Indexed OCR Text

Pages 41-60

أمّهم بظاهر باب الفراديس شيخ الحنفية جمال الدين الحَصِيريّ ، ثم أمّ
بالجبل الشيخ موفق الدين شيخ الحنبلية ، وشَيَّعه الخَلْقُ ، ودُفن بتربة له ،
وعقد له العزاء تحت النِّسر(١) يومين .
٢٩ - ابن حَوْط الله *
الحافظُ الإِمام مُحَدِّث الأندلس أبو محمد عبد الله بن سُليمان بن داود
ابن حَوْطِ الله الأنصاريُّ الحارثِيُّ الأَندَلْسِيُّ الأَنْدِيُّ، أخو الحافظ أبي
سُلَيمان .
وُلِدَ سنة تسع وأربعين وخمس مئة .
وتلا بالسَّبع على أبيه ، وسَمِعَ من ابن هذيل بعض (( الإِيجاز)) (٢) في
قراءة وَرْش. وسمع من أبي القاسم بن حُبَيش(٣)، والسُّهيليّ(٤)، وابن
الجَدّ(٥)، وابن زَرْقُون(٦)، وابن بشكوال ، وخلق .
وأجاز له أبو الطاهر بن عوف من الإِسكندرية ، وأبو طاهر الخُشُوعِي من
دمشق .
(١) يعني قبَّة النسر بجامع دمشق الأموي .
(*) المرقبة العليا للنباهي : ١١٢، والتكملة لابن الأبار: ٢ / ٨٨٣ - ٨٨٥ والتكملة
للمنذري: ٢ / الترجمة ١٤٤٥، وتاريخ الإِسلام، الورقة : ١٩٣ ( باريس: ١٥٨٢)، وتذكرة
الحفاظ : ٤ / ١٣٩٧ - ١٣٩٩، وبغية الوعاة: ٢ / ٤٤، وشذرات الذهب: ٥٠/٥، ونفح
الطيب : ٢ / ١١٦٥ .
(٢) هو كتاب ((ايجاز البيان)) لأبي عمرو الداني ، وقد سمع من ابن هذيل النصف الأول
منه .
(٣) عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله بن حبيش .
(٤) عبد الرحمان بن عبد الله السهيلي .
(٥) أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجد .
(٦) أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون .
٤١

روى شيئاً كثيراً ، وألف كتاباً في رجال الكتب الخمسة : خ م دت
س(١) . وكان مُنشئاً خطيباً بليغاً شاعراً نحوياً ، تصدّر للقراءات والعربية ،
وأدّب أولاد المنصور بمراكش ، ونال عزّاً ودُنيا واسعة ، وولي قضاء قُرطبة
وأماكن، وحُمِدَ.
توقِّيَ في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وست مئة.
٣٠ - العزّ ابن الحافظ *
الإِمام العالم الحافظ المُفيد الرَّحّال عز الدين أبو الفتح محمد ابن
الحافظ الكبير تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن عليّ بن سُرور
الجَمّاعِيلِيُّ المَقْدِسِيُّ ثم الدِّمشقيُّ الصَّالحِيُّ الحنبليُّ .
مولده بالدَّير الصّالحي في سنة ست وستين وخمس مئة في أحد
الربيعين .
وارتحل سنة ثمانين ، فسمع من أبي الفتح بن شاتيل ، ونصر الله
القَزّاز، ومَن بعدهما . وتفقه على ناصح الإِسلام ابن المَنِّي ، وسمع بدمشق
من أبي المعالي بن صابر ، ومحمد بن أبي الصَّقر ، والخَضِر بن طاووس ،
(١) كتبها المؤلف بالرقوم وهي : البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي . وقال ابن
الأبار: ((نزع فيه منزع أبي نصر الكلاباذي)» ، لم يكمله .
(*) تاريخ ابن الدبيئي ، الورقة : ٧٣ ( باريس: ٥٩٢١)، والتكملة للمنذري : ٢ /
الترجمة : ١٥٠١، وذيل الروضتين : ٩٩، وتلخيص مجمع الآداب: ٤ / الترجمة : ٤٣٦،
وتذكرة الحفاظ : ٤ / ١٤٠١ - ١٤٠٢، وتاريخ الإسلام ، الورقة : ١١٧ - ١١٩ ( أيا صوفيا :
٣٠١١ بخطه)، والمختصر المحتاج: ١/ ٨٢، والوافي بالوفيات: ٢٦٦/٣ -٢٦٧، والبداية
والنهاية : ١٣ / ٧٤، وذيل طبقات الحنابلة: ٢ / ٩٠ - ٩٢، وعقد الجمان للعيني : ١٧ /
الورقة: ٣٥٧ - ٣٥٨، والنجوم الزاهرة : ٥ / ٥٦ - ٥٧، وشذرات الذهب: ٥/ ٥٦ - ٥٧،
والتاج المكلل : ٢٢٥ .
٤٢
7

