) بالسين المهملة.
(٣) نوع من السفن الصغيرة .
(٤) يعني ابن المشطوب .
(٥) في الأصل: (( الترك)) والتصحيح من النوادر السلطانية ( ص : ١٧٢ ط . الشيال)
وغيرها . وهو لفظ فارسي معناه : طلائع الجيش ، كما في معجم دوزي وغيره .
(٦) انظر مسير صلاح الدين في النوادر السلطانية : ١٧٥ فما بعدها .
(٧) النوادر السلطانية : ١٨٧ - ١٨٩.
٢١٣
في عمارة يافا ، وطلبوا الهُدنة ، ثم جرت وقعات صغار ، وقصدت الملاعين
بيت المقدس وبها السلطان ، فبالغ في تحصينها .
وفيها وُلِّي الأستاذ دارية ابنُ يونُس الذي كان وزيراً .
وفيها ظَهَر السُّهرورديّ الساحر بحلب ، وأفتى الفقهاء بقتله فقُتِلَ
بالجوع وأُحرقت جثته، وكان سيماوياً فيلسوفاً مُنحلًا (١).
وفي سنة ثمان وثمانين وخمس مئة شرعت الفرنج في بناء عسقلان .
والتقى شهاب الدين الغوري عساكر الهند فهزمهم وقتل ملكهم في
الوقعة .
وكبسَ الإِنكيتر في الرمل عسكراً من المصريين ، وقفلا فاستباحهم
فللَّه الأمر ، ثم انعقدت الهدنة ثلاث سنين وثمانية أشهر ، ودخل فيها
السلطان وهو يَعَضُّ يده حنقاً، ولكن كثرت عليه الفرنج وملّ جنده وحلف
على الصلح عدة من ملوك المسلمين مع السلطان ، وعدة من ملوك
الفرنج(٢) .
وفيها (٣) قتل صاحب الروم قِلج أرسلان السَّلجوقي ، وقتل بكتمر
صاحب خِلاط على يد الإِسماعيلية .
وسار السلطان طغرل فَبَدََّعَ في الري وقتل بها خلقاً من المسلمين وعاد
إلى همذان فبطل نصفه .
وفيها افتتح سلطان غزنة شهاب الدين في بلاد الهند .
(١) انظر تاريخ الإِسلام، في وفيات سنة ٥٨٧ وغيره ، وهي حادثة مشهورة .
(٢) انظر النوادر السلطانية: ٢٣٤، والكامل: ٨٥/١٢ - ٨٧.
(٣) الكامل : ١٢ /٨٧.
٢١٤
قال ابن الأثير(١): انقضُّ كوكبان عظيمان اضطرما ، وسُمِعَ صوت هدّة
عظيمة وغلب ضوؤهما ضوء القمر والنهار ، وذلك بعد طلوع الفجر .
وفيها توفي السلطان صلاح الدين ، وكانت دولته أزيد من عشرين .
وفي سنة تسعين : كانت الحرب تستعر بين شهاب الدين الغُوريّ وبين
سُلطان الهند بَنارس ؛ قال ابن الأثير (٢): فالتقوا على نهر ماخُون(٣)، وكان
مع الهنديّ سبع مئة فيل ، ومن العسكر على ما قيل ألف ألف نفس ، وفيهم
عدة أمراء مسلمين ، فنُصِر شهاب الدين ، وكثر القتل في المشركين حتى
جافت منهم الأرض ، وقتل بنارس(٤)، وعُرِفَ بشد أسنانه بالذهب ، وغنم
شهاب الدين تسعين فيلاً فيها فيل أبيض ، ومن خزائن بنارس (٤) ألفاً وأربع مئة
حمل .
وبعث الناصر إلى خوارزم شاه، ليحارب طغرل فبادر والتقاه فهزمه ،
وقتله ونهب خزانته ، وهزم جيشه ، ونفذ الرأس إلى بغداد(٥).
قال ابن الأثير (٦): وسَيّرَ الناصر لخوارزم شاه نجدة وسَيَّرَ له مع وزيره
المؤيد ابن القَصّاب (٧) خِلَعَ السلطنة، فبعثَ إليه المؤيَّد بعد الوَقْعة : احضر
إليَّ لتلبس الخِلْعَة ، وتردّدت الرُّسل، وقيل لخوارزم شاه إنها حيلة لتُمْسَك،
فأقبل ليأخذ ابن القَصّاب ، ففرَّ إلى جبل حَمَاهُ .
