Indexed OCR Text

Pages 441-460

حتى كلَّمه ، فأخبرَهُ خَبَرَه ، فلما أخبره خبرَهُ ، وأنه كان مَلِكاً ، وأَنَّهُ فَرَّ من
رهبةِ الله ، قال : إني لأظُنُّ أني لاحِقٌ بك . فلحقَهُ ، فعبدا اللهَ حتى ماتا
بَرَمْلَةِ مِصر .
قال عبدُ الله: لو كنتُ ثَمَّ لاهتديتُ إلى قَبَرَيهِمَا من صفةِ رسول الله
وَ التّي وَصَفَ (١).
هذا حديثٌ غريبٌ عال.
قال السمعانيُّ : كان عبدُ القادر من أهل جيْلان إمامَ الحنابلة وشيخهم
في عصرِهِ ، فقيهٌ صالح دَيِّن خيِّر ، كثيرُ الذكر ، دائمُ الفكر ، سريعُ الدمعة ،
تفقَّه على المُخرِّمي ، وصحبَ الشيخَ حمّاداً الدبّاس ، وکان یَسْكُنُ بباب
الأَزَجِ في مدرسةٍ بُئِيت له ، مضَينا لزيارته ، فخرج وَقَعَدَ بين أصحابه ،
وَخَتَمُوا القُرآنَ ، فألقى درساً ما فهمتُ منه شيئاً ، وأعجبُ من ذا أنَّ أصحابه
قاموا وأعادوا الدرس ، فلعلَّهم فهِمُوا لإِلفِهِم بكلامِهِ وعبارتِهِ(٢) .
قال ابنُ الجوزي(٣): كان أبو سَعْدِ المُخَرِّمي قد بنى مدرسةً لطيفةً
بباب الأَزَج ، فقُوَّضت إلى عبدِ القادر ، فتكلَّم على الناسِ بلسانِ الوعظ ،
وظهر له صِيْتُ بالزُّهد ، وكان له سَمْتُ وصَمْت ، وضاقت المدرسةُ بالناس ،
فكان يجلِسُ عند سورِ بغداد مُستَنِداً إلى الرِّباط ، ويتوبُ عنده في المجلس
خلقٌ كثيرٌ ، فَعُمِّرت المدرسةُ ، ووُسِّعت ، وتعصَّب في ذلك العوامُّ ، وأقام
فيها يُدرِّس ويَعِظُ إلى أن تُوفي .
(١) عبد الرحمن بن يزيد لم أتبين وكذا أبوه ، وربما يكون الصواب : عن عبد الرحمن بن
عبد الله بن مسعود عن أبيه، فقد أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٠٣٧٠) من طريق محمد بن
جعفر بن أعين البغدادي ، حدثنا عاصم بن علي ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن سماك بن حرب ،
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه ... فذكره، وأورده الهيثمي في ((المجمع))
٢١٨/١٠، وزاد نسبته إلى الطبراني في ((الأوسط)) وقال: إسناده حسن.
(٢) انظر ((طبقات ابن رجب)) ١ / ٢٩١.
(٣) في ((المنتظم)) ٢١٩/١٠.
٤٤١

أنبأني أبو بكر بنُ طَرْخان ، أخبرنا الشيخُ موفقُ الدين أبو محمد بنُ
قُدامة - وسُئل عن الشيخ عبد القادر - فقال: أدركناهُ في آخِرٍ عُمره ، فأسكنَنَا
في مدرستِهِ ، وكان يُعْنَى بنا ، وربما أرسلَ إلينا ابنَه يحيى ، فيُسرِج لنا
السراجَ ، وربما يُرسِلُ إلينا طعاماً من منزِلِه ، وكان يُصلِّي الفريضةَ بنا إماماً ،
وكنتُ أقرأُ عليه من حِفظي من كتاب الخِرَقِي غُدوةً ، ويَقرأ عليه الحافظُ عبدُ
الغني من كتاب (( الهداية )) في الكتاب ، وما كان أحدٌ يَقرَأُ عليه في ذلك
الوقت سوانا ، فأقمنا عندَهُ شهراً وتسعةً أيام ، ثم مات ، وصلَّينا عليه ليلاً في
مدرسَتِهِ ، ولم أسمع عن أحدٍ يُحكى عنه من الكرامات أكثر مما يُحكى عنه،
ولا رأيتُ أحداً يُعظِّمه الناسُ الدِّين أكثرَ منه ، وسمعنا عليه أجزاءً يسيرة .
قرأتُ بخط الحافظِ سيفِ الدين ابنِ المجدِ ، سمعتُ محمدَ بن محمود
المَرَاتِي ، سمعتُ الشيخ أبا بكر العمادَ رحمه اللهُ يقولُ : كنتُ قرأتُ في
«أصول الدين ، فأوقع عندي شَكّاً ، فقُلْتُ : حتى أمضيَ إلى مجلسِ الشيخ
عبد القادر ، فقد ذُكر أنه يتكلَّمُ على الخواطِرِ ، فمضيتُ وهو يتكلّم ، فقال :
اعتقادُنا اعتقادُ السلفِ الصالحِ والصحابَةِ . فقُلتُ في نفسي : هذا قاله
اتّفاقاً ، فتكلَّم ثم التَفَتَ إلى ناحيتي ، فأعادهُ ، فقُلت ، الواعظُ قد يلتفِتُ ،
فَالتّفَتَ إليَّ ثالثةً، وقال : يا أبا بكر، فأعادَ القولَ : ثم قال : قُم قَد جاء
أبوكَ . وكان غائباً ، فقُمْتُ مبادِراً، وإذا أبي قد جاء .
وحدثنا أبو القاسم بنُ محمدٍ الفقیهُ ، حدثني شیخُنَا جمال الدین یحیی
ابنُ الصيرفي، سمعتُ أبا البقاءِ النحويَّ قال : حضرتُ مجلسَ الشيخ عبد
القادر ، فقرؤُوا بين يديه بالألحانِ ، فَقُلتُ في نفسي : تُرى لأيِّ شيءٍ ما يُنْكِرُ
الشيخُ هذا ؟ فقال : يجيءُ واحدٌ قد قرأ أبواباً من الفقهِ يُنكر . فقُلتُ في
نفسي : لعل أنّه قصدَ غيري ، فقال : إياكَ نعني بالقولِ ، فتبتُ في نفسي
٤٤٢

