Indexed OCR Text

Pages 121-140

مولده بالقصر من القاهرة في سنة ست وسبعين وخمس مئة .
ونشأ بدمشق ، وحفظَ القرآن، وبَرَعَ في المذهب، وعُني (( بالجامع
الكبير ))، وصنف له شرحاً كبيراً بمعاونة غيره ، ولازمَ التاج الكِنْديّ، وتردَّدَ
إليه إلى دَرْب العَجَم من القَلْعَة، وتحت إبطه الكتاب، فأخذ عنه (( كتاب
سيبويه))، وكتاب ((الحجة في القراءات))، و((الحماسة))، وحفظ عليه
((الإِيضاح))، وسمع (( مُسند الإِمام أحمد بن حنبل)) وله (( ديوان شعر))
سمعه منه القوصيُّ فيما زعم . وله مُصَنَّف في العَرُوضِ ، وكان ربما لا يُقيم
الوزن، وكان يتعَصَّب لمذهبه، قد جعلَ لمن عرض ((المُفَصَّل)) مئة دينار
صُوريّة ولمن عرض (( الجامع الكبير)) مئتي دينار(١) .
وحج في سنة إحدى عشرة ، وأنشأ البِرَك ، وعمل بمُعان دار مَضيف
وحَمّاماً . وكان يبحث ويناظر ، وفيه دَهاء وحَزْم ، وكان يُوصف بالشجاعة
والكرم والتواضع ؛ ساق مرّة إلى الإِسكندرية في ثمانية أيام على فرسٍ
واحد ، واعد القُصَّاد وأصحاب الأخبار ، وكان على كتفه الفِرنج ، فكان
يظلم ، ويدير ضمان الخمر ليستخدم بذلك ، وكان يركب وحده مراراً ثم
يلحقه مماليكه يتطاردون ، وكان يصلّي الجمعة في تربة عَمِّه صلاح الدين ،
ثم يمشي منها يزور قبر أبيه .
قرأت بخط الضياء الحافظ : كان المعظم شجاعاً فقيهاً يشرب
المُسكِر، وأسّس ظلماً كثيراً، وخَرَّب بيت المقدس .
وقال ابن الأثير(٢): وكان عالماً بعدة علوم ، نفقَ سوقُ العِلم في أيامه،
(١) هذا ليس من التعصب ، بل هو من الاحترام والتقدير .
(٢) الكامل : ١٢ / ١٩٥ .
١٢١

وقصدَهُ الفُقهاء ، فأكرمَهُم ، وأعطاهم ، ولم يسمع منه كلمة نزقة ، ويقول :
اعتقادي في الأصول ما سطره الطحاويّ(١) . وأوصى أن لا يُبنى على قبره ،
ولما مرض قال : لي في قضية دمياط ما أرجو به الرَّحمة(٢).
وقال ابن واصل(٣): كان جنده ثلاثة آلاف فارس في نهاية التَّجَمّل،
وكان يُقاوم بهم إخوته ، وكان الكامل يخافه ، مع أنّه كان يخطب للكامل في
بلاده ويضرب السِّكة باسمه . وكان لا يركب في غالب أوقاته بالعصائب ،
ويلبس كلوتة صفراء بلا عمامة (٤) ، وربما مشى بين العوام حتى كان يُضرب
المثل بفعله، فمن فعل شيئاً بلا تكلف، قيل: ((هذا بالمُعَظَّمي))(٥).
وتردد مدة في الفقه إلى الحَصِيريّ حتى تأهّلَ للفُتيا .
توفِّي في سَلْخ ذي القعدة سنة أربع وعشرين وست مئة وكان له دمشق
والكرك وغير ذلك ، وحلفوا بعده لابنه الناصر داود .
٨٤ - الأشرف *
صاحبُ دِمشق السُّلطان الملك الأشرف مظفّر الدِّين أبو الفتح موسى
شاه أرمن ابن العادل .
(١) ونعم الاعتقاد .
(٢) أبلى الملك المعظم عيسى بلاءاً حسناً وجاهد الصليبيين جهاداً عظيماً في نوبة دمياط
التي كانت من أشد الحملات خطراً على الأمة فنسأل الله سبحانه أن يتجاوز عنه بعض ما أخطأ ،
وهو محق في مقالته هذه .
(٣) مفرج الكروب : ٤ / ٢٠٩ - ٢١٠ بتصرف كبير .
(٤) ذكر القلقشندي أن الأيوبين تابعوا الأتابكية في لبس الكلوتات الصفر بغير عمائم ( انظر
صبح الأعشى : ٤ / ٥) .
(٥) الذي في مفرج الكروب : قيل : قد فعل بالمعظمي .
(*) مرآة الزمان: ٨/ ٧١١ - ٧١٧، والتكملة للمنذري: ٣ / الترجمة : ٢٧٧٥ ، وذيل
الروضتين: ١٦٥، ووفيات الأعيان: ٥/ ٣٣٠ - ٣٣٦، والحوادث الجامعة : ١٠٥ - ١٠٦، =
١٢٢

