Indexed OCR Text

Pages 41-60

فتلا عليه بالعَشْرةِ أبو أحمدَ عبدُ الوهابِ ابنُ سُكَيْنَةً(١).
وروى عنه هو وأبو المواهب ابنُ صَصْرَى ، وعبدُ القادر بنُ عبدِ الله
الرُّهَاوِيُّ ، ويوسفُ بنُ أحمدَ الشيرازيُّ ، ومحمدُ بنُ محمودٍ الحماميُّ ،
وعتيقُ بنُ بَدَلٍ المكِّيُّ ، وأولادُه : أحمد ، وعبدُ البِرِّ ، وفاطمةُ ، وأسباطُه :
القاضي عليَّ، ومحمدٌ، وعبدُ الحميد، بنو عبدِ الرشيدِ بن عليّ بن
بُنَيْمانَ ، وآخرون .
وروى عنه بالإِجازةِ أبو الحسن ابنُ المُقَيِّر ، وغيرُه .
قال أبو سَعْدِ السَّمعانيُّ : هو حافظٌ مُثْقنٌ ، ومقرىءٌ فاضلٌ ، حَسَنُ
السيرةِ، جميلُ الأَمْرِ ، مَرْضِيُّ الطريقةِ ، عزيزُ النَّفسِ ، سخيٍّ بما
يملكهُ ، مُكْرِمٌ للغرباءِ ، يعرفُ الحديثَ والقراءاتِ والآدابَ معرفةً حسنةً ،
سمعتُ منه بهَمَذَانَ .
وقال الحافظُ عبدُ القادر(٢): شيخُنا أشهرُ من أنْ يُعرَّفَ ؛ تعذّرَ وجودُ
مثله من أعصارٍ كثيرةٍ ، على ما بَلَغَنا من سِيَرِ العلماءِ والمشايخِ ، أَرْبَى على
أهلِ زمانهِ في كثرةِ السَّماعاتِ ، مع تحصيلِ أصولٍ ما سَمِعَ ، وجودة
النُّسَخِ ، وإتقانِ ما كَتَبَهُ بخطِّهِ ؛ فإنَّه ما كانَ يكتبُ شيئاً إلا منقوطاً معرباً ،
وأولُ سماعِه من الدُّونيِّ سنةَ ٤٩٥(٣) ، وبرعَ على حفَّاظِ عصرهِ في حفظ ما
يتعلَّقُ بالحديثِ من الأنسابِ والتواريخِ والأسماءِ والكنى والقصصِ والسيرِ .
(١) سيأتي ذكر ابن سُكينة المتوفى سنة ٦٠٧ ، وهو شيخ زهاد العراق في زمانه ، ويشتبه بـ
( سِكّینة ) بكسر السين وتشديد الكاف وهو غيره .
(٢) يعني الرُّهاوي .
(٣) هكذا قيدها الناسخ بالقلم الهندي .
٤١

ولقد كانَ يوماً في مجلسِهِ ، وجاءَتْهُ فَتْوى في أمرٍ عثمانَ - رضِيَ اللهُ
عنهُ -، فأخَذَها ، وكتبَ فيها مِنْ حفظِهِ ، ونحنُ جلوسٌ ، درجاً طويلاً ، ذكرَ
فيه نسبَهُ ، ومولدَه، ووفاتَه ، وأولادَه ، وما قيلَ فيهِ ، إلى غيرِ ذلك .
ولهُ التَّصانيفُ في الحديثِ ، وفي الزهدِ والرَّقائقِ ، وقد صنَّفَ كتابَ
((زاد المسافر)) في خمسين مجلداً، وكانَ إماماً في الحديثِ وعلومِه .
وحَصَّلَ من القراءاتِ ما إنَّه صنَّف فيها العشرةَ(١) والمفرداتِ، وصنَّفَ
في الوَقْفِ والابتداءِ ، وفي التجويد ، وكتاباً في ماءاتِ القرآنِ ، وفي العددِ ،
وكتاباً في معرفةِ القُرَّاءِ في نحوٍ من عشرين مجلداً ، استُحْسِنَتْ تصانيفُه ،
وكُتِبِتْ، ونُقِلَتْ إلى خُوارَزْمَ وإلى الشَّامِ ، وبرعَ عندَه جماعةٌ كثيرةٌ في
القراءاتِ . وكانَ إذا جَرَى ذِكْرُ القرَّاءِ يقول : فلانٌ ماتَ عامَ كذا وكذا ، وماتَ
فلانٌ في سنةٍ كذا وكذا ، وفلانٌ يعلو إسنادُه على فلانٍ بكذا .
وكان عالماً إماماً في النَّحْو واللغةِ . سَمِعْتُ أنَّ من جملةِ ما حفظَ كتابَ
((الجَمْهَرَةِ)). وخَرَّجَ له تلامذةً في العربيّةِ أئمةٌ يُقْرِؤون بِهَمَذَانَ ، وبعضُ
أصحابهِ رأيتُهُ، فكانَ من محفوظاتِهِ كتابُ ((الغريبين)) لأبي عُبيدٍ الهَرَويِّ ،
إلى أن قالَ: وكان مُهِيناً للمالِ ، باعَ جميعَ ما وَرِثَهُ ، وكانَ من أبناءِ التجّارِ ،
فأنفقهُ في طلبِ العلمِ ، حتَّى سافرَ إلى بغدادَ وإلى أصبهانَ مراتٍ ماشياً
يحملُ كتَبَهُ على ظهرِهِ ، سمعتُه يقولُ : كنتُ أبيتُ ببغدادَ في المساجدِ ،
وآكلُ خبزَ الدُّخْنِ .
قالَ: وسمعتُ أبا الفضْلِ بن بُنَيْمانَ الأديبَ يقولُ: رأيتُ أبا العلاءِ
العطَّارَ في مسجدٍ من مساجدٍ بغدادَ يكتُبُ وهو قائمٌ ؛ لأن السِّراجَ كان عالياً ،
(١) يريد بها القراءات العشر .
٤٢

