Indexed OCR Text

Pages 61-80

ووُزَرَاءِ ، وَإِي أُعْطِيتُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ)) فَسَمَّى فيهم أبا ذَرَ(١) .
شَرِيك ، عن أبي ربيعة الايادي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : قال
رسولُ الله ◌َ﴾: (( أَمِرتُ بِحُبِّ أَربَعَة، وَأَخْبَرَني اللهُ تَعَالَىْ أَنَّهُ يُحِبُّهُم))
قلتُ: مَن هُم يا رسول الله؟ قال: ((عَلَيٌّ، وأبو ذر، وسَلمان، والمقدادُ
ابنُ الأسود ))(٢).
قال شَهْرُ بنُ حَوْشَب: حدثتني أسماءُ : أَنَّ أَبا ذَرّ كان يخدمُ النبيِّ ◌َ،
فإذا فَرَغَ من خدمته ، أوى إلى المسجد ، و[ كان] هو بيته . [فدخل النبيّ
* فوجده] مُنْجِدلاً في المسجد . فَنَكَتَهُ رسولُ الله ێ برجله ، حتى استوى
جالساً ، فقال: ((أَلا أَرَاكَ نَائماً؟)) قال: فأينَ أنامُ ، هل لي من بَيْتٍ غيره ؟
فجلسَ إليهِ، ثم قال: ((كَيفَ أَنْتَ إِذَا أَخرَجُوكَ مِنهُ؟ )) قال : ألحقُ بالشام ؛
فإِنَّ الشامَ أرضُ الهجرة ، وأرضُ المحشر ، وأرضُ الأنبياءِ ، فأكونُ رجلاً مِن
أهلِها . قال له : ((كَيفَ أَنتَ إِذا أَخرَجُوكَ مِن الشَّام؟ » قال: أرجعُ إليه ؛
فيكون بيتي ومنزلي. قال: ((فكيفَ أَنْتَ إِذا أَخرجُوكَ منه الثانيةَ؟)) قال:
آخذُ إذاً سيفي فأقاتلُ حتى أَموت .
قال: فكشر إليه رسولُ اللهِ﴿ه، وقال: ((أدلُّك عَلَى خَيرٍ مِن ذُلِكَ؟))
قال : بَلَىْ ، بأبي وأمي يا رسولَ الله .
قال: ((تَنْقَادُ لَهُم حَيثُ قَادُوكُ، حَتَّى تَلْقَانِي وَأَنتَ عَلَى ذلك)).
(١) أخرجه الترمذي ( ٣٧٨٥) والطبراني في « الكبير» ( ٦٠٤٩) وفي سنده کثیر بن إسماعيل
النواء وهو ضعيف .
(٢) أخرجه أحمد ٣٥١/٥، وأبو ربيعة الإِيادي ، قال فيه أبو حاتم : منكر الحديث .
٦١

أخرجه أحمد في ((مسنده))(١).
وفي المسند : أخبرنا أبو المغيرة : أخبرنا صفوانُ بنُ عمرو ، عن أبي
اليمان، وأبي المُثُنَّى: أن أبا ذر قال: بَايعني رسولُ الله ◌َلَّ خَمساً، وَواثقني
سَبْعاً ، وأَشْهَدَ اللّهَ عَلَيَّ سَبعاً: ألاَّ أَخَافَ فِي الله لومةَ لائم(٢).
أبو اليمان ، هو الهوزني(٣).
الدَّغولي(٤): أخبرنا أبو جعفر الصائغ بمكة : أخبرنا المقري : أخبرنا
المسعودي : أخبرنا أبو عمر الشامي ، عن عبيد بن الخشخاش ، عن أبي ذر
رضي الله عنه، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ﴿ِ فِي المَسجدِ فَجَلستُ إليه ،
فقال: ((أَصَلَّيْتَ؟)) قلتُ: لا. قال: ((قُم فَصَلُ)) فقمتُ فَصليتُ ، ثم
أتيتُه، فقال: ((يَا أَبَا ذَرٍ . استَعِد بِاللهِ مِن شَيَاطِينِ الإنْسِ وَالجِنِّ)) قلتُ:
وهل للإنسِ مِن شياطين؟ قال: ((نَعم)) ! ثم قال: ((يَا أَبَا ذَرٍ ، أَلاَ أَدْلُّكَ
على كَنزٍ مِن كُنُوزِ الجَنّهُ ؟ قُل: لاَ حَوَلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ )). قلتُ : فَما
الصلاة؟ قال: ((خَيْرُ مَوضُوعٍ، فَمَن شَاءَ أَكْثَرَ، وَمَن شَاءَ أَقَلَّ)) قلتُ: فما
الصيام؟ قال: ((فرضٌ مُجزىء)) قلتُ: فَما الصدقة؟ قال: ((أَضعَافُ
مُضَاعَفة، وعندَ الله مَزِيدٌ)) قلتُ: فأيُّها أفضل؟ قال: ((جُهدٌ مِن مُقِل، أو
سيرَّ إلى فَقير)) قلتُ: فأيُّ ما أنزل الله عليكَ أعظم؟ قال: ((اللّهُ لا إِله إلا هُو
الحيُّ القَيُّوم)) قلتُ: فأيُّ الأنبياء كان أوَّل؟ قال: ((آدم)) قلتُ: نبيًّا كانَ ؟
(١) ٦ / ٤٥٧، والزيادات منه، وإسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب ، وأخرجه الطبراني
(١٦٢٣) مختصراً. ومنجدلاً: أي ملقى على الجدالة وهي الأرض ، ونكته : غمزه .
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ١٧٢ .
(٣) واسمه عامر بن عبد الله بن لحي الهوزني الحمصي، مترجم في ((التهذيب)).
(٤) تحرف في المطبوع إلى ((الدفولي)).
٦٢

