Indexed OCR Text

Pages 521-540

يْطِ حِسَانَ الوُجُوهِ كالْبَرَدِ(١)
يَحْمِلْنَ حُورَ العُيُونِ تَرْفُلُ فِي الرَّ
ـج. عَلَيْهِ السَّحَابُ كالقِدَدِ
مِنْ دُونِ بُصْرَى وَخَلْفَهَا جَبَلُ الثََّـ
حِلْفَةَ بَرِّ الْيَمِينِ مُجْتَهِدٍ
والبُدْن إِذْ قُرْبَتْ لِمَنْحَرِهَا
أَحْبَيْتُ حُبِّي إِيَاكِ مِنْ أَحَدٍ (٢)
ما حُلْتُ عَنْ عَهْدٍ ما عَلِمْتٍ ولا
ـر وَصَوْتَ المُسَامِرِ الغَرِدِ (٣)
أَهْوَى حَدِيثَ النَّدْمَانِ فِي وَضَحِ الفجـ
فطرب حسانُ ، وبكى .
قال ابنُ الكلبي : كان حسان لَسِناً شُجاعاً ؛ فأصابته عِلَّةٌ أحدثت فيه
الجبن(٤) .
قال سليمانُ بنُ يسار(٥): رأيتُ حسانَ له ناصيةٌ قد سَدلها بين عينيه .
إسحاق الفَرْوي ، وآخر ، عن أُمِّ عُروة بنتِ جعفر بن الزُّبير بن العوَّام ،
عن أبيها، عن جدها، قال: لما خلَّف رسولُ اللهِ وَ﴾ نساءه يوم أُحد (٦)؛
خلفهُنَّ في فارع(٧)، وفيهن صفيَّةُ بنتُ عبد المطلب، وخلّف فيهن
(١) رواية البيت في الديوان :
يحملن حوّاً حور المدامع في الرّ
یط وبیض الوجوه کالبرد .
(٢) رواية الديوان : ما حُلت عن خير ما عهدتِ ولا .
(٣) الأبيات في ديوانه: ٦٦، ٦٧، و((تهذيب ابن عساكر)) ٤ / ١٢٦، ١٢٧،
(٤) ((تهذيب ابن عساكر)) ٤ / ١٤٣.
(٥) تصحف في المطبوع إلى ((بشار)) والخبر في ((تهذيب ابن عساكر)) ٤ / ١٤٣.
(٦) سينبه المصنف أن قوله يوم أحد وهم ، وأن الصواب الخندق ؛ كما رواه ابن إسحاق .
(٧) فارع : حصن حسان .
٥٢١

حسان ؛ فأقبلَ رجلٌ من المشركين ليدخُلَ عليهن . فقالت صفية لحسان :
عليك الرجلَ . فجَبْن ، وأبى عليها . فتناولت السيفَ ، فضربت به المشرك
حتی قتلته . فأخبر بذلك ؛ فضرِبَ لها بسهم .
- وزاد الفَرْوي فيه: أنه قال: لو كان ذاك فيَّ، لكنتُ مع رسول
الله - .
قالت : فقطعتُ رأسه ، وقلتُ لحسان : قُم ، فاطرحْه على اليهود ،
وهم تحت الحصن . قال: والله ما ذاك فيَّ. فأخذتُ رأسَهُ ، فرميتُ به
عليهم . فقالوا : قد علمنا والله إنَّ هذا لم يكنْ ليتركَ أهله خُلوفاً ، ليس معهم
أحد . فتفرَّقُوا (١) .
فقوله: ((يوم أُحُد )) وهم .
وروى نحوه ابنُ إسحاق : حدثنا يحيى بنُ عباد ، عن أبيه ، وفيه :
فقالت لحسان : قُم فاسلبه ، فإني امرأةٌ وهو رجل . فقال : ما لي بسَلبه يا
بنت عبد المطلب من حاجة (٢).
وروى يونس بنُ بُكَير ، عن هشام ، عن أبيه ، عن صفية ، مثله (٣).
قال ابنُ إسحاق : توفي حسانُ سنةَ أربعٍ وخمسين .
(١) أم عروة لا تعرف ، وأبوها جعفر ذكره ابن أبي حاتم : ٢ / ٤٧٨ ولم يذكر فيه جرحاً ولا
تعديلاً .
(٢) أخرجه ابن هشام ٢ / ٢٢٨. وهو في ((الأغاني)) ٤ / ١٦٤، ١٦٥، ((وتهذيب ابن
عساكر)) ٤ / ١٤٣.
(٣) أخرجه الحاكم ٤ / ٥١ ورجاله ثقات. لكنه مرسل، وانظر ص ٢٧١ ت ١ من هذا
الكتاب ، و((ابن سعد، ٨ / ٤١.
٥٢٢

وأما الهيثمُ بنُ عدي ، والمدائني فقالا : توفي سنة أربعين .
قلت : له وِفادةً على جبلة بنِ الأيهم ، وعلى مُعاوية .
قال ابنُ سعد : تُوفي زمن معاوية .
١٠٧ - كعب بن مالك (ع )
ابن أبي كعب ، عمرو بن القَيْن بن كعب بن سَواد بن غَنْم بن كعب
ابن سلمة الأنصاري ، الخزرجيُّ العَقَبِيُّ الأُحدي .
شاعرُ رسول الله:﴿ وصاحبه، وأحدُ الثلاثة الذين خُلُفُوا، فتاب الله
عليهم .
شهد العقبة ، وله عدة أحاديث تبلغ الثلاثين . اتفقا على ثلاثة منها ،
وانفرد البخاري بحديث ، ومسلم بحديثين (١) .
روى عنه بنوه: عبدُ الله ، وعُبيد الله ، وعبد الرحمن ، ومحمد ،
[ ومعبد]، بنو كعب؛ وجابرٌ، وابنُ عباس، وأبو أمامة، وعُمر بنُ
الحكم ، وعُمرُ بنُ كثير بن أفلح؛ وآخرون ؛ وحفيدُه عبدُ الرحمن بن عبد
الله .
* مسند أحمد: ٤٥٤/٣ و٣٨/٦، طبقات خليفة: ١٠٣، تاريخ خليفة: ٢٠٢، التاريخ
الكبير: ٢١٩/٧ - ٢٢٠، تاريخ الفسوي: ٣١٨/١-٣١٩، الجرح والتعديل: ١٦٠/٧،
الأغاني : ٢٢٦/١٦ - ٢٤٠، المستدرك: ٤٤٠/٣، الاستبصار: ١٦٠ - ١٦١، الاستيعاب:
١٣٢٣/٣، تاريخ ابن عساكر: ١/٢٨٦/١٤، أسد الغابة: ٤٨٧/٤، تهذيب الكمال : ١١٤٧ ،
تاريخ الإسلام : ٢٤٣/٢، العبر: ٥٦/١، تهذيب التهذيب : ٨/ ٤٤٠ - ٤٤١، الإصابة :
٣٠٤/٨، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٢١، كنز العمال: ٥٨١/١٣، شذرات الذهب: ٥٦/١.
(١) انظر ((البخاري)) ١ / ٤٥٩ و٥ / ٥٣ و٨/ ٨٦، ٩٣، ومسلم (١٥٥٨) و (٢٧٦٩)
و(٢٨١٠) و (٧١٦) و (١١٤٢) و (٢٠٣٢) ,
٥٢٣