.'
إلى أنْ قالَ : فَعَظُمَ شأنُهُ فِي القلوب ؛ حتَّى إِنْ كان لَيَمُرُّ فِي هَمَذَانَ فلا يبقى
أحدٌ رَآهُ إلَّ قامَ ، ودعا لَهُ ؛ حتَّى الصبيانُ واليهودُ ، وربَّما كانَ يمضي إلى
بلدةٍ مُشْكانَ يصلِّي بها الجمعةَ ، فيتلقَّهُ أهْلُها خارجَ البَلَدِ ؛ المسلمونَ على
حدةٍ ، واليهودُ على حِدةٍ ، يدعونَ لَهُ، إلى أنْ يدخلَ البلدَ .
وكانَ يُفْتَحُ عليهِ من الدُّنيا جُمَلٌ ، فلم يَدَّخِرْها، بَلْ يُنْفِقْها على
تلامذتِه ، وكانَ عليهِ رسومٌ لأقوامٍ ، وما كانَ يبرحُ عليهِ ألفُ دينارٍ همذانيةٍ أو
أكثر من الدَّيْنِ ، مع كثرةِ ما كانَ يُفْتَحُ عليهِ .
وكانَ يطلبُ لأصحابِهِ من الناسِ ، ويعزّ أصحابَه ومنْ يلوذُ به ، ولا
يحضرُ دعوةً حتَّى يحضرَ جماعةُ أصحابِهِ ، وكانَ لا يأكلُ من أموالِ الظُّلَمةِ ،
ولا قَبِلَ منهم مدرسةً قطُّ ولا رباطاً ، وإنَّما كانَ يُقْرىُ في دارِهِ ، ونحنُ في
مسجدِهِ سُكَّانٌ .
وكان يُقْرىُ نصفَ نهارِهِ الحديثَ ، ونصفَهُ القرآنَ والعلمَ ، ولا يَغْشَىْ
السلاطينَ، ولا تأخذُهُ في الله لومةُ لائمٍ، ولا يُمكِّنُ أَحَداً في محلَّتِهِ(١) أن
يفعلَ منكراً ، ولا سماعاً، وكان يُنَزِّلُ كلَّ إنسانٍ منزلتَهُ، حتَّى تَأَلَّفت القلوبُ
على محبَّتِهِ وحسنِ الذكرِ لَهُ في الآفاقِ البعيدةِ ، حتَّى أهلُ خُوارَزْمَ الذينَ هُمْ
مُعْتَزِلَةٌ مِعَ شدَّتِهِ فِي الحَنْبَلِةِ .
وكانَ حسنَ الصلاةِ لم أرَ أحداً من مشايخِنا أحسنَ صلاةً منهُ ، وكانَ
متشدِّداً في أمرِ الطَّهارةِ ؛ لا يدعُ أَحَداً يمسُ مداسَهُ ، وكانتْ ثيابُه قِصَاراً ،
وأكمامُه قِصَاراً ، وعمامتُهُ نحوَ سبعةِ أذرعٍ .
(١) في ((تذكرة الحفاظ )) ٤ / ١٣٢٦: ولا يمكن أحداً يعمل في مجلسه منكراً. وما ورد
هنا أثبت ، ويقويه ما ورد بعده بقوله ( ولا سماعاً) فمن غير المعقول أن يكون السماع ( أي الغناء )
في مجلس من مثل مجلس الحافظ أبي العلاء .
٤٣

وكانت السُّنَّةُ شعارَه ودثارَهُ اعتقاداً وفعْلاً، بحيثُ إِنَّهُ كانَ [إذا دَخَلَ](١)
مجلسه(٢) رجلٌ، فقدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرىْ كلَّفَهُ أنْ يرجعَ ، فيقدِّمَ اليُمنى ، ولا
يمسُّ الأجزاءَ إلَّ على وضوءٍ، ولا يَدْعُ شيئاً قطّ إلَّ مستقبلَ القبلةِ تعظيماً
لها . /
قُلْتُ(٣) : هذا لم يَرِدْ فيهِ ثوابٌ .
إلى أن قالَ : سَمِعْتُ من أَثِقُ بهِ عن عبدِ الغافرِ بن إسماعيلَ الفارسيِّ
أنَّهُ قالَ في الحافظِ أبي العلاءِ ، لِمَّا دخلَ نَيْسَأبُوْرَ: مَا دَخَلَ نَيْسَابُوْرَ مِثْلُكَ .
وسَمِعتُ الحافظَ أبا القاسم عليَّ بنَ الحسنِ(٤) يقولُ، وذكرَ رجلاً من
أصحابِهِ رَحَلَ : إِنْ رَجَعَ ولم يَلْقَ الحافظَ أبا العلاءِ ضاعتْ رحلَتُهُ .
قُلْتُ : كانَ أبو العلاءِ الحافظُ في القراءاتِ أكبرَ منْهُ في الحديثِ ، مع
كونِهِ من أعيانِ أئمَّةِ الحديثِ ، له عدةُ رِحْلاتٍ إلى بغدادَ وَأَصْبَهان ونَّيْسَابُورَ .
أخْبَرنا أبو سَعْيَةً(٥) صَبِيحٌ الأسودُ(٦) ، أخبرنا أبو الحسن ابن المقيِّر ،
(١) إضافة من ((تذكرة الحفاظ)) ٤ / ١٣٢٦ لا يستقيم المعنى بغيرها، ويقويها أن الرواية
وردت مطابقة للتذكرة في ((تاريخ الإسلام)) الورقة ٢٣ (أحمد الثالث ٢٩١٧ / ١٤).
(٢) في هامش نسخة الأصل ( مسجده ) ، وكأن الناسخ أراد تصحيحها ، وهو تصحيح غير
موفق لما دلّ عليه المعنى، ولما ورد في كتب الذهبي الأخرى، ومنها ((تاريخ الإسلام)) و((تذكرة
الحفاظ » .
(٣) القول للذهبي مؤلف الكتاب .
(٤) يعني ابن عساكر ، المتوفى سنة ٥٧١ .
(٥) في ((تذكرة الحفاظ)) ٤ /١٣٢٧ ( أبو سعيد) مصحف ، وقد ذكر الذهبي في
((المشتبه)) مثل هذا الاسم، ولكنه لم يذكر هذه الكنية (٣٩٦)، وقد ترجم الذهبي لصبيح هذا
في معجم شيوخه فقال:(( صبيح بن عبد الله عتيق صَوَاب سمع ابن المقَيِّر ... مات في صفر سنة
سبع وتسعين وست سنة، وكان خيِّراً ديّناً من أبناء الثمانين)) (م: ١ ، الورقة : ٦٢) وترجم له
في وفيات سنة ٦٩٧ من ((تاريخ الإسلام)»، وذكر مثل الذي ذكره في ((معجم شيوخه)) ( الورقة
٢٦٧، أيا صوفيا ٣٠١٤) ومن أسف لم يذكر كنيته في كلا الكتابين .
(٦) ذكر الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) أنه كان حبشياً.
٤٤

