Indexed OCR Text
Pages 401-420
بالخير ، وكان على قَدَمٍ من العِبادة قبل الخلافةِ ومعَها ، ولم يُرمَعَ لینِهِ بعد المعتصم في شهامتِهِ مع الزّهد والورع، ولم تزل جيوشُهُ منصورة . قلت : وكان مِن حَسَنَاتِهِ وزيرُهُ عونُ الدين بنُ هُبيرة(١) ، وقيل : كان لا يجري في دولتّهِ شيءٌ إلا بتوقيعِهِ ، وكتبَ في خلافته ثلاثَ رَبَعات ، ووزر له عليُّ بنُ طِراد(٢)، ثم أبو نصر بنُ جَهِير(٣) ، ثم عليُّ بنُ صدقة (٤) ، ثم ابنُ هُبيرة ، وحجبه أبو المعالي بنُ الصاحب ، ثم كاملُ بن مسافر ، ثم ابنُ المعوّج ، ثم أَبو الفتح بنُ الصَّيْقل ، ثم أبو القاسم بنُ الصاحب . وكان أسمَرَ آدَمَ ، مجدُور الوجه ، مليحَ الشَّيبة ، أقام حشمةً الخلافة ، وقطع عنها أطماعَ السلاطين السَّلْجُوفيَّة وغيرِهِم ، وكان من سلاطينٍ خلافَتِهِ صاحبُ خُراسان سَنْجَر بنُ ملكشاه ، والملكُ نورُ الدين صاحبُ الشام ، وأبوهُ قسيمُ الدولة . أنبؤُونا عن ابنِ الجَوزي قال : قرأتُ بخطٌّ أبي الفرج الحدّاد قال : حدثني من أثقُ به أَنَّ المقتفي رأى في منامه قبل أن يُستخلَفَ بستة أيامٍ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ له: سَيَصِلُ هذا الأمرُ إليكَ، فاقتَفِ بي. فلذا لُقِّب المُقْتَفي لأمرِ الله(٥). وكان قد قدم بغدادَ السلطانُ مسعودٌ السَّلْجُوقِيُّ ، وذهب الراشدُ من بغداد ، فاجتمع القضاةُ والكُبراء ، وخلعُوا الراشد كما ذكرنا لعدم أهلِيَّتِهِ ، (١) سترد ترجمته برقم (٢٨٢). (٢) تقدمت ترجمته برقم (٩٠ ). (٣) تقدمت ترجمته برقم (١٩٠). (٤) مترجم في ((المنتظم)) ١٧٨/١٠. (٥) انظر ((الكامل )) ١١/ ٤٣ و((تاريخ الخلفاء)) : ٤٣٧ . ٤٠١ سیر ٢٦/٢٠ وحكم بخلعه ابنُ الكَرْخِي (١) القاضي، وبايعوا عمَّه(٢). قال السديدُ بنُ الأنباري: نَقَّذ السلطانُ إلى عِّه سَنْجَر : مَن نستخلِفُ ؟ فكتب إليه : لا تُولِّ إلا من يضمنُهُ الوزيرُ ، وصاحبُ المخزن ، وابنُ الأنباري . قال : فاجتمع بنا مسعودٌ ، فقال الوزيرُ : نُولِّي الدَّيِّنَ الزاهد محمدَ بنَ المُستظهر . قال : تضمنُهُ؟ قال : نعم . وكان صِهراً للوزير على بنتِهِ تزوَّج بها في دولةٍ أبيه . وأخذ مسعودٌ كُلَّ حواصِلِ دار الخلافة بحیثُ لم يدْ في إصطبلِ الخلافةِ سوى أربعة أفراس وثمانية بِغال . فقيل : بايَعُوا محمداً على أن لا يكون عنده خيلٌ ولا عُدَّةُ سَفَر ، وفي الثانية من سنيه صادر مسعودٌ أهلَ بغداد ، فخرج إليه ابنُ الكَوّاز الزاهدُ ، ووعظَه ، فتركَ ، ولم يدْع للخليفة سوى العَقَار ، ثم تزوج الخليفةُ بأخت مسعود . وفيها(٣) اقتتل مسعودٌ وعساكرُ أذربيجان والراشدُ المخلوع، وتمت وقعةٌ مهولة ، وكتب الخليفةُ لزنكي بعشرةٍ بلاد ، وأن لا يُعِينَ الراشد ، فخُطِبَ بالمَوْصِلِ للمُقْتَفِي ، فَنَفَّذَ الراشدُ يقولُ لزنكي : غدرتَ . قال : ما لنا طاقةٌ بمسعود، وفارقَ الراشدَ وزيرُهُ ابنُ صَدَقَة ، وَقَلَّ جمعُهُ، وَتَحَيَّز إلى مَرَاغة ، وبكى عندٍ قبر أبيه ، وحثا على رأسِهِ التّرابَ ، فثار معه أهلُ مَرَاغة ، وبذلوا له الأموالَ ، وقوي بالملك داود ، وعمل مصافّاً مع مسعود ، فاستظهر داود . وفيها (٤) هرب وزيرُ مصر تاجُ الدولة بهرام النصرانيُّ الأرمنيُّ ، وكان قد (١) الذي تقدمت ترجمته برقم (٢٦٤) . (٢) انظر ((الكامل)) ٤٢/١١، ٤٣. (٣) أي سنة ٥٣١، وأورد ابن الأثير ذلك في حوادث سنة ٥٣٠ . (٤) أي في سنة ٥٣١ كما في ((الكامل)) ٤٨/١١، ٤٩ . ٤٠٢ تمكَّنَ ، واستعمل الأرمَنَ ، فظلم الرعيَّة ، فجمع رضوانُ الولخشي جيشاً ، وقصد القاهرةَ ، فسار بهرامُ في جيشِهِ إلى الصعيد وأكثرُهُم أرمن نصارى ، فمنعه أميرُ أُسوان من دخولها ، فاقتتلوا ، وقُتل عدةٌ من الأرمن والسودان ، ثم بعثَ يطلُبُ أماناً من الحافظ العُبيدي ، فَآمَنَهُ ، فعاد وحُبِس بالقاهرة ، ثم ترهَّب ، ثم أُطْلِقَ ، ووزر للحافظ رضوان ، ولُقِّب بالملك الأفضل ، ثم وقع بينه وبين الحافظ بعد سنتين ، فهربَ إلى الشام ، فنزل على أمير الدولة كمشتِكين صاحب صَرْخَد ، فأكرمه ، وعظَّمه . وأُعيدت إلى المُقتفي