(١) الكامل: ١٢/ ١٠٤.
(٢) الكامل : ١٢/ ١٠٥ .
(٣) في المطبوع من الكامل: ((ماجون)).
(٤) في الأصل : ((نبارس)) مصحف.
(٥) انظر الكامل لابن الأثير: ١٠٦/١٢ .
(٦) الكامل : ١٠٨/١٢ - ١٠٩، بتصرف .
(٧) مؤيد الدين أبو عبد الله محمد بن علي المعروف بابن القصّاب .
٢١٥
وعُزِلَ من الأستاذ دارية ابن يُونُس وحُبِسَ إلى أن مات ، وُلِّيَ مكانه
التّاج بن رزين .
وقُتِلَ أَلب غازي متولي الحِلّة .
وفيها افتتحَ ابنُ القَصّاب بلاَدَ خُوزستان .
ووقع الرّضَى عن بني الشَّيخ عبد القادر، وسُلِّمَ ابنُ الجوزيّ إلى
أحدهم ، فذهبَ به إلى واسط فسجنه بها خمس سنين(١) .
وتملك مصر بعد السلطان ابنه العزيز ، ودمشق ابنه الأفضل ، وحلب
ابنه الظاهر ، والكرك وحران ومواضع أخوه العادل .
وفيها جاء العزيز يحاصر الأفضل بدمشق ، ثم جاءَ عَمُّهُما ليُصلح
بينهما ، وكان داهيةً ، فلعبَ بهما إلى أن ماتَ العزيز ، فتملَّكَ هو مصرَ ،
وطردَ عن دمشق الأفضل إلى سُمَيْساط فقنع بها ، ولولا أن الظاهر كان زوج
بنته لأخذ منه حلب ، وكان الأفضل صاحب شرب وأغان ، ثم إنّه أصبح يوماً
تائباً أراق الخُمور ولبسَ الخَشنِ وتَعَبَّد وصامَ وجالسَ الصُّلحاء ، ونسخَ في
مُصْحَفٍ ، ولكنَّه كان قليل السعادة .
وفي سنة إحدى وتسعين : استولى ابن القَصّاب على هَمَذان فضُرِبت
الطُّبول ببغدادَ ، وعَظُم ابن القَصّاب ونَفَّذَ إليه خُوارزم شاه يتوعده لما عاث
بأطراف بلاده ، ثم مات ابن القَصّاب ، وأَقبل خُوارزم شاه فهزم جيش الخليفة
ونبشَ الوزير موهِماً أنّه قُتِل في المَصافّ .
(١) انظر تفاصيل ذلك في كتاب سبطه ((المرآة)): ٤٣٨/٨ فما بعدها ، وولد الشيخ عبد
القادر الذي سلم ابن الجوزي إليه هو ركن الدين عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر .
٢١٦
وفيها جدد العزيز هُدنة مع كُنْدهري(١) طاغية الفرنج فما لبثَ الكَلْب أن
سَقَط من موضع بعَكّا فمات ، واختلت أحوال الفرنج قَلِيلاً ، وأقبل الأفضل
على التعبد ودَبَّر مُلْكَهُ ابنُ الأثير ضياءُ الدِّين(٢)، فاختلت به الأحوال(٣).
وكانت بالأندلس المَلْحَمة العُظمَى ، وقعة الزلاقة بين يعقوب وبين
الفُنْش الذي استولى على بلاد الأندلس ، فأقبل اللعين في مئتي ألف ،
وعرض يعقوب جُنده فكانوا مئة ألف مُرتزقة ، ومئة ألف مُطّوّعة ، عدوا البحرَ
إلى الأنْدلس فنزل النَّصرُ ونَجا قليل من العدو ؛ قال أبو شامة (٤): عدّة
القَتْلَى مئة ألف وستة وأربعون ألفاً ، وأُسِر ثلاثون ألفاً ، وأُخِذَ من خيامهم مئة
ألف خيمة وخمسون ألفاً ، ومن الخيل ثمانون ألف رأس ، ومن البغال مئة
ألف ، ومن الحَمِير التي لأثقالهم أربع مئة ألف ، وبيع الأسير بدِرهم ،
والحِصان بخمسة ، وقسم السلطان الغنيمة(٥) على الشريعة ، واستغنوا .