وقيل : كانت كنيتُه في الجاهلية : أبا بشير .
وقال ابنُ أبي حاتم : كان كعبٌ من أهل الصُّفَّة . وذهبَ بصرهُ في
خلافة معاوية (١) .
وقد ذكره عُروة في السبعين الذين شهدوا العقبة .
وروى صدقة بن سابق، عن ابن إسحاق، قال: آخى رسولُ الله ◌َ﴾
بين طلحةَ بنِ عُبيد الله ، وكَعبِ بنِ مالك .
وقيل : بل آخى بين كعب والزبير .
حمَّاد بن سلمة، عن هشام بن عُروة، عن أبيهُ: أَنَّ رسول الله ◌َل﴿ آخى
بين الزُّبير وكعب بنِ مالك ، فارتُثَّ(٢) كعب يومَ أُحد ، فجاءَ به الزُّبير،
يقودُه، ولو مات يومئذ، لوَرِثَه الزُّبِيرُ؛ فأنزلَ الله: ﴿ وَأُولُو الأَرْحَام بعضُهم
أَوْلِى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥](٣).
وعن كعب: لما انكشفنا يومَ أُحُد، كنتُ أُولَ مَنْ عِرفَ رسولَ الله ◌َفيِ ،
وبشَّرتُ به المؤمنين حَيّاً سَوِيّاً، وأنا في الشِّعب. فدعا رسولُ الله ◌ِّ
کعباً بلأمته ۔ وکانت صفراء - فلبسها کعبٌ ، وقاتل يومئذ قتالاً شديداً ، حتى
جُرح سبعةَ عشرَ جُرحاً(٤).
(١) ((الجرح والتعديل)) ٧ / ١٦٠، ١٦١.
(٢) الارتثاث : أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف ، قد أثخنته الجراح .
(٣) رجاله ثقات ، وأورده ابن كثير بنحوه ٣ / ٤٦٨ من طريق ابن أبي حاتم عن أبيه ، عن
أحمد بن أبي بكر المصعبي ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن
الزبير بن العوام ... وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣ / ٢٠٧ وزاد نسبته إلى ابن سعد
والحاكم وابن مردويه .
(٤) ((سيرة ابن هشام)) ٢ / ٤٣، والمستدرك ٣ / ٤٤١ .
٥٢٤

قال ابنُ سيرين: كان شعراءُ أصحاب رسول الله ﴿ه : حسانَ بن
ثابت ، وعبدَ الله بن رواحة ، وكعب بن مالك .
قال عبدُ الرحمن بن كعب ، عن أبيه : أنه قال : يا رسولَ الله ، قد أُنزل
الله في الشعراء ما أنزل. قال: ((إِنَّ المُجاهِدَ ، مُجاهدٌ بِسيفِهِ ولسانه ؛
والذي نفسي بيده [لكأنما] ترمُونَهم به نُضح النَّبل)»(١) .
قال ابنُ سيرين : أما كعبٌ، فكان يذكر الحربَ ، يَقولُ: فَعَلْنَا
ونَفْعلُ ، ويتهدّدُهم . وأما حسانُ ، فكان يذكرُ عُيُوبهم وأيامهم . وأما ابنُ
رواحة ، فكان يُعيِّرهم بالكفر .
وقد أسلمتْ دَوس فَرَقاً من بيتٍ قاله كعبٌ :
نُخَيِّرُها وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ قَوَاطِعُهُن دَوْساً أَوْ ثَقِيفًا (٢)
عن ابن المنكدر، عن جابر: أن رسول الله له قال لكعب بن مالك :
(((ما نسي ربُّكَ لك - وما كانَ ربُّكَ نَسِيّاً - بيتاً قُلْتَه)). قال: ما هو؟ قال :
((أنشده يا أبا بكر))، فقال :
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٠٥٠٠) وعنه أحمد ٦ / ٣٨٧ من طريق معمر ، عن
الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه وهذا سند صحيح .
، (٢) («أسد الغابة» ٤ / ٤٨٤، و((الإصابة)) ٨ / ٣٠٥، وقوله: ((نخيرها)) الضمير يعود إلى
السیوف في البيت قبله وهو :
قضينا من تهامة كُلّ ريبٍ وخيبر ثم أجممنا السُّيُوفا
أي : نعطيها الخيرة ، ولو نطقت ، لاختارت أن نحارب دوساً أو ثقيفاً. وهما من قصيدة
أوردها ابن هشام في «السيرة)) ٢ / ٤٧٩، ٤٨٠ قالها كعب حين فرغ النبي # من حنين ، وأجمع
المسير إلى الطائف .
٥٢٥

زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّها وَلَيُغْلِبَنَّ مُغَالِبُ الغَلَّبِ (١)
عن الهيثم ، والمدائني : أن كعباً مات سنة أربعين .
وروى الواقدي : أنه مات سنة خمسين .
وعن الهيثم بن عدي أيضاً : أنه توفي سنة إحدى وخمسين .
وقصة توبة الثلاثة في الصحيح (٢)، وشعره منه في السيرة .
الواقدي : حدثنا ابنُ أبي الزَّناد ، عن هشام بن عُروة ، عن أبيه ، قال :
آخى رسولُ اللهِ: ﴿ بين الزُّبير وبين كعب بن مالك(٢).
قال الزُّبير : فلقد رأيتُ كعباً أصابته الجراحة بأُحُد ، فقلتُ: لوماتَ ،
فانقلعَ عن الدنيا، لورثتُه؛ حتى نزلت: ﴿وأُولو الأَرْحَامِ بَعْضُهُم أَوْلَى
بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] فصارت [المواريث بعد للأرحام
والقرابات ، وانقطعت ] حين نزلت ﴿ وأولوا الأرحام﴾ (٤) [ تلك المواريث
بالمواخاة ] .
(١) السخينة : طعام من دقيق وسمن أو دقيق وتمر أغلظ من الحساء ، وكانت قریش تکثر من
أكلها، فعيرت بها حتى لقبوا ((سخينة)) والخبر أورده صاحب ((كنز العمال)) ١٣ / ٥٨١، ونسبه
لابن مندة ، وابن عساكر .
(٢) انظر البخاري ٨ / ٨٦ ، ٩٣ في المغازي ، ومسلم (٢٧٦٩) في التوبة : باب حدیث کعب
ابن مالك .
(٣) ابن سعد ٣ / ١٠٢، وأخرجه أيضاً من طريق عبد الله بن نمير ، عن هشام بن عروة ، عن
بشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، قال: كان النبي# آخى بين الزبير وبين كعب بن
مالك .
(٤) في الأصل بياض بين كلمة ((فصارت)) وكلمة ((حين))، واستدركناه من ابن سعد فيما
ذكره السيوطي في ((أسباب النزول)) ص ٣٧٧ ، وأخرج ابن أبي حاتم فيما ذكره ابن كثير ٣ / ٤٦٨
من طريق أبيه، عن أحمد بن أبي بكر المصعبي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن=
٥٢٦

وفي رواية ابن إسحاق: آخى النبيُّ﴾ بين كعب وطلحة.
وقد أنشد كعبٌ عليّاً قوله في عثمان رضي الله عنهم :
وَأَيْفَنَ أَنَّ اللَ لَيْسَ بِغَافِلٍ
فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَه
عَفَا اللهُ عَنْ كُلِّ امْرِىٍ لَمْ يُقَاتِلِ
وَقَالَ لِمَنْ فِي دَارِهِ لاَ تُقَاتِلُوا
عَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَعْدَ التَّواصُلِ
فَكَيْفَ رَأَيْتَ اللهَ صَبِّ عَلَيْهِمُ الـ
وَكَيْفَ رَأَيْتَ الخَيْرَ أَدْبَرَ عَنْهُمُ وَوَلَّىْ كَإِدْبَارِ النَّعَامِ الجَوَافِلِ
فقال عليّ : استأثر عثمانُ ، فأساء الأثرة ، وجزعتُم أنتم ، فأسأتُم
الجَزَّعِ(١) .
الزُّهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ، عن أبيه : سمعتُ
كعباً يقول: لم أتخلَّفْ عن رسول الله# في غزوة ؛ حتى كانت تبوك ، إلا
بدراً . وما أُحِبُّ أَنِّي شهدتُها ، وفاتتني بيعتي ليلةَ العقبة (٢)، وقلما أرادَ رسولُ
= عروة ، عن أبيه، عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: ((أنزل الله عز وجل فينا خاصة معشر
قريش والأنصار ﴿.وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾ وذلك أنا معشر قريش ، لما
قدمنا المدينة ، قدمنا ولا أموال لنا ، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان ، فواخيناهم
ووارثناهم ....... وفيه : فوالله يا بني لومات يومئذ عن الدنيا، ما ورثه غيري، حتى أنزل الله
تعالى هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار، فرجعنا إلى مواريثنا)) وإسناده حسن . وأخرج ابن
عساكر في ((تاريخه)) ١٤ / ٢٨٨ / ٢ من طريق أبي القاسم البغوي ، حدثنا عبد الأعلى النرسي ،
حدثنا حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن رسول الله# آخى بين الزبير بن العوام
وكعب بن مالك ، فارتث كعب يوم أحد ، فجاء به الزبير يقود راحلته بزمامها ، ولو مات كعب
يومئذ، لورثه الزبير، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ﴾
(١) انظر ((الأغاني)) ٦ / ٢٣٣، ٢٣٤.
(٢) في البخاري ومسلم: ولقد شهدتُ مع رسول الله # بيعة العقبة حين تواثقنا على
الإسلام ، وما أحب أن لي بها مشهد بدر ، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها .
٥٢٧
-

الله ◌َ﴾ غزوةً إلا وَرَّى بغيرها. فأرادَ في غزوة تبوك أن يتأهَّبَ النَّاسُ أُهبةً
وكنتُ أيسرَ ما كنتُ ، وأنا في ذلك أصغُوْ إلى الظلال وطَيِّب الثمار ؛ فلم أزل
كذلك ، حتى خرج . فقلتُ : أنطلقُ غداً، فأشتري جَهَازي ، ثم أَلحقُ
بهم . فانطلقتُ إلى السوقِ ، فَعَسُرَ عليَّ، فرجعتُ ، فقلتُ: أرجعُ غداً .
فلم أزلْ حتى التبسَ بي الذنبُ ، وتخلَّيتُ ، فجعلتُ أَمشي في أسواق
المدينة ، فيحزنُني أني لا أرى إلا مَغمُوصاً (٢) عليه في النفاق أو ضعيفاً. وكان
جميعُ من تخلَّف عن رسول الله بضعةً وثمانين رجلاً .
٠۵
ولما بلغَ النبيُّ:﴿ تبوكَ، ذكرني، وقال: ((ما فعلَ كعبٌ ))؟ فقال رجلٌ
من قومي : خلَّفه يا نبيَّ الله بُرداه والنظرُ في عِطْفيه . فقال معاذ: بئس ما
قلتَ ! والله ما نعلم إلاّ خيراً.
إلى أن قال: فلما رآنيٍ ﴾ه، تبسَّم تبسُّمَ المغضب، وقال: ((ألم
تكن ابتعتَ ظهرك))؟ قلتُ: بلى. قال: ((فما خلَّفَكَ))؟ قلتُ: والله لو
بينَ يدَي أحد غيرك جلستُ ، لخرجْتُ من سخطه عليَّ بِعُذْرٍ ، لَقد أُوتِيتُ
جدلاً؛ ولكنْ قد علمتُ يا نبيَّ الله أني أُخبِرُكَ اليوم بقولٍ تَجِدُ عليَّ فيه ، وهو
حقّ ؛ فإني أرجو فيه عُقبى الله .
إلى أن قال: والله ما كنتُ قط أيسرَ ولا أخفَّ حاذاً (٣) مني حين تخلَّفتُ
عنك؟ فقال: ((أَمَّا هذا فقد صَدَقَكُم، قُم حتى يقضي الله فيك)) فقمتُ .
(١) أصغو : أميل .
(٢) بالغين المعجمة ، والصاد المهملة ، أي: مطعوناً عليه في دينه ، متهماً بالنفاق . وقيل :
معناه : مستحقراً ، تقول : غمصت فلاناً : إذا استحقرته .
(٢) الحاذ : الحال .
٥٢٨