ضِياعُهُ ومعاملاتُهُ ، وَتَمَكَّنَ ، ونُصِر عسكرُ دمشق وعليهم بزواش على فِرنج طرابلس ، والتقى زنكي والفرنجُ أيضاً فهزمهم ، واستولى على قلعةٍ لهم، ثم سار وأخَذَ بَعْلَبَكَّ، وأخذت الرومُ بُزَاعة(١) بالأمان ، وتنصَّر قاضيها وجماعةٌ ، فللّه الأمرُ(٢). وتزوَّجَ السلطانُ مسعودٌ ببنتٍ دُبيسٍ الأسديِّ لملاحتها، وأُغلقت بغدادُ للعُرس أسبوعاً في سنة ٥٣٢ . وفيها(٣) استفحل أمرُ الراشد ، والتفَّ عليه عساكر ، فقتلته الباطنيَّة ، ونازلت عساكرُ الرومِ حَلَبَ ، وحمي الحربُ ، وقُتِلَ خلقٌ من النصارى ، وقُتِلَ بِطْرِيقُهم ، ثم نازلوا شَيْزَرَ مدةً ، وعاتُوا في الشام ، وما قحم عليهم زنكي ، بل ضايَقَهم ، وطلب النجدةَ مِن السلطان مسعودٍ ، ثم قلعهم اللهُ . وفي سنة ٥٣٣ زُلزلت جَنْزَة . قال ابنُ الجوزي(٤): فأهلكت مئتي (١) بلدة بين منبج وحلب. ((معجم البلدان)) ١ / ٤٠٩. (٢) انظر ((الكامل)) ١١ /٥٦ - ٦٠. (٣) أي سنة ٥٣٢. انظر ((الكامل)) ١١ /٦٠ - ٦٣. (٤) في (( المنتظم)) ٧٨/١٠ حوادث سنة ٥٣٣ . ٤٠٣ ألف وثلاثين ألفاً، فسمعتُ شيخَنَا ابنَ ناصر يقولُ: جاء الخبرُ أنه خُسِفت جَنْزَة، وصار مكانَ البلدِ ماءً أسودُ. وكذا عدَّهُم ابنُ الأثير في ((كامله))(١) لكن أرَّخها في سنة أربع(٢) . وفيها حاصر زنكيّ دمشقَ غيرَ مرة(٣) ، وعُزِلَ ابنُ طِرَاد من الوزارة ، ووليها أستاذُ الدار أبو نصر بنُ جَهِير، وَعَظُمَ الخطبُ بالعيَّرين، وأخذوا الدُّور بالشُّموعِ والثياب من الحمامات ، وأعانهم وزيرُ السلطان ، فَتَحَزَّبَ الناسُ لهم ، وأذِنَ في ذلك السلطانُ ، وَتَتَبَّعُوهم . وفيها كانت وقعةٌ عظمى بين سَنْجَر السلطان وبين كافر ترك بما ورَاءَ النَّهر، فانكسر المسلمون ، ونجا سَنْجَر في طائفة ، فتوصّل إلى بَلْخ في ستة نفر، وقُتِلَ [خلقٌ] كثيرٌ من الجيش حتى قيل: قُتل مئةُ ألف، وسار اللعينُ في ثلاث مئة ألف فارس ، وأحاطوا بسَنْجَر في سنة ستُّ وثلاثين . وفي سنة تسعٍ وثلاثين (٤) حاصر زنكيُّ الفرنج بالرُّها، وافتتحها، ثم بعد سنوات أخذتها الفرنج . وفيها افتتح عبدُ المؤمن مدينة تِلِمْسَان ، ثم فاس . وفي سنة إحدى وأربعين حاصر زنكي قلعة جَعْبَر ، فوثب عليه ثلاثةٌ من غلمانه، فقتلوهُ، وعارض شِحْنَةُ(٥) مسعودٍ المُقتفي في دار الضرب، فأمر بحبسِهِ ، وعظُم المُقتفي ، وأخذتِ الفِرَنْجُ طرابلسَ المغرب ، واستفْحَلَ أمُرُ (١) ١١ / ٧٧ . (٢) وكذا فعل المؤلف في ترجمة الموسوي التي تقدمت برقم (٢٩) نقلاً عن السمعاني. (٣) ذكر ابن الأثير ذلك في حوادث سنة ٥٣٤ . (٤) انظر ((الكامل)) ٩٨/١١. (٥) الشحنة أعوان الأمير الذين يضبطون أمور الدولة . ٤٠٤ الملكِ عبدِ المُؤمن ، وغلبَ على ممالك المغرب(١) . وفي سنة اثنتين ولي ابنُ هُبيرة ديوانَ الزمام (٢) ، وعُزل من ابنِ جَهِير ، ووزر أبو القاسم عليُّ بنُ صدقة . وفي سنة ٥٤٣ جاءت ثلاثةُ ملوك من الفِرنج إلى القُدْس ، منهم طاغيةٌ الألمان ، وصلَّوا صلاةَ الموتِ ، وفرَّقُوا على جُندهم سبع مئة ألف دينار ، فلم يَشْعُرْ بهم أهلُ دمشق إلا وقد صبَّحوهم في عشرةِ آلافٍ فارس وستِّين ألف رجل ، فخرج المسلمون فارسُهُم وراجلُهُم ، والْتَقَوْا، فاستُشْهِدَ نحوُ المئتين، منهم الفَنْدَلاويُّ(٣)، وعبدُ الرحمن الحَلْحُوليُّ، ثم اقتلُوا مِن الغد ، وقُتِلَ خلقٌ من الفِرنج ، فلما كان خامس يومٍ وصل من الجزيرة غازي ابنُ زنكي في عشرين ألفاً ، وتبعه أخوه نورُ الدين ، وكان الضجيجُ والدعاءُ والتضرُّمع بدمشق لا يُعبَّرُ عنه، ووضعوا المُصحَفَ العثمانيّ في صحنٍ الجامع ، وكان قِسِّيسُ العدوِّ قال : وعدني المسيحُ بأخذِ دمشق ، فحقُّوا بهِ ، وركب حمارَهُ وفي يده الصليبُ ، فشدَّ عليه الدماشقةُ ، فقتلُوه ، وقتلوا حمارَهُ، وجاءت النَّجَدَاتُ ، فانهزم الفرنجُ (٤). وقال ابنُ الأثير(٥) : سار ملكُ الألمان مِن بلاده لقصدِ المسلمين ، وانضمَّ إليهم فِرنجُ الشام ، فنازل دمشقَ ، وبها الملك مجيرُ الدين أَبَق وأتابكُهُ معينُ الدين أَنْر ، فَنَجَدَهُ أولادُ زنكي ، ونزل ملكُ الألمان بالميدانِ الأخضر ، (١) انظر ((الكامل)) ١٠٨/١١ و١١٥. (٢) راجع ص ٢٩٥ ت رقم (١) ترجمة رقم (١٩٩) . (٣) تقدمت ترجمته برقم ( ١٣٣) (٤) انظر ((تاريخ)) ابن القلانسي ٤٦٢ - ٤٦٦، و((المنتظم)) ١٣٠/٨، ١٣١، و((مرآة الزمان)) ١١٩/٨، ١٢٠، والبداية ٢٢٣/١٢، ٢٢٤. (٥) في الكامل ١١ / ١٢٩ وما بعدها . ٤٠٥ وأَيِسَ أهلُ دمشق ، ووصل صاحبُ المَوْصِلِ إلى حمص ، فراسَلَ أَنُّر ملوكَ فرنج الساحلِ يقولُ : بأيِّ عقلٍ تُسَاعدون الألمانَ علينا؟! وإن ملكُوا أخذُوا منكم السَّواحِلَ ، وأنا إذا عجزتُ سلَّمتُ دمشق إلى ابنٍ زنكي ، فلا تقومون به ، فتخاذلُوا ، وبذل لهم بانياس ، فخوَّفوا ملكَ الألمان من عساكر الشرق ، فرد إلى بلاده ، وهي وراء قسطنطينية . وفيها ظهورُ الدولةِ الغُوريَّةِ ، فقصد سُوري بنُ حسين مدينة غَزْنَة ، واستولى عليها ، فجرت بينهُ وبينَ بَهرام شاه وقعةٌ ، فَقُتِلَ سُوري ، فغضبت الغُورُ لقَتْلِهِ ، وَحَشَدُوا ، فكان خروجُهُم في سنة سبع وأربعين وخمس مئة ، والملكُ في بقاياهم إلى اليوم ، وافتتحوا إقليم الهند(١). واشتد بإفريقية القحطُ ، لا بل كان القحطُ عاماً ، فقال المؤيد عماد الدين : فيها كان الغلاءُ العامُّ مِن خُراسان إلى العراق إلى الشام إلى بلاد المغرب(٢). وفي سنة ٤٤ كسر نورُ الدين محمودٌ صاحبُ حلب الفِرَنجَ ، وقَتَلَ صاحبَ أنطاكية في ألفٍ وخمس مئة منهم ، وأسر مثلهم ، ثم أخذ منهم حصنَ فامية . وكان جُوسلين طاغيةٌ تل باشِر(٣) قد ألهبَ المُسلمين بالغاراتِ ، واستولى على البيرة وَبَهَسْنا (٤) وَمَرْعَش والراوندان وعين تاب وَعَزاز، فحارَبَهُ سلحدار(٥) نور الدين ، فأسرهُ جُوسلين ، فدسَّ نورُ الدين (١) انظر ((الكامل)) ١٣٥/١١، ١٣٦. (٢) ((الكامل)) ١٣٧/١١. (٣) تل باشر: قلعة حصينة وكورة واسعة شمالي حلب. ((معجم)) ياقوت ٢ /٤٠. (٤) بفتحتين وسكون السين ونون وألف : قلعة حصينة عجيبة بقرب مرعش وسميساط . ((معجم)) ياقوت ١ /٥١٦ . (٥) السلحدار أو السلاح دار : هو لقب الذي يحمل سلاح السلطان أو الأمير ، وهي إحدى = ٤٠٦ جماعةً من التركمان ، وقال : من جاءني بجُوسلين فله ما طلبَ . فنزلُوا بناحيةِ عين تاب ، وأغار عليهم جُوسلين ، وأخذ منهم امرأةً مليحةً ، وافتضَّها تحتَ شجرةٍ ، فكمن له التُّركمان ، وأسروهُ ، فأعطاهُم نورُ الدين عشرةَ آلاف دينار، واستولى نورُ الدين على بلاده(١)، واشتدَّ القحطُ بالعراق عامَ أول ، وزالَ في العام ، ووزر ابنُ هُبَيرة ، وَنَكثتْ فِرنجُ السواحل، فشنَّ أَنُر الغاراتِ عليهم ، وفعل مثلَه العربُ والتُّركمان ، حتى طلبوا تجديدَ الهُدنة ، وأن يترُكُوا بعضَ القطيعة . والتقى نورُ الدين الفرنجَ ، فهزمَهُم ، وقتلَ قائدَهم البرنس أحدَ الأبطال ، ومرضَ أَنْر بحُوْرَانَ ومات، ثم دُفِنَ بالمُعينيّة(٢). ومات الحافظُ صاحبُ مصر ، وقام ولدُهُ الظافِرُ ، ووزر له ابنُ مصال ، ثم اختلف المصريُّون ، وقُتِلَ خلق . وفي سنة ٥٤٥ ضايق نورُ الدين دمشقَ ، فأذعنوا ، وخطبُوا له بها بعدَ ملكها ، فخلع على ملكها ، وطوّقه ، وردّه إلى البلد ، واستدعى الرئيس مُؤيَّد الدِّين إلى مُخَيَّمه ، وخلَعَ عليه ، وردَّ إلى حلب . وفيها أُخِذَ ركبُ العراق ، وقلَّ من نجا ، وقُتِلَ ابنُ مصال الوزير ، وغلبَ ابنُ السَّلّر . قال ابنُ الجوزي(٣): جاء باليمن مطرٌ كُلُّه دم . = الوظائف آنذاك ، وأصحاب هذه الوظيفة يعبر عنهم لزيهم بالركابية ، وهو مركب من لفظين : احدهما عربي وهو السلاح ، والثاني فارسي وهو دار ، ومعناه ممسك أو حامل . انظر ((صبح الأعشى)) ٢ / ٤٨٠ و٥ / ٤٦٢. (١) ((الكامل)) ١١ / ١٥٤ - ١٥٦. (٢) من مدارس الحنفية بدمشق. انظر ((مختصر تنبيه الطالب)) ١٠٦، ١٠٧. (٣) في ((المنتظم)) ١٤٣/١٠. ٤٠٧ • وفي سنة ٤٦ عاود نورُ الدين محاصرة دمشق ، وراسلهم نورُ الدين : إني أُوثِرُ إصلاحَ الرعيَّةِ وجهادَ الفِرنج ، فإن أعانني عسكركُم على الغَزْوِ ، فهو المُراد . فنفروا، وامتنعوا، وخَرِبَتِ الغُوطةُ ، وعاث العسكرُ ، وتحركت الفرنجُ إنجاداً لملكِ دمشق ، فضاقت صدورُ الأخيار ، وجُرِحَ خلق ، ثم تحوَّلَ نورُ الدين إلى البِقاع لما جاءت جيوشُ الفِرنج نجدةً ، فطلبُوا من دمشقَ مالَ القطيعةِ المبذولةِ لهم على ترحيلِ نورِ الدين ، ثم عاد نورُ الدين إلى داريا ، وبرز عسكرُ البلد ، ووقعت المُناوشة ، وتصالحوا ، ثم سار ملكُ دمشق مجيرُ الدين إلى خدمة نور الدين إلى حلب ، فأكرمه ، وبقي كنائبٍ النورِ الدين بدمشق ، وافتتح نورُ الدين أنطرطوس(١) وتلّ باشِر وَعِدَّةَ مَعَاقل للفِرَنج ، ونازلت أربعون ألفاً من الفرنج قُرطبة ثلاثة أشهر ، حتى كادوا أن يأخذُوها ، فكشفَ عنها جيشُ عبدِ المؤمن ، وكانوا اثني عشر ألفاً ، وقَدِمَ السلطان مسعودٌ بغداد . وفي سنة ٤٧ مات مسعودٌ ، وقام بعده أخوه محمدٌ ، وعظُم شأنُ المُقتفي ، وسار إلى واسِطٍ ، فمهَّدها، وعطَّف إلى الكُوفة، ثم عاد مُؤيَّداً منصوراً ، فعُمِلَتْ له قِابُ الزينة . وفي سنة ٤٨ أخذت الفرنجُ عَسْقَلانَ، واشتدَّ الغلاءُ بدمشق ، ومات الفُقراءُ ، فَطَمِعَ نورُ الدِّين في أخذِها ، ففي أول سنة تسعٍ قدم شيركوه رسولاً، فنزل في ألفٍ فارس ، فلم يخرجُوا لتلقِّيه ، وقويت الوحشةُ ، وأقبَلَ نورُ الدين، فنزل ببيت الأَبّار، وَزَحَفَ على البلد مرتين ، وأقبَلَ عسكرُهُ إلى باب كيسان ، فإذا ليس على السُّورِ كبيرُ أحدٍ ، فتقدَّم راجلٌ ، فرأته يهوديةٌ ، فدلَّت له حبلاً، فصار على السورِ ، وتبعه جماعةٌ ، فنصبُوا (١) بلد من سواحل بحر الشام. ((معجم)) ياقوت ٢٧٠/١. ٤٠٨ سَنْجَقاً(١) ، وصاحوا : نورُ الدين يا منصور. وفتر القتالُ، وبادر قَطَّاعُ خشب بفأسِه ، فكسر قُفْل باب شرقي ، ودخل نورُ الدين ، وفرحت به الرعيةُ ، فتحصَّن الملك مُجيرُ الدين بالقَلْعة طالباً للأمان ، ثم نزل ، فطيِّبَ نورُ الدين قلبه ، وخرج بأمواله إلى الدارِ الأتابكية ، ثم ذهب إلى حمص ، وكُتِبَ له بها منشور . وأقبلت الغزُّ التركمان ، فنهبُوا نيسابور، وعذَّبوا وقتلوا بها ألوفاً، وخدموا السلطان سَنْجَر ، وأخذوهُ معهم ، فصار في حالٍ زريّة بعد العِزِّ والمُلك ، يركب أكدُشاً ، ورُبما جاع . وفيها يوم الجمعة ثاني شوال وقعت صاعقةٌ عظيمةٌ في التاج الذي بدارِ الخلافة ، فتأجَّجت فيه وفي القُبَّةِ والدارِ ، فبقيت النارُ تعملُ فيه تسعةً أيام ، حتى أُطفئت بعد أن صيَّرتهُ كالحُمَمَةِ ، وكانت آيةً هائلةً وكائنةً مُدهشة ، وكان هذا التاجُ مِن محاسن الدُّنيا ، أنشأهُ المُكتفي في دولته ، وكان شاهِقاً بديعَ البِناء ، ثم رُمَّ شَعْتُه وطُرِّي . وفي سنة خمسين وخمس مئة سار المُقتفي إلى الكوفة ، واجتاز بِسُوقها، وقُتِلَ في العام الماضي الظافرُ بمصر، وقَدِمَ طَلَائِعُ بنُ زُرِّيك من الصعيد للأخذِ بثأر الظافر من قاتله عبَّاسٍ ، ففرَّ عبَّاسٌ نحوَ الشام بأموالهِ ، فأخذتْهُ فِرَنجُ عَسْقَلان ، فقتلُوه ، وباعوا ابنَه نصراً للمصرِيِّين ، واضطرب أمرُ مصر ، وعزمت الفِرنجُ على أخذها ، وأرست مراكبُ جاءت من صِقِليَّة على تُنِيس ، فهجموها ، وقتلُوا ، وسبَوْا، وافتتح نورُ الدين قِلاعاً للفرنج وبعضِ بلاد الروم بالأمانِ ، واتسع ملكُه ، فبعث إليه المُقتفي تقليداً ، ولقّبه بالملك العادل ، وأمره بقصد مصر . (١) السنجق تقدم التعريف به في حواشي الترجمة (١٢٤ ). ٤٠٩ وفي سنة ٥٥١ سار المُقتفي والسلطانُ سُليمانُ بنُ محمد بن مَلِكْشَاه إلى حلوان ، ثم نفَّذ المُقتفي العساكرَ مع السُّلطان ، وفي رمضانها هرب سَنْجَر من الغُزِّ في خواصِّه إلى تِرمذ ، وتمنَّع بها . وكان أَنْسِز خُوارزمشاه وابنُ أخت سَنْجَر الخاقانُ محمودٌ يُحَاربان الغُزَّ ، والحربُ بينهم سِجالٌ ، وذلَّت الغُزُّ بموت علي بك ، وأَتَتِ الأتراك الفارغلية إلى خدمةِ سَنْجَر، وَعَظُمَ حالُهُ ، ورجع إلى دارٍ ملكه مَرْو . وفيها جاءت الزلزلةُ العُظمى بالشام . وفي سنة ٥٢ ورد كتابُ السلطانِ سَنْجَر إلى الملك نورِ الدين يتودَّدُ فيه ، وأنه انتصر على الغُزِّ بحيلة ، ويَعِدُهُ بنصرهِ على الفِرنج ، فَزُيِّنت دمشقُ والقلعةُ بالمغاني ، وکسرَ عسکرُ نور الدین الفرنج ، وأخذ نورُ الدین بانياس بالسيفِ ، ثم التقى نورُ الدين ، ونُصِر عليهم ، وللَّهِ الحمدُ . وفيها نازل محمدُ شاه بنُ محمود وعلي كوجك بغداد في ثلاثين ألفاً ، واقتلُوا أياماً، وعظُمَ الخطبُ، وقُتِلَ خلقٌ كثير، وبذل المُقتفي الأموالَ والغِلال، ثم ترحَّلوا، وسار المُقتفي إلى أوانا (١) ، وتصيَّد ، ومات سَنْجُ السلطان، وهَزَمَ نورُ الدِّين الفرنج على صَفَد، وأُخِذَتْ غَزَّةُ من الفِرنج . وفي سنة ٥٣ سار المُقتفي إلى واسط ، وزار مشهدَ الحُسين ، ورد ، ثم سار إلى المدائن ، وشهد العيدَ في تجمُّل باهرٍ . (١) بلدة كثيرة البساتين والشجر، من نواحي دُجيل بغداد، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ ، وكثيراً ما يذكرها الشعراء الخلعاء في أشعارهم. ((معجم البلدان)) ٢٧٤/١ . ٤١٠ قال ابنُ الأثير (١): كان مصرعُ الإِسماعيلية الخُراسانيين ، نزلُوا وكانوا ألفاً وسبعَ مئة ، فأخذُوا زوق تركمان(٢) ، فتناخت التركمانُ ، وكُرُّوا عليهم ، ووضعُوا فيهم السيفَ ، فما نجا منهم إلا تسعةُ أنفس . وكانت ملحمةٌ كبرى بين الغُزِّ وبين أُمراء خُراسان ، ودام المصافُّ يومين ، وانتصرت الغُزُّ ، واستغنَوْا، وشرعُوا في العَدْل قليلاً . وفيها التقى المصريُّون والفِرنجُ بفِلَسطين ، فاستُبيحت الفِرنجُ . وفيها التقى نورُ الدينِ والفرنجُ ، فانهزم عسكرُه ، ونجا نورُ الدين ، وانهزم العدوُّ أيضاً . وفيها أقبل صاحبُ قُسطنطينية في جيوشِ الروم ، وأغار أوائلُهم على بلاد أنطاكية(٣). وفي سنة ٥٥٤ مرض نورُ الدِّين، وعَهِدَ بالمُلك بعده لأخيهِ مودود، وصالحَ صاحبَ القُسطنطينية ، وأطلق له مُقَدَّمين من أسرى الفرنج ، فبعث هو إلى نورِ الدين هدايا وتُحفاً ، وسار نورُ الدين ، فتملَّك حرَّان ، ومد سِماطاً لأخيه مودود لم يُسْمَعْ بمثله . وفي سنة ٤ كان الفسادُ بالغُزِّ عَمّالاً، وسار الخليفةُ إلى واسط ، وسار عبدُ المؤمن سلطانُ المغرب ، فحاصر المَهْدِيَّة سبعةً أشهر ، وأخذها بالأمانِ ، وبها خلقٌ من النصارى ، وكانت بأيديهم من اثنتي عشرة سنة ، وافتتح أيضاً قبلَها تُونس . (١) في ((الكامل)) ٢٣٨/١١. (٢) في ((الكامل)): فأوقعوا بالتركمان ، فلم يجدوا الرجال ، وكانوا قد فارقوا بيوتهم ، فنهبوا الأموال ، وأخذوا النساء والأطفال ، وأحرقوا ما لم يقدروا على حمله ... (٣) هي باللام ، بلد كبير في تركيا اليوم . ٤١١ وفي ((كامل)) ابنِ الأثير(١) أنَّ نقيب العلوية بنيسابور ذُْرَ الدين قتل شافعيٌّ بعضَ أصحابه ، فطلبه مِن رئيس الشافعية المُوفَّقي، فحماهُ ، فاقتتلُوا أياماً، وعَظُمَ الخطبُ ، وأُحرِقَتِ المدارسُ والأسواقُ ، واستحرَّ القتلُ بالشافعيّة بحيث استُؤْ صِلَ البلدُ ، فللَّه الأمرُ . قال ابنُ الجوزي(٢): مرض المُقتفي بعلَّة التّراقي، وقيل: بدُمَّلٍ في . عُنُقِه ، فتُوفي في ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمس مئة وله ستُّ وستون سنة سوى ثمانية وعشرين يوماً ، وكذا مات أبوه بعلَّة التراقي . ٢٧٤ - المُسْتَنْجد باللّه * الخليفةُ أبو المُظَفَّر يوسفُ بنُ المقتفي لأمرِ اللَّه محمدِ بنِ المُستظهر بن المُقْتدي العباسي . عقد له أبوهُ بولاية العهدِ في سنة سبعٍ وأربعين ، وعمرُه يومئذٍ تسعٌ وعشرون سنة . فلما احتُضِرَ المُقتفي رام طائفةٌ عزلَ المستنجد ، وبعثت حَظِيَّةُ المُقتفي أمُّ علي إلى الأمراء تَعِدُهم وتُمنِّيهم ليُبايعوا ابنَها عليّ بنَ المُقتفي ، قالوا : (١) ١١ / ٢٥٠ . (٢) في ((المنتظم)) ١٠ /١٩٧. (*) المنتظم ١٩٢/١٠ - ١٩٤ و٢٣٦، الكامل ٢٥٦/١١ و٣٦٠ - ٣٦٢، مرآة الزمان ١٧٧/٨، خلاصة الذهب المسبوك: ٢٧٦، الروضتين ١٩٠/١، مفرج الكروب ١٩٣/١، الفخري: ٣١٦، العبر ١٩٤/٤، دول الإسلام ٧٩/٢، تتمة المختصر ١٢٠/٢، ١٢١، فوات الوفيات ٣٥٨/٤ - ٣٦٠، مرآة الجنان ٣٧٩/٣، البداية والنهاية ٢٦٢/١٢، تاريخ ابن خلدون ٥٢٥/٣، معالم الإِنافة ٤٤/٢ - ٤٩، النجوم الزاهرة ٣٨٦/٥، الضوء اللامع ٣٢٩/١٠، حسن المحاضرة ٩١/٢، ٩٢ ، تاريخ الخلفاء : ٤٤٢ - ٤٤٤، تاريخ الخميس ٣٦٣/٢، شذرات الذهب ٢١٨/٤، ٢١٩، معجم الأنساب والأسرات الحاكمة : ٤، الزركشي : ٣٥٥ . ٤١٢ كيف هذا مع وجودٍ وليِّ العهد يوسف ؟ قالت : أنا أكفيكُموه ، وهيأت جواريَ بسكاكينَ لِيثِبْنَ عليه ، فرأى خُويدمٌ ليوسُف الحركةَ ، ورأى بيدٍ علي وأمِّه سيفين ، فبادر مذعُوراً إلى سيِّدهِ ، وبعثت هي إلى يُوسف : أن احضُرْ موتَ أمير المؤمنين . فطلب أستاذَ الدار ، ولبس درعاً ، وشهر سيفَه ، وأخذ معه جماعةً من الحواشي ، والفرّاشين ، فلما مرَّ بالجواري ضرب جاريةً بالسيف جرحَها ، وتهاربَ الجواري ، وأخذ أخاهُ وأُمَّهُ ، فحبسَهما ، وأباد الجواري تغريقاً وقتلاً، وتمكَّن. وأمُّه كرجية اسمُها طاووس(١). قال الدُّبيثي : كان يقولُ الشعرَ ، ونقشُ خاتِمه : من أحب نفسَه عمل لها . قال ابنُ النجار : حكى ابنُ صفيّة أَنَّ المُقتفي رأى ابنَه يوسفَ في الحرّ ، فقال : أيشٍ في فمِك؟ قال : خاتم يَزْدَن عليه أسماءُ الاثني عشر ، وذلك يسكِّن العطش. قال: ويلك(٢) يُريد يَزْدَن أن يصيّرك رافضياً، سيدُ الاثني عشر الحسينُ رضي الله عنه ، ومات عطشان . وللمستنجد : ليتَها عَيَّرتْ بما هُو عارُ عيَّرتْني بالشَّيْبِ وهو وَقَارُ فالليالي تَزينُها الأقمارُ(٣) إن تكُن شابَتِ الذَّوائِبُ مِنِّي نبّأني جماعةٌ عن ابنِ الجوزي ، حدثني الوزيرُ ابنُ هُبيرة ، حدثني المستنجدُ قال : رأيتُ رسولَ اللَّهُ وَّله في النوم منذُ خمس عشرة سنة، فقال (١) انظر ((الكامل)) ١١ /٢٥٦، ٢٥٧ . (٢) في الأصل : والك . (٣) البيتان في ((فوات الوفيات)) ٣٦٠/٤ وفيه ((تنيرها)) بدل ((تزينها)). ٤١٣ لي : يبقى أبوك في الخلافة خمساً وعشرين سنة . فكان كما قال ، فرأيتُه قبل موت أبي بأربعة أشهر ، فدخل بي من باب كبير ، ثم ارتفعنا إلى رأس جبل ، وصلى بي ركعتين ، وألبسني قميصاً ، ثم قال لي : قل : اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِیمَنْ هَدَيْتَ(١) . ثم قال ابنُ الجوزي (٢): أقرَّ المستنجدُ أربابَ الولايات ، وأزال المكوس والضرائب . ونقل صاحبُ ((الروضتين)) (٣) أنه كان موصوفاً بالعدلِ والرفق ، وأطلق المُكُوس بحيث إنه لم يَتْرُكْ بالعراق مُكساً ، وكان شديداً على المفسدين ، سجن عوانياً كان يسعى بالنَّاس مُدَّةً ، فبذل رجلٌ فيه عشرةَ آلاف دينار ، قال المستنجد : فأنا أَبْذُلُ عشرة آلاف دينار لتأتيني بآخرَ مثلِه أحبِسُه . قال ابنُ الأثير في ((كامله))(٤): كان المستنجدُ أسمرَ ، تامَّ القامة ، طويلَ اللحية ، اشتد مرضُه ، وكان قد خافه أستاذُ الدار عضدُ الدولة بنُ رئیس الرؤساء وقايماز المُقْتَفَوي كبيرُ الأمراء ، فواضعا الطبيبَ على أذَّتِهِ، فُوُصِفَ له الحمَّامُ ، فامتنع لضَعْفِه، ثم أُدخِلَ الحمامَ ، وأُغلق عليه ، فَتَلِفَ ، هكذا سمعتُ غير واحد ممن يعلم الحال . قال : وقيل : إنَّ الخليفة كتب إلى وزيره مع ابنِ صفية الطبيب يأمرُه بالقبضِ على قايماز وعَضُدِ الدولة وصَلْبِهما، فأرى ابنُ صفيَّة الخطَّ لِعَضُدِ الدولة ، فاجتمع بقايماز ويَزْدَن ، (١) ((المنتظم)) ١٠ / ١٩٣. (٢) في ((المنتظم)) ١٩٣/١٠. (٣) ١٩٠، ١٩١، عن ((الكامل)) ٣٦٢/١١. (٤) ١١ / ٣٦٠، ٣٦١. ٤١٤ فاتفقُوا على قتله ، فدخل إليه يَزْدَن وآخرُ ، فحملاهُ إلى الحمام وهو يستغيثُ ، وأغلقاهُ عليه . قلتُ : أولُ من بايع المستنجد عمُّه أبو طالب ، ثم أخوه أبو جعفر ، ثم ابنُ هُبيرة ، وقاضي القضاة الدامَغَاني . وفي سنة ٥٥ قَبَضَ الأمراءُ بهَمَذَانَ على سليمان شاه ، وملكوا أرسلان شاه ، ومات بمصر الفائزُ باللّه، وبايعوا العاضِد. وفي سنة ٥٦ قُتِلَ بمصر الصالحُ وزيرُها ، واستولى شاور ، وسافر للصيدِ المُستنجد مراتٍ، والتقى صاحبَ أَذْرَ بيجان والكُرْج ، فنصرَ اللَّهُ ، وتملَّك نيسابورَ الْمُؤيدُ أَيََّه ، واستناب مملوكَه ينكز على بِسْطام ودامَغَان ، وتمكَّنْ ، وهزم الجيوشَ ، وهو مِن تحت أمر السلطان رسلان . وفيها كسرت الفِرنجُ نورَ الدين تحتَ حِصْنِ الأكراد ، ونجا هو بالجهد ، ونزل على بُحيرةِ حمص ، وحلف لا يَسْتَظِلُّ بسقفٍ حتى يأخُذَ بالثأرِ ، ثم التقاهُم في