قال: ((نَعم، مكلَّم)) قلت : فَكَمِ المرسلون يا رسولَ الله ؟ قال : ثلاثُ
مئة وخمسةَ عشر جَمَّاً غفيراً )»(١) .
هشام، عن ابن سيرين: أنَّ رسول اللهَ ﴿ قال لأبي ذرّ: ((إذا بلغَ البِناءُ
سَلْعاً فاخرُجْ منها - ونحا بيده نحو الشام - ولا أُرى أُمراءَك يَدعُونك))! قال:
أولاَ أُقاتل مَنْ يَحولُ بيني وبين أمرك؟ قال: ((لا)) قال: فما تأمُرُني ؟ قال:
((اسمَعْ وَأَطِعْ، ولَو لِعَبَد حَبَشِيِّ)).
فلما كانَ ذلك ، خَرجَ إلى الشام . فكتب مُعاويةُ : إنه قد أفسدَ الشام .
فطلبه عثمانُ ؛ ثم بعثوا أهله مِن بعدِه ، فوجدوا عندَهم كيساً أو شيئاً ؛ فظنوه
دراهم ، فقالوا : ما شاء الله ! فإذا هي فلوس .
فقال عثمان : كُنْ عندي . قال : لا حاجةً لي في دنياكم ؛ ائذن لي حتى
أَخرجَ إلى الرِّبَذَةِ . فَأَذِنَ له ؛ فخرجَ إليها ، وَعَليها عبدٌ حَبشي لعثمان ،
فتأخر وقتَ الصلاةِ(٢) - لما رأى أبا ذر - فقال أبو ذر: تَقدَّم فصَلِّ (٢).
سفيان بن حُسين ، عن الحكم ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه ، عن
أبي ذرٍ ، قال: كنتُ رِدْفَ رسولِ اللهِ ﴿ على حمارٍ وعليه بَرْذَعةٌ ، أو
قَطيفة(٤) .
(١) أخرجه أحمد ١٧٨/٥ و١٧٩، وإسناده ضعيف، لاختلاط المسعودي واسمه عبد الرحمن بن
عبد الله ، وضعف أبي عمر الدمشقي ، ولين عبيد بن الخشخاش .
(٢) أي: عن الإمامة وقت إقامة الصلاة، وفي ((الطبقات)) ٢٢٧/٤: فخرج إلى الربذة وقد
أقيمت الصلاة ، وعليها عبد لعثمان حبشي فتأخر ، فقال أبو ذر ....
(٣) ابن سعد ٢٢٦/٤، ٢٢٧، ورجاله ثقات إلا أنه مرسل . وتمامه عنده : فصلٌّ فقد أمرت أن
أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي ، فأنت عبد حبشي .
(٤) إسناده صحيح وهو في طبقات ابن سعد ٢٢٨/٤، ومسند أحمد ١٦٤/٥ .
٦٣

عفان : أخبرنا سَلام أبو المنذر ، عن محمد بن واسع ، عن عبد الله بن
الصامت، عن أبي ذر، قال: أوصاني خليلي # بسبع: ((أمرني
بحُبِّ المساكين والدُّنوِّمنهم، وأمرني أن أنظرَ إِلَىْ مَنْ هُوَدوني، وأن لا أسأَلَ
أحداً شيئاً ، وأَن أَصِلَ الرَّحمَ وإِن أدَبَرَتْ، وأَنْ أقولَ الحقَّ وإن كان مُرّاً،
وألاَّ أخافَ في الله لومة لائمٍ ، وأَن أُكثِرَ مِن قولٍ : لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله ؛
فإنهنَّ من كنزٍ تحتَ العرش))(١).
الأوزاعي : حدثني أبو كثير ، عن أبيه ، قال : أتيت أبا ذَرٍّ وهو جالسٌ
عند الجمرة الوُسطى ، وقد اجتمع الناسُ عليه يَستفتونَه، فأتاه رجلٌ ،
فَوَقَف عليه ، فقال : ألم يَنْهكَ أميرُ المؤمنين عن الفُتيا؟ فرفَع رأسه ، ثم
قال : أرقيبٌ أنتَ عليّ ! لو وضعْتُم الصَّمْصَامَة على هذه - وأشار بيده إلى
قفاه - ثم ظننتُ أني أُنْفِذُ كلمةً سمعتُها من رسولِ اللهِوَّ قبل أن تُجيزوا عَليَّ
لأنفذتها(٢) .
اسم أبي كثير : مَرْثَد .
وعن ثعلبة بن الحكم ، عن علي ، قال : لم يَبْقَ أحدٌ لا يُبالي في الله
لومة لائم ، غير أبي ذرّ ، ولا نَفسي. ثم ضرب بيده على صَدره(٢).
الجُريْرِي ، عن يزيد بن الشّخِير، عن الأحنف، قال: قدمتُ
(١) أخرجه أحمد ١٥٩/٥، وابن سعد ٢٢٩/٤، وسنده حسن ، وقد تقدم في الصفحة ٥٨
تعليق (٤) .
(٢) أخرجه أبو نعيم في «الحلية)) ١ / ١٦٠.
والجمرة الوسطى : هي إحدى المواضع الثلاث التي يرمى فيها الحصى بمنى . والصمصامة :
السيف القاطع .
(٣) ابن سعد ٤/ ٢٣١.
٦٤

المدينةَ ، فبينا أنا في حلقة فيها ملأُ من قُريش ، إذ جاء رجلٌ أُخشنُ الثياب ،
أخشنُ الجسد ، أخشنُ الوجهِ ، فقامَ عليهم فقال : بَشر الكنَّازينَ برَضْف
يُحمی علیه في نارٍ جهنم ، فَيَوضَعُ على حَلَّمَة ◌َدي أحدهم ، حتى يخرج من
نُغْض كتفه ، ويُوضع على نُغض كتفه حتى يخرج من حَلَمَة ثَديه يَتجلجل .
قال : فوضع القومُ رؤوسَهم ، فما رأيتُ أحداً منهم رجع إليه شيئاً .
فأدبر ، فتبعتُه حتى جلس إلى سارية ، فقلتُ : ما رأيتُ هؤلاء إلاَّ كرهوا
ما قلتَ لهم. قال: إن هؤلاء لا يَعقلون شيئاً؛ إنَّ خليلي أبا القاسم ﴾
دَعاني فقال : يا أبا ذر، فأجبتُه . فقال: تَرى أحداً ؟ فنظرت ما علي من
الشمس - وأنا أظنُّه يبعثني في حاجة - فقلتُ: أراه، [فقال: ] ((ما يَسرني أن
لي مثلَه ذَهباً، أُنفقه كله، إلاّ ثلاثة دنانير)) ثم هؤلاء يَجمعون الدُّنيا ، لا
يعقلون شيئاً !
فقلتُ : مالك ولإِخوانك من قريش ، لا تعتريهم ولا تُصيبُ منهم ؟
قال: لا وربك ، ما أسألهم دُنيا، [ولا] أستفتيهم عن دين حتى ألحق بالله
ورسوله(١) .
الأسود بن شيبان ، عن يزيد بن الشّخِير ، عن أخيه مُطَرِّف ، عن أبي
ذر، فذكر بعضه(٢).
(١) أخرجه البخاري ٢١٨/٣ في الزكاة : باب ما أدي زكاته فليس بكنز، ومسلم (٩٩٢) في
الزكاة : باب في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم ، كلاهما من طريق الجريري ، عن يزيد بن
الشخير ، عن الأحنف بن قيس ...
والرضف : الحجارة المحماة ، الواحدة رضفة ، مثل : تمر وتمرة ، والنغض : العظم الدقيق
الذي على طرف الكتف ، أو على أعلى الكتف ، وأصل النغض: الحركة ، فسمي ذلك الموضع نغضاً
لأنه يتحرك بحركة الإنسان .
ويتجلجل : يغوص، ورواية البخاري ومسلم ((يتزلزل)»: أي يضطرب ويتحرك .
(٢) هو في («المسند» ١٧٦/٥، وانظر ((الفتح)) ٢١٨/٣.
٦٥
سیر ٥/٢