ولد بالقاهرة في سنة ست وسبعين ، فهو من أقران أخيه المُعَظّم .
وروی عن ابن طَبْزَدْ .
حدثنا عنه أبو الحُسين الیُونينيُّ .
وحَدَّثَ عنه أيضاً القوصيّ في ((معجمه)) .
وسمع (( الصحيح)) في ثمانية أيام من ابن الزّبيديّ.
تَمَلَّك القدسَ أولاً، ثم أعطاه أبوه حَرّان والرُّها وغيرَ ذلك ، ثم تَمَلَّك
خِلاط ، وتَنَقَّلت به الأحوال ، ثم تملك دمشق بعد حصار الناصر بها ، فعَدل
وخَفَّفَ الجَوْرَ، وأَحَبّته الرَّعية . وكان فيه دِينٌ وخوفٌ من الله على لَعِبه .
وكانَ جواداً ، سَمْحاً ، فارساً شجاعاً ، لديه فَضِيلة . ولما مَرّ بحلب سنة
خمس وست مئة(١) تلقاه الملك الظاهر ابن عمه وأنزله في القلعة ، وبالغَ في
الإِنفاق عليه ، فأقام عنده خمسة وعشرين يوماً ، فلعله نابه فيها لأجله خمسون
ألف دينار ، ثم قَدَّمَ له تقدمة وهي : مئة بُقْجَة مع مئة مملوك فيها فاخر الثياب
وخمسة وعشرون رأساً من الخيل ، وعشرون بَغلًا وقطاران جمال ، وعدة
خِلَع لخواصه ومئة ألف درهم ، وأشياء سوى ذلك .
ومن سعادته أن أخاه الملك الأوحد صاحب خِلاط مَرِضَ فعادَهُ الأشرف
= والمختصر لأبي الفدا : ١٦٧/٣ - ١٦٨، وتاريخ الاسلام، الورقة: ١٧٠ - ١٧٣ (أيا صوفيا
٣٠١٢)، والعبر: ٥ / ١٤٦، ودول الاسلام: ٢/ ١٠٤، ونثر الجمان للفيومي: ٢ / الورقة:
٨٦ - ٩٢، والبداية والنهاية: ١٣ / ١٤٦ - ١٤٩، ونزهة الأنام لابن دقماق، الورقة: ٢٦ -
٢٧، والنجوم الزاهرة: ٦/ ٣٠٠ - ٣٠١، والسلوك: ١/ ١/ ٢٥٦، وشذرات الذهب : ٥٪
١٧٥ - ١٧٧ وغيرها من كتب التاريخ .
(١) انظر تفاصيل ذلك في ((مفرج الكروب)): ٣/ ١٨٣ - ١٨٧.
١٢٣

فأسَرَّ الطبيبُ إليه: إِنَّ أخاك سيموت ، فمات بعد يوم واستولى الأشرف على
أرمينية .
وكان مليحَ الهيئة ، حُلوَ الشمائل . قيل : ما هُزِمت له رايةٌ . وكان له
عكوفٌ على الملاهي والمُسكر عفا الله عنه ، ويُبالغ في الخضوع للفُقراء
ويزورُهُم ويعطيهم ، ويُجيز على الشعر ، ويبعث في رمضان بالحلاوات إلى
أماكن الفقراء ، ويُشارك في صنائع ، وله فَهْم وذكاء وسياسة . أُخْرَبَ خان
العقيبة ، وعمله جامعاً(١) .
قال سبط الجوزيّ(٢): فجلست فيه، وحَضَرَ الأشرف وبِكَىْ وأعتق
جماعة . وعمل مسجد باب النَّصر ، ودار السعادة ، ومسجد أبي الدرداء ،
وجامع جراح ، وداري الحديث بالبلد وبالسفح والدَّهشة ، وجامع بيت
الأبار .
قال سبط الجوزيّ(٣): كان الأشرف يحضر مجالسي بحَرّان ،
وبخِلاط ، ودمشق ، وكان ملكاً عَفِيفاً ، قال لي : ما مددت عيني إلى حريم
أحد ولا ذكر ولا أنثى ، جاءتني عجوز من عند بنت صاحب خلاط شاه أرمن
بأن الحاجب عليّ (٤) أخذ لها ضيعة فكتبتُ بإطلاقها فقالت العجوز : تريد أن
تحضر بين يديك . فقلت : باسم الله ، فجاءت بها فلم أرَ أحسنَ من قوامها
ولا أحسن من شكلها فَخَدَمَت فقُمتُ لها ، وقلت : أنت في هذا البلد وأنا لا
(١) قال شعيب: ولا يزال عامراً إلى يومنا هذا، ويسمى جامع التوبة ، ويقع شمال الجامع
الأموي ، والمحلة التي فيها المسجد تسمى العقيبة .
(٢) مرآة الزمان : ٧١٤/٨.
(٣) نفسه: ٨ / ٧١١ - ٧١٢ .
(٤) هكذا في الأصل المخطوط ومرآة الزمان، وصوابها: ((علياً)).
١٢٤

أدري ؟ فسفرت عن وجه أضاءت منه الغُرفة ، فقلت : لا ، استتري .
فقالت : مات أبي واستولى على المدينة بكتمر ، ثم أخذ الحاجب قريتي ،
وبقيت أعيش من عَمل النَّقش وفي دار بالكِراء . فبكيتُ لها ، وأمرتُ لها بدار
وقِماش ، فقالت العجوز : يا خَوَند ألا تحظَى الليلة بك ؟ فوقع في قلبي تغير
الزمان وأن خِلاط يملكها غيري ، وتحتاج بنتي أن تقعد هذه القَعْدَة ، فقلت :
معاذَ الله ما هذا من شيمتي . فقامت الشابةُ باكية تقول : صان الله عواقِبَكَ .
وحدثني أن غُلاماً له مات فَخَلَّف ابناً كان مليح زمانه ، وكُنت أتّهم به ، وهو
أعزّ مِنْ وَلَد ، وبلغ عشرين سنة ، فاتفق أنّه ضربَ غلاماً له فمات ، فاستغاث
أولياؤه ، فاجتمع عليهم مماليكي ، حتى بذلوا لهم مئة ألف فأبوا إلّ قتله ،
فقلت : سَلِّموه إليهم ، فسلموه فقتلوه .
وقضيّته مشهورةٌ بحَرَّان ؛ أتاه أصحاب الشيخ حَياة(١) وبَدّدوا المُسكر
من بين يديه ، فسكت ، وكان يقول : بها نُصرتُ . وقد خلع عليَّ مرّةً
وأعطاني بغلة وعشرة آلاف درهم .
وحدثني الفقيه محمد اليونيني(٢)، قال: حكى لي فقير صالح ،
قال : لما ماتَ الأشرف رأيته في ثياب خُضر وهو يطير مع الأولياء .
وله شعر فيما قيل .
قال : وكنتُ أغشاه في مرضه ، فقلت له : استعدَّ للقاء الله فما يضر ،
فقال : لا والله بل ينفع ، ففرق البلادَ، وأعتق مماليكه نحو مئتين ، ووقف دار
السعادة والدَّهشة على بنته .
(١) الحراني الصوفي المشهور .
(٢) هذا كلام السبط، وقد تصحف ((اليونيني)) في ((المرآة)) إلى: ((البرناني )) وقد حدثه
بهذه الحكاية ببعلبك سنة ٦٤٥ ( ٨ / ٧١٦) .
١٢٥

