Indexed OCR Text

Pages 21-40

عزيزاً مُكرماً في مُروءةٍ وحِشمة إلى أن تُوفي - رحمه الله تعالى - في خامسٍ
شوال سنة ثمانٍ وأربعين وأربع مئة بنيسابور .
وفيها مات شيخُ الشافعية مع القاضي أبي الطيب ، أبو سعيدٍ أحمدُ بنُ
محمدِ بنِ نُمير الخُوارَزْمِيْ الضرير(١)، والفقيهُ عبدُ الله بن الوليدِ الأندلسي(٢)
بمصر ، والزاهد أبو حفصٍ بنُ مسرور(٣) ، وعليُّ بنُ إبراهيمَ الباقلاني (٤)،
وأبو الحسن بنُ الطَّفَّال(٥)، والزاهدُ محمدُ بن الحسين ابنِ التَّرْجُمان(٦)
بِغَزة ، وأبو بكرٍ محمدُ بنُ عبد الملك بن بشران(٧)، والمفتي أبو الفرّج محمدُ
ابنُ عبد الواحدِ الدارميُّ الشافعي (٨).
١٤ - الخَوْلَاني *
الإِمامُ المحدّثُ ، الثّبْتُ ، أبو عبد الله ؛ محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبد
الرحمنِ بنِ عُثمانَ بنِ سعيد بن غَلْبونَ الخَولانِيُّ ، القُرطبيُّ ؛ والد المسند
أبي عبد الله أحمد بن محمد .
كان أحدَ عُلماءِ الأَثَرِ بقُرطبة .
حدث عن : أبيه ، وعمِّه أبي بكر ، وأبي محمد بنِ أسد ، وأحمدَ بنِ
(١) تقدمت ترجمته برقم (٦).
(٢) مرت ترجمته في الجزء السابع عشر برقم (٤٤٧).
(٣) تقدمت ترجمته برقم (٨).
(٤) مرت ترجمته في الجزء السابع عشر برقم (٤٥٤).
(٥) مرت ترجمته في الجزء السابع عشر برقم (٤٥٦) .
(٦) سترد ترجمته برقم (٢٢).
(٧) سترد ترجمته برقم (٢٧).
(٨) سترد ترجمته برقم (٢٤) .
(*) الصلة ٥٣٥/٢ - ٥٣٦.
٢١

القاسم التَّاهَرْتِي ، وأبي عمر بنِ الجَسُور، وأبي عمر أحمدَ بنِ عبد الله
الباجي، وأبي عبد الله بن أبي زَمَنِين، وأبي المُطَرِّف بن نُطَيس ، وخلق .
وكان مَعْنيًّا بالحديث وجمعِه، ثقةً ثَبْتاً، صَيِّناً ، خَيِّراً. عاش سنًّا
وسبعينَ سنة(١). روى عنه ولدُه وجماعة .
تُوفي سنةَ ثمانٍ وأربعين(٢) .
١٥ - ابن الصبَّاغ *
مُفتي الشافعية ، أبو طاهر ؛ محمدُ بنُ عبد الواحد بن محمد
البغداديُّ ، البِّعُ ، ابنُ الصّاغ .
سمع أبا حفص بنَ شاهين ، والمعافى بنَ طَرارا(٣)، وابنَ حَبابَة (٤)،
وعِدة .
وتفقُّه بالشيخ أبي حامد .
وتفقّه عليه ولدُه أبو نصر(٥)؛ صاحبُ ((الشامل )).
قال الخطيب(٦): كتبنا عنه ، وكان ثقة ، له حَلْقةٌ للفتوى ، مات في
(١) ((الصلة)) ٥٣٦/٢.
(٢) أي : وأربع مئة .
(*) تاريخ بغداد ٣٦٢/٢ -٣٦٣، الأنساب ٣٧٢/٢، اللباب ١٩٩/١، الوافي بالوفيات
٦٣/٤، طبقات السبكي ١٨٨/٤ - ١٨٩، طبقات الإسنوي ١٣١/٢ -١٣٢. وسيعيد المؤلف
ترجمته في الصفحة (٤٦٦) عند ذكر ولده .
(٣) هو القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا النهرواني الجريري ، ويعرف بابن طرارا ، المتوفى
سنة (٣٩٠) هـ، وقد مرت ترجمته في الجزء السادس عشر رقم (٣٩٨).
(٤) هو أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن إسحاق البغدادي المتّوثي المعروف بابن حَبّابة ،
المتوفى سنة (٣٨٩) هـ، وقد مرت ترجمته في الجزء السادس عشر رقم (٤٠٠).
(٥) سترد ترجمته برقم (٢٣٨) فانظرها ثمَّ .
(٦) (( تاريخ بغداد)) ٣٦٢/٢ .
٢٢