من اعتراضي ، فقال : قد قبل اللهُ توبتَكَ .
وسمعتُ الإِمامَ أبا العبّاس أحمدَ بنَ عبد الحليم ، سمعتُ الشيخ عزَّ
الدين الفاروثي ، سمعتُ شيخَنَا شهاب الدين الشُّهْرَ وَرْدِيَّ يقولُ : عزمتُ
على الاشتغالِ بأصولِ الدِّين ، فقلتُ في نفسي : أستشيرُ الشيخ عبدَ
القادر ، فأتيتُهُ ، فقال قبلَ أن أنطِقَ : يا عُمَرُ ، ما هُوَ مِنْ عُدَّة القبرِ، يا عُمَرُ ،
ما هو مِن عُدَّةِ القبر(١).
قال الفقيهُ محمدُ بنُ محمودٍ المَرَاتِي : قلتُ للشيخ المُوفَّق : هل
رأيتُمُ من الشيخِ عبدِ القادر كرامةً ؟ قال : لا أظنُّ ، لكن كان يجلِسُ يومَ
الجُمُعة ، فكنّا نترُكُهُ ونمضي لسماعِ الحديثِ عند ابنِ شافع فكُلُّ ما سمعناهُ
لم ننتفع به . قال الحافظُ السيفُ : يعني لنزول ذلك.
قال شيخُنا الحافظُ أبو الحُسين عليُّ بنُ محمد : سمعتُ الشيخ عبدَ
العزيز بنَ عبد السلام الفقيهَ الشافعيَّ يقولُ : ما نُقلت إلينا كراماتُ أحدٍ
بالتواترٍ إلا الشيخ عبد القادر ، فقيل له : هذا مع اعتقادِهِ ، فكيف هذا ؟
فقال : لازِمُ المذهبِ ليسَ بِمَذْهب .
قلتُ : يُشيرُ إلى إثباتِهِ صفةَ العُلُوِّ ونحو ذلك، ومذهبُ الحنابلةِ في
ذلك معلومٌ، يمِشُونَ خلفَ ما ثَبَتَ عن إمامهم رحمه اللهُ إلّا مَنْ يَشِدُّ منهم ،
وتوسَّع في العبارة .
قال ابنُ النجار في ((تاريخه)): دخل الشيخُ عبدُ القادر بغدادَ في سنة
ثمانٍ وثمانين وأربع مئة ، فتفقَّه على ابنِ عَقيل ، وأبي الخطّاب،
والمُخَرِّمي ، وأبي الحُسين بنِ الفَرّاء ، حتى أحكم الأصولَ والفروع
(١) انظر ((طبقات)) ابن رجب ٢٩٦/١، ٢٩٧.
٤٤٣

والخِلَافَ ، وَسَمِعَ الحديثَ ، وقرأ الأدبَ على أبي زكريا التبريزيِّ، واشتغَلَ
بالوعظِ إلى أن برَّزَ فيه، ثم لازمَ الخَلْوَةَ والرياضَةَ والمُجَاهَدَةَ والسياحَةَ
والمقام في الخَرَابِ والصحراءِ ، وصحب الدّبّاس ، ثم إن اللهَ أظهرَهُ
للخلقِ ، وأوقع له القبولَ العظيمَ ، فَعَقَدَ مجلسَ الوعظِ في سنةٍ إحدى
وعشرين ، وأظهر اللهُ الحِكمةَ على لسانِهِ ، ثم دَرَّسَ ، وأفتى ، وصار
يُقْصَدُ بالزيارةِ والنُّذُور، وصنّف في الأصولِ والفروعِ ، وله كلامٌ على لسانٍ
أهلِ الطريقة عالٍ . وكتب إليَّ عبدُ الله بنُ أبي الحسن الجُبّائي: قال لي
الشيخُ عبدُ القادر : طَالَبْني نفسي يوماً بشهوةٍ ، فَكُنتُ أُضاجِرُها ، وأَدْخُلُ في
دربٍ ، وأخرُجُ من آخر أطلُبُ الصحراء ، فرأيتُ رُقْعَةً مُلقاةً ، فإذا فيها : ما
للأقوياءِ والشهواتِ ، وإنما خُلقتِ الشهواتُ للضُّعفاءِ . فَخَرَجَتِ الشهوةُ من
قلبي. قال : وكنتُ أقتاتُ بخَرُوبِ الشَّوكِ وورق الخَسِّ من جانب النهر(١).
قال ابنُ النجار : قرأتُ بخطٍّ أبي بكر عبدِ الله بن نصر بن حمزة
التيميِّ ، سمعتُ الشيخَ عبدَ القادر يقولُ: بلغَتْ بي الضائقةُ في الغلاءِ إلى
أن بقيتُ أياماً لا آكُلُ طعاماً ، بل أَتَّبَّعُ المَنُبوذَاتِ ، فخرجتُ يوماً إلى الشَّطِّ ،
فوجدتُ قد سبقني الفقراءُ ، فضعُفْتُ ، وعجزتُ عن التماسُك ، فدخلتُ
مسجداً ، وقعدتُ ، وكدتُ أَصافِحُ الموتَ ، ودخل شابٌّ أعجميٌّ ومعه خُبزٌ
وشِواء ، وجلس يأكُلُ ، فكنتُ أكاد كلما رفع لُقمةً أن أفتح فمي ، فالتَفَتَّ
فرآني ، فقال : باسمِ الله ، فأبيتُ ، فأقسمَ عليَّ ، فأكلتُ مُقصّراً ، وأخذ
يسألُني ، ما شغلُكَ ، ومن أينَ أنتَ ؟ فقُلت: مُتَفَقِّه من جيْلان . قال : وأنا
من جيلانٍ ، فهل تعرِفُ لي شاباً چِيلانياً اسمُهُ عبدُ القادر ، يُعرف بسبِط أبي
عبد الله الصومعي الزاهد ؟ فقُلتُ : أنا هو. فاضطربَ لذلك، وتغيّرَ
(١) انظر ((طبقات)) ابن رجب ٢٩٨/١، و((فوات الوفيات)) ٣٧٣/٢، ٣٧٤.
٤٤٤