وقال ابن واصل : خَلَّفَ بنتاً فتزوجها الملكُ الجواد ، فلما تَسَلْطَن
عَمُّها الصَّالِحِ فسخَ نِكاحها ، ولأنه حلف بطلاقها على شيء فعله ، ثم زوَّجها
بولده المنصور محمد ، فدامت في صحبته إلى اليوم .
وكان للأشرف ميلٌ إلى المحدثين والحنابلة ؛ قال ابن واصل : وقعت
فتنة بين الشافعية والحنابلة بسبب العقائد . قال : وتَعَصَّب الشيخ عز الدين
ابن عبد السلام على الحنابلة ، وجرت خَبْطة ، حتى كتب عز الدين رحمه الله
إلى الأشرف يقعُ فيهم ، وأن النَّاصح ساعد على فتح باب السلامة لعسكر
الظاهر والأفضل عندما حاصروا العادل ، فكتب الأشرف : يا عز الدين الفتنة
ساكنة لعن الله مُثِيرَها ، وأما بابُ السلامة فكما قيل :
فَحَلَّ بغير جَانِيهِ العَذابُ
وُرْمُ جَرَّهُ سُفهاءُ قومٍ
وقد تاب الأشرف في مرضه وابتهل ، وأكثر الذكر والاستغفار .
قلت: مرض مرضين مختلفين في أعلاهُ وأسفلِه، فقيل: كان الجرائِحِي
يُخرج من رأسه عِظاماً، وهو يحمَدُ الله .
ولما اخْتُضِرَ قال لابن موسك : هاتٍ وديعتي ، فجاءَ بمئزرٍ صوف فيه
خِرِقٌ من آثار المشايخ ، وإزار عتيق ، فقال : يكون هذا على بَدَني أتقي به
النارَ ، وَهَبَنِيهِ إنسانٌ حَبَشيٌّ من الأبدال كان بالرُّها(١).
وقال ابنُ حمويه : كان به دمامل في رأسه ومَخْرَجِهِ ، وتأسَّفَ الخَلْقُ
عليه .
قلتُ : كان يبالغ في تعظيم الشيخ الفقيه(٢)، توضأ الفقيه يوماً، فوثب
(١) المرآة : ٨/ ٧١٦، بتصرف .
(٢) يعني : اليونيني .
١٢٦

الأشرفُ، وحَلَّ من تَخْفِيْفَتِهِ وَرَماها على يدي الشيخ ليُنَشِّف بها ، رأى ذلك
شيخنا أبو الحُسين ، وحكاه لي .
مات في رابع المحرم سنة خمس وثلاثين وست مئة ، وكان آخِر كَلامِهِ
(( لا إله إلّ الله)) فيما قيل .
٨٥ - الكامِل *
السُّلطانُ الكبيرُ الملكُ الكامل ناصرُ الدُّنيا والدِّين أبو المعالي وأبو
المظفر محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب مصر والشام
ومَيّافارقين وآمد وخِلاط والحجاز واليمن وغير ذلك .
وُلِدَ في سنة ست وسبعين وخمس مئة ، فهو من أقران أخويه المُعَظِّم
والأشرف ، وكان أجلَّ الثلاثة وأرفعهم رُتبةً .
أجاز له عبد الله بن بَرِّي النَّحويُّ .
وتَمَلَّكَ الديار المصرية أربعين سنة شطرها في أيام والده . وكان عاقلاً
مَهيباً ، كبير القدر .
قال ابنُ خَلَّكَانَ(١) : مالَ عمادُ الدين ابن المشطوب وأمراء إلى خلع
(*) مرآة الزمان: ٨ / ٧٠٥ - ٧٠٩، وعقود الجمان لابن الشعار: ٧ / الورقة: ٢٤٠،
والتكملة للمنذري : ٣ / الترجمة : ٢٨٢٢، وذيل الروضتين : ١٦٦، ووفيات الأعيان: ٥٪
٧٩ - ٩٢، وتاريخ ابن العبري: ٢٠٥، والحوادث الجامعة: ١٠٧ ، والمختصر لأبي الفدا :
١٦٨/٣ - ١٦٩، وتاريخ الإسلام، الورقة: ١٦٦ - ١٦٧ (أيا صوفيا: ٣٠١٢)، والعبر: ٥٪
١٤٤، والوافي بالوفيات: ١ / ١٩٣ - ١٩٧، ونثر الجمان للفيومي: ٢ / الورقة : ٩٣ - ٩٤،
والبداية والنهاية : ١٣ / ١٤٩، ونزهة الأنام لابن دقماق، الورقة: ٢٨، والسلوك: ١/ ٢/
١٩٤ - ٢٦١، والنجوم الزاهرة: ٦/ ٢٢٧، وحسن المحاضرة: ٢ / ٣٣ - ٣٨، وشذرات
الذهب: ٥/ ١٧١ - ١٧٣ وانظر كتابنا ((المنذري وكتابه التكملة)): ١٢٦ فما بعد .
(١) الوفيات : ٥ / ٧٩ بتصرف.
١٢٧

الكامل وقت نَوْبَة دمياط وسلطنة أخيه إبراهيم الفائز، ولاحَ ذلك للكامل
فدارى حتى قَدِمَ إليه المعظم فأفضى إليه بسرِّه ، فجاء المُعَظَّم يوماً إلى خيمة
ابن المَشْطوب ، فخرج إليه ، وخضعَ ، فقال : اركبْ نتحدث . فركب
وتحدثا حتى أَبْعَدَ به ، ثم قال : يا فلان هذه البلاد لك ، فنريد أن تهبَهَا لنا ،
وأعطاهُ نفقةً ووكَّلَ به أجناداً إلى الشام ، ثم جَهَّزَ الفائز ليطلب عسكر الجزيرة
نجدة ، فتوفي الفائز بسنجار .
قال ابن مَسْدي : كان مُحباً في الحديث وأهله ، حريصاً على حِفظه
ونَقْلِه ، وللعلمِ عنده سوقٌ قائمة على سُوق . خَرَّجَ له الشيخ أبو القاسم ابن
الصَّفراويّ أربعين حديثاً سمعها منه جماعة .
وحكى عنه مكرم الكاتب أن أباه استجاز له السِّلَفِيَّ.
قال ابن مَسْدي : وقفت أنا على ذلك وأجاز لي ولا بني .
وقال المُنذري(١): أنشأ الكاملُ دارَ الحديث بالقاهرة ، وعَمَّرَ قُبَّةً على
ضريح الشافعي ، ووقف الوقوف على أنواع البِر ، وله المواقف المشهورة في
الجهاد بدِمياط المُدّة الطويلة ، وأنفقَ الَأَموالَ وكافَحَ الفِرنج براً وبحراً يعرف
ذلك من شاهَدَهُ ، ولم يزل على ذلك حتى أعزَّ اللَّهُ الإِسلام، وخذلَ الكُفر.
وكان مُعَظِّماً للسُّنَّةِ وأهلِها ، راغباً في نَشْرِها والتمسك بها ، مؤثراً للاجتماع
بالعُلماء والكلام معهم حَضَراً وسَفَراً .
وقال بعضهم : كان شَهْماً، مَهِيباً، عادلاً ، يَفْهَمُ ويبحث . قيل :
شكا إليه ركبدار أن أستاذه استخدمه ستة أشهر بلا جامَكِية (٢)، فأمر الجندي
(١) التكملة: ٣ / الترجمة ٢٨٢٢.
(٢) الجامكية : الراتب .
١٢٨