وأقدم شيخ له أبو الفَهْم بن أبي العجائز .
قال ابن النجار : سمعنا منه وبقراءته كثيراً، وكتبَ كثيراً، وحَصَّل
الأصول واستنسخ ، وكان يُعِيرني الأصول ويفيدني ويتفَضَّل إذا زُرته ، وكان
من أئمة المُسلمين حافظاً للحديث مَتناً وإسناداً ، عارفاً بمعانيه وغريبه ، مُتْقِناً
للأسماء مع ثقة وعدالة ، وأمانة وديانة ، وكيس وتوذُّد ، ومساعدة للغُرباء .
وقال الشيخ الضياء : كان حافِظاً فقيهاً ذا فنون ، وكان أحسن النَّاس
قراءة وأسرعها ، وكان غزيرَ الدَّمْعَة عند القراءة ، ثقة مُتقناً سَمحاً جواداً .
قلتُ : وارتحل بأخيه أبي موسى ، فسمعا بأصبهان من مسعود
الجَمّال ، وعبد الرحيم بن محمد الكاغَدِيّ ، وأبي المكارم اللّبان ، وعدَّة .
وقال الضَّياء : سافر العِزُّ مع عمِّ الشَّيخ العِماد ، وأقامَ ببغدادَ عشر
سنين ، فاشتغل بالفقه والنحو والخلاف ، وكان يقرأ للناس الحديثَ كُلَّ ليلة
جُمعة بمسجد دار بطيخ ، ثم انتقل إلى الجامع ، إلى موضع أبيه ، فكان يقرأ
يوم الجمعة بعد الصلاة. وطُلِبَ إلى الملك المُعَظّم، فقرأ له في ((المُسند))
على حنبل(١) وأحبّه ، وخلع عليه . وهو الذي أذن له في المجلس بالجامع ،
وطلب منه مكاناً للحنابلة بالقُدس ، فأعطاه مهد عيسى ، وكان يسارع إلى
الخير ، وإلى مصالح الجماعة ، وكان لا يكاد بيته يخلو من الضيوف .
ثم سرد له الشيخ الضياء عدة منامات رؤيت له تدل على فوزه .
وقد رثاه الشيخ موفق الدين .
ومات في تاسع عشر شوال سنة ثلاث عشرة وست مئة .
(١) حنبل بن عبد الله الواسطي ثم البغدادي الرصافي المكبر المتوفى سنة ٦٠٤ .
٤٣

وحدَّث عنه الضِّياء ، والقُوصيُّ ، والبِرْزاليُّ ، والشيخ شمسُ الدين بن
أبي عُمر ، والفَخر عليّ .
وسمعنا بإجازته على أبي حفص ابن القَوَّاس ، وخطَّه كبير مليح
رشيق ، لي جماعة أجزاء بخطّه رحمه الله .
وفيها توفي : أبو اليُمن الكِنديُّ ، وصاحبُ حلب الملك الظاهر ،
والقاضي ثقة الملك عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مُجلي المصري ، وأبو
محمد عبد الرحمن بن علي الزُّهْرِيُّ الإِشبيلي صاحب شُرَيح ، والصائن عبد
الواحد بن إسماعيل الدّمياطي .
٣١ - ابنُ واجب *
الشيخُ الإِمامُ العالم المُحَدِّث المُتقن القُدوة شيخُ الإِسلام أبو الخطاب
أحمدُ بن محمد ابن الإِمام أبي حفص عُمر بن محمد بن واجِب بن عُمر بن
واجِب القَيْسِيُّ الْأَنْدَلْسِيُّ الْبَلْسِيُّ المالكيُّ.
وُلِدَ سنة سبع وثلاثين وخمس مئة .
وأجاز له القاضي أبو بكر بن العربيّ ، والحافظ يوسف ابن الدباغ ،
ولحق أبا مروان بن قُزْمان فسمع منه ، وأكثر عن جدِّه ، وعن أبي الحسن بن
هُذَيل وتلا عليه ، وأبي الحسن بن النِّعمة ، وأبي عبد الله بن سعادة ، وأبي
عبد الله بن الفَرَس ، وأبي بكر عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وابن بَشْكُوال ،
وابن زَرْقُون ، وعدَّة .
قرأتُ في ((فهرسة)) عليها خط أبي الخطاب بن واجب : تلوتُ
(*) التكملة لابن الأبار: ١٠٦/١ - ١٠٨، والتكملة للمنذري: ٢ / الترجمة : ١٥٤٣،
وتاريخ الإسلام، الورقة: ١٢١ - ١٢٢ (أيا صوفيا: ٣٠١١)، وشذرات الذهب: ٥/ ٥٧.
٤٤

(( بالتَّيسير)) وقرأته ، ولم أقرأ بما فيه من الإِدغام الكبير على أبي الحسن بن
هُذيل، وقرأت عليه ((إيجاز البيان)) و((التلخيص)) و((المحتوى)) وعدة
كتب في القراءات للداني . وسمعتُ عليه كتاب ((جامع البيان)) وكتاب
((طبقات القراء)) له، وكان وقت تلاوتي عليه يمتنع من الإِقراء بالإِدغام
الكبير .
قال الحافظ ابن الأبار(١): هو حامل راية الرواية بشرق الأندلس ،
حَصَّل العربية على ابن النِّعمة . وكان مُتقناً ضابطاً ، مُتَقللًا من الدُّنيا ، عالي
الإِسناد ، ورعاً، قانتاً ، تعلوه خشيةً للمواعظ ، مع عناية كاملة بصناعة
الحديث ، وبصرٍ به وذكرٍ لرجاله ، ومحافظة على نشره ، وكانت الرِّحلة
إليه . ولي قضاء بَلَنسية وشاطِبة غير مرة ، وجمع من كتب الحديث والأجزاء
شيئاً كثيراً، ورُزقت منه قبولاً ، وبه اختصاصاً، فمعظم روايتي قديماً عنه. توفي
بمراكش في رحلته إليها لاستدرار جارٍ (٢) له من بيت المال انقطع فتوفّي في
سادس رجب سنة أربع عشرة وست مئة .
قلتُ : أكثر عنه محمد بن محمد بن مُشليون ، ومحمد بن جوبر ،
وابن عَميرة المخزوميُّ ، وابنُ مُسْدي المُجاور وتوفِّي وهو في عشر
الثمانين (٣) رحمه الله .
٣٢ - ابن جُبير *
العَلامة أبو الحُسين محمد بن أحمد بن جُبير بن محمد بن جُبير الكنانيُّ
(١) التكملة: ١ / ١٠٦ - ١٠٨، بتصرف.
(٢) في الأصل: ((جاري)).
(٣) وهو ابن سبع وسبعين سنة ، إذ مولده ببلنسية سنة ٥٣٧ ، ذكر ذلك ابن الأبار .
(*) زاد المسافر للتجيبي: ٧٢ ، والتكملة لابن الأبار: ٢ / ٥٩٨، وعقود الجمان لابن =
٤٥