ذي القَعدة ، سنة ثمانٍ وأربعين وأربعٍ مئة .
قلتُ : وروى عنه أُبيِّ النّرسِيُّ .
١٦ - أبو العلاء *
هو الشيخ العلامة ، شيخُ الآداب ، أبو العلاء ؛ أحمدُ بنُ عبد الله بنِ
سلیمانَ(١) بنِ محمدِ بنِ سلیمانَ بنِ أحمدَ بنِ سلیمان بن داود بن مُطهّرٍ بن زیادِ
ابن ربيعةَ بنِ الحارثِ(٢) بن ربيعةَ بنِ أنورَ(٣) بنِ أرقمَ (٤) بنِ أُسحمَ بنِ
(١) تتمة اليتيمة ٩/١، تاريخ بغداد ٢٤٠/٤ - ٢٤١، دمية القصر ١٥٧/١ - ١٦٥،
الأنساب ٩٠/٣ - ٩٣ (التنوخي) و(المعري)، فهرست ابن خير: ٣٤٣، نزهة الألبا : ٣٥٣ -
٣٥٤، المنتظم ١٨٤/٨ -١٨٨، معجم البلدان ١٥٦/٥، معجم الأدباء ١٠٧/٣ -٢١٨، الكامل
في التاريخ: ٦٣٦/٩ - ٦٣٧، اللباب ٢٢٥/١ (التنوخي) و٢٣٤/٣ (المعري)، إنباه الرواة
٤٦/١ -٨٣، الإنصاف والتحري لابن العديم، وفيات الأعيان ١١٣/١ - ١١٦، المختصر في أخبار
البشر ١٧٦/٢ - ١٧٧، تاريخ الإسلام م ١١/ قسم ٣/ ٤٦١ - ٤٧٠، العبر ٢١٨/٣، دول الإسلام
٢٦٤/١، ميزان الاعتدال ١١٢/١، تتمة المختصر ٥٣٩/١ -٥٤٧، مسالك الأبصارم ٢/١٠/
٢٨٢ - ٣١٩، الوافي بالوفيات ٩٤/٧ -١١١، نكت الهميان: ١٠١ - ١١٠، مرآة الزمان حوادث
سنة ٤٤٩، مرآة الجنان ٦٦/٣ - ٦٩، البداية والنهاية ١٢ /٧٢ - ٧٦، روض الناظر لابن الشحنة
١٦١/٨، طبقات النحويين واللغويين لابن قاضي شهبة: ١٦٩ - ١٨١، لسان الميزان ٢٠٣/١ -
٢٠٨، عقد الجمان للعيني ٢٠/١ / ١٤٠ - ١٤٨، النجوم الزاهرة ٦١/٥ - ٦٢، بغية الوعاة
٣١٥/١ - ٣١٧، مفتاح السعادة ٢٣٧/١ - ٢٣٨، معاهد التنصيص ١٣٦/١ - ١٤٥، شذرات
الذهب ٢٨٠/٣ - ٢٨٢، كشف الظنون ٤٦/١ و٨٥ وغيرها، نزهة الجليس ٢٧٨/١ - ٢٨٤،
روضات الجنات : ٣٣ - ٧٥، إيضاح المكنون ٤٢٧/٢، هدية العارفين ٧٧/١ ، اعلام النبلاء
٧٧/٤ و١٨٠ و٣٧٨. وانظر ((تعريف القدماء بأبي العلاء)) الذي نشرته وزارة الثقافة المصرية بتحقيق
عدد من الأساتذة .
(١) من هنا إلى لفظ ((سليمان)) الثالث سقط من ((معجم الأدباء))، وفي ((تتمة المختصر)) سقط
من لفظة ((سليمان)) الثانية إلى الثالثة .
(٢) قوله: ((ابن الحارث)) سقط من ((النجوم الزاهرة)).
(٣) في ((تاريخ بغداد)) أيوب بدل ((أنور)).
(٤) في (( معجم الأدباء )) : أرقم بن أنور .
٢٣