إلى أن قال: ونهى رسولُ الله: ﴿ الناسَ عَن كلامنا أيُّها الثلاثةُ (١).
فجعلتُ أخرجُ إلی السوق ، فلا يُكلُّمني أحد ، وتنکر لنا الناسُ ، حتى ما
هُم بالذين نعرفُ، وتنكرتْ لنا الحيطانُ والأرضُ . وكنتُ أطوف ، وآتي
المسجدَ ، فأدخلُ، وآتي النبيِّ:﴿، فأسلم عليه، فأقول: هل حَرّكَ
شفتيه بالسلام !
واستكان صاحباي(٢)، فجعلا يَبكيان الليلَ والنهارَ لا يُطلعان
رؤوسَهما! فبينا أنا أطوفُ في السوق إذا بنصرانيٌّ جاء بطعام ، يقولُ : مَنْ
يدُلُّ على كعبٍ ؟ فدلوه عليَّ ! فأتاني بصحيفة من مَلِكِ غَسَّان . فإذا فيها :
أَمَّا بعدُ : فإنه بلغني أَنَّ صاحبَك قد جفاك وأقصاك ؛ ولستَ بدار مَضيعة ولا
هوان ، فالحقْ بنا نُواسِكَ. فسجرتُ لها التَّنُور ، وأحرقتُها .
إلى أن قال: إِذْ سمعتُ نداءً من ذروة سَلعٍ(٣) : أَبْثِرْ يا كعب بن
مالك . فخررتُ ساجداً . ثم جاء رجلٌ على فرس يُبشرني ، فكان الصوتُ
أسرعَ من فرسه ، فأعطيتُهُ ثوبيَّ بشارة ، ولبستُ غيرهما .
ہے
ونزلت توبتنا على النبيِّ:﴿ ثُلث الليل. فقالتْ أُمُّ سلمة: يا نبيَّ الله،
ألا نُبَشِرُ كعباً؟ قال: ((إذاً يحطمكم الناسُ، ويمنعونكم النوم)».
قال : فانطلقتُ إلى النبيَِّ ﴿، فإذا هو جالسٌ في المسجد وحوله
المسلمون ، وهو يستنير كاستنارة القمر ، فقال : أبشر یا کعبُ بخيرٍ يومٍ أُتى
(١) أيها الثلاثة : مبني على الضم في محل نصب على الاختصاص ، أي ، متخصصين بذلك
دون بقية الناس .
(٢) وهما مرارة بن الربيع العَمْري ، وهلال بن أمية الواقفي .
(٣) سلع : جبل بالمدينة .
٥٢٩
سیر ٣٤/٢

عليك. ثم تلا عليهم: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبيِّ﴾ [التوبة: ١١٨].
الآيات .
وفينا نزلتْ أيضاً: ﴿اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
فقلتُ : يا نبيَّ الله، إِنَّ من توبتي ألاَّ أُحدِّثَ إلّ صدقاً ، وأن أنخلع من
مالي كُلِّه صدقةً . فقال: ((أَمْسكْ عليك بعضَ مالك، فهو خَيْرٌ لك ...
الحديث)) .
وفي لفظ: فقام إليَّ طلحة يُهرول ، حتى صافحني وهنّأَني. فكان لا
ينساها لطلحة (١)
.
١٠٨ - جرير بن عبد الله " (ع)
ابن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة بن حُشَم بن عوف ، الأمير النبيل
الجميل . أبو عمرو - وقيل : أبو عبد الله - البَجَلي القسري ، وقسر: من
قحطان .
من أعيان الصحابة .
(١) أخرجه البخاري ٨ / ٨٦ في المغازي ، وهو عند البخاري في مواضع متعددة انظر رقم
(٢٧٥٧) و (٢٩٤٧) و(٢٩٤٨) و(٢٩٤٩) و(٢٩٥٠) و(٣٠٨٨) و(٣٥٥٦) و(٣٨٨٩) و(٣٩٥١)
و (٤٤١٨) و (٤٦٧٣) و (٤٦٧٦) و (٤٦٧٧) و (٤٦٧٨) و (٦٢٥٥) و (٦٦٩٠) و (٧٢٢٥) وأخرجه
مسلم (٢٧٦٩) في التوبة: باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه ، وأحمد ٦ / ٣٨٧ و٣٩٠،
وابن هشام ٢ / ٥٣١ .
* مسند أحمد: ٣٥٧/٤، طبقات ابن سعد: ٢٢/٦، طبقات خليفة: ١١٦، ١٣٨، تاريخ
خليفة: ٢١٨، التاريخ الكبير: ٢١١/٢، المعارف: ٢٩٢، ٢٩٣، ٥٨٦، ٥٩٢، الجرح
والتعديل: ٥٠٢/٢، معجم الطبراني الكبير: ٣٢٦/٢، المستدرك : ٤٦٤/٣ ، الاستيعاب :
٣٣٧/١، جامع الأصول: ٨٥/٩، أسد الغابة: ٣٣٣/١، تهذيب الكمال: ١٩١ ، تاريخ
الإسلام: ٢٧٤/٢، العبر: ٥٧/١، تهذيب التهذيب: ٧٣/٢ - ٧٥، الإصابة: ٧٦/٢،
خلاصة تذهيب الكمال : ٦١ ، شذرات الذهب: ٥٧/١ ٥٨٬.
٥٣٠