الْبَلَنسِيُّ ثم الشَّاطِبيُّ الكاتبُ البَلِيغ .
ولد سنة أربعين .
وسمع من أبيه الإِمام الرئيس أبي جعفر ، وأبي عبد الله الأصيليّ ،
وأبي الحسن علي بن أبي العيش المُقرىء صاحب أبي داود ، وحمل عنه
القراءات . وله إجازة أبي الوليد ابن الدَّباغ ، ومحمد بن عبد الله التَّمِيمِيِّ.
نزلَ غرناطة مُدّة ، ثم حَجَّ ، وروى بالثَّغر وبالقُدس .
قال الأَبّار : عُني بالآداب ، فبلغ فيها الغاية ، وبرع في النظم والنثر ،
ودُوِّن شعرُه ، ونال دُنيا عريضة ، وتقدَّم ، ثم زَهِدَ . له ثلاث رحلات إلى
المشرق(١). مات بالإِسكندرية في شعبان سنة أربع عشرة وست مئة .
قلت : روى عنه الزَّكيُّ المُنذريُّ، والكمالُ الضَّرير ، وأبو الطاهر
إسماعيل المِلَنجيُّ ، وعبد العزيز الخَلِيليُّ ، وطائفة . وقد سمع بمكة من
الميانَجِي ، وببغدادَ من أبي أحمد بن سُكَينة .
ومن نظمه :
تَأَنَّ في الأَمْرِ لاَ تَكُنْ عَجِلًا فَمَنْ تَأَنَّى أَصَابَ أَوْ كَادَا
وَكُنْ بِحَبْلِ الإِلهِ مُعْتَصِماً تَأْمَنُ مِن بَغْيِ كَيْدٍ مَنْ كَادَا
= الشعار: ٦ / الورقة: ٦٣ - ٦٧، والتكملة للمنذري: ٢ / الترجمة: ١٥٥٠، وتاريخ
الإِسلام ، الورقة: ١٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١١)، ومعرفة القراء، الورقة : ١٨٨، والإحاطة لابن
الخطيب: ٢ / ١٦٨، وغاية النهاية: ٢ / ٦٠، وذيل التقييد للفاسي، الورقة: ٤ - ٥، والنجوم
الزاهرة: ٦ / ٢١٤، وجذوة الاقتباس: ١٧٢، ونفح الطيب: ١ / ٥١٥ -٥٧٥، وشذرات
الذهب : ٥/ ٦٠ - ٦١ . وهو صاحب الرحلة الفائقة المطبوعة المشهورة.
(١) كانت الرحلة الأولى في أواخر سنة ٥٧٨ ، ثم الثانية ابتدأها في تاسع شهر ربيع الأول
سنة ٥٨٥ ، أما الثالثة فكانت سنة ٦٠١ .
٤٦

فَكَمْ رَجَاهُ فَنَالَ بُغْيَتَه عَبْدٌ مُسِيءٌ لِنَفْسِهِ كَادَا
وَمَنْ تَطُلْ صُحْبَةُ الزَّمَانِ لَهُ يَلْقَ خُطُوبَاً بِهِ وَأَنْكَادَا
٣٣ - العِماد *
الشّيخُ الإِمام العالمُ الزَّاهدُ القُدوة الفقيه بركةُ الوقت عماد الدِّين أبو إسحاق(١)
إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المَقْدِسيُّ الجَماعيليُّ ، نزيل سفح
قاسيون ، وأخو الحافظ عبد الغني .
ولد بجَمَّاعِيل سنة ٥٤٣ (٢) . وهاجروا به سنة إحدى وخمسين ، وله
ثمان سنين .
وسمع من أبي المكارم بن هِلال ، وسَلْمان بن علي الرَّحبي ، وأبي
المعالي بن صابر . وارتحل فسمع(٣) من صالح ابن الرخلة ، وأبي محمد ابن
الخَشّاب ، وشُهْدَة ، وعبد الحَق ، وعِدّة ، وبالموصل من أبي الفضل
الخطيب . وتفقه ببغدادَ على ابن المَنِّي ، وتَبَصَّرَ في مذهب أحمد .
حدّث عنه البِرْزالِيُّ، والضياءُ ، وابنُ خليل ، والمُنذريُّ ، والقُوصيُّ
(*) تاريخ ابن الدبيثي، الورقة: ٢٦١ (باريس ٥٩٢١)، ومرآة الزمان: ٨ / ٥٨٦ - ٥٩٢،
والتكملة للمنذري: ٢ / الترجمة : ١٥٦٤، وذيل الروضتين: ١٠٤ - ١٠٥، وتلخيص مجمع
الآداب: ٤ / الترجمة : ٩٣٧ ، وتاريخ الإِسلام ، الورقة : ١٢٢ - ١٢٦ ( أيا صوفيا:
٣٠١١)، والمختصر المحتاج: ١ / ٢٣١، والوافي بالوفيات: ٥ / الورقة: ٤٨، والبداية
والنهاية : ١٣ / ٧٧، وذيل طبقات الحنابلة: ٦ / ٩٣ - ١٠٦، وعقد الجمان للعيني : ١٧ /
الورقة: ٣٧١ - ٣٧٢، والنجوم الزاهرة: ٦/ ٢٢٠، وتاريخ ابن الفرات: ٩ / الورقة: ٨٢،
وشذرات الذهب: ٥/ ٥٣ - ٦٠، والتاج المكلل: ٢٢٥ - ٢٢٧.
(١) وأبو اسماعيل ، ذكر ذلك المنذري .
(٢) وقال المنذري : سنة أربع وأربعين وخمس مئة .
(٣) ببغداد .
٤٧