أخبرنا أبو العلاءِ الهَمّذَانِيُّ مكاتبةً، أخبرنا أبو عليٍّ المقرىءُ ، أخبرنا أبو
نُعَيْمِ الحافظُ ، حدَّثنا أحمد بن خَلَّدٍ ، حدثنا محمّد بنُ غالبٍ ، حدَّثنا
القَعْنَبِيُّ، عن مالكٍ، عن خُبَيْبٍ(١) بن عبدِ الرحمان، عن حفصٍ بن
عاصمٍ ، عن أبي سعيدٍ، أو عن أبي هُريرةَ ، قالَ : قال رسولُ اللهِ صلَّى
اللهُ عليهِ وسلَّم: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ في ظِلِّهِ، يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ؛ إمامٌ
عادلٌ .. )) وذكرَ الحديث(٢) .
أخبرنا أحمدُ بن إسحاق ، أخبرنا نصرُ بن عبد الرزاق ، أنبأنا الحافظُ
أبو العلاءِ الهمذانيُّ ، أخبرنا أبو عليّ محمِّدُ بن محمدٍ الهاشميُّ ، أخبرنا
عبدُ الله بنُ عمرَ ، أخبرنا أبو بحرٍ محمَّدُ بنُ الحسنِ ، حدثنا عليّ بن الفضلِ
الواسطيُّ ، حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، أخبرنا أبو مالكِ الأشْجَعِيُّ سَعْدُ بنُ
طارقٍ، عن رِبْعيٌّ(٣)، عن حُذَيْفَةَ ، قالَ: قالَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّم : ((المعروفُ كلُّهُ صَدَقَةٌ، وإِنَّ آخِرَ ما تَعَلَّقَ به الجَاهِلِيَّةُ مِنْ كَلَامٍ
النّبَوَّةِ: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَأَفْعَلْ مَا شِئْتَ))(٤).
(١) بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة ((المشتبه)»: ٢١٥.
(٢) قال شعيب: ((وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا
خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابًا في الله، اجتمعا على ذلك، وتفرقا، ورجل ذكر الله
خالياً، ففاضت عيناه، ورجل دعته ذات حسب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق
بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). أخرجه مالك في ((الموطأ » ٣ /١٢٧،
١٢٨ بشرح السيوطي من طريق خبيب بن عبد الرحمن بهذا الإسناد ، ومن طريق مالك أخرجه
الترمذي ( ٢٣٩١)، وأخرجه البخاري برقم (٦٦٠) و (١٤٢٣) و (٦٤٧٩) و (٦٨٠٦)،
ومسلم (١٠٣١)، والنسائي ٢٢٢/٨ كلهم من طريق عبيد الله بن عمر، عن حبيب.
(٣) بكسر أوله وسكون الموحدة كما في ((التقريب)) ١ / ٢٤٣ وغيره .
(٤) قال شعيب : إسناده صحيح ، وأبو مالك الأشجعي اسمه سعد بن طارق ، وأخرجه
أحمد في ((المسند)) ٤٠٥/٥، والخطيب في ((تاريخه)) ١٣٥/٢، ١٣٦ من طريق يزيد بن
هارون بهذا الإِسناد، وأخرجه دون قوله ((المعروف كله صدقة)) البخاري ٦/ ٣٨٠، في الأنبياء : =
٤٥

تُوفِّي أبو العلاءِ الهَمَذانِيُّ بها(١) في جمادى الأولى سنةً تسعٍ وستين
وخمس مئةٍ ، ولَهُ نَّيِّفٌ وثمانونَ سنةً .
وفيها : ماتَ صاحبُ الشَّامِ الملكُ نورُ الدِّينِ محمودُ بن زَنْكيّ التركيُّ
عن بضعٍ وخمسينَ سنةً، والمُسْنِدُ أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ عليّ بن المُعَمِّرِ
العلويُّ النقيبُ ببغدادَ ، وأبو الحسنِ دَهْبَلُ بن عليٍّ بن كارِهِ الحريميُّ ،
وشيخُ النحو أبو محمَّد سعيدُ بن المباركِ ابن الدهَّانِ البغداديُّ، ومُسْنِدُ
المغرب أبو الحسن عليُّ بنُ أحمدَ بن حُنَيْنٍ(٢) الكِنَانِيّ(٣) بفاس عن ثلاثٍ
وتسعين سنةً ، والمُسْنِدُ أبو محمَّدٍ عبدُ اللهِ بن أحمدَ بنِ هبةِ اللهِ بنِ محمَّدِ ابن
النَّرْسِيِّ، وأبو إسحاق بن قرقول الحَمْزِيُّ، وأبو تميمٍ سَلْمانُ بنُ عليّ.
الرَّحْبِيُّ الخَبَّازُ، وعبدُ النبيِّ بنُ المهديِّ الخارجيُّ المتغلبُ على اليمنِ ،
والفقيهُ عُمارةُ بن عليٍّ اليمنيُّ شاعرُ وقتِهِ، وأبو شجاعٍ محمدُ بن الحُسَينِ
المادَرائيُّ الحاجبُ .
وفي أولادِ الحافظِ أبي العلاءِ جماعةٌ نجباءُ ؛ أصغَرُهُمْ الحافظُ الرحَالُ
= باب ما ذكر عن بني إسرائيل، و٤٣٤/١٠ في الأدب : باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت ، وأبو
داود ( ٤٧٩٧ )، وابن ماجه ( ٤١٨٣ ) من طريق منصور بن المعتمر ، عن ربعي بن حراش ، عن
أبي مسعود عقبة البدري قال: قال النبي وسلم: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم
تستح، فاصنع ما شئت)). قال الحافظ تعليقاً على قوله ((عن أبي مسعود)): هذا هو المحفوظ ،
ورواه إبراهيم بن سعد ، عن منصور، عن عبد الملك ، فقال : عن ربعي بن حراش ، عن
حذيفة، حكاه الدارقطني في ((العلل)) قال: ورواه أبو مالك الأشجعي أيضاً عن ربعي ، عن
حذيفة .
قال الحافظ : وليس ببعيد أن يكون ربعي سمعه من أبي مسعود ومن حذيفة جميعاً .
(١) يعني بهمذان .
(٢) شطح قلم الناسخ فكتبها (( حسين)) وهو مشهور سيأتي.
(٣) في ((تذكرة الحفاظ)) ٤ /١٣٢٧: ( الكتاني ) مصحف .
٤٦

مفيدُ هَمَذَانَ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ الحسنِ ، سَمِعَ من أبي الوقتِ(١)
والباغَبَانِ(٢) ، وبأصْبَهانَ من أبي رشيدٍ عبدِ الله بن عمرَ ، والحافظِ أبي
موسى (٣)، وقرأ كثيراً، وحصَّلَ الأصولَ، روى عنه أبو الحسنِ ابنُ
القَطِيْعِيِّ(٤) ، ماتَ كهلاً سنةَ خمسٍ وست مئةٍ .
٣ - الخَطيبي *
الفقيه أبو حنيفةً محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عليِّ الأَصْبهانيُّ الخَطِيِي
الحنفيُّ .
روى عن جدِّهِ لأَمِّهِ حَمْدٍ بِنِ صَدَقَةَ ، وأبي مطيعِ الصحَّافِ ، وأحمدَ
ابنِ محمدِ بن أحمدَ بن مَرْدَوَيْهِ ، وأبي محمَّدٍ الدُّونيِّ، وأبي الفتحِ الحَدَّادِ .
وأملى عدةَ مجالسَ ، وحدَّثَ بأصبهانَ ، ومكةً ، وبغدادَ .
روى عنه أبو طالب بن عبدِ السميعِ ، والإِمام الموفقُ بنُ قُدامةَ ، وابنُ
الأخضرِ، وأبو القاسمِ ابنُ صَصْرَى ، وآخرون .
وهو من بيتٍ علمٍ وروايةٍ .
(١) يعني أبا الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي الهروي، أعظم رواة (الجامع
الصحيح )) للبخاري في عصره .
(٢) أبو الخير محمد بن أحمد الباغبان الأصبهاني ، المتوفى ٥٥٩ ، والباغبان نسبة إلى
حفظ الباغ وهو البستان ، واللاحقة ( بان ) أداة تدل على المحافظة في الفارسية ، ومثلها
( وان ) ، مثل ( كاروان )، وتقلب العامة في العراق ( الباء ) من ( بان ) واواً فتجعل ( الباغبان )
(الباغوان). راجع ((الوفيات)) للحاجي وتعليق المحققين عليها في الترجمة ١٧٦.
(٣) يعني : المديني الحافظ المشهور .
(٤) صاحب ((تاريخ بغداد)) المسمّى بدرة الإكليل في تتمة التذييل ، المتوفى سنة ٦٣٤ .
* ترجم له الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) الورقة ٤٣ (أحمد الثالث ١٤/٢٩١٧).
٤٧