وجهُهُ ، وقال : واللهِ يا أخي ، لقد وصلتُ إلى بغداد ومعي بقيَّةُ نفقةٍ لي ،
فسألتُ عنك ، فلم يُرشِدْني أحدٌ إلى أن نَفِدَت نفقَتي ، وبقيتُ بعدَها ثلاثةً
أيام لا أجد ثمنَ قُوتِي إلا من مالِكَ ، فلما كان هذا اليوم الرابع ، قلتُ : قد
تجاوزَتْني ثلاثةُ أيام ، وحلّت لي الميتة ، فأخذتُ مِنْ وديعتِكَ ثمنَ هذا الخبز
والشِّواء ، فكُل طَيِّاً ، فإنما هو لَكَ، وأنا ضيفُكَ الآن . فقُلت : وما ذاك؟
قال : أمُّك وجَّهت معي ثمانيةَ دنانير ، والله ما خُنْتُكَ فيها إلى اليوم ،
فسكَّنْتُهُ، وطَيِّبْتُ نَفْسه، ودفعتُ إليه شيئاً منها (١).
قال ابنُ النجار : كتب إليَّ عبدُ الله بنُ أبي الحسن الجُبّائي، قال: قال
لي الشيخُ عبدُ القادر : كنتُ في الصحراءِ أكرِّرُ في الفقهِ وأنا في فاقةٍ ، فقال
لي قائلٌ لم أر شخصَهُ : اقْتَرِضْ ما تستعينُ به على طلبِ الفقهِ ، فقلتُ :
كيف أقْتَرِضُ وأنا فقيرُ ولا وفاءَ لي ؟ قال : اقترض وعلينا الوفاءُ . فأتيتُ
بقَّالاً ، فقلتُ : تُعامِلُني بشرط إذا سهّلَ اللهُ أعطيتُكَ، وإن مُتُّ تَجْعَلْنِي فِي
جِلٍّ، تُعطيني كلَّ يوم رغيفاً ورشاداً. فبكى ، وقال: أنا بحُكمِكَ . فأخذتُ
منه مُدَّةً ، فضاق صدري ، فأظُنُّ أنه قال : فقيل لي : امضِ إلى موضِعِ
كذا ، فأيُّ شيءٍ رأيتَ على الدَّكَّةِ، فخُذْهُ ، وادفعهُ إلى البقَّال . فلما جِئْتُ
رأيتُ قطعةً ذهبٍ كبيرة ، فأعطيتُها البَقْلي .
ولحقني الجنونُ مرَّةً ، وحُمِلْتُ إلى المارستان ، فطرقْني الأحوالُ
حتى [ حسبوا أني](٢) مُتُّ، وجاؤُوا بالكَفَنِ، وَجَعَلُوني على المُغْتَسَل ، ثم
سُرِّي عَنِّي ، وقمتُ ، ثم وقع في نفسي أن أخرج من بغداد لكثرة الفِتَنِ ،
(١) انظر ((طبقات)) ابن رجب ٢٩٨/١، ٢٩٩.
(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من ((طبقات)) ابن رجب ٢٩٩/١، والنص فيه: وكان ربما
أغشي عليَّ ، فيغسلوني ، ويحسبوني أني متَّ من الحال التي تطرقني .
٤٤٥

فخرجتُ إلى باب الحلبة ، فقال لي قائلٌ : إلى أينَ تمشي ؟ ! ودفعني دفعةً
خَرَرْتُ منها ، وقال : ارجعْ فإنَّ للناسِ فيكَ منفعةٌ . قلتُ : أُريد سلامَةَ
دِيني. قال : لكَ ذاكَ - ولم أر شخصَهُ -. ثم بعد ذلك طرقتني الأحوالُ،
فكنتُ أتمنَّى من يَكْشِفُها لي، فاجتزتُ بالظّفَرِيّةِ(١)، ففتح رجلٌ دَارَهُ،
وقال : يا عبدَ القادر ، أيشٍ طلبتَ البارِحَةَ ؟ فنسيتُ ، فسكتُّ ، فاغتاظ ،
ودفع البابَ في وجهي دفعةً عظيمة ، فلما مشيت ذكرتُ ، فرجعتُ أطلُبُ
البابَ ، فلم اجدْهُ، قال : وكان حمَّاداً الدبّاس، ثم عرفتُهُ بعدُ ، وكشفَ لي
جَميع ما كان يُشْكِلُ عليَّ ، وكنتُ إذا غبتُ عنه لطلبِ العلمِ وجئتُ ،
يقولُ : أيشٍ جاء بكَ إلينا، أنت فقيهٌ، مُرَّ إلى الفُقهاء ، وأنا أسكتُ ، فلما
كان يومُ جمعةٍ خرجتُ مع الجماعةِ في شدَّةِ البَرْدِ ، فدفعَني ألقاني في الماء ،
فقُلتُ : غسلُ الجُمعةِ ، باسم الله ، وكان عليَّ جُبَّة صُوف ، وفي كُمي
أجزاء، فرفعتُ كمي لئلا تهلِكَ الأجزاءُ، وخلَّوني، وَمَشَوْا، فعصرتُ الجُبَّةَ،
وتبعتُهُم ، وتأذَّيتُ بالبردِ كثيراً، وكان الشيخُ يُؤْذيني ويضْرِبني ، وإذا جئتُ
يقولُ : جاءنا اليومَ الخبزُ الكثيرُ والفالُوذَجُ ، وأكلنا وما خَبَّأنا لك وحشةً
عليك ، فَطَمِعَ فيَّ أصحابُهُ ، وقالوا : أنتَ فقيهٌ ، أيشٍ تعملُ معنا؟ فلما
رآهم يُؤذونني ، غارَ لي ؛ وقال : يا كلاب لم تُؤْذونه ؟ والله ما فيكم مثله ،
وإنما أُوذيه لأمتحنَهُ ، فأراهُ جَبَلاً، لا يتحرَّكُ ، ثم بعدَ مدةٍ ، قدم رجلٌ من
هَمَذَان يُقال له : يوسف الهَمَذَاني ، وكان يقالُ : إنه القُطْبُ ، ونزلَ في
رباط ، فمشَيْتُ إليه ، فلم أرُهُ ، وقيل لي : هو في السردابِ ، فنزلتُ إليه ،
فلما رآني قامَ ، وأجلسَني ، ففرشني، وذكر لي جميعَ أحوالي ، وحلَّ لي
المُشكل عليَّ، ثم قال لي : تكلّم على الناس ، فقلتُ : يا سيِّدي ، أنا رجلٌ
(١) محلة بشرقي بغداد كبيرة .
٤٤٦
:

أعجميُّ قُح أخرس ، أتكلّم على فُصَحَاءِ بغداد !؟ فقال لي : أنت حفظتَ
الفقه وأصوله ، والخلافَ والنحوَ واللغةَ وتفسير القرآن لا يصلُحُ لك أن
تتكلّم ؟! اصعَدْ على الكُرْسي ، وتكلّم ، فإني أرى فيكَ عِذْقاً سيصيرُ
نخلةً .
قال الجُبّائي: وقال لي الشيخُ عبدُ القادر : كنتُ أُومر وأنهى في النوم.
واليَقَظَة ، وكان يَغْلِبُ عليَّ الكلامُ ، ويزدحِمُ على قلبي إن لم أتكلم به حتى
أكاد أختيِقُ ، ولا أَقْدِرُ أَسكُتُ ، وكان يجلس عندي رجلان وثلاثةٌ ، ثم تسامَعَ
الناسُ بي ، وازدحَمَ عليَّ الخلقُ ، حتى صار يحضُرُ مجلسي نحوٌ من سبعين
ألفاً . وقال : فَتَّشْتُ الأعمالَ كُلُّها ، فما وجدتُ فيها أفضلَ من إطعام
الطعام ، أوَدُّ لو أنَّ الدُّنيا بيدي فأُطعِمَها الجياعَ ، كَفِّي مثقوبةٌ لا تضبطُ شيئاً ،
لو جاءني ألفُ دينار لم أبيّْها ، وكان إذا جاءه أحدٌ بذَهَبِ ، يقول: ضَعْهُ
تحت السَّجَادَة ، وقال لي : أتمنّى أن أكون في الصحارى والبراري كما كنتُ
في الأول لا أرى الخلقَ ولا يَرَوْني . ثم قال : أراد اللهُ مني منفعةَ الخلقِ ،
فقد أسلم على يديَّ أكثرُ من خمس مئة ، وتاب على يديَّ أكثرُ من مئة ألف ،
وهذا خيرٌ كثير ، وتَرِدُ علي الأثقالُ التي لو وُضِعَتْ على الجبال تفسَّخَتْ ،
فأضعُ جنبي على الأرض، وأقولُ: إنَّ مع العُسْرِ يُسْراً، إنَّ مع العُسْرِ يُسْراً،
ثم أرفع رأسي وقد انفرجَتْ عني . وقال : إذا وُلِدَ لي ولدٌ أخذتُهُ على يدي ،
وأقول : هذا ميت ، فأُخرِجُهُ من قلبي ، فإذا ماتَ لم يُؤْثِّر عندي موتُهُ شيئاً .
قال عبدُ الرزاق ابن الشيخ : ولد لأبي تسعةٌ وأربعون ولداً ، سبعة
وعشرون ذكراً ، والباقي إناث(١).
(١) انظر ((فوات الوفيات)): ٢ / ٣٧٤ .
٤٤٧