وابنُ عبد الدَّائم ، والتَّاج عبد الوهاب ابن زين الأمناء ، وولده القاضي شمس
الدين محمد ابن العِماد ، والشيخ شمس الدين بن أبي عُمر ، والفَخر علي ،
والشمس محمد ابن الكمال ، وعِدّةٌ .
قال الشيخ الضياء : كان ليس بالآدَم(١) كثيراً، ولا بالطويل ، ولا
بالقصير ، واسع الجبهة ، مَعروقَ الجَبين ، أشهلَ العَين ، قائمَ الأنف ،
يَقُصُّ شعره ، وكان في بصره ضعف . سافر إلى بغدادَ مرتين ، وحفظ
القرآن، و((غريب)) العُزَيريّ (٢) فيما قيل، وحفظ الخِرَقِيّ، وألقى الدَّرس
من ((التفسير)) ومن (( الهداية))، واشتغل في الخلاف ، شاهدته يُناظِرُ غير
مَرة . وكان عالماً بالقراءات والنحو والفرائض ، قرأ بالروايات على أبي
الحسن بن عساكر البطائحي، وأقرأ بها، وصنف (( الفروق في المسائل
الفقهية ))، وصنف كتاباً في الأحكام لم يتمَّه ، ولا كان يتفرغ للتصنيف من
كثرة اشتغاله وإشغاله . أقام بحرَّان مدة فانتفعوا به ، وكان يشغل بالجبل إذا
كان الشيخ موفقُ الدين بالمدينة، فاذا صَعِدَ الموفق، نزل هو وأشغل (٣)،
فسمعتُ الشيخ الموفق يقول : ما نقدر نعمل مثلَ العماد ، كان يتألّف
الناس ، وربما كرَّر على الطالب من سحر إلى الفجر .
قال الضياء : وكان يجلس في جامع البلد من الفجر إلى العشاء ، لا
يخرج إلّ لحاجة ، يُقرىء القرآن والعِلمَ ، فإذا فرغوا اشتغل بالصلاة ،
فسألتُ الشيخ موفق الدين عنه فقال : كان من خيار أصحابنا ، وأعظمِهم
(١) الآدم من الناس : الأسمر .
(٢) بالعين المهملة وزاي ثم ياء آخر الحروف وبعد راء مهملة ثم ياء النسبة ، وقال الذهبي
في المشتبه : ((العُزيزي : غريب القرآن المختصر ، هكذا قد سار في الآفاق ، وصوابه :
العزيري : زاي ثم راء بلا شك )) ( ص : ٤٥٩) .
(٣) يعني في المدينة .
٤٨

نفعاً، وأشدهم وَرَعاً، وأكثرِهم صَبراً على التعليم . وكان داعية إلى السُّنّة ،
أقام بدمشق مدة يُعلِّم الفقراء ويُقرئهم ، ويُطعمهم ، ويتواضع لهم ، كان من
أكثر الناس تواضعاً ، واحتقاراً لنفسه ، وخوفاً من الله ، ما أعلم أنني رأيتُ
أشد خوفاً منه. وكان كثير الدُّعاء والسؤال لله ، يُطيل السُّجود والركوع ، ولا
يقبل ممن يَعْذُلُهُ ، ونُقِلت له كرامات .
ثم قال الضياء : لم أرَ أحداً أحسنَ صلاةً منه ولا أتمّ ، بخشوع
وخُضوع، قيل : كان يُسبح عشراً يتأنَّى فيها ، وربما قضى في اليوم والليلة
صلواتٍ عدة ، وكان يصوم يوماً ، ويُفطر يوماً ، وكان إذا دعا كانَ القلب يشهد
بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه ، وكان يَمْضي يوم الأربعاء إلى مقابرٍ
باب الصغير عند الشُّهداء ، فيدعو ويجتهد ساعة طويلة .
ومن دعائه المشهور: (( اللهم اغفر لأقسانا قَلْباً، وأكبرِنا ذَنْباً، وأثقلنا
ظَهْراً، وأعظمنا جرماً)) .
وكان يدعو : (( يا دَليلَ الحيارىْ دُلَّنا على طريق الصّادقين ، واجعلنا من
عبادك الصالحين )) .
وكان إذا أفتى في مسألة يحترز فيها احترازاً كثيراً .
قال(١) : وأما زُهده ، فما أعلم أنه أدخل نفسه في شيء من أمر الدنيا ،
ولا تَعَرَّض لها ، ولا نافس فيها ، وما علمتُ أنَّه دخلَ إلى سُلطان ولا والٍ ،
وكان قويّاً في أمر الله ، ضعيفاً في بَدَنه، لا تأخذُه في الله لومةُ لائم ، أمّاراً
بالمعروف ، لا يرى أحداً يُسيء صلاته إلّ قال له (٢) وعَلَّمه .
(١) الكلام كله للشيخ الضياء .
(٢) في الأصل: (( وله)) وليس بشيء.
٤٩

قال : وبلغني أنه أَتى فُسّاقاً، فكَسَر ما معهم ، فضربوه حتى غُشِيَ
عليه ، فأراد الوالي ضربهم ، فقال : إن تابوا ولازموا الصلاةَ ، فلا تؤذهم ،
وهم في حلٍّ ، فتابوا .
قال الضياء : سمعتُ خالي موفق الدين يقول : من ◌ُمري أعرفه -
يعني العِماد - ما عرفتُ أنَّه عصى الله مَعْصِيَة .
وسمعتُ الإِمام محاسن بن عبد الملك(١) يقول : كان الشيخ العماد
جوهرة العصر .
ثم قال الضياء : أعرف وأنا صغير أن جميع مَن كان في الجَبَل يتعلّم
القرآن كان يقرأ على العِماد ، وخَتَمَ عليه جماعةٌ ، وكان يبعث بالنَّفقة سِراً إلى
النَّاس ، ويأخذ بقلب الطالب ، وله بِشر دائم .
وحدثني (٢) الشيخ المقرىء عبد الله بن حسن الهَكَّاريّ بحران قال :
رأيتُ في النوم قائلاً يقول لي : العِماد من الأبدال ، فرأيتُ خمس ليالٍ
كذلك .
وسمعت التقي أحمد بن محمد ابن الحافظ (٣) يقول: رأيتُ الشَّيخَ
العِماد في النَّوم على حصان ، فقلتُ : يا سيدي الشيخ ، إلى أينَ ؟ قال :
أزورُ الجَبّارَ عزّ وجل .
قال أبو المظفر في ((المرآة)) (٤): كان الشيخُ العماد يحضر مجلسي
(١) التنوخي .
(٢) القول للحافظ الضياء .
(٣) عبد الغني المقدسي .
(٤) ٨ / ٥٨٧ - ٥٨٨ .
٥٠