بخدمة الركبدار وحمل مداسه ستة أشهر . وكانت الطرق آمنة في زمانه
لهيبتِهِ . وقد بعثَ ابنَهُ المسعود فافتتح اليمن ، وجَمَعَ الأموالَ ثم حَجَّ فمات ،
وحُمِلت خزائِنُهُ إلى الكامل .
قال البهاء زهير (١) :
وأَقْسِمُ إِنْ ذَاقَتْ بَنُو الأَصْفَرِ الكَرَىْ
لَمَا حَلُمَتْ إِلَّ بِأَعْلَامِكَ الصُّفْرِ
ثلاثة أَعْوَامٍ أَقَمْتَ وَأَشْهُرَاً
تُجاهِدُ فيهِ لَا بِزَيْدٍ ولا عَمْرٍو
قال ابن واصل : استوزر صفيَّ الدين أولاً ، فلما ماتَ لم يستوزر
أحداً، كان يتولى الأمور بنفسه . وكان مهيباً ، حازماً ، مُدَبِّراً، عَمَرت مصر
في أيامه ، وكان عنده مسائل من الفقه والنحو يُوردها ، فمن أجاب فيها حظيَ
عنده . وجاءته خِلَع السَّلطنة على يد السُّهْرَ وَرديّ سنة أربع وست مئة ،
والتقليد بمصر ، وكان يوماً مشهوداً ، وهي : جُبّة واسعة الكُم بطرز ذهب ،
وعمامة ، وطَوْق وأشباه ذلك . ومن هِمّته أن الفِرنج لما أخذوا دمياط (٢) أنشأ
على بَرِيد منها مدينة المَنْصُورة واستوطنها مرابطاً حتى نصره الله ، فإن الفرنج
طمعوا في أخذ مصرَ، وعسكروا بقرب المُنْصُورة ، والتحمَ القتالُ أياماً ،
وألحَّ الكامل على إخوته بالمجيء ، فجاءَهُ أخواه الأشرف والمُعَظّم في جيشٍ
لَجب ، وهيئةٍ تامّةٍ ، فقويَ الإِسلام، وضعفت نفوس الفِرنج ورُسُلُهُم
تتردد ، وبذلَ لهم الكامل قبل مجيء النَّجدة القُدسَ وطَبَرية وعَسْقلان وجَبَلَة
(١) انظر ديوانه .
(٢) انظر تفاصيل ذلك في الكتب المستوعبة للعصر، ومنها مرآة الزمان (٨/ ٦٠٣ فما
بعد )، والحوادث من تاريخ الإسلام، والنجوم (٦/ ٢٣٨ - ٢٤٤) وغيرها .
١٢٩

واللاذقية وأشياء على أن يردّوا له دمياط فأبوا، وطلبوا مع ذلك ثلاث مئة ألف
دينار ليعمروا بها أسوار القُدس ، وطلبوا الكَرَك ، فاتفق أن جماعة من
المُسلمين ، فَجَّروا من النيل ثَلْمَة على مَنْزِلة العدو، فاحاطَ بهم النِّيل في
هَيَجانه ، ولا خِبْرَةً لهم بالنيل ، فحال بينهم وبين دمياط ، وانقطعت الميرة
عنهم ، وجاعوا وذلوا ، فأرسلوا في طلب الأمان على تسليم دمياط ، وعقد
هدنةٍ ، فأُجيبوا ، فسلموا دمياطَ بعد استقرارهم بها ثلاثَ سنين ، فللَّه
الحمد .
ولما بلغ الكاملَ موتُ أخيه المُعَظّم جاء ونازل دمشق ، وأخذها من
الناصر ، وجعل فيها الأشرف . ولما مات الأشرفُ ، بادر الكامل إلى دمشق
وقد غلب عليها أخوه إسماعيلُ ، فانتزعها منه ، واستقر بالقلعة ، فما بلعَ ريقَهُ
حتى ماتَ بعد شهرين ، تعلَّلَ بسُعالٍ وإسهالٍ ، وكان به نِقْرِسٌ ، فُبُهِتَ
الخَلْقُ لمَّا سَمِعُوا بموتِهِ ، وكان عَدْلُه مشوباً بعُسف ؛ شنقَ جماعة مِن الجند
في بطيحة (١) شعير .
ونازلَ دمشق فبعث صاحبُ حِمْص لها نجدة خمسين نفساً فظفر بهم
وشَنقهم بأسرهم .
قال الشريف العماد البصرويّ : حكي لي الخادم قال :
طلب مني الكامل طَسْتاً ليتقيّاً فيه ، فأحضرته وجاء الناصر داود ، فوقف
على الباب ليعوده ، فقلت : داود على الباب ، فقال : ينتظر موتي ! ؟
وانزعج ، وخرجتُ فنزل داود إلى دار سامة ، ثم دخلتُ إلى السُّلطان ،
فوجدته قد مات وهو مكبوبٌ على المِخَدَّة .
(١) مكيال للحبوب كما يظهر، وفي ((تاريخ الاسلام)) بخطه: ((في أكيال شعير أخذوه)).
١٣٠

وقال ابن واصل : حكى لي طبيبهُ قال: أخذه زْكام فدخَلَ الحَمَّام ، وَصَبَّ
على رأسه ماء شديد الحرارة اتباعاً لما قال ابن زكريا الرازي(١): إِن ذلك يحلّ
الزُّكمة في الحال ، وهذا ليس على إطلاقه ، قال : فانصَبَ من دِمَاغه إلى فَمِ
المَعِدَةِ مادةٌ فتورمت وعرضت الحُمَّى، وأراد القيءَ ، فنهاه الأطباء ، وقالوا : إن
تقيأ هَلَكَ ، فَخَالَفَ وَتَقَيّاً .
وقال الرضي الحكيم : عرضت له خوانيق انفقأت ، وتقيأ دَمَاً ومِدّةً ،
ثم أرادَ القيء ثانياً فنهاه والدي ، وأشارَ به آخر ، فتقيَّأ ، فانصب ذلك إلى
قصبة الرِّئة سَدَّتها ، فمات .
قال المُنذريُّ (٢): مات بدمشق في الحادي والعشرين من رَجَب سنة
خمس وثلاثین وست مئة ، ودُفن في تابوت .
قلت : ثم بعد سنتين ◌ُمِلت له التُّربة ، وفُتِحَ شُبّاكُها إلى الجامع .
وخَلَّف ابنين : العادل أبا بكر ، والصالح نجم الدين ، فملّكوا العادل
بمصر ، وتملَّكَ الجواد دمشق ، فلم تطل مُدّتُهما .
٨٦ - الأوْحَد *
الملك الأوحد نجم الدُّنيا والدِّين أيوب بن الملك العادل .
تَمَلَّك خِلاط ونواحيها خَمْس سنين فظلَمَ وَعَسَفَ وَسَفَكَ الدِّماء، فابْتُلِيَ
(١) أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور المتوفى سنة ٣١١.
(٢) التكملة : ٣ / الترجمة ٢٨٢٢.
(*) ذكره ابن واصل في حوادث سنة ٦٠٧ من ((مفرج الكروب))، وترجمه الذهبي مرتين
في تاريخه الأولى سنة ٦٠٧ ( الورقة: ٤٦ من نسخة أيا صوفيا ٣٠١١)، والثانية سنة ٦٠٩ (في
الورقة: ٦٨ من المجلد المذكور) ، وقد تابع في الأولى ابن واصل ، وسيرته في الموارد التي
تناولت سيرة أبيه الملك العادل ، وانظر العبر: ٥ / ٣١.
١٣١

بأمراضٍ مُزمنةٍ ، فتمنَّى الموتَ فماتَ قبلَ الكُهُولة في سنة سبع وست مئة ،
واستولى على مملكته أخوه الأشرف .
وقد مرَّ من أخباره في ترجمة أبيه ، وأنه قتل ثمانية عشر ألف نسمة
بخِلاط، مات ملكُها بَلْبان، فسار الأوحد من ميّا فارقين ، وافتتح مُؤْش(١)،
وَكَسَرْ بَلْبان، فاستنجد بصاحب أَرْزَن الرُّوم ◌ُغرل شاه ، وهزما الأوحد ،
لكن غَدَرَ طُغرل ببلْبان فقتله ، وقصد خِلاط، فقاتلوه فردَّ خائباً ، فكاتبوا
الأوحد ، فسار ، وتسلَّم البلادَ ، وتمكَّن ، فلما مات تملَّك أرمينية أخوهُ
الأَشرف ، فعدَلَ ، وأحسن السِّيرةَ .
مات الأوحد في ربيع الأول من سنة سبع ، وكان طاغية الكُرج قد
حاصر خِلاط سنة ست ، وركب سكراناً في عشرين نفساً ، وتقرَّبَ إلى البلد
فأُسر في الحال ، فذلَّ، وَبَذَلَ في نسفه عدة قلاع ومئة ألف دينار وإطلاق
خمسة آلاف أسير وشرطَ أن يُزوّج بنته بالأوحد ، وعقدت الهُدنة بينهما ثلاثين
سنة(٢) .
٨٧ - الحافظ *
الملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه ابن الملك العادل سيف الدين
أبي بكر محمد بن أيوب صاحب قلعة جَعْبَر .
أقام بجَعْبَر مُدّةً ، وكان كثيرَ الأموال ، خاف في أواخر أيامه من
(١) بلدة من نواحي خِلاط .
(٢) انظر تفاصيل ذلك في الحوادث من ((تاريخ الإسلام))، الورقة ٢٢٦ ( مجلد أيا صوفيا
٣٠١١ ) .
(*) أخباره مع أخبار أبيه الملك العادل، وترجمه الذهبي في ((تاريخ الإِسلام)» الورقة :
٢٢١ (أيا صوفيا ٣٠١٢).
١٣٢

الخُوارزمية ؛ لأنهم أغاروا مرات على أعماله فسلّمَ جَعْبَر لصاحب حلب
الملك العزيز ، وعَوَّضَهُ عنها بعِزاز من أعمال حلب ، فقَدِمَ حلب على أخته
الصاحبة ، ثم إنَّه مات بعِزاز في سنة أربعين وست مئة كهلاً، ونُقِلَ فدُفِنَ
بالفِرْدَوس بظاهر حلب، فماتت أختُهُ الصَّاحبة الخاتون ضَيْفَة (١) بنت الملك
العادل وزوجة الملك الظاهر غازي ابن عمها ، ووالدة صاحب حلب الملك
العزيز ، وكانت نبيلةً مُعَظّمة نافذة الأوامر ، توفيت سنة أربعين بحلب عن
تسع وخمسين سنة ، وبحلب وُلدت حين تملكها والدها ، وقد تزوَّج الظاهر
قبلها بأختها الست غازية ، فأولدها أيضاً ، وماتت ، وكانت الصاحبة دَيِّنة
عادلةً سائسةً تباشر الملك بنفسها لصغر ولدها وكانت كثيرةً البِّ والصدقات .
وفيها توفيت الجهةُ الأتابكية تُركان(٢) بنت صاحب المَوْصِل عز الدين
مسعود بن مودود بن زنكي زوجة السلطان الملك الأشرف بدمشق ، ودفنت
بُتُربتها عند الجَسْر الأبيض .
وفيها ماتت السِّتُّ الفيروزَجِيَّة عائشة(٣) أخت الإِمام المستضيء ،
وَعَمَّة الإِمام الناصر . عاشت ثمانين سنة ، وماتت في ذي الحجة في أول دولة
ابن ابن ابن ابن أخيها المستعصم ابن المُستنصر ابن الظّاهر ابن الناصر (٤).
٨٨ - المُظفَّر *
السُّلطان الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر
(١) تاريخ الإِسلام، الورقة : ٢٢٣ من المجلد المذكور .
(٢) ترجمها الذهبي في تاريخ الإِسلام، الورقة: ٢٢٢ (أيا صوفيا ٣٠١٢)، والعبر: ٥/
١٢٩ والنعيمي في الدارس : ١ / ١٢٩.
(٣) تاريخ الإِسلام ، الورقة : ٢٢٣ - ٢٢٤ من المجلد المذكور .
(٤) ولي المستعصم الخلافة سنة ٦٤٠ .
(*) مرآة الزمان: ٨ / ٧٦٨ - ٧٧٠، وتاريخ الإسلام، الورقة : ٦٢ - ٦٣ (أيا صوفيا : =
١٣٣
م .

ابن أيوب صاحب خِلاط وميًّافارقين وحصن منصور وغير ذلك .
وكان مَلِكاً جَوَاداً، حازماً ، شهماً، شُجاعاً، مَهِيباً، حلو
المحاضرة ، حَسَنَ الجُملة ، كبيرَ الشأنِ، وقد حَجَّ في تَجُمُّل زائد على دَرْب
العراق .
مات في رَجَب سنة خمس وأربعين وست مئة ، وقد شاخ ، فتملك
بعده ابنه الملك الكامل ناصر الدين محمد بن غازي الشهيد .
وإنما جمعت هنا بين هؤلاء المُلُوك استطراداً ، وإلّ فطبقاتهم متباينة ،
والله أعلم .
وقد قَتَلَ هولاكو ناصر الدين هذا في سنة ثمان وخمسين عتوّاً وغدراً ،
فرحمه الله تعالى ، فلقد كان دَيِّناً ومجاهداً، ثبتَ في الحِصار إلى أَنْ تفانت
رجالُه، وأهلكَهُم الجوع، وقاتلتْ معه النِّساء ، وستأتي ترجمته إن شاء الله
تعالى .
٨٩ - الصالح *
السُّلطان الملك الصالح عماد الدين ابو الخِيَش إسماعيل ابن الملك
العادل محمد بن أيوب بن شاذي صاحب دمشق .
حَدَّثَ عن أبيه بالسابع من ((المحامليات)) قرأهُ عليه السيف ابن
المجد ، وكان له ميلٌ إلى المقادسة وإحسانٌ .
= ٣٠١٣)، والعبر: ٥/ ١٨٧، وعقد الجمان للعيني: ١٨ / الورقة: ٢٩١، وشذرات الذهب:
٥/ ٢٣٣ وغيرها .
(*) تلخيص مجمع الآداب: ٤ / الترجمة : ٩٩٨، وتاريخ الإسلام ، الورقة: ٨٥ ( أیا
صوفيا : ٣٠١٣)، وعقد الجمان للعيني : ١٨ / الورقة : ٣٢٧ .
١٣٤

تَمَلَّكَ بُصْرِى وبَعْلَبَك ، وتنقلت به الأحوال واستولى على دمشقَ
أعواماً ، فحاربه صاحبُ مصر ابن أخيه ، وجرت له أمور طويلة ، ما بين
ارتفاع وانخفاض .
وكان قليلَ البَحْتِ بَطَلَا شُجاعاً مَهِيباً شديدَ البطش ، مليحَ الشَّكل ،
كان في خدمة أخيه الأشرف ، فلما ماتَ الأشرف تَوَثَّب على دمشق ،
وَتَمَلَّكَ ، فجاء أخوه السلطان الملك الكامل ، وحاصَرَهُ ، وأخذَ منه دمشق ،
وَرَدَّهُ إلى بَعْلَبَك . فلما مات الكامل ، وتملَّكَ الجواد ثم الصالح نجم
الدين ، وسار نجمُ الدين يقصِدُ مصر ، هجم الصالحُ إسماعيل بإعانة صاحب
حمص المُجاهد ، فَتَمَلَّكَ دمشق ثانياً في سنة سبع وثلاثين(١) ، فبقي بها إلى
سنة اثنتين وأربعين . وحاربه الصالح بالخوارزمية ، واستعان هو بالفرنج (٢)،
وبذل لهم الشَّقيف وغيرها فمُقِتَ لذلك . وكان فيه جور . واستقضى على
الناس الرَّفيع الجيليّ، وَتَضَرَّر الرَّعِيَّة بدمشق في حصار الخُوارزمية حتى أُبيع
الخُبز رِطل بستة دراهم ، والجبن واللَّحم بنسبة ذلك، وأكلوا المَيْتَة ، ووقع
فیهم وباء شدید .
قال المؤيد في تاريخه : سار الصالح نجم الدين من دمشق ليأخذ
مِصْرَ، فَفَرَّ إليه عسكر من المصريين ، وكان استنابَ بدمشق ولدَهُ المغيث
عُمر، وكاتَبَ عمَّهُ إسماعيل يستدعيه من بَعْلَبَك ، فاعتذَرَ وأظهرَ أنّه معه ،
وهو عَمّال في السرِّ على دمشق ، وفهم ذلك نجم الدين أيوب ، فبعثَ طبيبَهُ
سعد الدين إلى بَعْلَبَك متفرِّجاً، وبعث معه قفص حمام نابلسي ، ليُبطِق (٣)
(١) انظر التفاصيل في ذيل الروضتين : ١٦٩، وحوادث سنة ٦٣٧ من تاريخ الإسلام (أيا
صوفيا ٣٠١٢ ) .
(٢) انظر ذيل الروضتين : ١٧٤ .
(٣) من (( البطاقة)) وهي الرسالة التي ترسل بواسطة الحمام .
١٣٥