سنة ٥٩ فطحنَهم ، وأسر مُلوكَهم ، وقتل منهم عشرةَ آلاف بحارِم(١) ، ثم جهَّز جيوشَه مع أسدِ الدين مُنجِد الشاور وانتصر ، وقتلَ ضدَّهُ ضِرغاماً، ثم استنجدَ بالفِرنج ، فأقبلوا ، وضايقوا أسدَ الدين ببَلْبِيس ، وافتتح نورُ الدين حارِم وبانياس ، وضاع من يده خاتِمٌ بفَصِّ ياقوت يُسمَّى الجبل ، ثم وجدوهُ . وفيها أقبل صاحبُ قُسْطنطينية بجيشه مُحارباً لملكِ الروم قلج رسلان ، فنصرَ اللَّهُ ، وأخذ المسلمون منهم حُصوناً . (١) حارِم بكسر الراء : هي اليوم بلدة شمال سورية من محافظة إدلب . ٤١٥ وفي سنة ٦٠ وَلَدتْ ببغداد بنتُ أبي العز الأهوازي أربعَ بناتٍ جملة . وفيها هاجت فتنةٌ صمَّاء بسبب العقائد بأَصْبَهان ، ودام القتالُ بين العُلماء أياماً ، وقُتل خلقٌ كثير . قاله ابنُ الأثير(١) . وفي سنة ٥٦١ عملتِ الرافِضةُ مأتمَ عاشوراء ، وبالغُوا ، وسبُّوا الصحابةَ ، وخرجت الكرج ، وبدَّعوا في الإِسلام ، وغزا نورُ الدين مراتٍ . وفي سنة ٦٢ كان مسير شِيركُوه إلى مصر ثاني مرةٍ في ألفين ، وحاصر مصرَ شَهْرين ، واستنجد شاور بالفِرنج ، فدخلُوا مِن دِمياط ، وحاربهم شِيركُوه ، وانتصر ، وقُتِلَتْ ألوفٌ من الفرنج ، وسار شِيركوه ، واستولى على الصَّعيد ، وافتتح ولدُ أخيه صلاحُ الدين الإِسكندرية ، ثم نازلته الفِرنج ، وحاصروه بها أشهراً حتى ردَّ شِيركُوه ، فهربتِ الفِرنجُ عنها ، واستقرَّ بمصر للفِرنج شحنةٌ وقطيعةُ مئة ألف دينار في العام ، وقدم شِيركُوه ، وأعطاه نورُ الدين حمص . وفي سنة ٥٦٤ غزوُ شِيركوه مصرَ ثالثَ مرةٍ ، ومَلكتِ الفِرَنجُ بَلْبيس ، ونازلُوا القاهرة ، فذلَّ لهم شاور، وطلب الصُّلحَ على قطيعةِ ألفِ ألفٍ دينار في العام، فأجابه الطاغيةُ مَرِّي إلى ذلك، فعجَّل له مئة ألف دينار، واستنجد بنورِ الدِّين ، وسَوَّد كتابَه، وجعل في طَيِّه ذوائبَ النساء ، وواصلَ كُتُبُه يحثُّه ، وكان في حلب ، فجهّز عسكرهُ ، واستخدم أسدَ الدين حتى قيل : كان في سبعين ألفاً من بين فارس وراجِل ، فتقهقر الفِرنجُ القُدومه وذلُّوا ، ودخل القاهرةَ في ربيع الآخر ، وجلس في دَسْت المَمْلكة ، وخلع عليه العاضدُ خِلَعَ السَّلطنة ، وكتبَ له التقليدَ وعلامة العاضدِ بخطِّه : هذا عهدٌ لم يُعْهد (١) في ((الكامل)) ٣١٩/١١. ٤١٦ مثلُه لوزيرٍ ، فتقلَّدْ أمانةً رآكَ أميرُ المؤمنين لها أهلًا، والحجةُ عليكَ عندَ اللَّهِ بما أَوضحهُ لكَ من مَرَاشِد سُبُله ، فخُذْ كتابَ أميرِ المؤمنين بقُوَّة ، واسحبْ ذِيلَ الفَخَارِ بأن اعتزَّتْ بِك بُنُوَّة النُّبُوة، واتخِذْ للفَوزِ سبيلاً، ﴿ولا تَنْقُضُوا الََّيْمانَ بَعْدَ توكِيدها وقَد جَعَلْتُم اللَّهَ عَلَيكُم كَفِيلاً﴾ [النحل: ٩١](١). وقام شاور لِضيافة الجيش، فطلبُوا منه النَّفقةَ ، فماطَلَ ، ثم شدَّ عليه أمراءُ، فقبضُوا عليه ، وذُبِحَ ، وحُمِلَ رأسُه إلى العاضد ، ومات شِيرُكُوه بعد الولاية بشهرين . قال العماد : أَحرق شاور مصرَ ، وخاف عليها من الفِرَنج ، ودامت النارُ تَعْمَلُ فيها أربعةً وخمسين يوماً . وقلَّد العاضدُ منصب شِیرگُوه لابن أخيه صلاح الدين ، فغضب عَرَبُ مصر وسودانُها، وتألَّبُوا، وأقبلُوا في خمسين ألفاً، فكان المَصَافُّ بين القَصْرِين يومين ، وراح كثيرٌ منهم تحتَ السيفِ ، وكانت الزلزلةُ العُظمى بصِقِيَّة أهلكت أُمماً . وفي سنة خمسٍ وستين جاءت زَلازِلُ عظامٌ بالشام ، ودَكَّت القِلاع ، وأفنَتْ خلقاً ، وحاصرت الفِرنجُ دمياطَ خمسين يوماً ، فعجَزوا ، ورحلُوا ، وأخذ نُور الدين سِنْجار، وتوجَّهَ إلى المَوْصِلِ ، ورتَّب أمورها ، وبنى بها الجامعَ الأكبرَ ، وسار فحاصرَ الكَرَكَ ، ونصبَ عليها منجنيقين ، وجدَّ في حصارِها ، فأقبلت نجدةُ الفِرنجِ ، فقصدهم نورُ الدين ، وحصدهم ، وتمكَّن بمصر صلاحُ الدين وذهب إليه أبوهُ، فكان يوماً مشهوداً ، ركب العاضِدُ بنفسِه لتلقِّيه . قال صلاحُ الدين: ما رأيتُ أكرمَ من العاضِد ، بعث (١) انظر ((الكامل)) ٣٣٥/١١ وما بعدها، و((تاريخ الخلفاء)): ٤٤٤ . ٤١٧ سير ٢٧/٢٠ إليَّ مدةَ مُقام