دائماً ، ويقول : صلاحُ الدين يوسف فتح الساحل ، وأظهر الإِسلام ،
وأنت (١) يوسف أحييتَ السنَّة (٢) بالشام .
قال أبو شامة (٣): يشير أبو المظفر إلى أنه كان يُورد في الوعظ كثيراً من
كلام جدِّه (٤) ومن خُطَبه ما يتضمن إمرارَ آياتِ الصفات ومن صَحَّ من الأحاديث
على ما ورد من غيرٍ ميلٍ إلى تأويلٍ ولا تشبيه ولا تعطيل ، ومشايخُ الحنابلة
العُلماء هذا مختارهم ، وهو جَيِّد . وشاهدتُ العِماد مُصَلياً في حلقة الحنابلة
مراراً وكان مُطيلاً لأركان الصلاة قياماً وركوعاً وسجوداً ، كان يُصلي إلى
جُرانتين(٥) ، ثم عَمِل المحراب سنة سبع عشرة وست مئة .
قال الضياءُ : تُوفِّي العِماد رحمة الله عليه ليلة الخميس سابع عشر ذي
القعدة سنة أربع عشرة وست مئة عشاء الآخرة فجأة وكان صَلَّى المغرب
بالجامع وكان صائماً ، فذهب إلى البيت وأفطر على شيء يسير ، ولما
أُخرجت جنازته اجتمع خلقٌ فما رأيتُ الجامع إلّ كأنَّه يوم الجمعة من كثرة
الخَلْق ، وكان الوالي يَطْرُدُ الخَلْقَ عنه ، وازدحموا حتى كاد بعضُ الناس أن
يَهْلِكَ، وما رأيتُ جنازة قط أكثر خَلْقاً منها .
وحُكِي عنه أنَّه لما جاءه الموت جعل يقول : يا حيُّ يا قُّوم لا إله إلا
أنت ، برحمتك أستغيث ، واستقبل القبلة وتَشَهَّد .
(١) تصحفت في المطبوع من المرآة إلى ((وابن)).
(٢) كلمة ((السنة)) سقطت من النسخة التي طبعت عليها ((المرآة))، وحاول المصحح
استدراكها فما نجح .
(٣) ذيل الروضتين : ١٠٥ .
(٤) أبو الفرج عبد الرحمان ابن الجوزي .
(٥) الجُرانة : حجر منقور .
٥١

قال: وزوجاته أربع ، منهن غزيَّة بنت عبد الباقي ولدت له قاضي مصر
شمس الدين والعماد أحمد .
٣٤ - ابن الجَلَاجليّ *
التاجر الرئيس المقرىء كمال الدين أبو الفتوح محمد بن عليّ بن
المبارك البَغْدادُّ ابن الجَلَاجليّ .
ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مئة .
وسمع مِن هِبة الله بن أبي شريك ، وابن البَطّي ، وتلا بروايات على
أبي الحسن البطائحي ، وأبي السعادات الوكيل تلميذ أبي البركات الوكيل ،
وسمع من السِّلَفِيّ ، وجال من مصر إلى الهند وما وراء النهر في التجارة ،
وكان صادقاً كِيِّساً محتشماً ، حُفَظَةً للحكايات .
روى عنه ابن النَّجار ، والمُنذريُّ ، والقُوصِيُّ، وابنُ أبي عُمر ، وابن
البُخاريِّ ، وابنُ الواسطيِّ ، وابن الزَّين ، ومحمد بن مؤمن ، وعِدّةٌ .
توفِّي في بيت المَقْدِس في رمضان سنة اثنتي عشرة(١) وست مئة رحمه
الله .
(*) تاريخ ابن الدبيئي ، الورقة : ٩١ (شهيد علي)، والتكملة للمنذري : ٢ / الترجمة :
١٤٢٥، وذيل الروضتين: ٩٩، وتاريخ الإسلام، الورقة: ١٩٥ (باريس ١٥٨٢)،
والمختصر المحتاج: ١/ ١٠٠ - ١٠١، والبداية والنهاية : ١٣ / ٧٤، وعقد الجمان للعيني :
١٧ / الورقة: ٣٩٥، والنجوم الزاهرة: ٦/ ٢١٥، وشذرات الذهب: ٥٣/٥. وعرف بابن
الجلاجلي لأن جده كان حسن الصوت بالقرآن ، ذكر ذلك المنذري نقلاً عن شيخه عليّ بن
المفضّل المقدسي، أما الذي قاله محققو كتاب ((النجوم الزاهرة )) من أنه منسوب إلى جلاجل من
جبال الدهناء ، فلا وجه له من الصحة .
(١) ذكره أبو شامة في وفيات سنة ٦١٣ وتابعه على ذلك ابن كثير والعيني ، والأول أصح ،
وهو الذي قال به ابن الدبيثي ومن تبعه ، وهو أعلم بأهل بلده .
٥٢