إليه بأخبار إسماعيل فعلم إسماعيل بمجيئِهِ ، فاستحضَرَهُ واحترمه ، واختلس
الحَمَامَ مِن القَفَص ، ووضع مكانها من حمام بَعْلَبَك ، ثم صار الطبيبُ
يُبْطِق : إن عمك قد جمع وعزم على قصد دمشق ، فيُرسل الطَّير ، فيقع في
الحال بالقلعة ، ويقرأ ذلك إسماعيل ، ثم يكتب على لسان الطبيب : إنَّ
عمك قد جمع ليُعاضِدَك وهو قادمٌ إليكَ ، ويرسل ذلك مع طيرٍ نابلسيٍّ فيفرح
نجم الدين ، ويعرِضُ عن ما يسمع ، إلى أن راحت منه دمشق . وأما الصالح
إسماعيل فترك دمشق بعد ذلك الحصار الطويل ، وقنع ببعلبك .
وفي (( معجم)) القُوصيّ في ترجمة الأشراف : فأخوه إسماعيل نصَرَ
الكافرين وسَلَّم إليهم القِلاع، واستولى على دِمشق سرقةً ، وَحَنَثَ في
يمينه ، وقتلَ من الملوك والأمراء من كان ينفع في الجهاد ، وصادَرَ علی یدِ
قُضاتِهِ العِباد، وَخَرَّبَ الأملاك، وَطَوَّلَ ذيلَ الظُّلم، وَقَصَّر ذيلَ العَدْلِ،
وَظَنَّ أن الفَلَك له مُستمِر، فسقطَ الدَّهر لغفلته ، وأراه بَلايا. وَطَوّل القُوصيُّ.
ثم ذهبت منه بَعْلَبَك وبُصَرَى ، وتلاشَىْ أمرُه ، فمضى إلى حَلَب ،
وافداً على ابن ابن أخته ، وصارَ من أمرائه ، وأَتَّى به فتملكوا دمشق ، فلما
ساروا ليأخُذُوا مصرَ غُلِبَ الشاميون ، وأسر جماعةٌ ، منهم الملك الصالح ،
في سنة ثمان وأربعين ، فسُجِنَ بالقاهرة ، ومَرُّوا به على تُربة السُّلطان نجم
الدين أيوب فصاحت البَحْرِيَّة يا خَوَند أين عينُك تنظر إلى عدوك ؟ !
قال الخَضِر بن حَمويه : وفي سَلْخ ذي القعدة من سنة ثمان أخرجوا
الصالح ليلاً، وَمَضَوْا به إلى الجبل فقتلوه وعُفِيَ أثرُهُ .
قلت : كُفِّر عنه بالقتل .
قال ابن واصل : لما أتوا بالصالح بُكْرة الواقعة أُوقِفَ إلى جانب المُعزّ
١٣٦

فقال لحسام الدين ابن أبي عليّ : يا خَوَنْد أما تُسَلِّم على المولى الملك
الصالح ؟ ! قال : فدنوتُ منه ، وَسَلَّمتُ عليه .
قال ابن واصل : رأيتُ الصالح يوم دخول الجيش منصورين وهو بين
يدي المُعزّ ، فحكى لي ابنُ أبي عليّ قال : قلت للصالح : هل رأيت القاهرة
قبل اليوم ؟ قال : نعم ، وأنا صبيٌّ . ثم اعتقلوه أياماً ، فقيل: خنقوه كما خَنَقَ
الجواد .
وكان مَلِكاً شَهْماً، مُحْسِناً إلى جُنْدِه ، كثيرَ التَّجْمل ، وكان أبوه العادل
يحب أمَّ هذا ، ولها تربة ومدرسة بدمشق .
ومن أولاده : الملكُ المنصور محمود الذي سَلْطَنَهُ أبوهُ بدمشق ،
والملك السَّعيد عبد الملك والد الملك الكامل . والملك المسعود والد
صاحبنا ناصر الدين .
ووزر له أمينُ الدَّولة أبو الحسن بن غزال السَّامريّ ثم المُسلمانِّ
الطّبيب واقف أمينية بعلبك ، وكان رقيقَ الدين ظَلُوماً يَتَفَلْسَفُ ، شُنِقَ بمصر
في هذه الفتنة ، وتركَ أموالاً عظيمةً ، ومن الكتب نحو عشرة آلاف مجلد(١).
٩٠ - صاحب الروم *
السُّلطان الملك الغالب عِزُّ الدِّين كيكاوس ابن السلطان كيخسرو بن
(١) قال سبط ابن الجوزي: ((وهو الذي كان سبباً لزوال دولته وإخماد جمرته ، وقد ذكرنا
فظائعه مفرقة في السنين ، فسبحان مَن أراح منه المسلمين ، وما كان مسلماً ولا سامرياً ، بل كان
يتستر بالإِسلام ، ويبالغ في هدم شريعة المصطفى ◌َظفر)) (المرآة: ٨ /٧٨٤) . وراجع ترجمته
في تاريخ الإِسلام ، الورقة : ٨٦ ( أيا صوفيا ٣٠١٣).
(*) الكامل لابن الأثير: ١٢ / ٣٤٧ - ٣٥٠ (بيروت)، ومرآة الزمان: ٨/ ٥٩٣،
٥٩٨، وذيل الروضتين: ١٠٩، ومفرج الكروب لابن واصل: ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤، وتاريخ
الإِسلام ، الورقة : ١٤٤ ( أيا صوفيا : ٣٠١١) وغيرها من كتب التواريخ المستوعبة لعصره .
١٣٧