توفي بأصبهانَ سنةً إحدى وسبعينَ وخمس مئةٍ ، ولهُ ثلاثٌ وثمانون
سنةٌ .
٤ - ابن البُوقي *
شيخُ الشافعيةِ بواسطٍ ، أبو جعفر هبةُ اللهِ بنُ يحيى بنِ حَسَنٍ(١)
الواسطيُّ ، ابن البوقيِّ ، العطَّارُ .
سَمِعَ أبا نُعَيْمِ الجُمَّاري ، وأبا نُعَيْمٍ ابنَ زبزبٍ ، وخَميساً الحافظَ .
وتفقَّهَ وبرعَ على أبي عليِّ الفارقيِّ، وآستَقْدَمَهُ ابنُ هُبَيْرَةَ(٢).
روى عنه ابنُ الأخضرِ، وإبراهيمُ الكاشْغَرِيُّ ، وكانَ بَصيراً
بالخلافِ ، عليماً بالفرائضِ .
ماتَ بواسطٍ في ذي القَعدة سنةً إحدى وسبعينَ وخمس مئةٍ في عَشْرِ
التسعين .
٥ - اليُوسفيّ **
الشيخُ الصالحُ أبو نصرٍ عبدُ الرحيم بنُ عبدِ الخالِقِ بن أحمدَ بنِ عبدِ
القادرِ بن محمَّدٍ بن يوسفَ البغداديُّ الخَيّاط .
* ترجم له الذهبي في («تاريخ الإسلام)) الورقة ٤٤ (أحمد الثالث ١٤/٢٩١٧) والسبكي
في ((طبقات الشافعية)) ٣٢٨/٧ وفي (( الطبقات الوسطى)).
(١) في ((طبقات)) السبكي (الحسين)، وجاء صحيحاً في طبقاته الوسطى ( الحسن ) .
(٢) يعني الوزير المشهور عون الدين بن هبيرة .
** ترجم له ابن الدبيئي في ((تاريخه))، والذهبي في ((المختصر المحتاج إليه)): ٢٤/٣،
و(العبر)): ٤ /٢٢٠، و«تاريخ الإسلام)) الورقة ٥٣ (أحمد الثالث ٢٩١٧ / ١٤)، وابن =
٤٨

روى عن ابنِ نَّبِّهانَ ، وابنٍ بيان ، وأبي طالبٍ اليوسفيّ .
وعنه ابنُ الأخضرِ ، والشيخُ الموفَّقُ ، والبهاءُ عبدُ الرحمانِ، والشمسُ
البخاريُّ ، وكتائبُ بن مهديٍّ ، وعبدُ الحقِّ الفيَّالِيُّ، وعبدُ الحقِّ بن
خلفٍ ، وآخرون .
توفِّي بمكةَ قبلَ أخيهِ في سنةٍ أربعٍ وسبعينَ وخمس مئةٍ ، وله تسعٌ
وستُّونَ سنةً ، وكان ديِّناً خيِّراً، ذا مروءةٍ تامَّةٍ .
٦ - العُلَيْمِيَّ *
المحدِّثُ العالمُ الرَّحَالُ أبو الخطّابِ عمرُ بنُ محمَّدٍ بنِ عبدِ الله بن
خَضِرٍ بِنِ مُسافرِ العُلَيْمِيُّ الدمشقيُّ السَّفَّارُ، عُرِفَ بابنِ حَوشكاش(١) .
سَمِعَ من الفقيهِ نَصْرِ الله المِصِّيْصِيِّ ، ونَصرِ بنِ مَطْكود ، وأبي القاسمِ
ابنِ البُنِّ ، وأبي الأسعدِ ابنِ القُشَيرِيِّ، ونصرِ بنِ المُظَفَّرِ البَرمكيِّ ، وعبدِ الله
ابنِ الفُرَاويِّ ، وهبةِ اللهِ الدقَّاقِ ، وعبدِ الله بنِ رِفاعةً ، والسِّلّفِيِّ ، وعددٍ کثیرٍ
بخراسانَ والعراقِ(٢) ومصرَ والشامِ. وكَتَبَ الكثيرَ ، وكان صَدُوقاً، حميدَ
:= العماد في ((الشذرات)) ٤ / ٢٤٨. والبيت اليوسفي من البيوتات البغدادية المشهورة بالعلم
والفضل ، وقد اشتهر منهم غير واحد .
* ترجم له ابن الدبيئي، الورقة: ١٩٩ (باريس ٥٩٢٢)، وابن النجار في ((التاريخ
المجدَّد)) الورقة: ١٣٢ (باريس) والذهبي في ((تاريخ الإسلام))، الورقة: ٥٣ (أحمد الثالث
٢٩١٧ /١٤)، و((المختصر المحتاج إليه)٣ /١٠٤، و((العبر)) ٤ / ٢٢٠، وابن العماد في
(( الشذرات)) ٤ / ٢٤٨.
(١) كذا في الأصل، وفي تاريخ ابن الدبيئي: ((حوائج كش)) وفي ((تاريخ الإسلام » و
((المختصر المحتاج إليه)): ((حوائج كاش)).
(٢) ذكر ابن الدبيئي أنه ورد بغداد مرتين أولاهما في سنة ٥٥٩ ، والثانية في سنة ٥٦٨.
سير ٤/٢١
٤٩

السِّيرةِ ، جِيِّدَ الفَهْمِ والمعرفةِ .
رَوَى عنه: ابنُ الأخضرِ(١)، وزينُ الْأُمَناءِ ، وطائفةٌ .
ماتَ في شوَّالٍ سنةَ أربعٍ وسبعينَ وخمس مئةٍ بدمشقَ ، ولهُ أربعٌ
وخمسونَ سنةً (٢) .
٧ - الحَدِيْثِيّ *
قاضي القضاةِ أبو طالبٍ رَوْحُ بنُ أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ صالحٍ
الحَدِيثِيُّ ، ثُمَّ البغداديُّ الشافِعِيُّ .
وُلِدَ سنةً اثنتين وخمس مئةٍ .
وسَمِعَ إسماعيلَ بنَ الفضلِ الجُرْجانيَّ، ومحمَّد بنَ عبدِ الباقي
البَجَلِيَّ، وهبةَ اللهِ بنَ الحُصَيْنِ .
(١) قال ابن الدبيثي في تاريخه: ((ذكره شيخنا عبد العزيز الأخضر فأثنى عليه ، وروى عنه
في مصنفاته ، وحدثنا عنه)) .
(٢) لم يذكر ابن الدبيئي مولده ووفاته ، ووجدناها بحاشية النسخة بخط الحافظ عبد العظيم
المنذري نقلاً عن شيخه أبي البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الشافعي كما نقلها
ابن النجار عن هذا الشيخ نفسه، وقال ابن النجار في تاريخه: (( سمعت عبد العزيز بن عبد الملك
الدمشقي ببغداد يقول: سمعت أبا الفضل عبد الله بن محمد بن عبد الله العليمي يقول: لما كان أخي
ببغداد يسمع الحديث عاهد الشريف أبا الحسن الزيدي وصبيحاً النصري أنه يوقف كتبه وأجزاءه ،
ويرسلهما إليهما لتكون في خزانتهما ببغداد ، فلما مرض مرض الموت ، أوصى إليَّ بذلك ، فلما
توفي ، أنفذتها إلى مسجد الزيدي ، قلت ( أي ابن النجار ) : وصلت إلى بغداد بعد وفاة الزيدي
فتسلمها صبيح ، وهي الآن في خزانة الزيدي)) ( الورقة ١٣٣ - باريس ) وذكر ابن الدبيثي مثل
هذا .
* ترجم له ابن الجوزي في المنتظم (٢٥٥/١٠)، وابن الدبيثي: ( الورقة: ٥١ باريس
٥٩٢٢)، والذهبي في تاريخ الإسلام (الورقة: ٣٥ - أحمد الثالث ٢٩١٧ /١٤) والمختصر
المحتاج إليه (٦٩/٢)، ومحي الدين القرشي في الجواهر المضية (١ / ٢٤١) وابن كثير في
البداية : (١٢ / ٢٩١)، والعيني في عقد الجمان: (١٦ / الورقة ٥٧٤ )، وذكر ابن الجوزي
ونقل عنه البدر العيني انه كان ينبز بالرفض .
١