حدَّث عنه: أنس، وقيسُ بنُ أبي حازم، وأبو وائل، والشعبيّ، وهَمَّامُ
ابنُ الحارث؛ وأولاده الأربعة: المنذرُ، وعبيد الله، وإبراهيم - لم يدركه -
وأيوب ، وشَهْرُ بنُ حَوْشَب ، وزيادُ بن عِلاَقة، وحفيدُه أبو زُرعة بنُ
عمرو بن جرير ، وأبو إسحاق السبيعي ؛ وجماعة .
وبايع النبي # على النصح لكل مسلم.
أحمد : حدثنا إسحاقُ الأزرق : حدثنا يونس ، عن المُغيرة بن شبل ،
قال : قال جرير : لما دنوتُ من المدينة ، أنختُ راحلتي ، وحللتُ عيبتي ،
ولبستُ حُلْتي ، ثم دخلتُ المسجد ؛ فإذا برسولِ اله ﴾ يخطبُ؛ فرماني
الناسُ بالحدق . فقلتُ لجليسي : يا عبدَ الله ، هل ذكرَ رسولُ الله من أمري
شيئاً ؟ قال : نعم ، ذكركَ بأحسنِ الذِّكر ؛ بينما هو يخطبُ ، إذ عرض له في
خُطبته، فقال: ((إنَّه سيدخُلُ عليكم من هذا الفَجِّ من خير ذي يَمَن؛ أَلّ وإنّ
على وجهه مسحةَ مَلَك)). قال: فحمدتُ الله (١).
قلتُ : كان بديعَ الحُسن ، كامل الجمال .
ابن عيينة : حدثنا إسماعيلُ ، عن قيس : سمعتُ جرير بن عبد الله
يقولُ: ما رآني رسولُ اللهِ﴾ إلا تبسم في وجهي، وقال: ((يَطلعُ عليكم مِنْ
هذا البابِ رجلٌ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَن، على وجهه مِسْحُ مَلَك)) (٢).
(١) إسناده قوي، ويونس: هو ابن أبي إسحاق السبيعي، وهو في «المسند» ٤ / ٣٦٤،
وأخرجه أيضاً ٤ / ٣٥٩، ٣٦٠ من طريق أبي قطن، عن يونس، وأخرجه الطبراني برقم (٢٤٨٣)
من طريق علي بن عبد العزيز ، عن أبي نعيم ، عن يونس .
(٢) إسناده صحيح، وأخرجه الحميدي في ((مسنده)) رقم (٨٠٠) وأخرج القسم الأول منه
البخاري ٧ / ٩٩، ومسلم (٢٤٧٥) من طريق بيان، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن=
٥٣١

سوَّار بن مُصْعَب ، عن مُجالد ، عن الشعبي . عن عديٍّ بنِ حاتم ،
قال: لما دخل - يعني جريراً - على النبيِّ ◌َ﴿ه، ألقى له وسادةً، فجلسَ على
الأرض. فقال النبيُ ﴿: ((أشهدُ أنكَ لا تبغي عُلوّاً في الأرض ولا فساداً))
فأسلم . ثم قال النبي'چ: ((إذا أتاكُم کریمُ قوم، فأكرموه))(١) .
الواقدي : حدثنا عبدُ الحميد بنُ جعفر ، عن أبيه ، قال : قَدم جرير
البجلي المدينةَ في رمضان سنة عشر ، ومعه من قومه خمسون ومئة . فقال
رسولُ الله: ((يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مِنْ هُذَا الفَجِّ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَن )» . فطلع جريرٌ
على راحلته ، ومعه قومه . فأسلموا (٢) .
أبو العباس السَّراج : حدثنا أبو بكر بن خلف : حدثنا يزيدُ بن نصر -
بصري ثقة۔ : حدثنا حفص بن غياث ، عن معبد بن خالد بن أنس بن
مالك، عن أبيه ، عن جده: كنا عند النبيِّ: ﴿، فأقبل جريرُ بنُ عبد الله ،
فضنَّ الناسُ بمجالسهم، فلم يوسعْ له أحدٌ؛ فرمى إليه رسولُ اللهِوَه بِبُرْدَة
كانت معه حَبَاهُ بها ؛ وقال : دونكها يا أبا عمرو، فاجلسْ عليها . فتلقَّاها
بصدره ونَحره ، وقال : أكرمكَ اللهُ يا رسولَ الله كما أكرمتني . فقال النبيُّ
= عبد الله قال: ما حجبني رسول الله ﴾ منذ أسلمت، وما رآني إلا ضحك. وأخرج القسم الأخير منه
الطبراني (٢٢٥٨) من طريق سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن أبي خالد .. وأخرجه الترمذي
(٣٨٢١) من طريق زائدة ، عن إسماعيل بن أبي خالد .
(١) سوار بن مصعب - وهو الهمداني الكوفي - قال ابن معين : ليس بشيء ، وقال البخاري:
منكر الحديث ، وقال النسائي وغيره : متروك ، وقال أبو داود : ليس بثقة . ومجالد ليس بالقوي ،
لكن للحديث شواهد ضعيفة يرتقي بها إلى الحسن ، منها عن ابن عمر عند ابن ماجه (٣٧١٢) وعن
جرير عند البزار وابن خزيمة والطبراني (٢٢٦٦) و (٢٣٥٥) وابن عدي ، وعن أبي هريرة عند
البزار ، وعن معاذ وأبي قتادة عند ابن عدي ، وعن جابر عند الحاكم ، وعن ابن عباس عند
الطبراني .
(٢) إسناده ضعيف لضعف الواقدي
٥٣٢