٣٥ - ابن الصَّيْقل *
الشَّريف أبو القاسم موسى بن سعيد الهاشميُّ ، ابن الصَّيْقل .
سمع من إسماعيل ابن السَّمَرْقَندِيّ ، ومحمد بن أحمد ابن الطَّرائفيِّ ،
والأرمونيّ(١) .
وعنه : الدُّبَيْئِيُّ، والبِرْزاليُّ، والمِقداد القَّيْسِيُّ، وآخرون. وولي
نقابة العباسيين بالكوفة ، وولي حجابة باب النوبيّ .
مات في جمادى الأولى(٢) سنة اثنتي عشرة وست مئة ، وله سبع
وثمانون سنة .
٣٦ - يحيى بن ياقوت **
الشيخ أبو الفرج الفَرّاش .
سمع إسماعيلَ ابن السَّمَرقنديِّ ، وعبدَ الجبار بن تَوْبة ، ويحيى ابن
الطَّرَاحِ، وابن عبد السلام(٣)، وجاور، ورتب شيخاً بالحَرَم ومِعماراً (٤).
حدث عنه ابن الدُّبيثيّ ، وابنُ خليل ، وأحمد بن مودود نزيل مصر ،
وعدة .
(*) التكملة للمنذري : ٢ / الترجمة : ١٤٠١، وتاريخ الإسلام ، الورقة : ١٠٦ ( أيا
صوفيا : ٣٠١١)، وشذرات الذهب : ٥/ ٥٣.
(١) أبو الفضل محمد بن عمر .
(٢) في السادس عشر منه ، كما ذكر المنذري .
( ** ) التكملة للمنذري: ٢ / الترجمة: ١٤٠٦، وتاريخ الإِسلام، الورقة: ١٠٦ (أيا
صوفيا ٣٠١١)، والمختصر المحتاج، الورقة : ١٢٩، والنجوم الزاهرة: ٦/ ٢١٤، وشذرات
الذهب : ٥ / ٥٣ .
(٣) أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام.
(٤) لذلك عرف بالحَرَميّ أيضاً .
٥٣

ثم عاد إلى بغدادَ(١) ، وبها مات في جمادى الآخرة(٢) سنة اثنتي عشرة
وست مئة عن سن عالية(٣).
٣٧ - ابن مُحَلِّي *
الإِمامُ القاضي ثقةُ الملك أبو محمد عبد الله ابن القاضي الإِمام أبي
الحسن محمد بن عبد الله بن مُجَلِّ بن حُسين الرَّمليُّ ثم المِصْرِيّ الشافعي
الخطيب .
سمع ابنَ رِفاعة (٤)، وأبا الفتوح الخطيب (٥)، وناب في القضاء (٦) .
مات في ذي الحجة سنةً ثلاثَ عشرة وست مئة عن بضع وسبعين
سنة (٧) .
روى عنه البِرْزاليُّ، والمُنذريُّ، وشرف الدين عُمر بن صالح
السُّبْكِيّ ، ومحمد ابن الخِيَمِيِّ الشاعر ، وآخرون .
(١) من مكة المكرمة .
(٢) في الثامن والعشرين منه .
(٣) كان مولده سنة ٥٢٥، كما ذكر المنذري .
(*) التكملة للمنذري: ٢ / الترجمة: ١٥١١، وتاريخ الإِسلام، الورقة : ٢٠١ (باريس
١٥٨٢)، وذيل التقييد للفاسي، الورقة: ١٧٨. ولفظ «المُجَلَّ)) قيده المنذري في التكملة ،
فقال : بضم الميم وفتح الجيم وتشديد اللام وكسرها .
(٤) أبو محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي .
(٥) ناصر بن الحسن بن إسماعيل الزيدي .
(٦) بمصر وبجيزة الفسطاط .
(٧) ولد سنة ٥٤١ كما ذكر المنذري ، فيكون عمره اثنتين وسبعين سنة .
٥٤

٣٨ - الزُّهْرِيّ *
مُسند الأندلس أبو محمد عبد الرحمان بن عليّ بن أحمد الزُّهريّ
الإِشبيليُّ .
سمع (( البخاري)) من أبي الحسن شُرَيح بن محمد في سنة أربع
وثلاثين وخمس مئة(١) ، وعُمِّر ، وتَفَرَّد ، وتنافسوا في الأخذ عنه .
روى عنه أبو بكر بن سيِّد الناس الحافظ .
تُوفِّي في آخر سنة ثلاث عشرة وست مئة(٢). وقيل(٣): بقي إلى سنة
خمس عشرة ولم يصح .
وشيخه يروي الصحيح عن واحد ، عن أبي ذر الحافظ .
٣٩ - عَبْدُ السَّلام **
ابن الفقيه عبد الوهَّاب ابن الشيخ عبد القادر الجيليُّ ، الركن أبو
(*) التكملة لابن الأبار: ٣ / الورقة: ١٥ (مجلد الأزهر)، وتاريخ الإِسلام ، الورقة :
١١٣ ( أيا صوفيا ٣٠١١).
(١) سمعه حضوراً بإفادة أبيه ، فمولده قبيل الثلاثين وخمس مئة .
(٢) ذكر ذلك ابن الأبار نقلاً عن صاحبه أبي بكر ابن سَيّد الناس
(٣) الذي قال ذلك هو ابن مسدي في معجمه ، كما ذكر المؤلف في حاشية بخطه في
((تاريخ الإِسلام)».
( ** ) الكامل لابن الأثير: ١٢/ ١٢٦، وتاريخ ابن الدبيثي، الورقة: ١٤٢ (باريس
٥٩٢٢)، ومرآة الزمان: ٨ /٥٧١، وتكملة المنذري: ٢ / الترجمة: ١٣٤٨، وذيل
الروضتين: ٨٨، والمختصر لأبي الفدا : ٣ / ١٢٢، وتاريخ الإسلام، الورقة: ١٨٨ - ١٨٧
( باريس ١٥٨٢)، والمختصر المحتاج إليه ، الورقة : ٧٦، وفوات الوفيات: ١ / ٥٧١،
والبداية والنهاية : ١٣ / ٦٨، والذيل لابن رجب: ٧١/٢ - ٧٣، وعقد الجمان للعيني : ١٧ /
الورقة : ٣٤٦ - ٣٤٩، وقلائد التاذفي: ٤٥، وشذرات الذهب: ٥ / ٤٥ - ٤٦ والتاج المكلل:
٢٢٣ .