سَمِعَ منه : عمرُ بنُ عليٍّ القُرَشِيُّ.
وروى عنه : إِسِفَنْديارُ ابنُ المُوقَّقِ ، وبالإِجازةِ ابنُ مَسْلَمَةَ .
قالَ ابنُ النجَّارِ (١): كانَ مُتديِّناً، حسنَ الطريقةِ، عفيفاً نزهاً، ولاَهُ
الْمُستضيءُ القضاءَ في سنةٍ ستٍّ وستينَ بعدَ آمتناعٍ منهُ شديدٍ ، ولم يَزَلْ على
القضاءِ حتى تُوفي في المحرَّمِ سنةً سبعينَ وخمس مئةٍ .
٨ - ابنه *
الإِمام القاضي الزاهد العابد القانت أبو المعالي ، عبدُ الملكِ بنُ
رَوْحٍ ، استنابَهُ(٢) أبوهُ في القضاءِ بحريمِ دارِ الخلافةِ ، وسَمِع من عليّ بنِ
الصَّبَّغِ، ومحمَّدٍ بنِ محمّدٍ ابن السَّلَّلِ، والْأَرْمَويِّ.
انتقىْ لهُ عليُّ بنُ أحمدَ الزيدُّ جزءاً .
وروى عنُهُ عبدُ الملكِ ابنُ أبي محمّدٍ البَرَدَانِيُّ .
قال ابنُ النجَّار(٣): أخبرنا محمّدُ بنُ سعيدٍ الحافظُ (٤)، أخبرنا عبدُ
الملكِ بنُ أبي محمدٍ ، أخبرنا عبدُ الملك ابنُ الحَديثِيِّ ، أخبرنا ابنُ
السَّلّلِ ، فذكر حديثاً .
(١) لم يصل إلينا هذا القسم من ((تاريخ)) ابن النجار .
* ترجم له ابن الدبيثي: (الورقة : ١٣٧ - باريس ٥٩٢٢) وابن النجار (الورقة: ٦
ظاهرية ) والذهبي في المختصر المحتاج إليه : (٣١/٣)، وتاريخ الإسلام ( الورقة : ٣٦ -
أحمد الثالث ٢٩١٧ / ١٤ ) .
(٢) ذكر ابن الدبيئي أنه شهد عند والده في أول ولايته لقضاء القضاة في يوم السبت ثاني
عشر من شهر ربيع الآخر سنة ٥٦٦ .
(٣) (( التاريخ المجدد)) الورقة : ٦ ظاهرية .
(٤) يعني ابن الدبيئي .
٥١

قال ابنُ النجّار(١): سَمِعْتُ جارَنا عليَّ بنَ أحمدَ القَوّاسَ يقولُ: كانَ
القاضي عبدُ الملكِ ابنُ الحَديثِيِّ يخرجُ من دارِ والدِهِ قاضي القضاةِ راكباً
بالعِمامةِ الكبيرةِ ، والقميصِ والطَيْلَسانِ، والوكلاءُ والرِّكَّابِيَّةُ بِينَ يَدَيْ
فرسِهِ ، إلىْ بابِ منزِلِهِ ، فإذا نَزَلَ ودخلَ دارَهُ ، خَرَجَ ماشياً ، علیهِ ثیابٌ
قصيرةٌ صغيرةُ الأكْمامِ ، وعِمامةٌ لطيفةٌ ، والمصلَّى على كتفِهِ ، حتّى يأتيَ
مسجدَ السُّوقِ ، فيصلِّي السنَّةَ ، ثم يخرجُ ، ويقيمُ الصلاةَ ، ويؤمُّ بالناسِ ،
وكان يُسَخِّر في ليالي رمضانَ ، وكانَ يَعْرِفُ المواقيتَ .
حَجِّ ابنُ الحديثِيِّ سنةَ تسعٍ وستينَ ، وقَدِمَ وقَدْ ماتَ أبوهُ ، فخوطِبَ
في أنْ يَلِيَ قضاءَ القضاةِ، فلمْ يُجِبْ، وَتَرَدَّدَ الكلامُ في ذلك أيّاماً ،
ومرِضَ، فماتَ في صَفَر سنةَ سبعين وخمس مئةٍ(٢) رحمةُ اللهِ عليهِ .
٩ - المَأُمُونيُّ *
العلَّمةُ الأديبُ الأَخْباريُّ أبو محمدٍ هارونُ بنُ العِبَّاسِ بنِ محمَّدٍ
العبّاسيُّ المأمونيُّ البغداديُّ، مصنّفُ ((التاريخ على السنين))، وله (( شرح
المقامات))، وكتاب ((أخبار الأوائل))(٣).
(١) (( التاريخ المجدد))، الورقة : ٦ ظاهرية.
(٢) كانت وفاته على ما ذكر ابنُ الدبيثي في يوم الأحد الرابع والعشرين من صفر سنة ٥٧٠ ،
وقال: ((وقد توفي والده قاضي القضاة في محرم من هذه السنة فندب إلى توليته قضاء القضاة ،
وعيّن عليه في ذلك ، فمرض، ومات قبل تمام ذلك)). ( الورقة ١٣٧ - باريس ٥٩٢٢) ولم يشر
ابنُ الدبيئي كما رأيت إلى ممانعة منه في تولي قضاء القضاة .
* ترجم له الذهبيُّ في تاريخ الإسلام، الورقة: ٥٠ (أحمد الثالث ١٤/٢٩١٧) والعبر :
٢١٧/٤، وابن العماد في الشذرات : ٢٤٥/٤ .
(٣) هكذا ذكر له الذهبي ثلاثة كتب، والذي في ((تاريخ الإسلام)) يشير إلى أن ((أخبار
الأوائل)) جزء من تاريخه الذي على السنين، قال في ((تاريخ الإسلام)): ((وصنف شرحاً=
٥٢