وكانت الملحمة يوم تاسع شعبان(٦) .
وفي سنة اثنتين وتسعين(٧) وخمس مئة : فيها (٨) أُطلق طاشتكين أمير
الحاج وأعطي خُوزستان.
وفيها حاصر العزيز دمشق ثالثاً ، ومعه عمه فتملكها وذلَّ الأفضل .
وأقبل خوارزم شاه ليتملك بغداد .
(١) يعني : الكونت هنري .
(٢) ضياء الدين نصر الدين محمد المتوفى سنة ٦٣٧ ، وسيأتي .
(٣) إشارة من الذهبي إلى أن سيرته لم تُحمد في وزارته للأفضل وقد خرج متخفياً .
(٤) ذيل الروضتين : ٧ - ٨ .
(٥) في الأصل ((الغينة)) وليس بشيء.
(٦) قوله ((وكانت الملحمة يوم تاسع شعبان)) لم يرد في ذيل الروضتين .
(٧) في الأصل: ((وثمانين)) وليس بشيء ، فهو سبق قلم بلا ريب .
(٨) لا معنى لقوله: ((فيها)) بعد أن قال في الأول: ((وفي)).
٢١٧
وفيها التقى الفُونش ، ويعقوب ثانياً فانكسر الفُنش ، وساق يعقوب
خلفه إلى طُلَيطلة ونازلها وضربَها بالمَنْجنيق ، ولم يبق الا أخذها ، فخرج إليه
أُمُّ الفُنش وبناتُه ببكين فرقّ لهن ومَنَّ عليهن وهادن الفُنش (١)، لأن ابن غانية
غلب على أطراف المغرب فَتَفَرَّغ يعقوب له .
وفيها كتب الفاضل إلى القاضي محيي الدين ابن الزكي :
ومما جرى بأسٌ من الله طرق ونحنُ نِيام ، وظُنَّ أنه الساعة ، ولا
يحسب المَجْلِس أني أرسلت القلم مُحَرّفاً والقول مُجَزَّفاً ، فالأمرُ أعظمُ ؛ أَتَّى
عارضٌ فيه ظلمات متكاثِفة ، وبُروق خاطفة ، ورياح عاصفة ، قوي أُلْهُوْبُها ،
واشتد هُبُوبُها ، وارتفعت لها صعقاتٌ ، وَرَجَفَت الجُدُر ، واصطفقت وتلاقت
واعتنقت ، وثارَ عجاجٌ فقيل : لعلَّ هذه على هذه قد انطبقت ، فَفَرَّ الخَلْق من
دُوْرِهم يستغيثون ، قد انقطعت عُلقهم ، وعَميت عن النجاة طرقهم ، فدامت
الى الثُّلث الأخير ، وتكسَّرت عدة مراكب . إلى أن قال : والخطب أشق ،
وما قضيتُ بغير الحق .
وفيها (٢) أخذت الفرنج بيروت ، وهرب متوليها سامة (٣).
وفي سنة ٩٤ : تملك خوارزم شاه بُخارى أخذها من صاحب الخطا
بعد حروب عظيمة .
وفي سنة ٩٥ : حاصر خوارزم شاه الرّي وكان عصى عليه نائبُه بها فظفر
(١) هذا تفسير ساذج، وما بعده معقول . وهذا قول أبي شامة (ص: ٨) الذي نقله من
السبط ( مرآة : ٨ /٤٤٩) نقله الذهبي عن أحدهما ، والسبط مجازف - رحمه الله -
(٢) بل كان هذا في سنة ٥٩٣ كما هو مذكور في المصادر مثل كامل ابن الأثير والذيل لأبي
شامة . ومفرج الكروب وغيرها .
(٣) ويقال فيه ((أسامة)) كما في كامل ابن الأثير: ١٢٦/١٢، ومفرج الكروب: ٧١/٣.
٢١٨
به ، ونفذ إليه الناصر تقليداً بالسَّلطنة ، فلبس الخِلْعَة ، وحاصر ألمُوْتَ فوثب
باطني على وزيره فقتله ، وقتلوا رئيس الشافعية صدر الدين ابن الوَزّان .