منصور الفاسدُ العقيدة الذي أُحرِقت كتبه ، وكان خِلَّ لعليٍّ ابنِ الجوزي
يجمعهما عدمُ الورع !
ولد سنة ثمان وأربعين .
وسمع من جدِّه ، وابن البَطِّي ، وأحمد بن المُقَرَّب ، وما سمعوا منه
شيئاً . دَرَّس بمدرسة جده ، ووليَ أعمالاً .
قال ابن النجار : ظهر عليه بخطه بتخير الكواكب ومخاطبتها بالإلهية ،
وأنّها مُدَبِّرة ، فأحضِرَ ، فقال: كتبتُه تعجّباً لا مُعْتَقِداً. فأُحرِقَتْ مع كتب
فلسفية بخطه في ملأ عظيم سنة ٥٨٨ ، وأعطيت مدارسه لابنِ الجوزي ،
فهذا كان السبب في اعتقال ابن الجوزي خمسة أعوام بواسط ؛ ولي وزيرٌ
شيعيُّ ، فمكَّن الرُّكن من ابن الجوزيِّ ، وبعد سنة ست مئة أعيد إلى الركن
المدارس ، ثم رتب عميداً ببغدادَ ومستوفياً للمكس ، وتمكن ، فظلمَ
وعَسَفَ ، ثم حُبِسَ وخَمَلَ .
قال ابن النجار : كان ظريفاً ، لطيفَ الأخلاق ، إلا أنه كان فاسدَ
العقيدة .
مات في رجب سنة إحدى عشرة وست مئة .
٤٠ - السَّائح *
الزَّاهد الفاضلِ الجَوَّل الشيخ عليّ بن أبي بكر الهَرَويُّ الذي طَوّفَ
(*) التكملة للمنذري: ٢ / الترجمة : ١٣٦٨، وتكملة ابن الصابوني : ٢٠٥ - ٢٠٦،
ووفيات الأعيان: ٣ / ٣٤٦ - ٣٤٨، والمختصر لأبي الفدا: ٣/ ١٢٢، وتاريخ الإِسلام،
الورقة: ٩٤ ( أيا صوفيا ٣٠١١)، والمشتبه: ٣٤٥، والوافي بالوفيات: ١٢ / الورقة : ١٣،
وعقد الجمان للعيني : ١٧ / الورقة : ٣٥٠، وتاريخ ابن الفرات : ٩ / الورقة : ٦١، وشذرات
الذهب : ٥/ ٤٩، ونهر الذهب للغزي: ٢ / ٢٩٣.
٥٦

غالب المَعْمُور ، وقل أن تجد موضعاً مُعتبراً إلّ وقد كتب اسمَه عليه .
مولده بالمَوْصِل ، واستوطن في الآخر حلب ، وله بها رباط . وجمع
تواليفَ وفوائدَ وعجائب . وكان حاطبَ ليلٍ دخلَ في السِّحْرِ والسِّيمياء ونفقَ
على الظاهر صاحِب حلب ، فبنى له مدرسة ، فدرَّس بها وخطب بظاهر
حلب ، وكان غريباً مشعوذاً ، حلو المجالسة .
قال ابنُ خَلِّكان(١): كاد أن يُطبق الأرض بالدوران براً وبحراً وسهلاً
ووعراً، حتى ضُرِبَ به المثلُ ، فقال ابنُ شمس الخلافة في رجل (٢) :
عَلَىْ اتَّفَاقِ مَعَانٍ واخْتِلافٍ رَوِي
أَوْرَاقُ كذبتِهِ(٣) في بَيْتِ كُلٍّ فتىً
كأنَّهُ خَطُّ ذَاكَ السَّائِحِ الهَرَوي
قَدْ طَبَّقَ الْأَرْضَ مِن سَهْلٍ إِلَى جَبَلٍ
قال ابنُ واصل(٤): كان عارِفاً بأنواع الحِيل والشعبذة ، ألّفَ خُطباً
وقَدّمها للناصر لدين الله ، فَوَقَّع له بالحِسْبَة في سائر البلاد فبقي له شرفٌ بهذا
التَّوقيع معه ، ولم يُباشر شيئاً من ذلك .
قلتُ : سَمِعَ من عبد المنعم ابن الفُرَاوِي سُباعياته . ورأيتُ له كتاب
المزارات والمشاهد التي عاينها(٥) ، ودخل إلى جزائر الفرنج ، وكاد أن
يُؤْسَرَ . وقبرُه في قبة بمدرسته بظاهر حلب .
مات في رمضان سنة إحدى عشرة وست مئة ، وقد شاخ .
(١) وفيات الأعيان: ٣ / ٣٤٦ - ٣٤٧.
(٢) كان يستجدي الناس بأوراقه .
(٣) في وفيات الأعيان : كُديته .
(٤) مفرج الكروب :
(٥) اسمه: ((الإشارات إلى معرفة الزيارات))، وهو مطبوع مشهور .
٥٧

٤١ - ابنُ الصَّبّاغ *
الشَّيخُ القُدوة الزَّاهد الكبير أبو الحسن عليّ بن حُمَيد ابن الصباغ
الصَّعِيديُّ .
انتفع به خَلْقٌ ، وكان حَسن التربية للمُريدين ، يتفقَّد مصالِحَهم
الدِّينية ، وله أحوال ومقامات وتَأَلُّه .
قال الحافظ زكي الدين المُنذريّ : اجتمعتُ به بقنا (١) ، وتوفِّي بها ،
وهي من صعيد مصر ، في نصف شعبان سنة اثنتي عشرة وست مئة رحمه
الله .
٤٢ - ابن البنّاء **
الشيخُ الزَّاهد العالم نُور الدين أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي
عبد الله بن مَوْهُوب بن جامِع بن عَبْدون البَغْدادِيُّ الصُّوفيُّ ، ابن البنّاء .
صحبَ الشَّيخ أبا النَّجيب(٢)، وسَمِعَ من ابن ناصر، وأبي الكَرَم
الشَّهْرُ وزُريّ ، وأبي بكر ابن الزَّاغونيّ ، ونصر بن نصر ، وعِدّةٍ .
(*) التكملة للمنذري: ٢ / الترجمة : ١٤١٧، وتاريخ الإِسلام ، الورقة : ١٠٣ ( أيا
صوفيا : ٣٠١١)، ودول الإسلام: ٢ / ٨٧، والوافي بالوفيات: ١٢ / الورقة : ٥٦، والنجوم
الزاهرة: ٦ / ٢١٥، وحسن المحاضرة: ١ / ٢٤٥ وقلائد التأذفي: ١٣٠ - ١٣١، وشذرات
الذهب : ٥ / ٥٢ - ٥٣.
(١) وذلك سنة ٦٠٦ .
( ** ) تاريخ ابن الدبيثي، الورقة: ٥٦ (شهيد علي)، والتكملة للمنذري: ٢ / الترجمة:
١٤٣٨، وتلخيص مجمع الآداب : ٤ / الترجمة: ٢٣٦٢ ثم أعاده في الترجمة ٢٣٦٤ ، وتاريخ
الإِسلام ، الورقة : ١٩٥ (باريس ١٥٨٢)، والمختصر المحتاج إليه: ١ / ٦١ - ٦٢، والعقد
الثمين: ٢/ ٩١ - ٩٢ ونقل من مشيخة الرشيد العطار، والنجوم الزاهرة: ٦/ ٢١٥، وشذرات
الذهب : ٥/ ٥٣.
(٢) السهروردي .
٥٨