موسى بن عبيدة : حدثنا عِمران بنُ أبي أنَس ، عن مالك بن أوس بن
الحَدَثَان ، قال: قَدِمَ أبو ذَرٍّ مِنَ الشام ، فدَخَل المسجِدَ ، وأنا جالس ،
فسلّم علينا ، وأتى ساريةً ، فصلَّى ركعتين ، تجوَّز فيهما ثم قرأ:
أَلهاكُمُ التَّكاثُر﴾. واجتمع الناسُ عليه ، فقالوا : حدَّثُنا ما سمعتَ من
رسول الله رَاقِ .
فقال: سمعتُ حبيبي رسولَ اللهِوَِّ يقول: ((في الإِبِلِ صَدَقَتُها ، وفي
البَقَرِ صَدَقَتُها ، وفي البُرِّ صَدَقَتُه. مَنْ جَمَعَ دِيناراً ، أو تِبْراً، أو فِضَّةً ، لا
يُعِدُُّ لِغَریمٍ ، ولا يُنفِقُه في سبيلِ اللهِ ، ◌ُوِي بِه)» .
قلتُ: يا أبا ذر، انظُر ما تُخبرُ عن رسول الله ◌َِّ، فإِنَّ هذه الأموالَ قد
فَشت . قال : من أنت ، ابنَ أخي ؟ فانتسبتُ له .
فقال : قد عرفتُ نَسَبَك الأكبر، ما تقرأ: ﴿والذين يكْنِزُونَ الذَّهَبَ
والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونها في سبِيلِ الله﴾ [التوبة: ٣٥](١).
موسى - ضُعِّف - رواه عنه الثقات.
ابن ◌َهِيعة : حدثنا أبو قَبِيل : سمعتُ مالك بن عبد الله الزيادي(٢) يحدثُ
عن أبي ذر، أنه جاء يستأذنُ على عثمان ، فأَذِنَ له ، وبيده عصا . فقال
عثمانُ : يا كَعبُ ، إن عبد الرحمن تُوقِّي ، وترك مالاً ، فما تَرى ؟ قال : إن
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف )) ٣ / ٢١٣ وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣ / ٢٣٣
مختصراً ، وزاد نسبته لابن مردويه .،
(٢) تحرف في المطبوع إلى ((الذماري)) وقد ذكر الحافظ في ((تعجيل المنفعة)) في ترجمة مالك بن
عبد الله هذا، أن هذه النسبة محرفة، وأن الصواب ((البردادي)) بفتح الموحدة وسكون المهملة ودالين
بينهما ألف ، وقال : هكذا ضبطه ابن يونس في نسخة الحافظ الحبال المصري ، وابن يونس أعلم
بالمصريين من غيره .
٦٦

كان فَضَلَ فيه حقُّ الله، فلا بأسَ عليه . فرفع أبو ذَرَّ عصاه ، وضَرب كعباً
وقال : سمعتُ رسولَ الله ◌َ﴾ يقول: ((ما أُحِبُّ أَنَّ لي هذا الجبلَ ذَهَباً أُنفِقُه
ويُتْقَبِّلُ مني، أَذَرُ خَلْفي منه سِتَّةَ أَوَاقٍ )) أنشدُك الله يا عثمانُ: أسمعتَه قال
مراراً ؟ قال : نعم(١).
قلتُ : هذا دَالٌّ على فضل إنفاقه وكراهية جَمعه ؛ لا يدُلُّ على تحريم .
حُمَيد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، قال : دخلتُ مع أبي ذر
على عُثمان ، فلما دخل ، حَسَر عن رأسه وقال : والله ، ما أنا منهم يا أمير
المؤمنين - يُريد الخوارج . قال ابنُ شَوذب : سيماهم الحلْق - قال له
عثمانُ : صدقتَ يا أبا ذر! إنما أرسلنا إليك لِتُجاورَنا بالمدينة . قال : لا
حاجةَ لي في ذلك ، ائذنْ لي إلى الرَّبَذَة . قال: نعم ، ونأمرُ لك بنَعَمِ من
نَعَمِ الصدقة ، تغدو عليك وتَروح . قال : لا حاجةَ لي في ذلك ، يكفي أبا
ذر صُريمتُه (٢) .
فلما خَرج قال : دونكم معاشرَ قريش، دُنياكم فاعْذِمُوها(٣) ، ودَعونا
ورَبَّنا .
قال : ودَخل عليه وهو يَقْسِم ، وعبدُ الرحمن بنُ عَوف بين يديه ، وعنده
كعب ، فأقبل عُثمانُ على كعب، فقال: يا أبا إسحاق ، ما تقولُ فيمن جمع
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) ١ / ٦٣، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، وجهالة مالك بن
عبد الله، وأخرجه ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر)) ص ٢٨٦ من طريق أبي الأسود النضر بن عبد
الجبار ، عن ابن لهيعة .
(٢) الصُّريمة : تصغير الصِّرمة : وهي القطيع من الابل والغنم .
(٣) أي: خذوها ، والعذم: العض والأكل بجفاء ، وبابه ، ضرب ، وقد تحرفت في المطبوع
إلى «فاغنموها ».
.
٦٧

هذا المال ، فكان يتصدَّقُ منه ويصلُ الرحم ؟ قال كعب : إني لأرجو له .
فغضب ورَفع عليه العصا ، وقال : وما تدري يا ابنَ اليهودية ، لَيَوَدَّنَّ صاحبُ
هذا المال لو كان عقاربَ في الدنيا تَلسعُ السُّويداءَ من قلبه (١).
السَّرِي بن يحيى : حدثنا غزوان أبو حاتم ، قال : بينا أبوذَرَّ عند باب
عثمان ليؤذَنَ له ، إذمرَّ بِه رجلٌ من قریش ، فقال : يا أبا ذر ، ما يُجلسكَ ها
هنا ؟ قال : يأبى هؤلاء أَنْ يأذنُوا لنا. فدخل الرجل فقال : يا أميرَ المؤمنين ،
ما بالُ أبي ذَرٍّ على الباب !
فأذن له ، فجاءَ حتى جلس ناحيةً ، وميراثُ عبد الرحمن يُقْسَم ، فقال
عثمانُ لكعب : أرأيتَ المال إذا أُدِّيَ زكاتُه ، هل يُخشى على صاحبه فيه
تَبعة؟ قال : لا . فقام أبو ذر فضربه بعصا بين أُذُنيه ، ثم قال : يا ابنَ
اليهودية ، تزعُمُ أن ليس عليه حقٌّ في ماله ، إذا آتى زكاته ، والله يقولُ :
[الحشر: ٩] .. الآية . ويقول :
وَيُؤْثِرُونَ عَلَىْ أَنفُسِهِم ﴾
ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ على حُبُّهُ﴾ [الدهر: ٨].
فجَعَلَ يذكُر نحو هذا من القرآن . فقال عُثمانُ للقُّرشي : إنما نكرهُ أن
نأذن لأبي ذر من أجل ما ترى .
ورُوي عن ابن عباس قال : كان أبو ذر يختلف من الرَّبَذَة إلى المدينة
مخافة الأعرابية(٢) ؛ فكان يُحبُّ الوحدة فدَخل على عثمان وعنده كعب ...
الحديث .
(١) إسناده صحيح، وهو في ((طبقات ابن سعد)) ٤ / ٢٣٢، و((الحلية)) ١ / ١٦٠.
(٢) أي: توطن البادية بعد الهجرة، وقد ورد النهي عن ذلك، انظر ((مسند أحمد) ١ / ٤٠٩
و ٤٣٠ و٤٦٥، والنسائي ٨ / ١٤٧، في الزينة : باب الموتشمات .
٦٨