وقال الجُبَّائي: كنتُ أسمع في ((الحِلْيَةِ )) على ابنٍ ناصر، فرقَّ
قلبي ، وقلتُ : اشتهيتُ لو انقطعتُ ، وأشتغِلُ بالعبادَةِ ، ومضيتُ ، فصلَّيتُ
خَلْفَ الشيخ عبدِ القادر، فلما جلسنا ، نظر إليَّ، وقال : إذا أردتَ
الانقطاع، فلا تنقطِعْ حتى تَتَفَقَّهَ وتُجَالِسَ الشُّيوخَ وتتأذَّبَ ، وإلا فتنقطِعُ وأنت
فُرِيجٌ مَا رَيَّشْتَ .
وعن أبي الثَّناء النهر ملكي قال : تحدثنا أنَّ الذُّباب ما يقعُ على الشيخ
عبد القادر ، فأتيتُهُ ، فالتفتَ إليَّ ، وقال : أيشٍ يعمل عندي الذبابُ ، لا
دِبْسُ الدنيا ، ولا عَسَلُ الآخرة .
قال أبو البقاء العُكْبَرِيُّ: سمعتُ يحيى بنَ نجاح الأديبَ يقولُ: قلتُ
في نفسي : أريدُ أن أُحصي كم يقُصُّ الشيخُ عبد القادر شعرَ تائبٍ ، فحضرتُ
المجلس ومعي خيطٌ ، فلما قصَّ شعراً ، عقدتُ عقدةً تحت ثيابي من الخيطِ
وأنا في آخر الناسِ ، وإذا به يقولُ : أنا أحلُّ وأنت تعقِدُ ؟!
قال ابنُ النجار : سمعتُ شيخَ الصوفية عُمر بنَ محمدٍ السُّهْرَ وَرْدِيُّ
يقول : كنتُ أتفقَّهُ في صِبَاي ، فخطَرَ لي أن أقرأ شيئاً من علمِ الكلام ،
وعزمتُ على ذلك من غير أن أتكلّمَ به ، فصليتُ مع عمي أبي النَّجيب ،
فحضَرَ عندهُ(١) الشيخُ عبدُ القادر مسلّمًا، فسألهُ عمي الدعاء لي، وذكر له أني
مشتغلٌ بالفقهِ ، وقُمت فقَبَّلتُ يده ، فأخذَ يدي ، فقال : تُبْ مما عزمتَ عليه
من الاشتغالِ به ، فإنك تُفْلِحُ ، ثم سكتَ ، ولم يتغيّر عزمي عن الاشتغال
بالكلامِ حتى شُوَّشَتْ عليَّ جميعُ أحوالي ، وتكذَّر وقتي ، فعلمتُ أن ذلك
بمُخالفة الشيخ(٢) .
(١) في الأصل عبده مجودة ، والتصويب من طبقات ابن رجب .
(٢) انظر طبقات ابن رجب: ١/ ٢٩٧.
٤٤٨

ابن النجار : سمعتُ أبا محمد بنَ الأخضر يقولُ : كنتُ أدخُلُ على
الشيخِ عبد القادر في وسطِ الشتاءِ وقوَّةِ بردِهِ وعليه قميصٌ واحدٌ ، وعلى رأسه
طاقيَّة ، وحولَهُ مَن يُروحهُ بالمِرْوَحة . قال : والعرقُ يخرج من جسدِهِ كما
يكون في شدَّةِ الحَرِّ (١).
ابن النجار : سمعتُ عبدَ العزيز بن عبد الملك الشَّيباني ، سمعتُ
الحافظَ عبدَ الغني ، سمعتُ أبا محمد بنَ الخشّاب النحويَّ يقولُ : كنتُ وأنا
شابٌّ أقرأُ النحو ، وأسمعُ الناسَ يصِفُونَ حُسْنَ كلامِ الشيخ عبدِ القادر ،
فكنتُ أريدُ أن أسمعَه ولا يتَّسِعُ وقتي ، فَاتَّفَقَ أني حضرتُ يوماً مجلسَهُ ، فلما
تكلّم لم أستحْسِنْ كلامَهُ ، ولم أفهمهُ ، وقلتُ في نفسي : ضاع اليومُ مني .
فالتفتَ إلى ناحيتي ، وقال : ويلك تُفَضِّل النحوَ على مجالِسِ الذكر ،
وتختارُ ذلك ؟ ! اصحَبْنا نُصَيِّرك سيبويه .
قال أحمدُ بنُ ظَفَر بن هُبيرة : سألتُ جدِّي أن أزور الشيخ عبدَ القادر ،
فأعطاني مبلغاً من الذهب لُأَعْطِيَه ، فلما نزلَ عن المنبر سلمتُ عليه ،
وتحرَّجتُ من دفعِ الذهبِ إليه في ذلك الجمع ، فقال : هاتٍ ما مَعَكَ ولا
عليكَ مِن الناس ، وسَلَّمْ على الوزير .
قال صاحبُ ((مرآةِ الزمان))(٢): كان سُكوتُ الشيخ عبد القادر أكثرَ من
كلامِهِ ، وكان يتكلّمُ على الخواطرِ ، وظهر له صِيْتٌ عظيم وقبولٌ تامٌّ ، وما
كان يَخْرُجُ من مدرستِهِ إلا يومَ الجمعة أو إلى الرباط ، وتابَ على يده معظمُ
أهلِ بغداد ، وأسلم خلقٌ ، وكان يصْدَعُ بالحقِّ على المنبر ، وكان له
كراماتٌ ظاهرة .
(١) انظر طبقات ابن رجب ٢٩٩/١.
(٢) ٨ / ١٦٥ .
٤٤٩
سیر ٢٩/٢٠