وَحدَّثَ عن قاضي المارستانِ(١).
ماتَ في ذي الحجَّةِ سنةَ ثلاثٍ وسبعينَ وخمس مئةٍ .
١٠ - صاحِبُ اليَمَنِ *
الملكُ المُعظّمُ ، شمسُ الدولةِ ، تورانشاه بنُ أَيُّوبَ ، أخو السُّلطانِ
صلاحِ الدِّين ، هو أسنُّ من السُّلطانِ ، فكانَ يحترِمُهُ وَيَرىْ لَهُ . جهّزَهُ في
سنةٍ ثمانٍ وستينَ إلى بلادِ النُّوبَةِ ، فرجعَ بغنائمَ كثيرةٍ ، ثمَّ بعثَهُ على اليمنِ ،
فظَفِرَ بعبدِ النبيِّ المتغلّب عليها ، وقَتَلَهُ ، واستولى على مُعْظمِ اليمنِ ، وكان
بطلًا شجاعاً جواداً مُمَدَّحاً. ثمّ إنَّه ملَّ من سُكنى اليمنِ، ولم توافقْهُ،
فاستنابَ عليها ، وقدمَ في آخرِ سنةِ إحدى وسبعينَ ، فَعَمِلَ نيابةَ السلطنةِ
بدمشقَ ، ثم تحوَّلَ إلى مصرَ في عامِ أربعةٍ وسبعينَ ، واتفق موتُه
بالإسكندريّةِ في صَفّر سنةَ ستٍّ وسبعين ، فنُقل في تابوت إلى دمشقَ ، ودُفِنَ
بالمدرسةِ الشّاميةِ عند أُخْتِهِ شقيقتِهِ .
ومعنى تورانشاه : مَلِك الشّرقِ .
وكانت الإِسكندريةُ له إقطاعاً ، وكانَ نوَّابُهُ باليمن يحملونَ إليهِ الأموالَ
من زَبيد وعَدَن ، وكانَ لا يَدَّخرُ شيئاً ، وفيه لَعِبُ ولذَةٌ محظورةٌ وعُسْفٌ .
=المقامات الحريري مختصراً ، وجمع تاريخاً على السنين فيه أخبار الاوائل والحوادث والدول في
مجلدين)) ( الورقة: ٥٠ من النسخة المذكورة) فلعله أفرد أخبار الأوائل في كتاب مستقل .
(١) يعني محمد بن عبد الباقي الأنصاري المتوفى ٥٣٥ .
* وتكتب أيضاً ((توران شاه)) منفصلة ، وقد ترجم له غير واحد من الذين أرخوا لعصره
منهم: سبط ابن الجوزي: ٣٦٢/٨، وابن خلكان: ٣٠٦/١، والخزرجي في العقود
اللؤلؤية: ٢٦/١ والذهبي في تاريخ الإسلام الورقة ٦٤ (أحمد الثالث ١٤/٢٩١٧) والعبر:
٢٢٨/٤، والعرشي في بلوغ المرام : ٤١، وغيرهم.
٥٣

مات وعليه مئتا ألفٍ دینارٍ .
وله إخوة نجباء : صلاحُ الدِّينِ السُّلطانُ، وسيفُ الدِّين العادلُ ،
وشاهِنْشاه والدُ فَرُّوخشاه صاحب بعلبكَّ، ووالدُ الملكِ تقيِّ الدين عمرَ
صاحب حماة ، وتاجُ الملوكِ بُوْري الذي قُتل على حلب ، وسيفُ الإِسلام
◌ُغْتِكين الذي تملَّك اليمنَ أيضاً، وربيعة خاتون ، وست الشام(١).
١١ - مَلِكُ المَوْصِلِ *
الملكُ سيفُ الدِّين ، غازي ابن صاحبِ المَوْصلِ ، قطبِ الدينِ
مودودِ ابن الأتابك زنكيِّ ابنِ قسيمِ الدولة آقسنقر التركيُّ المَوْصليُّ .
تملَّكَ بعد أبيهِ من تحتِ يدِ عِّهِ الملكِ نورِ الدين ، وطالتْ أيامُه ،
فلما تسلطنَ صلاحُ الدينِ ، وحاصرَ حَلَب ، نَفَّذَ غازي جيشَه مع أخيه مسعودٍ
يُنْجِدُ ابنَ عمِّه ، فالتقوا هم وصلاحُ الدين عند قرونٍ حماةً ، فانكسرَ مسعودٌ ،
فأقبل غازي بنفسهِ ليأخذَ بالثأرِ ، فوقَعَ المَصَافُّ على تلِّ السُّلطانِ بقرب
حلب ، فانكسرتْ ميسرةُ صلاحِ الدين ، فحملَ السلطانُ بنفسِهِ ، فكسر
المَوَاصِلَةَ ، فقبِّحَ اللهُ القتالَ على المُلْكِ ، ما أرْدَاهُ .
١
ماتَ غازي رحمَهُ اللهُ بالسّلِّ فِي صَفَر سنةَ ستُّ وسبعينَ وخمس
(١) ستأتي تراجمهم في هذا الكتاب .
* ترجم له ابن الأثير في التاريخ الباهر: ١٤٦ - ١٧٥ وغيرها، وذكره في غير موضع من
الكامل، وترجم له سبط ابن الجوزي : ٨ / ٣٦٣، وابن خلكان: ٤ / ٣، وابن واصل في
مفرج الكروب : ١ / ١٩٠، والذهبي في تاريخ الإسلام: الورقة ٦٧ (أحمد الثالث ٢٩١٧ /
١٤) والعبر: ٤ / ٢٣٠، وابن الوردي: ٢ / ٩٠ ، وابن تغري بردي في النجوم: ٦ / ٨٨،
والمقريزي في السلوك: جـ ١ ق ١ ص ٥٨ فما بعد، وابن العماد في الشذرات : ٤ / ٢٥٧.
٥٤
١

مئةٍ(١) ، وتملّك المَوْصِلَ أخوهُ المَلِكُ عزُّ الدّين مسعودٌ .
١٢ - خُوَار زِمْشَاه*
السلطانُ أرْ سَلَان بنُ خوارزم شاهَ(٢) آتسز(٣) ابنِ الأميرِ محمّدٍ بِنِ
نُوشْتِكين(٤).
تملَّك بعد أبيهِ . كان جدُّهم نوشتكين مملوكاً لرجلٍ ، فاشتراهُ أميرٌ من
السَّلْجُوفيَّةِ اسمُه بلكا بك فكْبِرَ نوشتكين، ونشأ نجيباً عاقلاً، فُوُلِدَ له
محمّدٌ، فأشغلَهُ في العلمِ والأدبِ ، وطَلَع نبيلاً كاملاً، وسادَ ، وتأمَّرَ ،
ونابَ في حدود الخمس مئةٍ بخُوارزم ، ولقِّبوه خُوَارِ زِمْشَاه ، فعَدَل ، وأحسنَ
السياسةَ، وقرَّبَ العلماءَ، وعَظُمَ شأنُه عند مخدومِه السلطانِ سَنْجَر ، ثم
تُوقِّي ، فقامَ في ولايتهِ ابنُه آطسز خُوارزمشاه، ثم بَنُوهُ ، فوليَ أرسلان
هذا ، فكان من كبارِ الملوكِ كأبيه .
رجعَ من محاربة الخَطَا مريضاً ، فماتَ في سنة ثمانٍ وستين وخمس
مئةٍ ، فتملّك بعده ابنُه سلطان شاه محمودٌ ، وكان ابنُه الآخر تكش مُقيماً على
مَدينةِ جَنْد، فلما سَمِعِ، تَنِّرِ وأَنِفَ من سلطنةِ أخيهِ الصغيرِ ، وسارَ إلى ملكِ
(١) وقد ذكر ابنُ الأثير أنه كان لا يحب الظلم على شحٍّ فيه وجبن، وذكر الذهبي في
((تاريخ الإسلام)) أنه عاش نحواً من ثلاثين سنة ، وأنه تعاطى الخمر والزنى بعد موت نور الدين
فمقته أهل الخير ( الورقة ٦٧ - احمد الثالث ٢٩١٧ /١٤ ) .
* أخباره في التواريخ المستوعبة لعصره ولا سيما ابن الأثير في الكامل . وتناول الذهبي
أخباره في قسم الحوادث من تاريخ الإِسلام (أحمد الثالث ١٥/٢٩١٧) وترجم له في تاريخ
الإِسلام ، الورقة ١٨ ( أحمد الثالث ١٤/٢٩١٧).
(٢) هكذا ترد متصلة تارة ومنفصلة أخرى .
(٣) وتكتب أيضاً: ((آطسز)) ومعناها بالتركية: بغير اسم ، كما سترد بعد قليل.
(٤) وترد في بعض الكتب (( نشتکین )) بغير واو .
٥٥