وفيه : فشج كعباً ! فاستوهَبَه عثمان ، فوهَبَه له ، وقال : يا أبا ذر ، اتَّقِ
الله واكفُفْ يدَك ولسانَك .
موسى بن عُبيدة: أخبرنا ابن نُفيع(١)، عن ابن عباس، قال: استأذنَ أبو
ذر على عثمان ، فتغافلُوا عنه ساعةً . فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، هذا أبو ذر
بالباب . قال : ائذنْ له ، إن شئتَ أنْ تُؤْذينا وتُبُرِّحَ بنا . فأذنتُ له . فجلسَ
على سرير مَرْمُول(٢)، فرجَف به السريرُ، وكان عظيماً طويلاً! فقال
عثمانُ : أما إنَّك الزاعمُ أنكَ خيرٌ من أبي بكر وعمر ! قال: ما قلتُ. قال :
إني أَنزِعُ عليك بالبينة ، قال : والله ما أدري ما بينتك وما تأتي به ؟! وقد
علمتُ ما قلتُ. قال: فكيفَ إِذاً قلتَ؟ قال: سمعتُ رسول الله ﴾
يقول: ((إنَّ أَحَبَّكُم إليَّ وَأَقْرَبَكُم مِنِّي الذي يُلْحَقُ بي على العَهْدِ الذي
عاهَدتُّه عليه )) وكلكم قد أصابَ من الدنيا ، وأنا على ما عاهدتُه عليه ، وعلى
اللّه تَمام النعمة .
وسأله عن أشياء ، فأخبره بالذي يَعلمُهُ ، فأمره أن يَرَتحلَ إلى الشام
فيلحقَ بمُعاوية . فكان يُحدِّثُ بالشام ، فاستهوى قلوبَ الرجال . فكان
مُعاويةُ يُنكر بعضَ شأن رعِيَّته ، وكان يقولُ : لا یبیتَنَّ عِند أحدكم دینارٌ ولا
درهم ، ولا تِيرٌ ولا فِضَّةٌ ، إلا شيء ينفقُه في سبيلِ الله، أو يُعِدُّ لِغَريم .
وإن معاويةَ بعث إليه بألف دينار في جُنُح الليل . فأنفقَها .
(١) لم أجد لابن نفيع ترجمة ، وقد يكون محرفاً عن ابن نويفع ، واسمه محمد بن الوليد ، فقد
روى الطبراني في «الكبير)) (١٦٢٨): المرفوع من الحديث ، من طريق موسى بن عُبيدة ، عن
محمد بن الوليد ، عن ابن عباس ، فإن يكنه فَفِيه انقطاع ، لأنه لا يروي عن ابن عباس إلا بواسطة
کریب مولاه فیما ذكروه في ترجمته .
(٢) أي: منسوج بالسعف والحبال ، ويقال أيضاً: سرير مرمول: إذا كان مزيناً بالجوهر
ونحوه .
٦٩

فلما صَلَى معاويةُ الصُّبح ، دعا رسولَه ، فقال : اذهبْ إلى أبي ذر،
فقل : أَنقِذْ جَسدي من عذاب مُعاوية ، فإِي أخطأتُ . قال : يا بُنيَّ ، قل
له : يقولُ لك أبو ذر : والله ما أصبح عندنا منه دینار. ولکن أُنظِرْنا ثلاثاً حتی
نَجمعَ لك دنانیرك .
فلما رأى معاويةُ أَنَّ قولَه صدَّق فِعلَه كتب إلى عثمان : أما بعد ، فإِن كانَ
لك بالشام حاجةٌ ، أو بأهله ، فابعثْ إلى أبي ذَرٍّ ، فإنه قد وغَّلَ صُدُور
الناس .
فكتب إليه عثمانُ: اقدَمْ عليَّ. فقَدم (١).
ابن لهيعة ، عن عبيد الله بن المُغيرة ، عن يَعلى بن شداد ، قال : قال
شدادُ بنُ أوس: كان أبو ذَرِّ يَسمعُ الحديثَ من رسول الله فيه الشِّدَّةُ، ثم
يخرجُ إلى قومه ، فيسلُمُ عليهم . ثم إن رسولَ الله يُرخِّصُ فيه بعدُ ، فلم
يَسْمِعْهُ أبو ذَر، فتعلق أبو ذَر بالأمرِ الشديد(٢).
عاصم بن كُليب ، عن أبي الجُوَيْرِية ، عن زيد بن خالد الجهني ،
قال : كنتُ عند عثمان، إذ جاء أبو ذَر، فلما رآه عثمانُ قال: مرحباً وأهلاً
بأخي . فقال أبو ذر : مرحباً وأهلاً بأخي ، لقد أغلظتَ علينا في العزيمة ،
والله لو عزمتَ عليَّ أن أحبوَ لحبوتُ ما استطعتُ. إني خرجتُ مع النبي ◌َله
نحو حائط بني فلان ، فقال لي: ((ويحك بعدي)) ! فبكيتُ، فقلت : يا
رسولَ اللهِ، وإني لباق بعدك؟ قال: ((نعم ، فإِذا رأيتَ البِنَاءَ على سَلْعٍ ،
فالحَقْ بالمغرِبِ ، أرضٍ قُضَاعة )).
(١) إسناده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة ، وابن نفيع إن كان محمد بن الوليد ، فلم يوثقه غير
ابن حبان ، وإلا فهو مجهول .
(٢) ابن لهيعة: سيء الحفظ، وباقي رجاله ثقات. وهو في ((المسند» ٤ / ١٢٥.
٧٠