قلت : ليس في كبارِ المشايخ من له أحوالٌ وكراماتٌ أكثر من الشيخ
عبد القادر، لكن كثيراً منها لا يَصِحُ ، وفي بعض ذلك أشياءُ مستحيلة .
قال الجُبّائي: كان الشيخُ عبدُ القادر يقولُ: الخَلْقُ حِجَابُكَ عَنْ
نَفْسِكَ، ونَفْسُك حِجَابُك عَنْ رَبِّك .
عاش الشيخُ عبدُ القادر تسعين(١) سنة، وانتقلَ إلى اللَّه في عاشر ربيع
الآخر سنةً إحدى وستين وخمس مئة ، وشيَّعه خلقٌ لا يُحْصَوْنَ ، ودُفِنَ
بمدرستِهِ رحمه الله تعالی .
وفيها مات أبو المحاسن إسماعيلُ بنُ علي بن زيد بن شهريار
الأصبهاني ، سمع من رزق اللَّهِ التميميّ، والمحدثُ العلامةُ أبو محمد عبدُ
اللَّه بنُ محمدٍ الأَشِيري(٢) المَغْربي ودُفِنَ بظاهر بَعْلَبَكَّ، والإِمامُ الرئيسُ أبو
طالب عبدُ الرحمن بنُ الحسن ابنُ العجمي(٣) واقفُ المدرسة بحلَب ، وعليُّ
ابنُ أحمد الحَرَسْتاني (٤) راوي جزء الرافقي ، وأبو رَشيد محمدُ بنُ علي بن
محمد بن عمر الأصبهانيُّ الباغبان ، وأبو عبد اللَّه الرُّسْتَمي(٥) ، وأبو طاهر
إبراهيمُ بنُ الحسن ابنُ الحصني الشافعي(٦) بدمشق ، والقاضي مُهذبُ الدين
الحسنُ بنُ علي بن الرشيد ابنُ الزُّبير الأسواني الشاعر أخو الرشيد
أحمد (٧)، وأبو محمد عبدُ اللَّه بنُ الحُسين بن رواحة الأنصاري الحمويُّ
(١) في ((مرآة الزمان)): اثنتين وتسعين.
(٢) سترد ترجمته برقم (٢٩٤) .
(٣) مترجم في مرآة الزمان ١٦٤/٨، العبر ١٧٥/٤، وشذرات الذهب ١٩٨/٤.
(٤) تقدمت ترجمته برقم ( ٢٧٩ ) .
(٥) تقدمت ترجمته برقم ( ٢٨٣).
(٦) مترجم في الوافي بالوفيات ٣٤٤/٥، طبقات السبكي ٣٢/٧، ٣٣، طبقات الإِسنوي
٤٣٩/١، والنجوم الزاهرة ٣٧٢/٥ .
(٧) سترد ترجمة الرشيد أحمد برقم (٣٠٨) وضمنها ترجمة أخيه الحسن .
٤٥٠

المقرىء الشاعر (١)، والمسندُ ابنُ رِفاعة(٢)، والفقيهُ المُقرىء عبدُ الصمد
ابنُ الحسين بن أحمد بن تميم التميميُّ الدمشقيُّ، وشيخُ القراء أبو حُميد عبدُ
العزيز بن علي السُّماني الإِشبيلي (٣) والشيخُ عليّ بن أحمد الحرستاني راوي
جزء الرافقي .
وفي الجُملة الشيخُ عبدُ القادرِ كبيرُ الشأن ، وعليه مآخِذُ في بعض أقوالِه
ودعاويهِ ، واللَّهُ المَوْعِدُ ، وبَعْضُ ذلك مكذوبٌ عليه .
٢٨٧ - عبدُ الجليل بنُ أبي سعد *
منصورِ بنِ إسماعيل بن أبي سعد بن أبي بشر ، العدلُ الجليلُ الصالحُ
الْمُعَمَّر ، مُسْنِدُ هَراة ، أبو محمد الهَرَويُّ الفامي .
آخِرُ من سمع في الدنيا من يَِّى بنتِ عبدِ الصمد الهَرْثَمِيَّة ، وعبدٍ
الرحمن بن محمد كُلار البُوشَنْجي ، وسمع أيضاً من شيخِ الإسلام عبدِ الله
ابنِ محمد الأنصاريِّ .
حدث عنه : السَّمعاني وولدُه أبو المُظَفَّر، وعبدُ الباقي بنُ عبد الواسع
الأزديُّ ، والحافظُ عبدُ القادر الرُّهَاويُّ، وهو أكبرُ شيخٍ لقيهُ في سعةِ رحلته .
قال السمعاني : هو شيخٌ من أهلِ الخيرِ والصدقِ ، وُلِدَ في شهر
شعبان سنة سبعين وأربع مئة .
قلت : وتُوفي في سنة اثنتين وستين وخمس مئة .
وهو آخِرُ من روى حديثَ أبي القاسمِ البَغَويِّ عالياً .
(١) مترجم في مرآة الزمان ١٦٤/٨، ومعجم الأدباء ٤٨/١٠ - ٥٥ .
(٢) تقدمت ترجمته برقم (٢٨٤ ) .
(٣) مترجم في معرفة القراء الكبار ٤٤٠/٢، وغاية النهاية ٣٩٥/١.
(*) العبر ١٧٧/٤، ١٧٨، دول الإسلام ٧٦/٢، شذرات الذهب ٢٠٥/٤.
٤٥١

٢٨٨ - عبدُ الهادي *
ابنُ أبي سعيدِ بنِ عبد الله بن عمر بن مأمون، الإِمامُ القُدوةُ الزاهدُ
العابدُ ، أبو عَرُوبة السِّجِسْتَانِيُّ الذي ارتحلَ إليه الحافظُ عبدُ القادر
الرُّهاويُّ ، وبالغ في تعظيمِهِ ، وقال : سَمِعَ من جَدِّه في سنةٍ خمسٍ وثمانين
وأربع مئة ، ولما حجَّ قرأَ عليه ابنُ ناصر مُسلسلات ابنِ حِبَّان .
وقال : عاش تسعاً وثمانين سنة ، وما عرفتُ له زَلَّةً، وكان مُنْتَشِر
الذِّكر ، وله رباطٌ كان بِعظُ فيه ومُريدون . تُوفي سنة اثنتين وستين وخمس مئة
رحمه الله .
٢٨٩ - البَسْطاميّ **
الشيخُ الإِمامُ العلامة المحدِّث ، أبو شجاع، عمرُ بنُ محمد بن عبد
اللَّه بن محمد بن عبد الله بن نَصَر - بالتحريك - البَسْطاميُّ، ثم البَلْخِي،
إِمامُ مسجدٍ راغُوم(١).
قال : ولدتُ سنةَ خمسٍ وسبعين وأربع مئة .
سمع أباهُ ، وأبا القاسم أحمدَ بنَ محمد الخليليَّ ، وإبراهيم بنَ محمدٍ
الأَصْبَهانيَّ، وأبا جعفر محمدَ بنَ الحُسين السِّمِنْجاني(٢)، وتفقَّه عليه .
(*) لم نعثر على مصدرٍ ترجمه .
( ** ) الأنساب ٢١٤/٢، إنباه الرواة ١٠٢/٢ (في ترجمة ابن الخشاب )، مرآة الزمان
٢٠٩/٨ (وفيات ٥٧٠)، دول الإسلام ٧٦/٢، العبر ١٧٨/٤، ١٧٩، تذكرة الحفاظ
١٣١٨/٤، طبقات السبكي ٢٤٨/٧ - ٢٥٠، طبقات الإِسنوي ٢٥٩/١، النجوم الزاهرة
٣٧٦/٥، طبقات المفسرين ٨/٢، شذرات الذهب ٢٠٦/٤، هدية العارفين ٧٨٤/١.
(١) ضبط في الأصل بالراء المهملة والغين المعجمة، وضبط في ((طبقات)) السبكي بالراء
والعين المهملتين، وهو ما ضبطه الإِسنوي، ولكن ورد فيه ((راعوام)) بزيادة ألف بعد الواو .
(٢) نسبة إلى سِمِنْجان: بليدة وراء بلخ. ((الأنساب)) ١٥٠/٧.
٤٥٢

