Indexed OCR Text
Pages 41-60
وقيداً ! ثم أومأ إلى أصحابه . قال : فطلبُوا إليه فيه . فتركه . أبو المغيرة الخولاني : حدثنا صفوانُ بن عمرو ؛ حدثني أبو الصلت الحضرميُّ، قال : حُلنا بين أهل العراق وبين الماء ؛ فأتانا فارسٌ ، ثم حسر ؛ فإذا هو الأشعثُ بنُ قيس ، فقال : اللهَ اللّهَ يا معاوية في أمة محمد ﴿﴿! هَبُوا أنكم تتلتُم أهل العراق، فَمَنْ للبعوث والذراري؟ أم هَبُوا أنَّا قتلناكم ، فَمَنْ للبعوث والذراري؟ إن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقْتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ [ الحجرات: ٩]. قال معاويةٌ: فما تُريد ؟ قال : خُلُّوا بيننا وبين الماء . فقال لأبي الأعور : خل بين إخواننا وبين الماء (١) . روى الشيباني (٢) عن قيس بن محمد بن الأشعث: أن الأشعثَ كان عاملاً لعثمان على أَذْرَبِيجَان ، فحلف مرةً على شيء ؛ فكفّر عن يمينه بخمسة عشر ألفاً . إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، قال: كان الأشعثُ حلفَ على يمين ، ثم قال: قَبَّحك الله من مال ! أما والله ما حلفتُ إلا على حق ، ولكنه رَدُّ على صاحبه ، وكان ثلاثين ألفاً . شريك : حدثنا أبو إسحاق ، قال : صليتُ الفجر بمسجد الأشعث ، فلما سلُّم الامامُ إذا بين يديِ کیسٌ ونعل ؛ فنظرتُ : فإذا بين يدي كل رجلٍ. كيسٌ ونعل . فقلتُ : ما هذا؟ قالوا : قدم الأشعثُ الليلة ، فقال : انظروا ! (١) أورده المزي في ((تهذيب الكمال)) ص ١١٩ عن عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب ((صفين)): حدثني أبي قالُ: حدثنا أبو المغيرة ... (٢) هو سليمان بن أبي سليمان الشيباني أبو إسحاق الكوفي الثقة وقد تحرف في المطبوع إلى السلمي . ٤١ فكلُّ من صلى الغداة في مسجدنا ، فاجعلوا بين يديه كيساً وحذاء . رواه أبو إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، إلا أنه قال: حُلَّةًّ ونَعْلين(١). أحمد بن حنبل : حدثنا علي بن ثابت ، حدثنا أبو المهاجر ، عن ميمون ابن مهران ، قال : أول من مشتْ معه الرجال ، وهو راكب : الأشعثُ بن قیس . روى نحوه أبو المليح ، عن ميمون(٢). قال إسماعيل بن أبي خالد ، عن حكيم بن جابر ، قال : لما تُوفي الأشعثُ بن قيس ، أتاهم الحسن بن عليّ، فأمرهم أن يُوضؤوه بالكافور وضوءاً . وكانت بنتُه تحت الحسن(٣). قالوا : توفي سنة أربعین وزاد بعضهم : بعد عليّ رضي الله عنه بأربعین ليلة . ودفن في داره . وقيل : عاش ثلاثاً وستين سنة . وقال محمد بنُ سعد : مات بالكوفة ، والحسنُ بها حين صالح معاوية . وهو الذي صلَّى عليه . قلت : وكان ابنُه محمدُ بن الأشعث بعده من كبار الأمراء وأشرافهم ، (١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٦٥٠)، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٤١٥ وقال: وفيه أبو إسرائيل الملائي وبقية رجاله رجال الصحيح . (٢) ((تهذيب الكمال)) ١٢٠. (٣) أخرجه الفسوي في تاريخه ١/ ٢٢٦ من طريق أبي نعيم وأبي قبيصة كلاهما عن سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد وأخرجه ابن سعد ٦/ ٢٣ من طريق وكيع بن الجراح ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن حكيم ابن جابر، وأخرجه الحاكم في «المستدرك » ٥٢٢/٣ من طريق عبدة بن حميد ، حدثني إسماعيل ابن أبي خالد، عن حكيم بن جابر ، وقد تحرف حكيم عنده إلى حفص . ٤٢ وهو والدُ الأمير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذي خرج معه الناس ، وعَمل مع الحجاج تلك الحروب المشهورة التي لم يُسْمع بمثلها . بحيث يُقال : إنه عمل معه أحداً وثمانين مصافاً (١) ، معظمُها على الحجاج . ثم في الآخِرِ خُذِل ابنُ الأشعث وانهزم ، ثم ظفروا به وَهَلَك . ٩ - حاطِب بنُ أبي بَلْتعة * عمرو بن عُمَيَر بن سلمة ، اللَّخْمي المكي ، حليفُ بني أسد بن عبد العُزَّى بن قُصي . من مشاهير المهاجرين ؛ شهد بدراً والمشاهد . وكانَ رَسُولَ النبيَ﴿ إِلى المُقَوْقِس ، صاحب مِصر. وكان تاجراً في الطعام ، له عبيد . وكان من الرماة الموصوفين . ذكره الحاكم في ((مستدركه))(٢) فقال: كان حسنَ الجسم ، خفيفَ اللحية ، أجنى (٣)، إلى القِصر ما هو، شئْن الأصابع. قاله الواقدي. روى هارونُ بن يحيى الحاطبي ، قال : حدثني أبو ربيعةً ، عن عبد (١) المصاف : جمع مصف ، وهو الموقف في الحرب . * طبقات ابن سعد: ٣ / ١١٤، طبقات خليفة: ٧٠ ، تاريخ خليفة: ١٦٦، المعارف : ٣١٧، ٣١٨، الجرح والتعديل: ٣ / ٣٠٣، معجم الطبراني الكبير: ٣ / ٢٠٥، المستدرك: ٣٠٠/٣ -٣٠٢، الاستيعاب: ٣١٢/١، جامع الأصول؛ ٩٧/٩، أسد الغابة: ٤٣١/١، تاريخ الإسلام: ٨٥/٢، مجمع الزوائد: ٣٠٣/٩، تهذيب التهذيب: ١٦٨/٢، الإصابة : ١٩٢/٢، شذرات الذهب: ٣٧/١. (٢) ٣٠٠/٣. (٣) يقال رجل أجنى وأجنأ إذا كان في كاهله انحناء على صدره ، ولم يبلغ الاحديداب . وقوله : شئن الأصابع : أي غليظها . ٤٣ الحميد بن أبي أنس ، عن صفوان بن سُلَيم ، عن أنس ، سمع حاطباً يقول : إنه اطلع على النبيُّ﴿ بأحُد، قال: وفي يد عليِّ الترسُ، والنبِيُ﴿ يغسلُ وجهه من الماء ، فقال حاطب : من فعل هذا ؟ قال : عُثُبة بن أبي وقاص ، هشم وجهي ، ودق رَباعِيَتَي بحجر! فقلت : إني سمعتُ صائحاً على الجبل : قُتل محمد ! فأتيتُ إليك - وكأَنْ قد ذهبت روحي - فأين توجّهَ عُتُبة ؟ فأشار إلى حيث توجه . فمضيتُ حتى ظفرتُ به ، فضربتُه بالسيف ، فطرحتُ رأسَه ! فنزلتُ فأخذتُ رأسه وسَلَبه وفرسه ، وجئتُ به إلى النبيِّ *، فسلّم ذلك إليَّ، ودعالي. فقال: رضي الله عنك ! مرتين(١). إسناد مظلم . الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر : أن عبداً لحاطب شكا حاطباً فقال : يا نبيِّ الله، ليدخُلَنَّ النار! قال: كذبت ، لا يدخُلُها أبداً وقد شهد بدراً والحُديْبية . صحيح(٢) . إسحاق بن راشد ، عن الزهري ، عن عُروة ، عن عبد الرحمن بن حاطب: أن أباه كتب إلى كفّار قُريش كتاباً. فدعا رسولُ الله :﴿ عليَّاً والزبير، فقال: ((انطلقا حتى تُدركا امرأةً معها كتابٌ فائتياني به )). فلقياها ، وطلبا الكتابَ ، وأخبراها أنهما غيرُ منصرفين حتى ينزعا كُلَّ ثوب عليها . قالت : ألستما مسلمين ؟ قالا: بلى، ولكنَّ رسولَ الله حدثنا أنَّ معكِ (١) هارون بن يحيى الحاطبي: قال العقيلي في ((الضعفاء)) ص : ٤٣٢: لا يتابع على حديثه ، وأبو ربيعة مجهول، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٣/ ٣٠٠، ٣٠١، ولم يتكلم عليه لا هو ولا الذهبي، بينما الذهبي هنا يقول: إِسناد مظلم، وانظر ((لسان الميزان)) ١٨٣/٦. (٢) أخرجه مسلم (٢١٩٥) في فضائل الصحابة : باب من فضائل أهل بدر ، والترمذي (٣٣٦٣) في المناقب: باب في من سب أصحاب النبي # وصححه الحاكم ٣٠١/٣. ٤٤ : كتاباً. فحلَّته من رأسها. قال: فدعا رسولُ الله:﴿ حاطباً حتى قُرى عليه الكتاب، فاعترف. فقال: ((ما حَمَلَكَ))؟ قال : كان بمكة قَرابتي وولدي ، وكنتُ غريباً فيكم معشر قريش . فقال عُمر: ائذنْ لي يا رسولَ الله في قتله. قال: ((لا ، إِنَّه قَدْ شَهِدَ بَدْراً ، وإِنَّك لا تدري ، لعلَّ اللهَ قد الطَّلَعَ على أهلِ بَدْرٍ فقال : اعمَلُوا ما شِئْتُم ، فَإِنِّي غافِرٌلَكُم ))(١) إسناده صالح. وأصله في ((الصحيحين)) (٢). وقد أتى بعضُ مواليه إلى عمر بن الخطاب يشكون منه من أجل النفقة عليهم ؛ فلامه في ذلك . وعبد الرحمن ولده، ممن وُلد في حياة النبي ◌َإليه، وله رؤية . يروي عنه ولدُه الفقيه يحيى، وعروةُ بنُ الزبير ، وغيرهما . توفي سنة ثمان وستين . ومات حاطب سنةً ثلاثين . (١) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٣٠٦٦). والحاكم في المستدرك)) ٣٠١/٣ -٣٠٢، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٣٠٤/٩، وقال: رواه الطبراني في «الكبير)) و(«الأوسط)) ورجالهما ثقات . (٢) هو في ((البخاري)» ٧/ ٤٠٠، ٤٠١ في المغازي ، باب غزوة أحد ، وباب فضل من شهد بدراً . وفي الجهاد ، باب الجاسوس ، وباب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن . وفي تفسير سورة الممتحنة في فاتحتها ، وفي الاستئذان : باب من نظر في كتاب من يحذر من المسلمين ليستبين أمره ، وفي استتابة المرتدين : باب ما جاء في المتأولين . وأخرجه مسلم ( ٢٤٩٤) في فضائل الصحابة ، باب من فضائل أهل بدر . وانظر فيما قاله العلماء في توجيه: اعملوا ما شئتم إني غافر لكم ((فتح الباري» ٤٨٧/٨. ٤٥ ١٠ -أبو ذر*(ع ) جندب بن جنادة الغفاري ، وقيل : جندب بن سگن . وقيل : بُریر بن جنادة . وقيل : بُرير بن عبد الله . ونبأني الدمياطي : أنه جندب بن جنادة بن سفيان بن عُبید بن حرام بن غِفار - أخي ثعلبة - ابنَي مُلَيل بن ضَمرة ، أخي ليث والدِیل ، أولاد بكر ، أخي مُرة ، والد مُدلج بن مرة ، ابني عبد مناة بن كِنانة . قلت: أحدُ السابقين الأولين ، من نُجباء أصحاب محمد ﴿ٍ. قيل : كان خامسَ خمسة في الإسلام . ثم إنه رُدَّ إلى بلاد قومه ، فأقام بها بأمر النبي 8 ي له بذلك، فلما أن هاجر النبيّ ي ، هاجر إليه أبو ذر رضي الله عنه ، ولازمه ، وجاهد معه . وكان يُقُتي في خلافة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان . روى عنه : حذيفةُ بن أَمِيد الغِفاري ، وابنُ عباس ، وأنسُ بنُ مالك ، وابنُ عمر ، وجُبير بن نُقير، وأبو مسلم الخولاني ، وزيدُ بنُ وهب ، وأبو الأسود الدُّثِلي ، ورِبعيُ بنُ حِراش ، والمعرورُ بن سُوید ، وزِرُ بن حُبيش ، وأبو سالم الجَيْشاني سُفيان بن هانىء ، وعبدُ الرحمن بن غَنْم ، * مسند أحمد: ٥ / ١٤٤، طبقات ابن سعد: ٤ / ٢١٩ - ٢٣٧، التاريخ لابن معين : ٧٠٤، طبقات خليفة: ٣١، تاريخ خليفة: ١٦٦، التاريخ الكبير: ٢ / ٢٢١، المعارف: ٢، ٦٧، ١٥٢، ١٩٥، ٢٥٢، ٢٥٣، أنساب الأشراف: ٤ / ٥٤١، تاريخ الطبري: ٤ / ٢٨٣، معجم الطبراني الكبير: ٢ / ١٥٥، المستدرك: ٣ / ٣٣٧ - ٣٤٦، الاستبصار: ١٢٥، حلية الأولياء: ١ / ١٥٦، ١٧٠، الاستيعاب: ١ / ١٦٩، ١٧٧، ابن عساكر: ٤ / ٧/ ٢، جامع الأصول: ٩ / ٥٠ - ٥٩، أسد الغابة: ١ / ٣٥٧ و٦/ ٩٩، ١٠١، تهذيب الكمال: ١٦٠٢، تاريخ الإسلام: ٢ /١١١، العبر ١ / ٣٣، مجمع الزوائد: ٩ / ٣٢٧، تهذيب التهذيب : ١٢ / ٩٠ - ٩١، الإصابة: ١١/ ١١٨، خلاصة تذهيب الكمال: ٤٤٩، كنز العمال: ١٣ / ٣١١، شذرات الذهب : ١ / ٢٤ و٥٦ و٦٣ . ٤٦ والأحنفُ بنُ قيس ، وقيسُ بن عُبَاد ، وعبدُ الله بنُ الصامت ، وأبو عثمان النَّهدي ، وسُويد بنُ غَفَلة ، وأبو مُراوح ، وأبو إدريس الخولاني ، وسعيدُ بنُ المُسيِّب ، وخَرَشَة بن الحُرِّ، وزيدُ بن ظبيان، وصعصعةُ بنُ معاوية ، وأبو السَّليل ضُريبُ بن نُفَير، وعبدُ الله بن شقيق ، وعبدُ الرحمن بن أبي ليلى ، وعُبيد بن عمير ، وغُضيفُ بن الحارث ، وعاصمُ بنُ سفيان ، وعُبيدُ بن الخشخاش، وأبو مسلم الجَذْمِيُّ، وعطاءُ بنُ يسار ، وموسى بنُ طلحة ، وأبو الشعثاء المُحاربي ، ومُوَرِّقُ العِجلي ، ويزيدُ بن شَريك التيمي ، وأبو الأحوص المدني - شيخٌ للزهري - وأبو أسماء الرَّحَبيّ، وأبو بَصرة الغِفاري ، وأبو العالية الرِّياحي ، وابنُ الحوتكية ، وجَسرةُ بنتُ دجاجة . فاتته (١) بدر ، قاله أبو داود . وقيل : كان آدمَ ضخماً جسيماً ، كثَّ اللحية . وكان رأساً في الزهد ، والصدق ، والعلم والعمل ، قوالاً بالحق ، لا تأخذُه في الله لومةُ لائم ، على حِدَّة فيه . وقد شهد فتحَ بيت المقدس مع عُمر . أخبرنا الخَضِرُ بنُ عبد الرحمن الأزدي (٢)، وأحمدُ بنُ هبة الله ، قالا : أخبرنا زين الأمناء حسن بن محمد : أخبرنا علي بن الحسن الحافظ : حدثنا عليّ بن إبراهيم الحسيني : أخبرنا محمدُ بن علي بن سلوان : أخبرنا الفضلُ بنُ جعفر التميمي ، أخبرناعبد الرحمن بن القاسم الهاشمي : حدثنا أبو مُسهر : (١) تصحف في المطبوع إلى ((فاتنة)). (٢) هو الخضر بن أبي الحسين عبد الرحمن بن الخضر المعمر شمس الدين أبو القاسم الأزدي الدمشقي ، الكاتب ، ولد سنة (٦١٧) هـ ، قال المؤلف في مشيخته الورقة ( ٤٤): عني به والده فأسمعه من أبي المحاسن ، وابن البُن وزين الأمناء، وأبي المجد ، وتفرد بأشياء . وكان عرياً من العلم وعزل في آخر عمره من كتابة دار الطعم ، مات في ذي الحجة سنة ( ٧٠٠) هـ . وقد تصحف في المطبوع إلى ((الحصر)) بالصاد . ٤٧ حدثنا سعيدُ بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر الغفاري ، عن رسول الله إليه ، عن جبريل ، عن الله تبارك وتعالى، أنه قال: ((يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّتُ الظُّلِمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلتُه بينكم مُحَرَِّّاً، فَلاَ تَظَالموا . يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ الَّذين تُخْطِؤون باللَّيلِ والنَّهَارِ ، وأَنا الذي أَغفِرُ الذُّنُوبَ ولاَ أُبالي، فاستَغْفِرُوني أَغفِرْ لَكُم . يَا عِبَادِي ، كُلُكُم جَائِعٌ إلاَّ مَن أَطعمتُهُ ، فاستَطْعِمُوني أُطعِمُم . يا عِبَادِي ، كُلُّكُم عَارٍ إِلَّ مَنْ كَسَوَتُهُ ، فَاستَكْسُونِي أَكْسُكُم. يا عِبَادِي، لَو أَنَّ أَوْلِكُم وآخِرَكُم ، وَإِنسكُم ، وجِنَّكُم ، كَانُوا عَلَى أَفجَرٍ قَلبِ رَجُلٍ مِنكُم ، لَم يَنقُص ذَلِكَ مِن مُلكِيٍ شَيئاً . يا عِبَادِي، لَو أَنَّ أَولكُم وآخِرَكُم ، وإنسكُم ، وَجِنِكُم ، كَانُوا عَلَى أَنْقَى قَلبٍ رَجُلٍ مِنكُم ، لَم يَزِدِ ذُلِكَ فِي مُلكِي شَيْئاً . يَا عِبَادِي ، لَو أَنَّ أَولَكُمْ وَآخِرِكُم ، وإنسكُم ، وجِنَّكُم ، كَانُوا فِي صَعيد وَاحِدٍ ، فسأَلُّوني ، فَأَعَيتُ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُم ما سأَلَ، لَم ينقُص ذُلِكَ مِن مُلكِي شَيْئاً، إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ البَحرَ أَن يُغْمَسَ المِخْيَطُ غَمسةٌ وَاحِدَةٌ . يا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعمالُكُم أَحفَظُها عَلَيْكُم، فَمَن وَجَدَ خَيْراً، فَلَيَحمَدِ اللهَ، وَمَن وَجَدَ غَيْرَ ذُلِكَ ، فَلاَ يُلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَه )). قال سعيد : كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه . أخرجه مسلم (١) . (١) رقم (٢٥٧٧) في البر والصلة ، باب تحريم الظلم ، وقد أورده الإمام النووي رحمه الله في آخر كتابه الأذكار من طريق شيخه الحافظ أبي البقاء خالد بن يوسف النابلسي ، ثم الدمشقي ، عن أبي طالب عبدالله ، وأبي منصور يونس ، وأبي القاسم الحسين بن هبة الله ، وأبي يعلى حمزة ، وأبي الطاهر إسماعيل ، خمستهم عن أبي القاسم علي بن الحسن بن عساكر ، عن الشريف أبي القاسم علي ابن إبراهيم الحسيني خطيب دمشق ، عن أبي عبد الله محمد بن علي بن يحيى بن سلوان عن أبي القاسم الفضل بن جعفر ، عن أبي بكر عبد الرحمن بن القاسم بن الفرج الهاشمي ، عن أبي مُسْهِر، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي ذر = ٤٨ نقل الواقدي ، عن خالد بن حيان ، قال : كان أبو ذر ، وأبو الدرداء ، في مِظَلَّتين من شَعر بدمشق(١). وقال أحمد بن البَرْقي : أبو ذر اسمه : يزيد بن جُنادة . وقال سعيدُ بن عبد العزيز : اسمه : بُرير . قال أبو قلابة ، عن رجل عامري ، قال : كنت أعزبُ عن الماء ومعي أهلي ، فتصيبتي الجنابةُ ، فوقع ذلك في نفسي ، فتُعِت (٢) لي أبو ذر، فحججتُ ، فدخلتُ مسجد مِنى ، فعرفتُه ، فإذا شيخٌ معروق آدم عليه حلة قِطْريّ(٣). = رضي الله عنه ، عن رسول الله عليه، عن جبريل عليه السلام، عن الله تبارك وتعالى .. ثم قال : ورجال إسناده مني إلى أبي ذر كلهم دمشقيون ، ودخل أبو ذر رضي الله عنه دمشق ، فاجتمع في هذا الحديث جمل من الفوائد . منها صحة إسناده ومتنه وعلوه وتسلسله بالدمشقيين رضي الله عنهم ، وبارك فيهم . ومنها ما اشتمل عليه من البيان لقواعد عظيمة في أصول الدين وفروعه والآداب ولطائف القلوب وغيرها ولله الحمد. روينا عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قال : ليس لأهل الشام أشرف من هذا الحديث . وأخرجه أحمد ١٥٤/٥ و١٧٧، والترمذي (٢٤٩٥) من طريق شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي ذر ... وأخرجه أحمد ٥/ ١٦٠ من طريق همام عن قتادة ، عن أبي قلابة ، عن أبي أسماء ، عن أبي ذر ... (١) ابن سعد ٢٣٦/٢. (٢) تحرفت في المطبوع إلى (( فبعث)) (٣) أخرجه أحمد في المسند ١٤٦/٥، والرجل العامري هو عمرو بن بجدان كما جاء مصرحاً به في غير هذه الرواية ، ومعروق: قليل اللحم ، وقد تحرفت في المسند إلى ((معروف)) وقِطْري : بكسر القاف وإسكان الطاء : ضرب من البرود في حمرة ، ولها أعلام فيها بعض الخشونة . وفي هذا الحديث أن النبي ◌َّه قال لأبي ذر: ((إن الصعيد الطيب طهور ما لم تجد الماء ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك)) وهو حديث صحيح أخرجه عن أبي ذر أبو داود رقم (٣٣٢ و٣٣٣)، والترمذي (١٢٤)، والنسائي ١٧١/١، وأحمد ١٤٧/٥، ١٥٥، ١٨٠، وصححه الترمذي ، وابن حبان رقم ( ١٢٦)، والحاكم ١٧٦/١، ١٧٧ . ووافقه الذهبي ، وله شاهد عند البزار من حديث أبي هريرة برقم ( ٣١٠) وإسناده قوي . سير ٤/٢ ٤٩ وقال حُمَيد بنُ هلال : حدثني الأحنفُ بنُ قيس ، قال: قدمتُ المدينة ، فدخلتُ مسجدَها ، فبينما أنا أُصلي ، إذ دخلَ رجلٌ طُوال ، آدمُ أبيضُ الرأس واللحية ، محلوق ، يشبه بعضه بعضاً . فاتبعتُه فقلت : من هذا ؟ قالوا : أبو ذر . سُليمان بن المغيرة ، وإبن عون ، عن حُميد بن هلال ، عن عبد الله بن الصامت ، قال : قال أبوذر : خرجْنا من قومنا غفار، وكانوا يُحلُّون الشهرَ الحرام ، فخرجتُ أنا وأخي أنيس وأُمّنا ، فنزلنا على خالٍ لنا ، فأكرَمنا وأحسن . فحسدَنا قومُهُ ، فقالوا : إنَّك إذا خرجتَ عن أهلك يُخالِفُك إليهم أنيس ، فجاء خالُنا ، فذكر لنا ما قيل له . فقلتُ: أمَّا ما مضى من معروفك ، فقد كدَّرْتَه ، ولا جماع لك فيما بعد . فقدَّمنا صرمَتَنَا(١)، فاحتملنا عليها، وجعل خالُنا يبكي ، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكّة ، فنافر(٢) أنيس عن صيرمتنا وعن مثلها ، فأتيا الكاهن فخيَّر أنيساً(٣) ، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها . قال: وقد صليتُ يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول الله ولي [بثلاث سنين]. قلتُ : لمن ؟ قال: لله . قلتُ : أين تَوَجَّه؟ قال : حيث وجَّهني الله ، أُصلي عِشاءً حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خِفاء(٤) حتى تعلوني الشمس . (١) في صحيح مسلم ، فقربنا صرمتنا ، والصرمة : القطعة من الإبل . (٢) نافر : حاكم: يقال: نافرت الرجل منافرة إذا قاضيته ، والمنافرة ، المحاكمة تكون في تفضيل أحد الشيئين على الآخر . (٣) في الأصل : فأتيت الكاهن بخبر أنيس ، وما أثبتناه من صحيح مسلم . (٤) الخِفاء : كساء يطرح على السقاء . فقال أنيس : إنَّ لي حاجةً بمكة ، فاكفني . فانطلق أنيْس حتى أتى مكة ، [فراث علي](١) ثم جاء. فقلتُ: ما صنعتَ؟ قال: لقيتُ رجلاً بمكة على دينك ، يزعمُ أنه مُرْسل . قلتُ : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون : شاعر، كاهن ، ساحر . قال : وكان أنيس أحدَ الشُّعراء ، فقال : لقد سمعتُ قولَ الكهنة ، وما هو بقولهم ، ولقد وضعتُ قوله على أقوال(٢) الشعراء ، فما يَلتئمُ على لسان أحد أنه شعر، والله إنه الصادق ، وإنهم لكاذبون ! قلتُ : فاكفني حتى أذهب فأَنظُر ! فأتيتُ مكة ، فتضعّفت(٣) رجلاً منهم ، فقلتُ: من هذا الذي تدعونه الصابِى"؟ فأشار إليَّ، فقال: الصابِى". قال : فمال عليَّ أهلُ الوادي بگُل مَدَرَةِ ، وعَظْمٍ ، حتى خررتُ مَغشياً عليَّ . فارتفعتُ حين ارتفعتُ كأني نُصُبٌ(٤) أحمر ، فأتيتُ زمزم ، فغسلتُ عني الدماءَ ، وشربتُ من مائها . ولقد لبثتُ ـ يا ابن أخي - ثلاثين، بين ليلة ويوم ، مالي طعامٌ إلا ماء زمزم . فسمنتُ حتى تكسرتْ عُكَني ، وما وجدتُ على كبدي سَخْفَةَ(٥) جوع . فبينا أهلُ مكة في ليلة قمراء إِضْحِيَان (٦)، جاءت امرأتان تطوفان، (١) يقال : راث فلان علينا إذا أبطأ . (٢) في صحيح مسلم : على أقراء الشعر وهي طرائقه وأنواعه ، واحدها : قرء . (٣) أي نظرت إلى أضعفهم، وفي (الطبقات)) فاستضعفت رجلاً منهم، وقد تحرفت في المطبوع إلى «تضيفت)). (٤) النَّصُب : الحجر أو الصنم الذي كانوا ينصبونه في الجاهلية ويذبحون عليه ، فيحمر من كثرة دم القربان والذبائح ، أراد أنهم ضربوه حتى أدموه . (٥) سَخفة الجوع : رقته وهزا له . (٦) يقال : ليلة إضحيان وإضحيانة أي: مضيئة لا غيم فيها . فقمرها ظاهر يضيئها . ٥١ وتدعوان إِسافاً ونائلة (١) ، فأتتا عليَّ في طوافهما. فقلتُ: أنكحا أحدَهما الآخر . فما تناهتا عن قولهما (٢)، فأتتا علي. فقلتُ: هَنَ (٣) مثلُ الخشبة، غير أني لا أَكْني. فانطلقتا تُولولان ، تقولان : لو كان ها هنا أحدٌ من أنفارنا ! فاستقبلهما رسولُ الله ، وأبو بكر ، وهُما هابطتان ، فقال : ما لكما ؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها . قال : فما قال لكما ؟ قالتا : إنه قال كلمة تملأ الفم . قال : وجاء رسولُ الله حتى استلم الحَجَر ، ثم طاف بالبيت ، هو وصاحبُه ، ثم صلَّى . وكنتُ أولَ من حياه بتحية الإسلام . قال : عليكَ ورحمةُ الله ! من أين أنت ؟ قلتُ : مِن غِفار . فأهوى بيده ، ووضع أصابعَه علی جبهته . فقلتُ في نفسي : كره أني انتميتُ إلى غفار . فذهبتُ آخذُ بيده ، فدفعني (٤) صاحبه ، وكان أعلم به مني . قال : ثم رفع رأسَهُ ، فقال : متى كنتَ ها هنا ؟ قلتُ : منذ ثلاثين من [ بين] ليلة ويوم . قال : فمن كان يُطْعِمُك ؟ قلتُ : ما كان لي طعامٌ إلا ماء زمزم، فسمنتُ، وما أجد على بطني سَخفةَ جُوع. قال: ((إِنَّها مُبَارَكَة ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْم)) (٥) . (١) إساف ونائلة : صنمان تزعم العرب أنهما كانا رجلاً وامرأة زَنيا في الكعبة فمسخا . (٢) كذا في الأصل وفي صحيح مسلم ، ورواية ابن سعد في الطبقات : (( فما ثناهما ذلك عن قولهما ) . (٣) عنى به الذكر ، وقوله : لا أكني ، أراد أنه أفصح باسمه ولم يكْنِ عنه . (٤) في الطبقات وصحيح مسلم : فَقَدَعَني ، أي منعني وكفني . (٥) أي : يشبع الإنسان إذا شرب ماءها كما يشبع من الطعام . ٥٢ فقال أبو بكر : يا رسول الله ، ائذنْ لي في طعامه الليلة . فانطلقنا ، ففتح أبو بكر باباً ، فَجعل يقبِضُ لنا من زبيب الطائف ، فكان أولَ طعام أكلتُه بها . وأتيتُ رسولَ اللهِوَ﴾. فقال: ((إنه قد وُجُّهت لي أرضَّ ذاتُ نخل ، لا أراها إلا يثرب، فهل أنت مُبُلِّغٌ عني قومَك ، لعلَّ الله أن ينفعهم بك ويأجرك فیھم ؟ )) قال : فانطلقتُ، فلقيتُ أُنيساً ، فقال : ما صنعتَ ؟ قلتُ : صنعتُ أني أسلمتُ وصدَّقْتُ . قال : مابي رغبةً عن دينك ، فإني قد أسلمتُ وصدقتُ . فأسلمتْ أُمَّنَا، فاحتملنا حتى أتينا قومَنا غِفار ، فأسلم نصفُهم ، وكان يؤمُّهم إيماءُ بن رَحَضَةَ ، وكان سيِّدَهم . وقال نصفُهم : إذا قدم رسول الله [المدينة] أسلمنا. فقدم رسولُ الله:﴿ المدينةَ، فأسلم نصفُهم الباقي . وجاءت أسلم فقالوا : يا رسول الله ، إخواننا ، نُسْلِمُ على الذي أسلموا عليه ، [فأسلموا] . فقال رسولُ اللهَِ﴿ه: ((غِفَارُ، غَفَرَ الله لها! وَأَسلَم، سَالَمَهَا اللهُ)). أخرجه مسلم (١) . قال أبو جمرة : قال لنا ابنُ عباس : ألا أخبركُم بإسلام أبي ذر؟ قلنا : بلى . قال : قال أبو ذر : بلغني أن رجلاً بمكّة قد خرج ، يزعم أنه نبي ، فأرسلتُ أخي ليكلِّمَه، فقلتُ: انطلقْ إلى هذا الرجل ، فكلُّمْه . فانطلقَ فَلِقِيه، ثم رجع ، فقلتُ: ما عندك ؟ قال: واللهِ، لقد رأيتُ رجلاً يأمر بالخير ، وينهى عن الشر. قلتُ: لم تَشفني . فأخذْتُ جِراباً وعصاً ، ثم (١) رقم ( ٢٤٧٣) في فضائل الصحابة : باب من فضائل أبي ذر ، رضي الله عنه ، وأخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢١٩/٤، ٢٢٢، وأحمد ١٧٤/٥. ٥٣ أقبلتُ إلى مكة ، فجعلتُ لا أعرِفِه وأكرهُ أن أسألَ عنه ، وأشربُ من ماء زمزم، وأكونُ في المسجد . فمَّرَ عَلَيُّ بنُ أبي طالب ، فقال : هذا رجلٌ غريب ؟ قلتُ: نعم . قال : انطلقْ إلى المنزل. فانطلقتُ معه ، لا أسألُه عن شيء ، ولا يُخبرني ! فلما أصبح الغدُ ، جئتُ إلى المسجد لا أسألُ عنه ، وليس أحدٌ يُخبرني عنه بشيء. فمَّ بي عليّ، فقال: أما آن للرجل أن يعود ؟ قلتُ : لا . قال : ما أمرُك ، وما أقدمك ؟ قلتُ : إن كتمتَ عليَّ أخبرتُك؟ قال : أفعل . قلتُ : قد بلغنا أنه قد خرج نبي . قال : أَمَا قد رَشدْتَ! هذا وجهي إليه ، فاتَِّعْنِي وادخلْ حيثُ أدخلُ ، فإني إنْ رأيتُ أحداً أخافه عليك ، قمتُ إلى الحائط كأني أصلحُ نعلي ! وامضٍ أنت . فمضى ، ومضيتُ معه، فدخلنا على النبيِ ﴿، فقلتُ: يا رسول الله، اعرضْ عليَّ الإِسلام. فعرضَ عليَّ، فأسلمتُ مكاني . فقال لي : يا أبا ذر ، اكتم هذا الأمرَ ، وارجعْ إلى قومك ! فإذا بلغك ظهورنا ، فأقبل . فقلتُ : والذي بعثك بالحق ، لأصرُخَنَّ بها بين أظهرهم . فجاء إلى المسجد وقريشُ فيه ، فقال: يا معشَر قُريش، إني أشهدُ أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً عبده ورسوله . فقالوا : قوموا إلى هذا الصابى". فقاموا ، فضُرِبْتُ لأموت ! فأدركني العباسُ ، فأكبَّ عليَّ، وقال : ويلكم تقتُلُون رجلاً من غِفار، ومتجركم وممرُكم على غِفار! فأطلقوا عني . فلما أصبحتُ، رجعتُ ، فقلتُ مثلَ ما قلتُ بالأمس . فقالوا : قوموا إلى هذا الصابىء ! فصُنِعَ بي كذلك ، وأدركني العباسُ ، فأكبَّ عليّ . فهذا أول إسلام أبي ذر . ٥٤ أخرجه : البخاريُّ ومسلم من طريق المُثَنَّى بن سعيد ، عن أبي جمرة(١). ابن سعد : أخبرنا محمدُ بنُ عمر : أخبرنا ابنُ أبي سَبْرة ، عن يحيى بن شيل ، عن خُقاف بن إيماء قال : كان أبو ذر رجلاً يُصيب ، وكان شجاعاً ، ينفردُ وحده يقطعُ الطريق ، ويُغير على الصِّرَم في عَمَاية الصُّبح على ظهر فرسه أو قدميه ، كأنه السبعُ، فيطرق الحيَّ، ويأخذُ ما أخذ ، ثم إن الله قذفَ في قلبه الإِسلام، وسمع مقالةَ النبيِّ #، وهو يومئذ يدعو مختفياً ، فأقبل يسألُ عنه(٢) . وعن أبي معشر السِّندي : كان أبو ذر يتألَّهُ في الجاهلية ، ويوحِّدُ ، ولا يعبدُ الأصنام(٣). النضر بن محمد ، أخبرنا عكرمة بن عمار : أخبرنا أبو زُمَيل ، عن مالك ابن مَرْثَد ، عن أبيه ، عن أبي ذر ، قال : كنتُ رابعَ الإِسلام ، أسلم قبلي ثلاثةٌ ، فأتيتُ نبيَّ الله ، فقلتُ: سلامٌ عليك يا نبيَّ الله . وأسلمتُ ، فرأيتُ الاستبشار في وجهه ، فقال : مَنْ أنت ؟ قلتُ : جندب ، رجل من غفار . قال : فرأيتُها في وجه رسول الله﴿ه. وكان فيهم من يسرق الحاج(٤) . (١) البخاري: ٦/ ٤٠٠ و١٣٢/٧، ١٣٤ في المناقب: باب إسلام أبي ذر ، ومسلم رقم ( ٢٤٧٤) في فضائل الصحابة ، وابن سعد في الطبقات ٢٢٤/٤، ٢٢٥ . (٢) ابن سعد ٤/ ٢٢٢. (٣) ابن سعد ٢٢٢/٤ من طريق الواقدي . ويتأله : يتنسك ويتعبّد . (٤) أخرجه الطبراني برقم (١٦١٧) ولفظه بعد قوله: رجل من غفار: فكأنه ◌ُ# ارتدع وود أني كنت من قبيلة غير التي أنا منهم ، وذاك أني كنت من قبيلة يسرقون الحاج بمحاجن لهم . وأخرجه الحاكم ٣٤٢/٣ إلى قوله : فرأيت الاستبشار في وجهه ، وصححه على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي . وعن محفوظ بن عَلقمة ، عن ابن عائذ ، عن جُبير بن نُفَير ، قال : كان أبو ذر وعمرو بن عَبَسة ، كل منهما يقول: أنا رُبُع الإِسلام(١) . قال الواقدي : كان حامل راية غِفار يومَ حُنين