قال عثمانُ : أحببتُ أن أجعَلَكَ مع أصحابك وخِفْتُ عليك جُهَّال
الناس(١) .
وعن أبي ذر: قال لي رسولُ الله ◌َلَ: ((اسمعْ وَأَطِعْ لمن كانَ عليكَ)).
جعفر بن بُرْقَان ، عن ثابت بن الحجّاج ، عن عبد الله بنِ سِيدان
السُّلَمي ، قال : تناجى أبو ذَرٍّ، وعُثمانُ حتى ارتفعتْ أصواتُهما ، ثم
انصرف أبوذر مُتُبسماً ، فقالوا : مالَكَ ولأمير المؤمنين ؟ قال: سامعٌ مُطيع ،
ولو أمرني أن آتي صنعاء أو عَدن [ ثم استطعتُ أن أفعل، لفعلتُ] وأمره أن
يخرج إلى الرَّبَذَة (٢) .
ميمون بن مهران ، عن عبد الله بن سيدان ، عن أبي ذر ، قال: لو أمرني
عثمانُ أن أمشِيَ على رأسي لمشيتُ(٢) .
وقال أبو عمران الجَوْني ، عن عبدِ الله بنِ الصامت ، قال : قال أبو ذَرٍّ
لعثمان : يا أميرَ المؤمنين ، افتحِ البابَ ، لا تحسبني من قوم يَمرقُون من
الدِّين كما يَمْرُق السهمُ من الرَّمِيَّة .
يزيد ، أخبرنا العوَّام بن حَوْشَب : حدثني رجلٌ عن شَيْخَيْن من بني
ثعلبة ، قالا : نزلنا الرَّبَذَة، فمرَّ بنا شيخٌ أشعثُ أبيضُ الرأس واللحية ،
فقالوا: هذا من أصحابٍ رسول الله ﴿ه. فاستأذنَّاه بأن نَغسلَ رأسَه . فأذنَ
لنا، واستأنسَ بنا . فبينما نحنُ كذلك إذ أتاهُ نفرٌ من أهل العراق - حسبتُه
(١) رجاله ثقات ، وأبو الجويرية اسمه: حطان بن خفاف الجرمي .
(٢) أخرجه ابن سعد ٤ / ٢٢٧ ، والزيادة منه ، وعبد الله بن سيدان ، قال البخاري في
((التاريخ )) ٥/ ١١٠: لا يتابع على حديثه ، وأورده ابن أبي حاتم ٥ / ٦٨، فلم يذكر فيه جرحاً ولا
تعديلاً، ونقل الذهبي في (( ميزانه)) عن اللالكائي قوله : مجهول لا حجة فيه .
(٣) إسناده ضعيف كسابقه ، لضعف عبد الله بن سيدان .
٧١

قال : من أهل الكوفة - فقالوا : يا أبا ذَرٍ ، فَعل بك هذا الرجلُ وفَعل ! فهل
أنتَ ناصِبٌ لك رايةً فنكمِّلك برجالٍ ما شئتَ؟ فقال : يا أهل الإِسلام ، لا
تَعرِضوا عليَّ ذاكُم ولا تُذُلُّوا السلطان ؛ فإِنه مَنْ أذلَّ السلطانَ ، فلا توبةَ له ،
والله لوصلبني على أطول خشبة أو حَبَلٍ ، لسمعتُ وصبرتُ ورأيتُ أن ذلك
خيرٌ لي(١) .
حُمَيَد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، قالت أُمُّ ذر: والله ما سَيِّر
عثمانُ أبا ذر - تعني إلى الرَّبَذَة - ولكنَّ رسولَ اللهِوَ قال: ((إذا بَلَغَ البنَاءُ
سَلْعاً ، فاخرُجْ منها)) .
قال غالبُ القطان للحسن : يا أبا سَعيد ، أكان عثمانُ أخرجَ أبا ذر؟
قال : مَعَاذَ الله .
محمد بن عمرو، عن عِراك بن مالك، قال أبو ذَرٍّ : إني لأقربُكُم
مجلساً من رسول الله يوم القيامة، إني سمعتُهُ يقول: ((إنَّ أقربَكُم منِّي
مَجْلِسَاً مَنْ خَرَجَ من الدُّنيا كَهَيَتِهِ بما تَرَكْتُه عليه » وإنه والله ما منكم إلا من
تشبّثَ منها بشيءٍ(٢) .
قال المعرورُ بنُ سُويد : نزلنا الرَّبَذَة، فإذا برجل عليه بُرْدُ ، وعلى
غلامه مثلُه ، فقلنا: لو عملتَهما حُلّةً لك ، واشتريتَ لغلامك غيرَه ! فقال :
سأحدثكم : كان بيني وبين صاحب لي كلام ، وكانت أُمُّه أعجميةً ، فيِلت
(١) أخرجه أحمد ٥ / ١٦٥، وابن سعد ٤ / ٢٢٧، وفيه جهالة الرجل والشيخين من بني ثعلبة
، وباقي رجاله ثقات .
(٢) أخرجه أحمد ٥ / ١٦٥، والطبراني في ((الكبير)) (١٦٢٧)، وابن سعد ٤ / ٢٢٨، ٢٢٩،
ورجاله ثقات، لكنه منقطع، لأن عراك بن مالك كما في ((المجمع)) ٩ / ٣٢٧: لم يسمع من أبي
ذر، وقد أخرج أبو يعلى معناه من وجه آخر عن أبي ذر متصلاً ، إلا أن سنده ضعيف ، وقوله :
( کھیته بما )) في ((المسند)) (( كهيئته يوم)).
٧٢

منها، فقال لي رسولُ الله ◌ِِّ: ((سابَبْتَ فُلاناً))؟ قلت : نعم . قال :
((ذكرْتَ أُمَّهُ))؟ قلت: مَن سابَّ الرجال ذُكر أبوه وأمه. فقال: ((إِنَّكَ امرُؤٌ
فيه جاهلية)) - وذكر الحديث - إلى أن قال: ((إخوانكم، جعلهم الله تحتَ
أيديكُم ، فَمَنْ كان أخوه تحتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِن طَعَامِه ، وليُلْبِسْهُ من لِيَاسِهِ ،
ولا يُكَلِّفْهُ ما يَغْلِبُه))(١) .
قَتادة ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، أنه دخل على أبي ذَرَّ بالرَّبَذَة ،
وعنده امرأةً له سوداء مُشَعثة ، ليس عليها أثرُ المَجامِدِ والخُلُوقِ . فقال : ألا
تنظرون ما تأمرني به ؟ تأمُرُني أنْ آتِيَ العراق ، فإِذا أتيتُها مالوا عليَّ بدُنياهم ،
وإنّ خَليلي عَهِدَ إليَّ: ((إِنَّ دونَ جِسٍ جَهَنَّم طريقاً ذا دَخْضٍ وَمَزَلَّة)» وإنا
أن نأتيَ عليه وفي أحمالنا اقتِدارٌ أحرى أن نَنْجُوَ [ من أن نأتي عليه ونحن
مواقير](٢).
أبو هلال ، عن قتادة ، عن سعيد بن أبي الحسن ، أنَّ أبا ذَر كان عطاؤه
أربعةَ آلاف ، فكان إذا أخذَ عَطاءه ، دعا خادمَه ، فسأله عما يكفيه للسنة ،
فاشتراه ، ثم اشترى قُلوساً بما بقي . وقال : إنه ليس من وعاء ذهب ولا فضة
يُوكَى عليه إلّ وهو يتلظَّى على صاحبه(٢).
(١) أخرجه البخاري: ١ / ٨٠، ٨١ في الإيمان: باب المعاصي من أمر الجاهلية، و٥ / ١٢٦
في العتق: باب قول النبي#1: العبيد إخوانكم، و١٠ / ٣٩٠ في الأدب: باب ما ينهى من
السباب واللعن، ومسلم (١٦٦١) في الأيمان : باب إطعام المملوك مما يأكل ، وإلباسه مما يلبس ،
ولا يكلفه ما لا يطيق، وأحمد ٥ / ١٦١، وأبو داود (٥١٥٧) و (٥١٥٨). والترمذي (١٩٤٥).
(٢) رجاله ثقات، وأخرجه ابن سعد ٤ / ٢٣٦، وأحمد ٥ / ١٩٥ كلاهما عن عفان بن مسلم ،
عن همام بن يحيى ، عن قتادة به .
(٣) رجاله ثقات، إلا أنه منقطع، وهو في ((طبقات ابن سعد)) ٤ / ٢٣٠ ، وأخرجه موصولاً
أحمد ٥ / ١٥٦، ١٦٥، و١٧٥، ١٧٦، وابن سعد ٤ / ٢٢٩، من طريق همام ، عن قتادة ، عن
سعيد بن أبي الحسن ، عن عبد الله بن الصامت أنه كان مع أبي ذر .. ورجاله ثقات .
٧٣
:

قال یحیی بنُ أبي كثير : كان لأبي ذرٍّ ثلاثون فرساً يَحملُ عليها ، فكان
يَحملُ على خمسة عشر منها يَغزو عليها ، ويُصلح آلةَ بقيتها ، فإِذا رجعت
أخذها ، فأصلح آلتها ، وحمل على الأخرى .
قال ثابت البناني : بنى أبو الدَّرداء مَسكناً ، فمرَّ عليه أبو ذَرٍّ ، فقال : ما
هذا ! تعمرُ داراً أذنَ اللهُ بخرابها، لأنْ تكونَ رأيتُك تَتَمَّرِّغُ (١) فِي عَذِرة أحبُ
إلي من أن أكونَ رأيتُك فيما رأيتُك فيه .
حُسين المعلِّم ، عن ابن بريدة ، قال : لما قدم أبو موسى لقي أبا ذر ،
فجعل أبو مُوسى يُكرِمُه - وكان أبو موسى قصيراً خفيفَ اللحم . وكان أبو ذَر
رجلاً أسودَ كثَّ الشعر - فيقول أبو ذَر : إليكَ عنِّي ! ويقول أبو موسى :
مرحباً بأخي ! فيقول : لستُ بأخيك! إنما كنتُ أخاك قبل أن تَلِي(٢).
وعن أم طلق قالت : دخلتُ على أبي ذَرَّ فرأيتُه شَعِثاً شاحباً ، بيده
صوف ، قد جَعَل عُودين ، وهو يَغزلُ بهما ، فلم أرَ في بيته شيئاً ، فناولتُه
شيئاً من دقيق وسويق ، فقال لي: أمَّا ثوابُك ، فعلى الله .
وقيل : إن أبا ذر خلَّف بنتاً له ، فضمَّها عثمانُ إلى عياله .
قال الفلاَّس ، والهيثمُ بنُ عدي ، وغيرهما : مات سنة اثنتين وثلاثين .
ويقال : مات في ذي الحجة .
ويقال : إن ابنَ مَسعود الذي دفنه ، عاش بعده نحواً من عشرة أيام .
رضي الله عنهما .
(١) تحرفت في المطبوع إلى ((تهرع)).
(٢) ابن سعد ٤ / ٢٣٠، ورجاله ثقات .
٧٤

وقد قال النبيُ﴿ لأبي ذَر - مع قُوة أبي ذَرٍّ في بدنه وشجاعته - (( يا أباذَر ،
إِنِي أَرَاكَ ضَعِيفاً ، وإني أُحِبُّ لكَ ما أُحِبُّ لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين ،
ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتيم)»(١).
فهذا محمول على ضعف الرأي ؛ فإنه لو ولي مالَ يتيم ، لأنفقه كلَّه في
سبيل الخير ، ولترك اليتيمَ فقيراً . فقد ذكرنا أنه كان لا يستجيزُ ادِّخارَ
النقدين . والذي يتأَمَّرُ على الناس، يُريدُ أن يكون فيه حلمٌ ومُداراةٌ ، وأبو
ذَرٍّ رضي الله عنه كانت فيه حِدَّةٌ - كما ذكرناه - فنصَحه النبيِّ ◌َلِ .
وله مئتا حديث وأحدٌ وثمانون حديثاً، اتفقا (٢) منها على اثني عشر
حديثاً ، وانفرد البخاري بحديثين. ومسلم بتسعة عشر(٣).
ابن سعد : أخبرنا عفانُ: أخبرنا وهيبٌ : أخبرنا عبدُ الله بنُ عثمان بن
(١) أخرجه مسلم ( ١٨٢٦) في الإمارة: باب كراهية الإمارة بغير ضرورة، وأحمد ٥ / ١٨٠،
وابن سعد ٤ / ٢٣١ من طريق عبد الله بن يزيد ، عن سعيد بن أيوب ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ،
عن سالم بن أبي سالم الجيشاني ، عن أبيه ، عن أبي ذر .
(٢) تحرفت في المطبوع إلى ((اتفق)).
(٣) انظر البخاري: ٦ / ٣٩٣ في مناقب قريش، و٥ / ١٠٥ في العتق، و١٠ / ٢٣٨ في
اللباس، و١٣/ ٣٥٠في التوحيد، و٣٩٤/٣في الحج، و٦/ ٢٩١،٢٩٠في أحاديث الأنبياء،
و٢ / ١٥ في المواقيت، و٣/ ٢٥٦ في الزكاة، و٣ / ٢١٨، ٢١٩ في الزكاة، و١ / ٨١ في الإيمان ،
و٦ / ٤٠٠ في المناقب، و٧ / ٢٣١ في المغازي، ومسلم (٦١) و(٨٤) و(٩٤) و (١٥٩)
و (١٦٣) في الإيمان، و (٢٥٠) و (٦١٦) في المساجد، و (٩٩٠) و (٩٩٢) (٣٥) في
الزكاة، و(١٦٦١) (٤٠) في الأيمان، و(٢٤٧٤) في الفضائل. وانظر البخاري ١٠ / ٣٨٨ في
الأدب ، وانظر مسلم (١٠٦) و(١٧٨) و(١٩٠) في الإيمان، و(٥١٠) في الصلاة ، و (٥٥٣)
و (٦٤٨) في المساجد ، و (٧٢٠) في صلاة المسافرين ، و (١٠٠٦) و (١٠٦٧) في الزكاة ،
و (١٢٢٤) في الحج و (١٨٢٥) (١٨٣٧) في الإمارة، و(٢٣٠٠) و (٢٤٧٣) في الفضائل ،
و (٢٥١٤) و(٢٥٤٣) في فضائل الصحابة، و(٢٥٧٧) و(٢٦٢٥) (١٤٣) في البر والصلة ،
و ( ٢٧٢٩) و (٢٧٣١) في الذكر والدعاء .
٧٥