﴿: ((إِذَا أَتَكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوه))(١) .
ورواه جعفر بن أحمد بن بسام ، عن أبي صفوان المدني ، عن حفص
بهذا .
وروى نحوه مسلمُ بنُ إبراهيم ، عن عون بن عمرو، عن الجُرَيري ،
عن ابن بريدة ، عن یحیی بن معمر ، عن جرير .
وروى إبراهيمُ النَّخَعي، عن هَمَّام : أنه رأى جريراً بال ، ثم توضَّأَ ،
ومَسحَ على خُفَّيه . فسألتُه . فقال: رأيتُ النبيِِّ ﴿ يفعلُه .
ثم قال إبراهيم: فكان يُعجِبُهم هذا؛ لأَنَّ جريراً مِنْ آخر مَنْ أسلم (٢)
ابن أبي خالد ، عن قيس، عن جرير: أنَّ النبيِّ ◌َِّ قال له: ((أَلاَ
تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصة - بيت خثعم)). وكان يُسمَّى : الكعبة اليمانية .
قال : فخرَّبناه، أو حرقناه حتى تَرَكناهُ كالجمل الأجرب . وبعثَ إلى
النبي ◌َ﴾ يُبْشِّرُهُ، فَبَرَّكَ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات .
قال : وقلتُ : يا رسولَ الله، إني رجلٌ لا أثبتُ على الخيل . فوضعَ يدَهُ
على وجهي - وفي لفظ يحيى القطان : فوضع يده في صدري - وقال :
«اللهُمَّ، اجعلْهُ هَادِياً مَهْدِيًّاً)).
وفيه : فانطلقتُ في خمسين ومئة فارس من أُحْمَس (٢).
أبو غسان النَّهدي : حدثنا سليمانُ بن إبراهيم بن جرير ، عن أَبَان بن
(١) إسناده ضعيف لجهالة معبد بن خالد وأبيه .
(٢) أخرجه البخاري ١ / ٤١٥ في الصلاة: باب الصلاة في الخفاف ، ومسلم (٢٧٢) في
الطهارة: باب المسح على الخفين ، وأبو داود (١٥٤)، والنسائي ١ / ٨١، والترمذي (٩٣) .
(٣) أخرجه أحمد ٤ / ٣٦٠ ٣٦٢ و ٣٦٥، والبخاري ٧ / ٩٩ في المناقب : باب ذکر جرير
ابن عبد الله البجلي ، ومسلم ( ٢٤٧٦ ) في فضائل الصحابة : باب من فضائل جرير بن عبد الله .
٥٣٣

عبد الله البجلي ، عن أبي بكر بن حفص ، عن علي بن أبي طالب ، قال :
قال رسولُ اللهِ لَه: ((جَرِيرٌ منَّا أهل البيت، ظهراً لبطن - قالها ثلاثاً))(١).
هذا منكر . وصوابه من قول عليّ .
الزيادي ، وغيره ، قالا : حدثنا خالد بن عمر والأموي : حدثنا مالكُ بنُ
مِغْوَل، عن أبي زُرعة، عن جرير، قال: كان رسولُ الله :﴿ تأتيه وُفُودُ
العرب، فيبعثُ إليَّ، فألبسُ حُلُّتي، ثم أجيءُ، فيباهي بي (٢)
وروي عن جرير: قال لي رسولُ اللهِ﴿ه: ((إِنَّكَ امرؤٌ قد حَّسِنَ اللهُ
خلْقَكَ ، فَحَسِّنْ خُلُقَك)) .
وعن عيسى بن يزيد: كان النبيُّ ◌ُ ﴿ يَعجبُ من عقلٍ جريرٍ وجماله.
خالد بن عبد الله ، عن بَيّان ، عن قيس ، عن جرير ،قال:رآني عُمرُ بن
الخطاب مُتَجرداً ، فناداني: خُذُ رِدَاءَكَ ، خُذْ رِدَاءك . فأخذتُ ردائي ؛ ثم
أقبلتُ إلى القوم، فقلتُ: ماله؟ قالوا: لما رآك مُتَجَرِّداً، قال: ما أَرَى
أحداً من الناس صُوَّرَ صورةَ هذا، إلا ما ذُكر من يُوسف عليه السلام (٣).
عمر بن إسماعيل بن مجالد ، عن أبيه ، عن بیان ، عن قیس ، عن
جرير : أنه مشى في إزارٍ بين يدي عمر ، فقال: خُذْ رداءك . وقال للقوم : ما
(١) أخرجه الطبراني (٢٢١١)، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٩ / ٣٧٣، وقال: وأبو بكر
ابن حفص لم يدرك علياً ، وسليمان بن إبراهيم بن جرير لم أجد من وثقه ، وبقية رجاله ثقات .
(٢) إسناده ضعيف جداً أو باطل ، فإن خالد بن عمر و الأموي رماه ابن معين بالكذب ، ونسبه
غير واحد إلى الوضع . وقال البخاري والساجي وأبو زرعة : منكر الحديث . وقال أبو حاتم :
متروك الحديث .
(٣) رجاله ثقات، وذكره الحافظ في ((الإصابة)) ٢ / ٧٧، ونسبه إلى البغوي.
٥٣٤

رأيتُ رجلاً أحسنَ من هذا إلاّ ما بلغنا من صورة يوسف (١) .
أبو عَوَانة ، عن عبد الملك بن عُمَير : حدثني إبراهيم بن جَرير : أن
عُمر قال : جرير يوسف هذه الأمة (٢) .
مغيرة ، عن الشعبي ، عن جَرير ، قال : كنتُ عند عُمر ، فتنفَّسَ
رجلٌ - يعني : أحدث - فقالَ عُمر : عزمتُ على صاحب هذه ، لَمَا قامَ ،
فَتَوَضَّأَ . فقال جَرِير : اعزِمْ علينا جميعاً . فقال : عزمتُ عليَّ وعليكم ، لما
قُمنا. فتوضَّأْنا، ثمْ صَلَّينا (٢).
ورواه يحيى القطان ، عن مجالد ، عن الشعبي - وله طرق - وزاد
بعضهم - فقال عُمر: يرحمُكَ الله ، نِعْمَ السيِّدُ كنتَ في الجاهلية ، ونعم
السيِّدُ كُنْتَ في الإِسلام.
مجالد ، عن الشعبي : كان على مَيمنة سعد بن أبي وقاص يوم القادسية
جَرِيرُ بنُ عبد الله .
قال ابنُ عساكر : سكن جَرِيرٌ الكوفة ، ثم سكنَ قَرْفِيسياء (٤)، وقَدم
رسولاً من عليٍّ إلى معاوية (٥).
الزُبير بن بكَّار : حدثني محمدُ بنُ يحيى : حدثني عِمرانُ بن عبد
(١) عمر بن إسماعيل قال الحافظ في ((التقريب)): متروك .
(٢) رجاله ثقات .
(٣) ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٢ / ١٤٢، ١٤٣.
(٤) قال ياقوت : بلد على نهر الخابور، قرب رحبة مالك بن طوق ، وعندها مصب الخابور
في الفرات .
(٥) ((الإصابة)) ٢ / ٧٧ .
٥٣٥