الخَطَا ، فأمدَّه بجيشٍ ، وأقبلَ ، فتأخّرَ أخوه محمّدٌ وأمُّه إلى صاحب نَيْسابور
المُؤَيّد ، واستولى علاءُ الدين تكش على البلادِ ، ثمّ التقى هو والمؤيّد ،
فانحطم جمع المؤيّد ، وأُسِرَ هو، وذُبِحَ صبراً، وهرب محمودٌ وأمُّه إلى
دِهِسْتان، ثم حاصرهم تكش، وأُفْتَتَحَ البلدَ ، فهربَ محمودٌ وَأُسِرَتْ أُمُّهُ ،
فَقُتِلَتْ ، والتجأ محمودٌ إلى السلطانِ غياثِ الدين صاحبٍ غَزْنَةَ ، فأحترمه ،
وتملَّك بعد المؤيد ولدُه محمَّدُ بن أَيَّةَ .
وأمَّا تكش ، فامتدَّتْ أيَّامِه، وقَهَرَ الملوكَ .
١٣ - ابنُ حُنَيْنٍ *
الإِمامُ الكبيرُ ، مُسْند المَغْرِبِ، أبو الحَسَنِ عليٍّ بنُ أحمدَ بنِ حُنَيْنٍ
الكِنانِيُّ القُرْطِيُّ المالكيُّ المقرىء ، نزيلُ مدينةِ فاسٍ .
مولدُه في سنة ستٍّ وسبعين وأربع مئةٍ .
وقرأ بالرواياتِ على أبي الحسنِ العَبْسيِّ صاحب أبي العَبَّاسِ بنِ
نفيسٍ ، فكان خاتمةً أصحابِ العَبْسيِّ .
وسمِع ((المُوطأ)) من محمّد بن فَرَجِ الطَّلّعي.
وروى أيضاً عن خازم بن محمد ، وأبي الحسنِ بنِ شفيعٍ . وتَلاَ بِجَيَّانَ
على أبي عامرٍ محمَّدِ بنِ حبيبٍ .
وحجَّ في سنةٍ خمس مئةٍ .
* ترجم له ابن الأبّار في التكملة: ٣/ الورقة: ٦٦ نسخة الأزهر المصورة في خزانة الدكتور
بشار عواد معروف ، والذهبي في تاريخ الإسلام، الورقة ٢٥ (أحمد الثالث ٢٩١٧ / ١٤)،
والعبر : ٤ / ٢٠٤، وابن العماد في الشذرات : ٤ / ٢٣٤.
٥٦

قالَ الأَّبَّرُ في تاريخه(١): فلقي أبا حامدٍ الغزّاليَّ، وصحبَهُ، وسمِعَ
منهُ كثيراً من موطّأ يحيى (٢) بن بكير بسماعه من الفقيه نصرٍ ، وأقامَ تسعةً أشهرٍ
يُقرىء القرآنَ ببيتِ المقدسِ . طالَ عُمْرُهُ وَتَصَدَّرَ للإِقراءِ . روى عنه من
شيوخِنا (٣) أبو القاسم بنُ بقيٍّ ، وأبو زكريا التادَليّ ، فأخبرنا التادلُّ بکتاب
((الشهاب)) للقضاعي سماعاً، قال: حدثنا [ أبو](٤) الحسن بن حُنين ،
حدثنا العَبْسيّ ، حدثنا المؤلف(٥). ثم قال الأُبَّار(٦): تُوفّي في سنةٍ تسعٍ
وستين وخمس مئةٍ .
قُلْتُ : روى عنهُ بِقُوْصٍ محمّدُ بنُ عبد الحميدِ بنِ صالحٍ الهسكوريُّ
((الموطّأ)) أو بعضَه، فقال صاحبُ كتاب ((الإِمام )): قرأتُ على عبدٍ
المحسنِ بنِ إبراهيمَ القوصيِّ بها أنه سمعَ الهسكوريَّ - قَدِمَ عليهم - عن ابنِ
الحُنَين فذكرَ حديثاً .
١٤ - ابنُ الشَّهْرُ زُورِيّ *
الإِمامُ قاضي القضاةِ ، كمالُ الدّينِ أبو الفضلِ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ
(١) ((التكمله)): ٣ / الورقة : ٦٦ .
(٢) العبارة قد توهم، وأصلها كما وردت عند ابن الأبار: ((وسمع منه أكثر الموطأ رواية ابن
بكير )) .
(٣) أي من شيوخ ابن الأبار .
(٤) إضافة يقتضيها السياق .
(٥) هذا من تصرفات الذهبي في النقل ، فمعلوم أن الذهبي يرتضي النقل بالمعنى ، ولا
يلتزم بأصل النص وحرفيته ( انظر كتاب الدكتور بشار عواد معروف : الذهبي ومنهجه : ص :
٤٣٤ فما بعد - القاهرة ١٩٧٦ ) قال ابنُ الأبار: ((وروى لنا عنه من شيوخنا أبو القاسم بن بقي ،
وأبو زكريا التادلي، قرأت عليه ((الشهاب)) للقضاعي ببلنسية ، وحدثني به عنه سماعاً عن العبسي
عن مؤلفه » .
(٦) ((التكملة)) الورقة : ٦٦ من النسخة السابقة .
* ترجم له العماد في القسم الشامي من الخريدة : ٣٢٣/٢، وابن الجوزي في المنتظم : =
٥٧