خُثَيم، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأَشتر ، أن أبا ذَر حضره الموتُ
بِالرَّبَذَة ، فَبكت امرأتُه ، فقال : وما يُبكيكِ؟ قالت : أبكي أنه لا بُدّمن
تغييبك . وليس عندي ثَوبٌ يَسَعُك كفناً .
قال: لا تَبكي. فإني سمعتُ رسولَ الله : ﴿ ذاتَ يوم ، وأنا عنده في
نفر، يقول : ((لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ منكُم بِفَلاة تَشْهَدُهُ عِصَابةٌ من المُؤمِنين »
فكلهم(١) مات في جماعة وقرية ، فلم يَبْقَ غيري ، وقد أصبحتُ بالفلاة
أموت ، فراقبي الطريقَ ، فإنك سوف تَرين ما أقول ، ما كَذَبتُ ، ولا
كُذِيتُ . قالت : وأنى ذلك وقد انقطع الحاج ؟!
قال : راقبي [ الطريق ] فبينا هي كذلك، إذ هي بالقوم [ تَخْبُّ بهم
رواحلُهم ] كأنهم الرَّخَم (٢) ، فأقبلوا حتى وقفوا عليها . قالوا : مالكِ ؟
قالت : رجلٌ من المسلمين تُكفنونه ، وتُؤْجَرُون فيه . قالوا : ومن هو؟
قالت : أبو ذر . فقدَّوه بآبائهم وأمهاتهم ، ووضعوا سياطهم في نحورها
ببندرونه .
فقال: أبشروا، أنتم النفرُ الذين قال فيكم رسولُ اللهِوَل﴿ ما قال.
سمعتُه يقول: ((مَا مِن امرأَينِ مِن المُسلمينَ هَلَكَ بَيْنَهُما وَلَدَانِ [ أو ثلاثةٌ ]
فاحتَسَبَا وصَبَرَا، فَيَرَيَانِ النَّارَ أَبَداً)) .
ثم قال : وقد أصبحتُ اليومَ حيث ترون ، ولو أنَّ ثوباً من ثيابي يسعُني لم
أكفن إلا فيه . أنشدكم الله : أن لا يُكفِّنَني رجلٌ منكم كان أميراً أو عريفاً أو
بريداً .
(١) في ((الطبقات)) فكل من كان معي في ذلك المجلس.
(٢) تخب: تسرع ، والرَّخَم، جمع رَة ، وهو: طائر أبقع على شكل النسر خلقة إلا أنه مبقع
بسواد وبياض .
٧٦

فكل القوم كان نال من ذلك شيئاً إلاَّ فتى من الأنصار قال : أنا صاحبك ،
ثوبان في عيبتي(١) من غَزْل أمي، وأحدُ ثوبيَّ هذين اللذين عليّ.
قال : أنت صاحبي ، فكفِّنِّي(٢) .
ثم قال ابن سعد : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدثنا يحيى بن
سليم ، عن ابن خُثَيم ، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر ، عن أبيه ، أنه
لما حضر أبا ذر الموتُ ، بكت امرأتُه - فذكره وزاد -: فكفَّنه الأنصاريُّ في
النفر الذين شهدوه ، منهم : حُجر بن الأدبر ، ومالكُ بنُ الأشتر .
ابن إسحاق : حدثنا بُريدة بنُ سفيان ، عن محمد بن كعب القُرَظي ،
عن ابن مسعود ، قال : لما نفى عثمانُ أبا ذر إلى الرَّبَذَة، وأصابه بها قَدَرُه ،
لم یکن معه إلا امرأتُه وغلامه ، فأوصاهما : أن اغسلاني وكَفِّناني وضعَاني
على قارعة الطريق ، فأول ركبٍ يمرُّ بكم قُولوا : هذا أبوذَرٍّ، فأعينونا عليه .
فوضعاه ، وأقبل ابنُ مَسعود في رَهط من العراق عُمَّاراً، فلم يَرُعْهم إلاَّ
به ، قد كادت الإبلُ أن تَطأه . فقام الغلام ، فقال : هذا أبو ذر صاحبُ رسول
· 紫川
فاستهل عبدُ الله يبكي، ويقول: صدق رسولُ الله ◌َغيره: تمشي
(١) العيبة : ما تجعل فيه الثياب .
(٢) رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً، أخرجه ابن سعد ٤ / ٢٣٢، وأحمد ٥ / ١٦٦، وذكره
الهيثمي في ((المجمع)) ٩ / ٣٣١ ونسبه لأحمد وقال: رجاله رجال الصحيح . ورواه ابن الأثير في
((أسد الغابة)) ١ / ٣٥٨ من طريق ابن إسحاق ، أخبرنا عفان بن مسلم ، أخبرنا وهيب ، أخبرنا
عبد الله بن خُثيم، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر ، عن أبيه ، عن زوجة أبي ذر ... ورواه
ابن سعد ٤ / ٢٣٣، ٢٣٤ من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل ، عن يحيى بن سليم ، عن عبد الله بن
عثمان بن خثيم ، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه مالك بن الحارث ... وأخرجه أبو
نعيم في «الحلية)) ١ / ١٦٩، ١٧٠ وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ٢ / ١٧٢، ١٧٥ . من طريق
يحيى بن سليم ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن مجاهد ، عن إبراهيم بن الأشتر ، عن أبيه
الأشتر ، عن أم ذر .
ء
٧٧