أبو ذر . وكان يقولُ : أبطأتُ في غزوة تبوك ، من عَجَف(٢) بعيري . ابن إسحاق : حدثني بُريدةُ بنُ سفيان ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن ابن مسعود، قال: لما سار رسولُ الله ◌َ﴿ه إلى تبوك، جعل لا يزالُ يتخلَّفُ الرجلُ ، فيقولون : يا رسولَ الله ، تخلَّفَ فلان . فيقول : ((دَعُوهُ، إِن يَكُن فيه خَيْرٌ ، فَسَيَلحَقُكُم، وَإِن يَكُن غير ذلك فَقَد أَرَاحكُم الله منه )) . حتى قيل : يا رسول الله ، تخلف أبو ذر ، وأبطأ به بعيره . قال : وتلوَّم(٣) بعيرُ أبي ذرٍّ، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه، فجعلَه على ظهره، وخرجَ يتبعُ رسولَ اللهِوَّهِ. ونظر ناظرٌ، فقال: إن هذا الرجلُ يمشي على الطريق! فقال رسولُ الله: ((كُنْ أَبا ذَرٍ)). فلما تأَمَّله القومُ ، قالوا : هو والله أبوذر! فقال رسولُ اله ◌َ﴿ه: ((رَحِمَ اللهُ أَبَا ذَرٍ ، يَمْشِي وَحْدَه، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ )) . (١) أخرجه الطبراني (١٦١٨) والحاكم ٣ / ٣٤١، ٣٤٢ من طريق عمرو بن أبي سلمة ، عن صدقة بن عبد الله ، عن نصر بن علقمة ، عن محفوظ بن علقمة ، عن ابن عائذ ، عن جُبير بن نفير . وصدقة بن عبد الله ضعيف ، ضعفه غير واحد ، وقال الدارقطني: متروك ، ومع ذلك فقد صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي، وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٩ / ٣٢٧، وقال : رواه الطبراني بإسنادين أحدهما متصل الإسناد ورجاله ثقات . (٢) العجف : الهزال . (٣) تلوَّم : تلبث ومكث . ٦ ٥ فضرب الدهرُ من ضربه (١)، وسُيِّر أبو ذر إلى الرَّبَذَة. فلما حضرته الوفاةُ ، أوصى امرأَتَهُ وغُلامه ، فقال : إذا متُّ فاغسلاني وكفناني ، وضَعَاني على الطريق ، فأوَّل ركبٍ يَمْرُّون بكم فقولا : هذا أبوذَرّ . فلما مات فعلا به ذلك . فاطّلع ركبٌ ، فما علموا به حتى كادت ركائبهم تَوطَّأُ السريرَ . فإذا عبدُ الله بنُ مَسعود في رَهط من أهل الكوفة ، فقال : ما هذا ؟ قيل : جنازة أبي ذَرٍّ . فاستهلَّ ابنُ مَسعود يَبكي ، وقال : صَدَق رسولُ اللهِوَهِ: ((يَرَحَمُ اللهُ أَبَا ذَرٍ ! يَمْشِي وَحَدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ ، ويُبْعَثُ وَحدَهُ)) . فنزل فوليه بنفسه ، حتى أجنّه (٢) . شرِيك ، عن إبراهيم بنِ مُهاجر ، عن كُليب بن شهاب : سمعتُ أبا ذر يقول : ما تُؤيسُنِي رِقَةُ عَظْمي ، ولا بياضُ شَعري ، أن القی عیسی ابن (٣). مريم(٣) . وعن ابن سيرين : سألتُ ابنَ أُختٍ لأبي ذَرّ: ما تَرك أبو ذَر؟ قال : ترك أتانين ، وحماراً ، وأعنزاً ، وركائب(٤). يحيى بن سعيد الأنصاري : أخبرنا الحارثُ بنُ يزيد الحضرميُّ : أنَّ أبا ذَرّ سأل رسولَ الله الإمرة، فقال: ((إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّها خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ ، إِلاَّ (١) في النهاية : ضرب الدهر من ضربانه ، ويروى من ضربه أي مر من مروره وذهب بعضُه . (٢) إسناده ضعيف لضعف بريدة بن سفيان فقد ضعفه البخاري والنسائي ، وأبو داود ، وأحمد، والدار قطني، وذكره الحافظ في ((الإصابة)) ١٢٢/١١ عن ابن إسحاق وضعف سنده. (٣) ابن سعد ٤/ ٢٣٠ (٤) ابن سعد ٤/ ٢٣١. ٥٧ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدّى الذي عليه فيها)) (١) . أبو بكر بنُ أبي مريم ، عن حَبيب بن عُبيد ، عن غُضَيفِ بنِ الحارث ، عن أبي الدرداء ، قال: كان رسولُ الله ◌َهِ يَبتدئُّ أبا ذَرَّ إذا حضر ، وَيتفقدُه إذا غاب (٢) . فُضيل بن مرزوق ، حدثتني جبلةُ بنتُ مُصفَّح ، عن حاطب : قال أبو ذر : ما ترك رسولُ الله شيئاً مما صبَّه جبريلُ ومیکائیل في صدره ، إلا قد صَبَّه في صدري ؛ ولا ترکتُ شيئاً مما صبّه في صدري إِلاَّ قد صببتُه في صدر مالك ابن ضَمرة (٣) . هذا منكر . عبد الرحمن بن أبي الرِّجال: أخبرنا عمر مولى غُفْرة ، عن ابن كعب ، عن أبي ذر، عن النبي :﴿ه، قال: ((أوصاني بخمس: أَرْحَمُ المَسَاكِيْنَ وَأَجَالِسُهُمْ، وَأَنْظُرُ إلى مَن تَحتي ولا أنظُرُ إِلَىْ مَن فَوَقِي، وَأَنْ أَصِلَ الرَّحم وإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَن أَقُولَ الحقَّ وَإِن كَانَ مُرَّاً، وأن أقولَ: لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بالله)) (٤) (١) أخرجه ابن سعد من طریق خالد بن مخلد ، عن سلیمان بن بلال ، عن محیی بن سعید عن الحارث بن يزيد الحضرمي ، وهذا سند منقطع ، الحارث لم يسمع من أبي ذر . وأخرجه مسلم