وحَدَّثَ بمكة ، ومصرَ(١)، والشام ، وبغدادَ .
روى عنه ابنُ خليل ، والقُوصيُّ، وإسحاق بن بلكويه ، والجمالُ ابن
الصَّيرفيّ ، والقُطب الزّهريُّ، وابنُ أبي عُمر، وابن البُخاريّ ، وآخرون .
وأجازَ لشيخنا عُمر ابن القَوَّاس .
قال ابن الدُّبَيْثِيِّ (٢): شيخ حسن كُيِّس ، صَحِبَ الصوفية ، وتأدب
بهم ، وسمع كثيراً، وقالَ لي : ولدتُ سنة ست وثلاثين وخمس مئة ، وجاورَ
بمكة زَماناً ، ثم توجه إلى مِصْرَ ، ثم إلى دمشق .
وقال ابن النجّار : كان من أعيان الصُّوفية وأحسنهم شيبةً وشكلاً لا يَمِلُّ
جليسُه منه .
مات في منتصف ذي القعدة سنة اثنتي عشرة وست مئة بالسُّمَيْساطية ،
وكتب بخطّه أجزاء عديدة .
٤٣ - المِلَنجيّ *
المُحَدِّث المُفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي القاسم المِلَنجِيُّ
الأصبهانيُّ القَطّان المُؤَدِّب(٣) .
(١) قال المنذري في ((التكملة)): ((سمعت منه بمكة شرّفها الله تعالى سنة ست وست
مئة ، ثم قدم علينا مصر سنة سبع وست مئة ونزل بالخانقاه السعيدية بالقاهرة ، وحدث بها ،
وسمعت منه بها )) .
(٢) ذيل تاريخ مدينة السلام ، الورقة : ٥٦ (شهيد علي ) .
(*) معجم البلدان: ٤ / ٦٣٨، وتاريخ ابن الدبيئي، الورقة: ١٣٢ (باريس ٥٩٢١ )،
والتكملة للمنذري : ٢ / الترجمة : ١٤٠٥، وتاريخ الإِسلام ، الورقة : ١٠٦ ( أيا صوفيا
٣٠١١)، والمختصر المحتاج: ١/ ١٢٩، وتاج العروس ٢ / ١٠٢.
(٣) تصحف في ((معجم البلدان)) إلى: ((المؤذن)).
٥٩

وُلِدَ نحو سنة أربعين .
وسمع من إسماعيل الحَمامي ، ومحمد بن أبي نصر بن هاجر ،
وحجّ .
روى عنه ابنُ المُفَضَّل الحافظ ، ومات قبله ، والحافظ الضياء ، وابنُ
خليل . وأجاز لابن البُخاريِّ .
وكان حافظاً ، مُكثراً، مُكْرِماً للطّلبة، ذا مروءة، مُحبّاً للرواية .
تُوفِّي في جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وست مئة .
ومِلَنْجَة : محلةٌ أو قرية من أصبهان .
٤٤ - ابن ظافر *
صاحب كتاب (( الدُّول المُنْقَطِعَة)) (١) العَلّمة البارع جمال الدين أبو
الحسن عليّ ابن العَلّمة أبي المنصور ظافر بن الحُسين الأزديُّ المِصْرِيُّ
المالكيُّ الأصوليُّ المتكلِّم الأخباريُّ.
أخذَ الفقه والكلامَ عن أبيه ، وجَوَّد العربيةَ ، وشاركَ في الفضائِل .
وكان فَطِناً طَلْق العِبارةِ، سَيّال الذّهن جَيّد التَّصانيف ، دَرَّس بمدرسة
المالكية بمصرَ بعد والده، وتَرَسَّل إلى الخليفة، وَوَزر للملك الأشرف
(*) إرشاد الأريب لياقوت: ٥ / ٢٢٨، والتكملة للمنذري: ٢ / الترجمة: ١٤٨٢،
وتاريخ الإِسلام ، الورقة ( أيا صوفيا ٣٠١١)، والوافي بالوفيات: ١١ / الورقة : ٧٧ - ٧٩ ،
وفوات الوفيات : ٢ / ١٠٦، وتاريخ ابن الفرات: ٩ / الورقة: ٨٠ .
(١) قال بشار: نسخه معروفة في دور الكتب لكنه لم يطبع بعد ، وقد رأيت نسخة منه بدار
التحف البريطانية وعلقت منها فوائد عند رحلتي إليها في سنة ١٣٨٣ ، وقد تكلّم فيه على الدولة
الساجية ، والطولونية ، والأخشيدية ، والعبيدية ، والصنهاجية ، والعباسية بالرغم من أنها لم تكن
قد انقطعت في زمانه ، وهذه النسخة محفوظة برقم ٣٦٨٥ شرقي .
٦٠