وكان طلّبةً للعلم ، صاحبَ فنون .
قال السمعاني : هو مجموعٌ حسنٌ ، وجملةٌ مليحة ، مُفْتٍ مُناظر
محدثٌ مفسرٌ واعظٌ أديبٌ شاعرٌ حاسبٌ ، ومع فضائلهِ كان حسنَ السيرة ،
مليحَ الأخلاق ، مأمونَ الصُّحبة ، نظيفَ الظاهر والباطنِ ، لطيفَ العُشْرة ،
فصيحَ العِبارة ، مليحَ الإِشارة ، في وعظه كثيرُ النكتِ والفوائد ، وكان على
كبر السِّنِّ حريصاً على طلب الحديثِ والعلمِ ، مُقْتِساً من كل أحد ، كتبتُ
عنه بمرو وهَرَاة وبُخارى وسَمَرْقَنْد ، وكتب عني الكثير، وحصَّل نسخةً بما
ذيّتُه على ((تاريخ )) الخطيب ، وكتب إليَّ من بلغ :
*-*
يا آلَ سَمْعانَ ما أسنى(١) فَضَائِلَكُم قَدْ صِرْنَ فِي صُحُفِ الأيَّامِ عُنْوَانا
فَمَا وَهَتْ بِمُرُورِ الدَّهْرِ أَرْكَانَا
مَعَاهِدَاً أَلِفَتْها النَّازِلُونَ بِهَا
وزَادَها بِعُلُوِّ الشّأنِ بُنيانَا
حَتَّى أتاها أبو سَعْدٍ فِشَيَّدَها
مُخَلِّفِينَ بِهِ مِثْلَ الَّذي كَانَا
كَانُوا مَلاَذَ بني الآمَالِ فانْقَرَضُوا
على مَفَاخِرِهم للنَّاسِ بُرْهَانَا
لَوْلا مَكَانُ أبي سَعْدٍ لما وَجَدُوا
أَبْقَتْ عُلَاهُ لِرَدِّ العَيْنِ نُقْصانا(٢)
وقاهُ رَبِّيَ مِنْ عَيْنِ الكَمَالِ فما
قلتُ : سَمِعَ أبو شُجاع من الخَليلي ((مُسند)) الهيثمِ الشاشيِّ،
و((غريبَ الحديث)) لابنٍ قُتيبة، وكتاب ((الشمائل))، وقد صنَّف كتاباً حَسَناً
في أدبِ المريضِ والعائد .
وقال السَّمعانيُّ في مكانٍ آخر : لا يُعرف أجمع للفضائل منه مع الورعِ
التامٌّ ، وسمع أيضاً من أبي حامد أحمدَ بنِ محمد الشُّجاعي ، وأبي نصٍ
(١) في ((طبقات)) السبكي : ما أنسى.
(٢) الأبيات عدا الأخير في ((طبقات)) السبكي ٢٤٩/٧، ٢٥٠، و((طبقات المفسرين))
٩/٢، ٠١٠
٤٥٣

محمدِ بنِ محمد الماهاني ، وعبد الرحمن بنِ عبد الرحيم القاضي .
قلتُ : روى عنه: السمعانيُّ وابنُه أبو المُظَفَّر ، وأبو الفرج ابنُ
الجوزي ، والافتخارُ عبدُ المُطَّلب الهاشمي ، والتاجُ الكِنْدِيُّ، وأبو أحمد
ابنُ سُكَينة ، وأبو الفتح المَنْدائي ، وأبو رَوْح عبدُ المُعِزِّ الهَرَويُّ، وجماعةٌ .
تُوفي بَبَلْخ في سنة اثنتين وستين(١) وخمس مئة ، وكان مُحدِّثَ تلكَ
الديارِ ومُسنِدَها .
قال عليُّ بنُ محمويه اليَزْدِيُّ الفقيهُ: ما رأيتُ في مشايخٍ أصحابنا مثلَ
أبي شُجاعٍ عقلاً وعلماً ولطفاً وجِدّاً .
وقال ابنُ النجار : تُوْفي في ربيع الآخر .
٢٩٠ - الكِيْزَاني *
الإِمامُ المُقرىء الزاهدُ الأَثَرِيُّ، أبو عبد اللَّه ، محمدُ بنُ إبراهيم بن
ثابت ، المصريُّ الكِيْزَانِيُّ الواعظُ ، له تلامذةٌ وأصحابٌ ، وله شعرٌ كثيرٌ
مُدَوَّن ، وكلامُ في السُّنَّة .
قال أبو المُظَفَّر سبطُ ابنِ الجَوزي (٢): كان يقولُ: أفعالُ العبادِ
قديمة ، وبينَه وبين أهل بلدهِ نزاٌ، وكان قد دُفن عند ضريحِ الشافعي ،
فتعصَّب عليه الخُبُوشانيُّ، ونبشَه ، وقال : هذا حَشَويٌّ لا يكونُ عند الإِمام .
ودُفن في موضع آخر .
(١) في ((مرآة الزمان )) أنه توفي سنة سبعين.
(*) الخريدة ( قسم مصر) ١٨/٢، اللباب ١٢٥/٣، مرآة الزمان ١٥٧/٨، ١٥٨
( وفيات ٥٦٠)، وفيات الأعيان ٤٦١/٤، ٤٦٢، الوافي بالوفيات ٣٤٧/١ - ٣٥٠، النجوم
الزاهرة ٣٦٧/٥، ٣٦٨ و٣٧٦ . والكيزاني نسبة إلى عمل الكيزان وبيعها .
(٢) في ((مرآة الزمان)) ١٥٨/٨.
٤٥٤