وحدك ، وتموتُ وحدك ، وتُبعثُ وحدك !
ثم نزلوا فوارَوه، ثم حدثهم عبدُ الله حديثه، وما قال له رسولُ الله ◌َ﴾
في مسيره وحده إلى تبوك(١) .
وعن عيسى بن عميلة (٢): أخبرني من رأى أبا ذَر يَحلُبُ غُنَيْمَةً له ، فيبدأ
بجيرانِه وأضيافه قبل نفسه (٣).
عاصم الأحول ، عن أبي عثمان النهدي ، قال : رأيت أبا ذَرَّ يَمیدُ على
راحلته ، وهو مُستقبلٌ مَطلع الشمس ، فظننتُه نائماً ، فدنوتُ وقلتُ : أنائمٌ
أنت يا أبا ذر؟ قال : لا ، بل كنتُ أُصلي(٤).
١١ - العبَّاس® (ع)
عم رسول الله ﴾
قيل : إنه أسلم قبل الهجرة ، وکتم إسلامه ، وخرج مع قومه إلى بدر ،
فأسر يومئذ ، فادَّعى أنه مُسلم . فالله أعلم .
(١) بريدة بن سفيان، ضعيف ، وقد تقدم تخريج الحديث في الصفحة (٥٧) ت (٢).
(٢) كذا الأصل ((عميلة)) بالعين المهملة، ولم نجد له ترجمة ، ويغلب على الظن أنه محرف ،
صوابه (( عيسى بن ثُميلة)) الفزاري مترجم في (( تهذيب الكمال)) ١٠٨٦ .
(٣) أخرجه ابن سعد ٤ / ٢٣٥ من طريق الواقدي .
(٤) أخرجه ابن سعد ٤ / ٢٣٦ ورجاله ثقات .
* مسند أحمد: ١ / ٢٠٦، طبقات ابن سعد: ٤ / ٥ -٣٣، التاريخ لابن معين: ٢٩٤،
تاريخ خليفة: ١٦٨، التاريخ الكبير: ٧ / ٢، المعارف: ١١٨، ١٣٧، ١٥٦، ٥٨٩، ٥٩٢،
تاريخ الفسوي: ٢٩٥/١، أنساب الاشراف: ١/٣-٤٢، الجرح والتعديل ٢١٠/٦
المستدرك ٣٢١/٣ -٣٣٤، الاستبصار: ١٦٤، الاستيعاب: ٨١٠/٢، ابن عساكر:
١/٤٥٢/٨، صفة الصفوة: ١٩٥، تهذيب الكمال: ٦٥٨، تاريخ الإسلام: ٩٨/٢،
العبر: ٣٣/١، مجمع الزوائد: ٢٦٨/٩، تهذيب التهذيب: ٢١٤/٥ - ٢١٥، الإصابة :
٣٢٨/٥، خلاصة تذهيب الكمال: ١٨٩، كنز: العمال: ٥٠٢/١٣، شذرات الذهب:
٣٨/١، تهذيب ابن عساكر: ٢٢٩/٧.
٧٨

وليس هو في عداد الطُّلقاء؛ فإنه كان قد قدم إلى النبيُِّ قبل الفتح ؛
أَلا تَراه أجارَ أبا سفيان بن حرب .
وله عِدَّةُ أحاديث ، منها خمسة وثلاثونَ في مُسند بَقيَ وفي ( البخاري
ومسلم ) حديث ، وفي ( البخاري) حديث ، وفي (مسلم ) ثلاثة
أحاديث(١) .
رَوى عنه ابناه : عبدُ الله، وكثير ؛ والأحنفُ بنُ قَيس ، وعبدُ الله بن
الحَارث بن نوفل ، وجابرُ بن عبد الله ، وأمُّ كُلثوم بنتُ العباس ، وعبد الله بن
عَميرة ، وعامرُ بنُ سَعد ، وإسحاقُ بنُ عبد الله بن نوفل ،ومالكُ بنُ أوس بن
الحَدَثان، ونافعُ بنُ جُبير بن مُطْعِم ، وابنه عُبيد الله بن العباس ، وآخرون .
وقدم الشامَ مع عُمر .
فعن أسلم مَولى عمر : أنَّ عُمر لما دنا من الشام تَنَحَّى ومعه غلامه ،
فَعَمَد إلى مركب غلامه فركبه ، وعليه فَرْوٌ مَقلوب ، وحَوَّل غُلامه على رحل
نفسه .
وإنَّ العباس لبين يديه على [ فرس ] عتيق، وكان رجلاً جميلاً،
فَجَعَلَتِ البطارقةُ يُسلِّمون عليه ، فيشيرُ : لستُ به ، وإنه ذاك.
قال الكلبي : كان العباس شريفاً ، مَهيباً ، عاقلاً، جميلاً ، أبيضَ ،
بَضّاً، له ضغيرتان ، مُعتدلَ القامة .
ولد قبل عام الفيل بثلاث سنين .
قلت : بل كان من أَطولِ الرِّجال، وأَحسنِهِم صورةً ، وأبهاهم ،
(١) انظر البخاري ١٠ / ٤٨٩ في الأدب، ومسلم (٢٠٩) في الإيمان ، والبخاري ٦ / ٨٩ في
الجهاد ، ومسلم (٣٤) في الإيمان و(٤٩١) في الصلاة، و(١٧٧٥) في الجهاد والسير.
٧٩

وأجهرِهم صوتاً ، مع الحِلم الوافر ، والسؤدد .
روى مُغيرة ، عن أبي رَزِيْن ، قال: قيل للعباس : أنت أكبرُ أو النبيُّ
؟ قال : هو أكبر وأنا وُلدتُ قبله(١).
قال الزبير بنُ بكار : كان للعباس ثوبٌ لعاري بني هاشم ، وجَقنةٌ
لجائعهم ، ومَنظرة(٢) لجاهلهم .
وكان يمنع الجار ، ويبذُل المال ، ويُعطي في النوائب .
ونديمه في الجاهلية أبو سفيان بن حرب .
ابن سعد : أخبرنا محمدُ بن عمر : حدثني ابنُ أبي حبيبة ، عن داود بن
الحُصَين ، عن عكرمة ، عن ابنِ عباس ، قال : كان العباسُ قد أسلم قبل أن
يُهاجرَ رسولُ الله ◌َلِ إلى المدينة (٢).
(١) أورده الهيثمي في ((المجمع)) ٩ / ٢٧٠، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ،
وذكره المتقي في ((كنز العمال)) ١٣ / ٥٢١، ونسبه لابن عساكر وابن النجار.
(٢) المنظرة: المرقبة وقد تحرفت في المطبوع إلى ((أناة))، وفي تهذيب ابن عساكر ٧/ ٢٢٨
((مِقْطرة))، قال في ((اللسان)): وهي الفلق وهي خشبة فيها خروق كل خرق على قدر سعة الساق
يدخل فيها أرجل المحبوسين مشتق من قطار الإبل ، لأن المحبوسين فيها على قطار واحد مضموم
بعضهم إلى بعض ، أرجلهم في خروق خشبة مفلوقة على قدر سعة سوقهم .
وفي ذلك يقول إبراهيم بن هرمة :
إذا ما جناب الحي أصبح أشهبا
وكانت لعباس ثلاث نعدها
تباح فيكسوها السنام المزغبا
فسلسلة تنهى الظلوم وجفنة
لعارٍ ضريك ثوبه قد تهيّا
وحلة عصب ما تزال معدة
(٣) (( طبقات ابن سعد ٤ / ٣١، وإسناده واه كما قال المؤلف.
وانظر «المستدرك )) ٣٢١/٣، وقال الحافظ في ((الإصابة)) والصحيح أن العباس أسلم يوم
بدر .
٨٠