العزيز الزُّهري ، قال : بلغني أن جريراً قال : بعثني عليٌّ إلى مُعاويةَ يأمره
بالمبايعة ، فخرجتُ لا أرى أحداً سَبقني إليه؛ فإذا هو يخطُبُ، والنَّاسُ
يَكونَ حول قميص عثمان، وهو معلَّق في رُمْحٍ (١) .
قال ابنُ سعد : قال محمدُ بنُ عمر : لم يزل جريرٌ معتزلاً لعليٍّ ومعاوية
بالجزيرة ونواحيها ، حتى تُوفِّي بالشَّراة في ولاية الضَّحَّاك بن قيس على
الكوفة (٢).
أبو نعيم ، والفريابي : حدثنا أَبَان بن عبد الله البجلي : حدثني إبراهيمُ
ابنُ جرير عن أبيه ، قال : بعث عليٌّ إليَّ ابنَ عباس ، والأشعثَ - وأنا
بقرقيسياء - فقالا : أميرُ المؤمنين يُقْرِثُكَ السلام ، ويقولُ : نِعْمَ ما رأيتَ من
مُقَارقتك مُعَاوية، وإني أُنزِلِكَ بمنزلة رسولِ اللهِ﴾ التي أَنْزَلَكَها. فقال
جريرٌ: إِنَّ رسولَ اللهِ ﴿ بعثني إلى اليمن أُقاتلهُم حتى يقولوا: لا إله إلا
الله، فإذا قالوا ، حَرُمتْ دماؤُهم وأموالهم . فلا أَقاتلُ مَنْ يقولُ : لا إله إلا
الله (٣).
قال الهيثمُ بنُ عدي : ذهبتْ عينُ جرير بهمدان ، إذْ وليها لعثمان .
قال الهيثمُ، وخليفةُ ، ومحمدُ بنُ مثنى : توفي جرير سنة إحدى
وخمسين .
وقال ابنُ الكلبي : مات سنة أربع وخمسين .
(١) عمران بن عبد العزيز: قال يحيى القطّان والبخاري : منكر الحديث .
(٢) ابن سعد ٦ / ٢٢
(٣) أبان بن عبد الله في حفظه لين ، وإبراهيم بن جرير لم يسمع من أبيه .
٥٣٦

ومسند جرير نحو من مئةٍ حديث ، بالمكرر . اتفق له الشيخان على
ثمانية أحاديث وانفرد البخاري بحديثين ، ومسلم بستّة .
١٠٩ - أبو اليَسَر كعب بن عَمر والأنصاري * (م،٤)
السلميُّ المدنيُّ البدريُّ العَقَبِيُّ. الذي أسر العباسَ - رضي الله عنهما -
يوم بدر .
شهد العقبة ، وله عشرون سنة .
وهو الذي انتزع رايةَ المُشركين يوم بدرٍ . ومناقبُه كثيرة .
حدَّث عنه : صيفي ، مولى أبي أيوب ؛ وعُبادةُ بنُ الوليد الصامتي ،
وموسى بنُ طلحة ، وحنظلةُ بنُ قيس ؛ وغيرهم .
له أحاديث قليلة .
وقيل : كانَ دحداحاً قصيراً مُدملكاً (١) ذا بطن .
وقد شهد صِفّين مع عليٍّ ، وكان من بقايا البدريين .
مات بالمدينة في سنة خمس وخمسين(٢).
* مسند أحمد: ٤٢٧/٣، طبقات ابن سعد: ٥٨١/٣، طبقات خليفة: ١٠٢، تاريخ
خليفة : ٢٢٣، التاريخ الكبير : ٧/ ٢٢٠ - ٢٢١، المعارف : ١٥٥، ٣٢٧ ، تاريخ الفسوي :
٣١٩/١، الجرح والتعديل: ١٦٠/٧، المستدرك: ٥٠٥/٣، الاستبصار : ١٦٣ - ١٦٤،
الاستيعاب : ١٣٢٢/٣، تاريخ ابن عساكر: ٢/٢٧٧/١٤، أسد الغابة: ٤٨٤/٤، تهذيب
الكمال: ١١٤٦، تاريخ الإسلام: ٣٣٩/٢، العبر: ٦١/١، مجمع الزوائد: ٣١٦/٩،
تهذيب التهذيب: ٤٣٧/٨ - ٤٣٨، الإصابة: ٣٠١/٨، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٢١،
شذرات الذهب : ١/ ٦١ .
(١) الدحداح : القصير السمين ، والمدملك : المفتول المعصوب .
(٢) ابن سعد ٣ / ٥٨١، و«المستدرك)) ٥٠٥/٣.
٥٣٧

وبعضُهم يقول : هو آخر من مات ممن شهد بدراً . فالله أعلم .
خرَّج له مُسلم(١) ، دُون البخاري .
١١٠ - أبو أسيد الساعدي *(ع )
من كُبراء الأنصار . شهد بدراً ، والمشاهد .
واسمه : مالك بن ربيعة بن البَدَن(٢) . له أحاديث .
وقد ذهب بصرُه في أواخر عمره .
حدث عنه بنوه : المنذرُ ، وحمزةُ ، والزُّبير ؛ وعباسُ بنُ سهل بن
سعد، وعبدُ الملك بن سعيد ، وأنسُ بن مالك ، وأبو سلمة بنُ عبد
الرحمن ، ومولاه عليٌّ بنُ عبيد الساعدي ؛ وطائفة .
مات سنة أربعين . وهو قول ابن سعد ، وخليفة .
وقال المدائني : توفي سنة ستين - وهذا بعيد . وأشذ منه قول أبي القاسم
ابن مندة : سنة خمس وستين - وقال أبو حفص الفلاس : مات سنة ثلاثين .
(١) انظر الحديث رقم (٣٠٠٦) و (٣٠٠٧).
* مسند أحمد : ٤٩٦/٣، التاريخ لابن معين: ٦٩٢، طبقات ابن سعد: ٥٥٧/٣ -٥٥٨،
طبقات خليفة: ٩٧ ، تاريخ خليفة : ١٦٦، التاريخ الكبير: ٢٩٩/٧، المعارف : ٢٧٢ ،
٥٨٨، تاريخ الفسوي: ٣٤٤/١، المستدرك: ٥١٥/٣، الاستبصار: ١٠٦، الاستيعاب:
١٥٣١/٣، أسد الغابة: ٢٣/٥، تهذيب الكمال: ١٢٩٨، تاريخ الإسلام: ٨٥/٢، العبر:
٤٦/١، تهذيب التهذيب: ١٥/١٠ -١٦، الإصابة: ٤٧/٩، خلاصة تذهيب الكمال: ٣٦٧.
(٢) بفتح الباء والدال کما ضبطه في (( التقریب ) وبدن من ولد بكر بن وائل . قال ابن دريد
في ((الاشتقاق)) ص ٣٤٠: اشتقاقه من شيئين: إما من الدرع القصيرة ، وذكر بعض أهل التفسير
في قوله جل وعز: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك﴾ أي: بدرعك. قال: والبدن: الوَعِلُ المسن .
٥٣٨