قِلِج رسلان السّلجوقيُّ التّركُمانيُّ القِتِلِمِشِيُّ صاحب قُونية وأَقْصَرا وَمَلَظْيَةٍ .
وهو أخو السلطان كَيْقُباذ .
قال سِبْط الجوزيّ(١): كانَ جباراً، سَفَّاكاً للدماء، كَسَرَهُ الملكُ
الأشرفُ لما قَدِمَ ليأخذ حلب وقتَ موت الملك الظاهر غازي ، فاتَّهم أمراءَهُ
أنهم ما نصحوا في القتال ، وكذا جرى فَسَلَق جماعة في القدور ، وحرَّق
آخرين، فأخذه الله فُجاءَة وهو مخمور ، وقيل : ابتُلي وتقطع بدنُه . وكان
أخوه كيقُباذ في سجنه ، فأخرجوه وملَّكوه . في شوَّال سنة خمس عشرة وست
مئة ، وقيل : هو الذي طَمَّعَ الفِرنج في دمياط .
قال ابن واصل(٢): لما قصد كيكاوس حَلَب أشاروا عليه أن يستعين
بالأفضل صاحب سُمَيْساط ، فإنَّه يخطب لك ، فطلبه فحضَرَ فاحترمه ، واتفق
معه على أن ما تملَّكاه من حلب للأفضل ، ثم يقصدان حَرّان ، والرُّها
وغيرهما ، فتكون لكيكاوس ، وتحالفا على ذلك فملكا أوّلاً قلعة رعبان
وتسلَّمَها الأفضل ، ونازلا تل باشر ، فأخذوها ، فلم يسلمها كيكاوس
للأفضل ، فنفر منه ولم يثق به ، وأنجدَ الأشرف أهل حلب في عرب طيء ،
وكاتَبَ كيكاوس أمراء حلب واستمالَهُم ، وانضم إلى الأشرف مانعٌ في عَرَب
الشَّام .
قلت : مانع هو والد جد مهنًّا بن عيسى بن مهنًّا بن مانع .
ثم أخذ كيكاوس مَنْبِج ، فوقعت العرب على مُقَدِّمة كيكاوس ، فانهزم
(١) المرآة : ٨/ ٥٩٨.
(٢) مفرج الكروب: ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
١٣٨

الرُّوميون ، فطار لُبّ كيكاوس ، وانهزم فتبعه الأشرف يتخطّف جنده واسترد
رعبان وتل باشر .
وقيل : مات كيكاوس بالخوانيق في سنة خمس عشرة وست مئة .
٩١ - خُوار زمشاه *
السُّلطان الكبير علاء الدين خُوارزمشاه محمد ابن السلطان خُوارزمشاه
إيل رسلان ابن خُوارزمشاه أتْسِز ابن الأمير محمد بن نوشتكين الخُوارزميُّ .
قال ابن واصل(١): نَسَبُ علاء الدين ينتهي إلى إيلتكين(٢) مملوك
السُّلطان ألب أرسلان بن جغريبك السَّلجوقيّ .
قلتُ : قد سُقت من أخباره في (( التاريخ الكبير)) في الحوادث ، وأنه
أباد ملوكاً، واستولى على عدة أقاليم ، وَخَضَعَت له الرِّقاب ، وقد حارب
الخَطَا غيرَ مرة ، فانهزم جيشُهُ فِي نَوْبَة وثبتَ هو ، فأُسر هو وأمير ؛ أسَرَهما
خَطائيّ ، فَصَيَّر نفسَهُ مملوكاً لذلك الأمير ، وبَقي يقف في خِدمته ، فقال
الأمير للخَطَائِي : ابعث رسولَكَ مع غُلامي هذا إلى أهلي ليرسلوا مالاً في
فكاكي ، ففعل وتمَّت الحِيلة ، وعاد خوارزمشاه إلى مُلكه ، ثم عرف
(*) أخباره مشهورة جداً في جميع الكتب التاريخية المستوعبة لعصره قلما يخلو منها
كتاب، ومن أكثرها أهمية ما جاء في غير موضع من ((الكامل)) لابن الأثير ومرآة الزمان وتاريخ
الإِسلام وغيرها ، وله ترجمة مفردة في مصادر عدة منها :
الكامل : ١٢ / ٣٥٨ فما بعد، وذيل الروضتين: ١٢٢، وتاريخ الإِسلام ، الورقة :
١٧٢ - ١٧٧ (مجلد أيا صوفيا ٣٠١١ وهي ترجمة رائقة بخطه) وعقد الجمان للعيني : ١٧ /
الورقة : ٤١٢ - ٤١٨، والنجوم الزاهرة: ٦ / ٢٤٨، وأغرب السبط فترجمه في حوادث سنة
٦١٥ من ((المرآة)) ٨ / ٥٩٨ - ٦٠٠ وهو من الأوهام الواضحة .
(١) مفرج الكروب: ٤ / ٣٤ - ٣٥.
(٢) في المطبوع من مفرج الكروب : بلتكين .
١٣٩

الخطائي فسار مع ذلك الأمير إلى خدمة السُّلطان فأكرمه وأعطاه أشياء .
قال عز الدين علي ابن الأثير(١): كان صَبُوراً على التَّعب وإدمان السِّير
غير مُتْنَعِّم ولا مُتَلَذِّذٍ إنما نهمته الملك . وكان فاضلاً، عالماً بالفقه
والأصول، مُكرِماً للعلماء يحبّ مناظرتهم ، ويتبرك بأهل الدين ، قال لي
خادم الحُجرة النَّبوية : أتيته فاعتنقني ، ومشى لي وقال : أنت تخدم حُجرة
النبيّ ◌َّرَ؟ قلت: نعم، فأخذ يدي وأُمَرَّها على وجهه، وأعطاني جُملة .
قال سبط الجوزي(٢): أفنَى ملوكَ خُرَاسَان وما وراء النهر، وأخلَى
البلاد واستقل بها فكان سبباً لهلاكه ، ولما نزل هَمَذَان كاتَبَ ابنُ القُمِّي نائبُ
الوزارة أمراءَهُ ووعدَهم بالبلاد ، فراموا قتله ، فعرفَ وسار إلى مَرو وكان معه
من الخَطَا سبعون ألفاً ، وكان خاله منهم ، فنمّ عليه فاختفى فنهبوا خزائنه ،
فيقال: كان فيها عشرة آلاف ألف دينار ، وله عشرة آلاف مملوك ، فركب إلى
جزيرةٍ هارباً .
قلت : تسلطن في سنة ٥٩٦ .
وقال الموفق : كان أبوه تِكش (٣) أعور قميئاً ، كثير اللعب بالملاهي ،
بعث برأس طُغرل إلى بغدادَ ، وطلب السلطنة ، فتحركت الخطا ، فاحتاج أن
يرد خُوارزم ، فتولى بعده ابنه محمد ، وكان محمد شجاعاً ، شهماً ،
مغواراً، غزاءً ، سعيداً ، يقطع المسافات الشاسعة بسرعة ، وكان هَجّاماً
(١) الكامل: ١٢ / ٣٧١ (بيروت) بتصرف .
(٢) مرآة الزمان : ٨ / ٥٩٩.
(٣) وجدت التاء مكسورة بخط المؤلف في غير موضع من (( تاريخ الإِسلام))، وقيدها
محققو مفرج الكروب بالفتح وما أظنهم أصابوا .
١٤٠