الفرنج علی حصارٍ دِمیاط ألف ألف دينار مصرية سوی الثياب وغيرِها . وقيل : إنَّ المُستنجد كان فيه عدلٌ ورِفق ، بطّل مُكوساً كثيرة . قال ابنُ النجار : كان موصوفاً بالفَهمِ الثاقب ، والرأيِ الصائب ، والذكاءِ الغالب ، والفضلِ الباهر ، له نظمٌ ونثرٌ، ومعرفةٌ بالأَسْطُرلاب ، تُوفي في ثامن ربيع الآخر سنةً ستُّ وستين وخمس مئة ، وقام بعده ابنُه المستضيء . قلت : الإِمامُ إذا كان له عقلٌ جيدٌ ودِين متينٌ ، صَلُحَ به أمرُ الممالك فإن ضَعُف عقلُه ، وحسُنَت دِيانتُه، حمله الدينُ على مُشاورةٍ أهل الحَزْمِ ، فتسدَّدت أمورُه ، ومَشَتِ الأحوالُ ، وإن قلَّ دينه ، ونَبُلَ رأيُه ، تعبت به البلادُ والعبادُ ، وقد يَحْمِلُهُ نُبْلُ رأيِه على إصلاح مُلكِه ورعيَّته للدنيا لا للتقوى ، فإن نَقَصَ رأيُه ، وقلَّ دينه وعقلُه ، كَثُرَ الفسادُ ، وضاعت الرعيةُ ، وَتَعِبُوا به ، إلا أن يكونَ فيه شجاعةٌ وله سطوةٌ وهيبةٌ في النفوس ، فينجبِرُ الحالُ ، فإن كان جَبَاناً، قليلَ الدِّين ، عديمَ الرأي ، كثيرَ العَسْف ، فقد تَعرَّض لبلاءٍ عاجل ، ورُبما عُزِلَ وسُجِنَ إن لم يُقتل ، وذهبت عنه الدنيا ، وأحاطت به خطاياهُ ، وندم ـ واللَّهِ - حيثُ لا يُغني الندمُ ، ونحن آيسون اليومَ من وجودِ إمامٍ راشدٍ من سائرِ الوجوه ، فإن يسَّر اللَّهُ للأمَّةِ بإمامٍ فيه كثرةُ محاسن وفيه مساوىء قليلة ، فَمَنْ لنابه ، اللهم فأصلِح الراعي والرعيَّة ، وارحم عبادَك ، ووفّقْهم ، وأَيِّد سُلطانَهم ، وأعنهُ بتوفيقِكَ . ٤١٨ ٢٧٥ - أبو البركات * العلَّمةُ الفيلسوف، شيخُ الطب ، أوحدُ الزمان ، أبو البركات ، هِبةٌ اللَّه بنُ علي بن ملكا البلديُّ، اليهوديُّ كان، ثم أسلم في أواخرِ عُمره ، خَدَمَ الخليفةَ المُسْتنجد . قال الموفق بنُ أبي أُصيبعة(١) : تصانيفُه في غاية الجَوْدَةِ ، وله فِطرة فائقة، أضرَّ بأخَرَة، وكان يُملي على الجَمَال بنِ فَضْلان، وابنِ الدَّّان ، والمُهذَّب ابْنِ النّقَّاش ، ووالدِ المُوفَّق عبد اللطيف، كتابَه المُسمَّى بـ ((المُعتبر)). قيل : سببُ إسلامهِ أنه دخلَ إلى الخليفةِ ، فقام له الكُلُّ سوى القاضي ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، إن كان القاضي لم يَقُمْ لأني على غيرِ مَّته ، فأنا أُسلمُ . فَأَسلمَ . خلَّف ثلاثَ بنات ، وعاش نحو الثمانين . وهو صاحبُ تِرِياق برشعثا ، وله رسالةٌ في ماهيَّةِ العقلِ (٢) ومن تلامذتِه المُهذَّبُ عليُّ بنُ هبَل . مات سنة نيِّف وخمسين وخمس مئة . وبرعَ في علم الفلسفة إلى الغاية . (*) تاريخ حكماء الإسلام: ٣٤٣ - ٣٤٦، اخبار العلماء بأخبار الحكماء : ٢٢٤، عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ٣٧٤ - ٣٧٦، تاريخ مختصر الدول لابن العبري : ٣٦٤ - ٣٦٦، المختصر ٤٣/٣، تتمة المختصر ١٠٧/٢، نكت الهميان: ٣٠٤، مطالع البدور ١٠٥/٢، كشف الظنون : ١٧٣١، هدية العارفين ٥٠٥/٢، ٥٠٦. (١) في ((طبقات الأطباء)): ٣٧٤ - ٣٧٦. (٢) انظر بقية تصانيفه في ((عيون الأنباء)) ٣٧٦ . ٤١٩ ٢٧٦ - كمال * بنتُ المحدث أبي محمد عبدِ الله بن أحمد بن عمر بن السَّمرقنديّ ، أمُّ الحسن ، صالحةُ خيِّرة، وهي زوجةُ المُحدِّث عبدِ الخالق اليُوسفي(١). سمعت من : طِرادٍ ، وابنِ البَطرِ ، والنِّعالي . وعنها : إبراهيمُ بنُ بَرهان النَّسَّاجِ ، وهِبهُ اللَّه بنُ عمر بن كمال الحلَّج . تُوفيت سنةَ ثمانٍ وخمسين وخمس مئة . أخوها : ٢٧٧ - أبو المُظَفَّر هبةُ اللَّه ** سمع النِّعالي ، وجَعْفراً السّاجِ . روى عنه موفقُ الدين المَقْدسي . مات سنةً ثلاثٍ وستين وخمس مئة . ٢٧٨ - الخَزْ رَجي *** الإِمامُ الفقيهُ، أبو عبد الله ، محمدُ بنُ عبد الحقِّ بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحق ، الخَزْرجيُّ القُرطبي المالكي . سمع ((المُوطَّأ)) وغيرَه من محمدِ بنِ فَرَجِ الطَلَّعي ، وعُني بالفقه . (*) انظر أعلام النساء ٢٦٢/٤. (١) الذي تقدمت ترجمته برقم ( ١٨٧ ) . ( ** ) لم أعثر على مصدرٍ ترجمه . ( *** ) لم اعثر على مصدرٍ ترجمه . ٤٢٠