القاسمِ بنِ مُظفَّرِ بنِ عليٍّ ، ابنُ الشَّهْرُ زُوريّ الموصليُّ الشافعيُّ، بقيةُ
الأعلامِ .
مولدُهُ سنةَ إحدى وتسعينَ وأربع مئةٍ .
وسَمِعَ من جدِّهِ لُأِمِّه عليٍّ بن أحمدَ بن طَوْقٍ ، وأبي البركاتِ بنِ
خميسٍ ، وببغدادَ من نورِ الهدى الزَّيْنَبِيِّ ، وطائفةٍ .
وكان والدُهُ(١) أحدَ علماءِ زمانِهِ يلقَّبُ بالمُرْتَضَىْ، تفقَّهَ ببغدادَ ،
ووعظَ ، ولَهُ نظمٌ فائقٌ ، وفضائلٌ، وَوَلِيَ قضاءَ المَوْصِلِ ، وهو القائلُ :
يا ليلَ (٢) ما جنْتُكُمُ زائراً إِلَّ وَجَدْتُ الأرْضَ تُطْوى لي
ولا ثَنَيْتُ العَزْمَ عن بابِكم إلّ تعثّرْتُ بأذْيالي
ماتَ سنةً إحدى عشرةَ وخمس مئةٍ كَهْلًا .
وكمالُ الدّينِ حَدَّثَ عنه: ابنا صَصْرى(٣) ، والشيخ الموفَّقُ، والبهاءُ
عبدُ الرحمان، وأبو محمَّدٍ بنُ الأخْضَرِ ، والقاضي شمسُ الدينِ عُمَرُ بن
= ١٠ / ٢٦٨، وابن الأثير في الكامل: ١١ / ١٨٠، وسبط ابن الجوزي في المرآة: ٨ /٣٤٠،
وابن خلكان في الوفيات : ٤ / ٢٤١، والذهبي في تاريخ الإسلام الورقة: ٤٦ (أحمد الثالث
٢٩١٧ / ١٤) والعبر: ٤ / ٢١٥، وابن الوردي في تتمة المختصر: ٢ / ٨٧، والصفدي في
الوافي: ٣ / ٣٣١، والسبكي في الطبقات الكبرى: ٦ / ١١٧، وابن كثير في البداية : ١٢ /
٢٩٦، والعيني في عقد الجمان: ١٦ / الورقة ٦٠٢، وابن تغري بردي في النجوم: ٨٠/٦،
وابن العماد في الشذرات : ٤ / ٢٤٣ وغيرهم .
(١) انظر ترجمته عند العماد الأصبهاني في ((الخريدة)) (قسم الشام): ٢ / ٣٠٨، وابن
خلكان في ((الوفيات)) : ٣ / ٤٩
(٢) هكذا وردت في أصل النسخة مفتوحة ومعناها عندئذ : يا ليلى وهو منادى مرخم .
(٣) هما : أبو المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ ، المتوفى سنة ٥٨٦، وأبو القاسم
الحسين بن هبة الله المتوفى سنة ٦٢٦ .
٥٨

المُنَجّى(١)، وآخرون .
وشيخُه في الفقهِ أسعدُ المِيْهِيُّ .
وَلِيَ قضاءَ بلدِهِ ، وذهبَ في الرُّسْلِيَةِ(٢) من صاحب الموصل زنكي
الأتابك ، ثم وَفَدَ على وَلَدِ زنكي نورِ الدين ، فبالغ في احترامه بحلب ،
ونَفِّذَهُ رسولاً إلى المقتفي .
وقد أنشأ بالمَوْصِلِ مدرسةٌ وبِطَيْبَةَ رِباطاً .
ثم إنَّه وليَ قضاءَ دمشقَ لنورِ الدينِ ، ونظر الأوقافِ ، ونَظَر الخزانةِ ،
وأشياءَ ، فاستنابَ ابنه أبا حامدٍ بحلب ، وابن أخيه أبا القاسم بحماة ، وابنَه
الآخَرَ في قضاءٍ حمص .
وقال ابنُ عساكر : ولي قضاءَ دمشقَ سنةً ٥٥٥ وكان أديباً ، شاعراً ،
فَكِهَ المجلسِ ، يتكلَّمُ في الأصولِ كلاماً حَسَنَاً ، وَوَقَفَ وقوفاً كثيرة ، وكان
خبيراً بالسياسةِ وتدبيرِ المُلْكِ .
وقال أبو الفَرَجِ ابنُ الجوزيّ(٣): كان رئيسَ أهلِ بيتِهِ ، بنى مدرسةً
بالمَوْصِل ، ومدرسةً بِنَصيبين ، وولَّهُ نورُ الدينِ القضاءَ، ثم استوزَرَهُ . وَرَدَ
رسولاً، فقيلَ إنّه كَتَبَ قصّةً عليها محمد بن عبد الله الرسول ، فکتَبَ
المقتفي: ﴾ .
وقال سبطُ ابن الجوزيّ (٤): لمّا جاءَ الشيخُ أحمدُ بنُ قدامةَ والدُ
(١) في الأصل ((المنجا)) بالألف القائمة وقد غيرناها ومثيلاتها وكتبناها بالصورة التي يجب
ان تکون علیها
(٢) أي السفارة .
(٣) ((المنتظم)) ١٠ / ٢٦٨، وقد سقط من نص المنتظم شيء أذهب بالمعنى وانتبه إليه
محققه المرحوم سالم الكرنكوي .
(٤) ((مرآة الزمان)»: ٨ / ٣٤١.
٥٩

الشيخِ أبي عمرَ إلى دمشق ، خَرَجَ إليه أبو الفَضْلِ ، وَمَعَهُ ألفُ دينارٍ ،
فعرضها عليه ، فأبى ، فاشترى بها الهامة(١)، ووقفها على المقادسةِ.
قالَ : وقدِمَ السُّلطانُ صلاحُ الدّين سنةَ سبعين ، فأخذَ دمشقَ ، ونزل
بدارِ العَقيقيِّ، ثم إِنَّه مشى إلى دارِ القاضي كمالِ الدّين ، فانزعج ، وأسرع
لتلقِّيهِ، فدخَل السُّلطانُ، وباسَطَّهُ ، وقال: طِبْ نفساً ، فالأمرُ أَمْرُكَ ،
والبَلَدُ بَلَدُكَ .
ولما تُوفِّي كمالُ الدِّين ، رثاهُ ولدُه محبي الدِّينِ بقصيدةٍ أوّلُها - وكانَ
بحلب ـ :
أَلِمُوا بِسَفْحَيْ قَاسِيُونَ وسَلَّمُوا على جَدَثٍ بادي السَّنَا وَتَرَحِّمُوا
مُكلِّفُكُمْ إهداءَها القلبُ والفَمُ
وأدُّوا إليهِ عن كئيبٍ تحيَّةً
قلتُ : تُوفّيَ في سادسِ المحرمِ سنةَ اثنتينٍ وسبعينَ وخمس مئةٍ .
١٥ - [ ابنه ] *
وماتَ ابنُه : قاضي القضاةِ أبو حامدٍ محمّدٌ سنةً ستٍ وثمانينَ .
(١) القرية المشهورة بالغوطة الغربية من دمشق .
* ترجم له العماد في القسم الشامي من الخريدة: ٣٢٩/٢، وابن الأثير في الكامل:
١٢ / ٢٥، وابن الدبيثي في تاريخه، الورقة ١٢٤ (باريس ٥٩٢١) والمنذري في التكمله :
١ / ٢٤١ وابن خلكان في الوفيات: ٤ /٢٤٦، والدمياطي في المستفاد ، الورقة ١٣،
والصفدي في الوافي: ١ / ٢١٠، وفيه أن وفاته سنة ٥٨٤، وهو وهم ، وابن الملقن في العقد
المذهب ، الورقة: ٧١، والعيني في عقد الجمان / ١٧ / الورقة ١٠٢ ، وابن عبد الهادي في
معجم الشافعية ، الورقة : ٥٥ ، وغيرهم كثير .
٦٠