ومن شعره :
اعْطِفْ عَلَى الصَّبِّ المَشُوقِ النَّائِهِ
يا مَنْ يَتِيهُ على الزَّمانِ بِحُسْنِهِ
أَسَفاً لأَنَّكَ مِنْهُ فِي سَوْدائِهِ(١)
أضحى يخافُ على احتراقٍ فُؤادِهِ
تُوفي في المحرم سنةَ اثنتين وستين وخمس مئة (٢).
٢٩١ - القَنْطري *
العلامةُ الحافظُ، أبو القاسم ، محمدُ بنُ عبد الله بن أحمد بن مسعود
ابن مُفَرّج، الأندلسيُّ الشِّلْبِيُّ(٣) ، المعروف بالقَنْطري .
سمع أبا بكر بنَ غالب ، وأبا الحُسين بنَ صاعد ، وبإشبيلية أبا الحكم
بِنَ بَرَّجان ، والقاضي ابنَ العربي ، وبقُرطبة يُونُس بنَ مُغيث ، وابنَ أبي
الخصال ، وعدة .
ذكره الأبّار ، فقال : كان من أهلِ المعرفة الكاملةِ بصناعَةِ الحديث ،
بعيدَ الصِّيتِ في الحِفْظِ والإِتقان ، جمَّاعةً للكُتُب ، وقد شُوور في
الأحكامِ ، وله زيادةٌ على ابنٍ بَشْكُوال في ((تاريخه))، روى عنه يعيشُ بنُ
القَديم وغيرُه ، تُوفي بمراكش في ذي الحجة سنة إحدى وستين وخمس مئة .
(١) البيتان في ((مرأة الزمان)) ١٥٨/٨، و((الوافي)) ٣٤٨/١، و((النجوم الزاهرة))
٠٣٦٨/٥
(٢) أورد في ((مرآة الزمان)) في وفيات سنة ٥٦٠، وكذا في ((النجوم الزاهرة)) لكنه أعاده
في سنة ٥٦٢ .
(*) لم نعثر على مصدر ترجمه .
(٣) راجع الترجمة ( ٢٠١ ).
٤٥٥

٢٩٢ - السَّمْعاني *
الإِمامُ الحافظُ الكبيرُ الأوحدُ الثقةُ ، مُحَدِّثُ خُراسان ، أبو سَعْد عبدُ
الكريم بنُ الإِمامِ الحافظِ الناقدِ أبي بكر محمدِ بنِ العلامةُ مُفتي خراسان أبي
المُظَفَّر منصورِ بنِ محمد بنِ عبد الجبّار، التَّميميُّ السمعانيُّ الخُراساني
المَرْوزيُّ ، صاحبُ المُصنَّفات الكثيرة .
وُلد بِمَرْوَ في شعبان سنةً ستُّ وخمس مئة (١) .
وحضَّره أبوهُ في الرابعة على مُسندٍ زمانِه عبدِ الغفَّار بن محمد
الشِّيْرَوي ، وعُبيدٍ بن محمدٍ القُشَيري ، وسهلِ بنِ إبراهيم السُّبْعي ،
وطائفة .
وسمع باعتناءِ أبيه من أبي منصورٍ محمدِ بنِ علي بن الكُراعي ،
(*) تاريخ ابن عساكر ٢/١١٧/١٠ -١/٢١٨، المنتظم ٢٢٤/١٠، الكامل في التاريخ
٣٣٣/١١ (سنة ٥٦٣)، اللباب ١٣/١ - ١٦، العبر ١٧٨/٤، تذكرة الحفاظ ١٣١٦/٤ -
١٣١٨، دول الإِسلام ٧٦/٢، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد: ١٧٢، ١٧٣، تتمة المختصر
١١٢/٣، ١١٣ (سنة ٥٦٣)، مرآة الجنان ٣٧١/٣، ٣٧٢، طبقات السبكي ١٨٠/٧ -
١٨٥، طبقات الإِسنوي ٢ / ٥٥، البداية والنهاية ١٢ / ١٧٥ ( سنة ٥٠٦) و(٢٥٤ سنة
٥٦٢)، النجوم الزاهرة ٣٧٥/٥ (سنة ٥٦٢) و ٣٧٨ (سنة ٥٦٣)، طبقات الحفاظ
(٤٧١)، الأنس الجليل: ٢٦٨، مفتاح السعادة ٢٠٦/١، كشف الظنون: ٣٥، ٤٩، ٨٦،
١٣١، ١٦١، ١٦٢، ١٦٩، ١٧٩، ٢٨٨، ٣٠٣، ٣٧٠، ٣٧٤، ٧٢٩، ٧٥٦، ٩٠٢،
٩٩٨، ٩٩٩، ١١٠٨، ١١٢٣، ١٧٣٥ - ١٧٣٧، شذرات الذهب ٢٠٥/٤، ٢٠٦،
روضات الجنات : ٤٤٦، هدية العارفين ٦٠٨/١، ٦٠٩، إيضاح المكنون ٣٠/٢، فهرس
الكتاني ٣٧٣/٢، ٣٧٤، معجم المطبوعات : ١٠٤٨، ١٠٤٩، الفهرس التمهيدي : ٣٦١،
تاريخ بروكلمان ٦٣/٦ - ٦٦، مقدمة ((الأنساب)) للمعلمي اليماني . والسمعاني نسبة إلى
سمعان: بطن من تميم، كما ذكر هو في ((أنسابه)) . قال ابن خلكان : سمعتُ بعض العلماء
يقول : يجوز بكسر السين أيضاً .
(١) أورد ابن كثير ترجمته في (( البداية)) في حوادث هذه السنة على أنه توفي فيها ، وهووهم
منه .
٤٥٦

والمحدثِ محمدِ بنِ عبد الواحد الدقّاق .
وتُوفي الوالدُ(١) وأبو سَعْدٍ صغيرٌ ، فَكَفَلَهُ عَمُّه وأهلُه ، وحُبِّب إليه
الحديثُ ، ولازم الطلبَ من الحَدَاثَة .
ورحل إلى نيسابور على رأسِ الثلاثين وخمس مئة ، فأكثر عن أبي عبد
اللَّه الفَّرَاوي، وأبي المُظَفَّرِ بنِ القُشَيري، وهِبةِ اللَّه بنٍ سهل السَّيِّدي ،
وإسماعيلَ بنِ أبي بكر القارىء ، وفاطمةَ بنتِ زَعْبل ، وزاهرِ بنِ طاهر ،
وأخيه وجيه ، وطبقتِهم .
وتوجَّه إلى أَصْبَهان ، فسمع الحُسينَ بنَ عبد الملك الخَلّل ، وسعيدً
ابنَ أبي الرجاء ، وأُمَّ المُجتبى فاطمةَ ، والموجودين ، وأكثر عن الحافظ
إسماعيلَ بنِ محمد التَّيمي .
وبادر إلى بغداد ، فأكثر عن القاضي أبي بكرٍ الأنصاري ، وإسماعيلَ
ابنِ السَّمرقندي، وأبي منصورٍ الشَّيباني ، وعبدِ الوهّاب الأنماطي ، وأبي
سعدٍ الزَّوْزَني ، وخلقٍ كثير .
ثم حجَّ ، وقدم دمشقَ ، فسمع بها من أبي الفتح نصرِ اللَّه بن محمد
المصِّيصيِّ ، والقاضي أبي المعالي محمدٍ بنٍ يحيى القُرشي ،
والموجودين .
ولا يوصف كثرةُ البلاد والمشايخ الذين أخذَ عنهم .
وقد ألّف كتاب ((التحبير في مُعجمه الكبير))، يكون ثلاث
مجلدات(٢) .
(١) سنة ٥١٠ هـ، انظر ((العبر)) ٢٢/٤، ٢٣.
(٢) طبع في مجلدين في بغداد سنة ١٩٧٥ م بتحقيق منيرة ناجي سالم .
٤٥٧