موصولاً (١٨٢٥) في الإمارة من طريق الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن بكر بن عمرو ، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن أبي حجيرة الأكبر عن أبي ذر . (٢) إسناده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم ، فإنه كان سُرِقَ بيته ، فاختلط . (٣) أخرجه الطبراني في «الكبير)) (١٦٢٤) وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٩/ ٢٣٠، وقال: فيه من لم أعرفهم، وقد تحرف في الأصل ((مصفح)) إلى ((مصفى)). (٤) ابن كعب: هو محمد القرظي، وهو في ((المسند)) ١٧٣/٥، وإسناده ضعيف لضعف عمر مولى غفرة وهو عمر بن عبد الله المدني . وأخرجه أحمد أيضاً ٥/ ١٥٩ من طريق عفان ، عن سلام أبي المنذر ، عن محمد بن واسع ، عن عبد الله بن الصامت ، عن أبي ذر، قال ... وسنده حسن ، وسيورده المصنف في الصفحة ٦٤ . ٥٨ الأعمش ، عن عثمان بن عُمير ، عن أبي حرب بن أبي الأسود : سمعتُ عبد الله بن عمرو: سمعتُ رسول اللهِوَ﴾ يقول: ((مَا أَقُلِّت الغَبرَاءُ ، ولا أَظَلَّتِ الخَضِرَاءُ مِن رَجُلٍ أَصدَقَ لَهِجَةً مِن أَبِي ذَرٍ ))(١). حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن بلال بن أبي الدرداء ، عن أبيه ، عن النبي ◌َله: مثله. وجاء نحوه لجابر، وأبي هُريرة. أبو أمية بن يعلى - وهو واه - عن أبي الزِّناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة، قال رسول الله وَله: ((مَن سَرَّهُ أَن يَنظُرَ إلى تَوَاضُعِ عِيسى ابنِ مَرْيَمْ، فَلينظُر إلى أبي ذَرّ)(٢). سَلَّم بن مسكين: أخبرنا مالكُ بنُ دينار: أن النبيَِّ ◌ِ قال: ((أَيُكُم يَلْقَانِي عَلَى الحَالِ الذي أُفَارِقُهُ عَلَيه؟)) فقال أبو ذر: أنا. فقال له النبيّ ◌َله : (( مَا أَظَلَّتِ الخَضِرَاءُ، وَلاَ أَقْلَّتِ الغَبرَاءُ عَلَى ذِي لَهجَةٌ أَصدَقَ مِن أَبي ذَرٍ! مَن سَرَّهُ أَن ينظُرَ إِلَى زُهدِ عِيسَى فَلَيَنظُرُ إِلَى أَبِي ذَرّ ))(٣). (١) حديث قوي بشواهده أخرجه الترمذي (٣٨٠١) وابن سعد ٢٢٨/٤، والحاكم ٣/ ٣٤٢، وابن ماجة (١٥٦)، وعثمان بن عمير ضعيف، وقد تحرف في ((المستدرك)) إلى عثمان بن قيس ، وباقي رجاله ثقات ، وحديث أبي الدرداء أخرجه ابن سعد ٢٢٨/٤، والحاكم ٣٤٢/٣ ، وعلي بن زيد هو ابن جدعان ضعيف، وباقي، رجاله ثقات، وأورده الهيثمي في «المجمع » ٣٢٩/٩ ، وزاد نسبته إلى البزار والطبراني ، وقال : وفيه علي بن زيد وقد وثق ، وفيه ضعف ، وبقية رجاله ثقات ، وحديث جابر لم أقف عليه . وحديث أبي هريرة أخرجه ابن سعد ٢٢٨/٤ ، وفي سنده أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف ، وباقي رجاله ، ثقات . وفي الباب عن أبي ذر عند الترمذي (٣٨٠٢) وحسنه ، والغبراء : الأرض ، والخضراء : السماء . واللهجة : اللسان والنطق . (٢) إسناده ضعيف لضعف أبي أمية بن يعلى كما قال المصنف ، وهو في طبقات ابن سعد ٢٢٨/٤ . (٣) ابن سعد ٢٢٨/٤، ورجاله ثقات ، إلا أنه منقطع. ٥٩ حَجَّاجِ بن محمد ، عن ابن جُرَيج : أخبرني أبو حرب بنُ أبي الأسود ، عن أبيه . ثم قال ابنُ جُرَيج ، ورجل عن زاذان ، قالا : سُئل عليٌّ عن أبي ذر ؛ فقال : وَعَى علماً عجز عنه، وكان شحيحاً على دينه ، حَرِيصاً على العلم، يكثرُ السؤال، وعجز عن كشف ما عنده مِن العلم (١). سُليمان بن المُغيرة ، عن حُمَيَد بن هلال : أخبرنا عبدُ الله بنُ الصامت ، قال : دخلتُ مع أبي ذَرٍّ في رهطمن غفار علی عثمان من باب لا يُدخل عليه منه - قال: وتخوّفَنا عثمانُ عليه - فانتهى إليه ، فسلّم ، ثم ما بدأه بشيء إلا أن قال : أَحسِيَتني منهم يا أميرَ المؤمنين ؟ والله ما أنا منهم ولا أدركُهم . ثم استأذنه إلى الرَّبَذَة(٢). يحيى بن سلمة بن كُهيل ، عن أبيه ، عن أبي إدريس ، عن المُسيَّبِ بن نَجَبَة، عن علي ، أنه قيل له: حدثنا عن أصحاب محمد له، حدثنا عن أبي ذر . قال: عَلم العلم، ثم أوكى، فَرَبَطَ عليه رِباطاً شديداً !(٣). أبو إسحاق ، عن هانىء بن هانئء : سمع علياً يقول : أبو ذر وعاءً مُلىٌّ علماً ، أوكى عليه ، فلم يخرجْ منه شيءٌ حتى قُبض . عن أبي سلمة، مرسلاً: أن النبيِّ ◌َ﴿ِ قال: ((اللهم اغْفِرِ لأبي ذَرٍّ وتُب عَلَيهِ » . ويُروى عن النبيِوَّهِ: ((إِنَّه لَم يَكُن نَبِيُّ إِلَّ وَقَد أُعطِيَ سَبَعَةَ رُفَقَاء (١) ابن سعد ٤/ ٢٣٧. (٢) أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٣٢/٤، ورجاله ثقات . (٣) يحيى بن سلمة بن كهيل متروك . وأوكى : شد عليه بالوكاء ، وهو ما يشد به فمُ السقاء أو الوعاء . ٦٠