قال ابنُ سعد : وكانت مع أبي أُسَيد رايةُ بني ساعدة يوم الفتح (١).
وعن عبَّاس بن سهل بن سعد ، قال رأيتُ أبا أُسَيَد ، بعد أن ذَهَب
بصره ، قصيراً ، دَحداحاً ، أبيضَ الرأس واللحية ، كثيرَ الشعر . مات سنة
ستین(٢).
وروى ابنُ عَجلان ، عن عُبيد الله بنِ أبي رافع ، قال : رأيتُ أبا أُسيد
يُحفي شاربه كأخي الحلق(٣).
وقال ابنُ أبي ذئب ، عن عثمان بن عبد الله ، قال : رأيتُ أبا هريرة ،
وأبا أُسَيد ، وأبا قَتَادة، وابنَ عُمر، يمرُّون بنا، ونحن في الكُتَّاب ، فنجدُ
منهم ريحَ العبير . وهو الخلوق يُصفِّرُونَ به لحاهم(٤) .
وقد كان أبو أُسَيد له خاتمٌ من ذهب(٥) . فكأنه لم يبلغه التحريم .
وقيل : إنه عاش ثمانياً وسبعين سنة ، رحمه الله . وله عقِب بالمدينة ،
وبغداد(٦).
وقع له في ((مُسند بقيَّ)) ثمانية وعشرون حديثاً.
وشهد بدراً ابنُ عمه مالك بن مسعود بن البَدَن .
(١) ابن سعد ٣ / ٥٥٨.
(٢) ابن سعد ٣ / ٥٥٨، و((المستدرك، ٥١٦/٣.
(٣) ابن سعد ٣ / ٥٥٨.
(٤) ابن سعد ٣ / ٥٥٨، وإسناده صحيح، وعثمان بن عبد الله: هو ابن سراقة القرشي
العدوي المدني ، أمه زينب بنت عمر بن الخطاب ، من رجال البخاري ، وقد تصحف في ابن
سعد إلى عثمان بن عبيد الله .
(٥) في ((الفتح)، ١٠ / ٢٦٧ : أخرج ابن أبي شيبة من طريق حمزة بن أبي أسيد : نزعنا من
يدي أبي أسيد خاتماً من ذهب .
(٦) ابن سعد ٣ / ٥٥٨.
٥٣٩

حمّاد بن زيد ، عن يزيد بن حازم ، عن سليمان بن يسار : أصيب أبو
أُسَيد ببصره قبلَ قتلٍ عثمان ، فقال : الحمدُ لله، الذي لمَّا أرادَ الفتنةَ في
عباده ، كفَّ بصري عنها(١) .
١١١ - حُوَيْطِبُ بنُ عبد العُزَّى القرشى * (خ ، م ، س)
العامري ، المُعَمَّر . من الصحابة الذين أسلموا يومَ الفتح .
يَروي عن عبد الله بنِ السعدي ، عن عمر ، حديث العُمَالة (٢).
رواه عنه السائبُ بن يزيد الصحابي . ولا نعلمُ حُويطباً يَروي سواه .
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٣ / ٥١٥، ٥١٦ من طريق علي بن حمشاد العدل ، حدثنا
علي بن عبد العزيز ، حدثنا عارم أبو النعمان ، بهذا الإسناد .
* طبقات ابن سعد : ٥ / ٤٥٤، التاريخ لابن معين: ١٤٠، طبقات خليفة: ٢٧ ، تاريخ
خليفة : ٢٢٣، التاريخ الكبير: ٣ / ١٢٧، المعارف : ٣١١، ٣١٢، ٣٤٢، الجرح
والتعديل : ٣ / ٣١٤، المستدرك: ٣ / ٤٩٢، الاستيعاب: ١ / ٣٩٩، تاريخ ابن عساكر:
٥ / ١٩/، أسد الغابة: ٢ / ٧٥، تهذيب الكمال: ٣٤٩، تاريخ الإسلام: ٢ / ٢٧٨، تهذيب
التهذيب : ٣ / ٦٧،٦٦، الإصابة: ٢ / ٣٠٤، خلاصة تذهيب الكمال : ٩٩ .
(٢) أخرجه البخاري في «صحيحه)) ١٣ / ١٣٣ في الأحكام: باب رزق الحاكم والعاملين
عليها ، من طريق أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، أخبرني السائب بن يزيد بن أخت نمر
أن حويطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر في خلافته ، فقال
له عمر: ألم أُحدث أنك تلي من أعمال الناس أعمالاً، فإذا أعطيت العُمالة كرهتها ؟ فقلت :
بلى ، فقال عمر: ما تريد إلى ذلك ؟ فقلت : إن لي أفراساً وأعبداً ، وأنا بخير ، وأريد أن تكون
عُمالتي صدقة على المسلمین . قال عمر : لا تفعل ، فإني كنت أردت الذي أردت ، وکان رسول
الله ﴾ يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت : أعطه أفقر
إليه مني، فقال النبي 8 18: ((خذه فتموله وتصدق به ، فما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف
ولا سائل، فخذ، وإلا فلا تتبعه نفسك)). ومن لطائف هذا الإسناد أن الزهري رواه عن أربعة من
الصحابة في نسق : السائب وحويطب وابن السعدي وعمر .
٥٤٠
٠