فسمع بآمُل طَرِسْتان من أبي نصرٍ الفضلِ بنِ أحمدَ بنِ الفضل بن
أحمد البصريِّ وطبقته .
وبأبْوَرد من عبدِ الملك بنٍ علي الزُّهري .
وبإسفرايين من طلحةَ بنِ الحُسين بنٍ محمد بن الحسين القاضي حدثه
عن جَدِّه .
وبالأنبار من يحيى بنٍ عليّ بنِ محمد بن الأخضر حدثه [ عن ]
الخطيب الحافظ .
وبُبُخارى من عثمان بنٍ علي البِيْكَنْدِيِّ وعدة .
وبُروجِرْد من القاضي أبي المُظفَّر شبيبٍ بنِ الحُسين ، وأبي تمّام
إبراهيمَ بنِ أحمد حدثاه عن يُوسفَ بنِ محمدٍ الهَمَذاني .
وبِبَسْطام من المُحَسِّن بن النُّعمان المُعلِّم حدثه عن طاهرِ الشّحّامي .
وبالبصرة من طلحةَ بنِ عليِّ الشاهدِ روى له عن جعفرِ العَبّاداني .
وببَغْشور من صالحٍ بن أحمد بن مَدُوسة المُقْرىء وغيره من (( جامع ))
الترمذي .
ويبَلخ من القاضي عُمر بنٍ علي المحموديِّ صاحب الوَخْشي.
ويترْمِذ من أسعدَ بنِ علي .
ونَجُرجان من أبي عامٍ سعدِ بنِ علي العَصّاري وجماعة عن عبدِ الله بن
عبد الواسع الجُرجاني .
وبحلب من الرئيس أبي الحسن عليٍّ بنِ عبد الله الأنطاكي .
٤٥٨
:

وبحماة من كاملٍ بنِ علي بن سالم السِّنْسيِّ عن أبيه .
وبحمص من قاضيها أبي البيانِ محمدِ بنِ عبد الرزاق التّنُوخِي .
وبخَرْتَنْك عند قبرِ البُخاري من أبي شجاع عُمر بنِ محمدٍ البسطامي .
وبخُسْروچِرد من عبد الحميد بن محمد بن أحمد الخواري صاحبٍ
البيهقي .
وبخُوار الري من محمدِ بنِ عبد الواحد بن محمد المَغَازِليِّ ، عن أبي
منصور بن شکرويه .
وبالرَّحْبة من الحافظِ أبي سَعْد أحمدَ بنِ محمد بن البغدادي .
وبالريِّ من القاضي أبي محمدٍ الحسن بن محمد الحنفيِّ حدثه عن
محمدِ بنِ إسماعيلَ بنِ كثير إملاءً ، حدثنا ابنُ الصَّلْتِ المُجْبر .
وبسَاوَة من أبي حاتم محمدِ بنِ عبد الرحمن الرازي .
وبسرخس من أبي نصرٍ محمدٍ بن محمود الشُّجاعي وآخر قالا : أخبرنا
عبدُ الله بنُ العبّاسي العَبْدُوسيُّ ، حدثنا أحمدُ بنُ أبي إسحاق الحَجَّاجي ،
حدثنا الحافظُ أبو العباس الدَّغُولي .
وبسَمَرقند من الخطيب أبي المعالي محمدِ بنِ نصر بنِ منصور المَدِيني
حدثَه عن السيِّد أبي المعالي محمدِ بنِ محمد بن زيد الحافظ .
وبسِمْنان من أحمدَ بنِ محمد بن العالم المُضَري عن أبي الحسن بن
الأخرم .
وبسِنْجار من القاضي أبي منصورٍ المُظَفَّرِ بنِ القاسم الشَّهرزُوري ،
سمع أبا نصرِ الَّينبي .
٤٥٩

وبهَمَذَان وَهَرَاة والحرمين والكُوفة وطُوس والكَرخ وَنَسَا وواسط
والمَوْصِلِ ونُهَاوَنْد والطّالقان وبُوشَنج والمدائن ، وبِقاعِ يطولُ ذكرُها بحيث
إنه زار القُدس والخليلَ وهما بأيدي الفِرَنج ، تحيَّلَ ، وخاطر في ذلك ، وما
تهيََّ ذلك للسِّلَفي ولا لابنِ عساكر .
ذكره أبو القاسم الحافِظُ في ((تاريخ دمشق))، فقال: أبو سَعْدٍ
السَّمعانيُّ الفقيهُ الشافعيُّ الحافظُ الواعظُ الخطيبُ ... إلى أن قال: سمع
ببلادٍ كثيرةٍ ، اجتمعتُ به بنَيْسَابُورَ وبغدادَ ودمشقَ ، وعاد إلى خُراسان ،
ودخلَ هَرَاةً وَبَلْخ وما وراءَ النهر ، وهو الآن شيخُ خُراسان غيرَ مُدافَعٍ ، عن
صدقٍ ومعرفةٍ وكثرةِ روايةٍ وتصانيفَ، سمع ببلادٍ كثيرة ، وحصَّل النُّسخ
الكثيرة ، وكتب عنِّي ، وكتبتُ عنه ، وكان متصوّناً عفيفاً حسنَ الأخلاق . ثم
قال : حدثنا أبو سَعْد بدمشق، أخبرنا عبدُ الغَفَّار الشِّيرَوي .. فذكر من جُزء
ابنِ عُيينة حديثَ : يا رسولَ اللَّه، متى الساعة ؟(١) ورواه معه ابنُه أبو محمد
القاسم . ثم ذكر وفاته .
حدَّث أيضاً عن أبي سعد : ولداه أبو المُظَفَّر عبدُ الرحيم ومحمدٌ ، وأبو
رَوْحَ عبدُ المُعز بن محمد الهَرَويُّ، وأبو الضوء شِهابٌ الشذياني ، والافتخارُ
أبو هاشم عبدُ المُطَّلب الحلبي الحنفيُّ، وعبدُ الوهّاب بنُ سُكينة ، وأبو الفتح
محمدُ بنُ محمد الصائغ ، وعبدُ العزيز بنُ مَنْنا ، وآخرون .
قال ابنُ النجار: نقلتُ أسماء تصانيفِهِ من خطّه: ((الذيل))(٢) على
((تاريخ)) الخطيب أربع مئة طاقة، ((تاريخ مرو)) خمس مئة طاقة، (( معجم
(١) سيرد الحديث مع تخريجه في نهاية الترجمة .
(٢) انظر ((تاريخ)) بروكلمان ٦٣/٦، ٦٤.
٤٦٠