ومات سُلطان المغرب يعقوب ، فتملك ولده محمد .
ومات صاحب مصر الملك العزيز صلاح الدين ، وأقبل الأفضل من
صرخد إلى مصر فَدَبَّر دولة عليّ ابن العزيز، ثم سار بالجيش، ونازل عَمَّهُ
العادل بدمشق ، وأحرقَ الحواضر ، وكاد أنْ يملك ، وضايق البَلَد أشهُراً
وجاءت النَّجدةُ العادلَ فكبسوا المصريين ، وضعف أَمر الأفضل .
سنة ٩٦ : مات السلطان علاء الدين تُكُش بن آتْسِز خُوارزمشاه
وتسلطنَ بعده ابنه محمد .
واشتد الحصار على دمشق ، وتَمَحَّقت خزائن العادل على العسكر ،
واستدان ، واشتد الغلاء والبلاء بدمشق ، وأقبل الشتاء فَتَرَحَّل الأفضلُ
والظاهِرُ ، فبادَر العادلُ وقصدَ الأَفضلَ فأدركه بالغُرابيّ ، ودخل القاهرة
وتَمَكَّن وردَّ الأفضل منحوساً إلى صَرْخَد بعد مصاف بينه وبين عَمِّه ، ثم
استناب العادل بمصر ولده الكامل ، وعزل المنصور عليّ ابن العزيز ، وقال :
هذا صَبِيّ يريد المَكْتَب(١) .
ونقص النيل ووقع القحط ، وهلك أهل مصر ، وكان ذلك من الآيات
الكبار فإن النيل كسر من ثلاثة عشر ذراعاً سوى ثلاثة أصابع .
ودخلت سنة سبع ؛ والبلاءُ شديد ، وأكلوا الجِيَف ، ولحوم
الآدميين ، وجَرَى ما لا يُعَبَّر عنه .
(١) انظر العبر: ٢٩٠/٤.
٢١٩
قال الموفق عبد اللطيف : وعدم البَيْض ، ولما وجد بيعت البيضة
بدرهم ، وبيع فروج بمئة ، وبيع مُديدة بدينار ، والذي دخل تحت قلم
الحُشرية من الموتَى في اثنين وعشرين شهراً مئة ألف وأحد عشر ألفاً إلّ شيئاً
يسيراً وهو نَزْر في جنب ما هلك بمصر والحواضر ، وكله نَزْر في جنب ما هلك
بالإِقليم ، وسمعنا من ثقات عن الإِسكندرية أن الإِمام صلى يوم جمعة على
سبع مئة جنازة . ثم ساقَ عِدّة حكايات في أكل لحوم بني آدم . وتمت زلزلة
فکانت حرکتها کالغربلة في جوف الليل ، قال : فصح عندي أنها حَرَّکت من
قُوص إلى الشَّام ، وتَعَقَّت بلاد كثيرة ، وهلك أُمم لا تحصى ، وأَنْكَت في
بلاد الفرنج أكثر ، وسمعنا أنها وصلت إلى خِلاط ، وجاءني كتاب من الشام
فيه: (( كادت لها الأرض تسير سيراً والجبال تمور موراً ، وما ظننا إلا أنها زلزلة
الساعة ، وأتت دفعتين الأولى مقدار ساعة أو أزيد ، والثانية دون ذلك لكن
أشد)). وفي كتاب آخر: ((دامت بقدر ما قرأ سورة الكهف ، وأن صَفَد لم
يسلم بها سوى ولد صاحبها .. )) .
قلت : في هذا الكتاب خسف وإفك . وفيه أن عِرقة وصافيئا خُسِفَ
بهما .
وقال أبو شامة(١): وفي شعبان جاءت زلزلة عَمَّت الدُّنيا في ساعة
واحدة ، فهدمت نابلس ، فمات تحت الهَدْم ثلاثون ألفاً، وهُدِمت عَكًا
وصُور وجميع قلاع الساحل .
قلت : وهذه مُجازفة ظاهرة .
قال : ورمت بعض المنارة الشرقية وأكثر الكلّاسة والمارستان وعامَّة
(١) ذيل الروضتين: ٢٠ .
٢٢٠