النعمانِ - ويلقب بالساطع لجماله - ابن عدي بنِ عبدٍ غطفان(١) بن عمرٍو
ابنِ (٢) بَرِيحٍ (٣) بن جَذِيمة (٤) بن ثَّيْم [اللهِ] (٥) ؛ الذي هو مجتمع
تَنْوخ (٦) بنِ أسدٍ بن وَبْرَةَ بن تَغْلب(٧) بن حُلوانَ بنِ عِمران بن الحافِ(٨)
ابن قُضاعة بن مالكِ بنِ عمرٍو بنِ مرةً بن زيدِ بنِ مالك بن حِمْيرَ بن سبأ بن
يَشْجُبَ بنِ يَعْرُبَ بنِ قحطان بنٍ عامٍ ؛ وهو هُود عليه السلام ، القحطانيُّ ،
ثم التّنُوخِي المَعَريَّ الأعمى ، اللُّغوي ، الشاعرُ ، صاحبُ التصانيفِ
السائرة ، والمُتَّهَمُ فِي نِحْلَتِهِ .
وُلد في سنة [ثلاثٍ](٩) وستينَ وثلاثٍ مئة .
وأضرّ بالجُدَريِّ وله أربعُ سنين وشهر ؛ سالتْ واحدةٌ ، وابيضّتِ
اليُمنى، فكان لَا يذكُّر من الألوان إلا الأحمرَ، لثوبٍ أحمرَ ألبسوه [إياه] (١٠)
(١) في ((إنباه الرواة)): بن غطفان، بدون ((عبد)).
(٢) في الأصل تكرار كلمة ( ابن ) وهو خطأ .
(٣) في الأصل: سريج، وهو خطأ، وفي ((معجم الأدباء)): يربح، وفي ((تتمة
المختصر)) : شريح ، وكلاهما خطأ أيضاً .
(٤) في ((معجم الأدباء)) و((الوافي بالوفيات)) و((البداية والنهاية)) و((النجوم الزاهرة)»:
خزيمة، وهو خطأ. انظر ((الصحاح)) و((تاج العروس)) ٢٢٣/٨ مادة ((جذم)).
(٥) ما بين معقوفتين مستدرك من بقية المصادر .
(٦) تحرفت في ((الوافي بالوفيات)) إلى: ((يجتمع بنوح)).
(٧) في الأصل: ثعلب، ومثله في ((تاريخ بغداد)) و((الوافي بالوفيات)) وهو خطأ ،
والتصويب من (( جمهرة أنساب العرب)) ص : ٤٥٣ .
(٨) قال أبوذر الخشني في ((شرح السيرة)) لابن هشام ٥/١ : الحاف ، منهم من يكسر همزته
ويقطعها ، كأنه سمي بمصدر ألحف في المسألة : إذا بالغ فيها ... ومنهم من يجعل الألف واللام فيه
للتعريف بمنزلة اسم الفاعل فهو من حفي يحفى . وعلى الوجه الأخير حذفت ياؤهاجتزاء بالكسرة ، كما
تقول في العاصي: العاص. ((أمالي ابن الشجري) ٧٣/٢ .
(٩) ساقطة من الأصل ، واستدركت من مصادر ترجمته .
(١٠) زيادة يقتضيها السياق .
٢٤

وقد جُدِّر، وبقي خمساً وأربعين سنة لا يأكلُ اللحم تزهُّداً فلسفيًّا(١).
وكان قَنوعاً مُتَعففاً ، له وَقْفٌ يقومُ بأمره ، ولا يَقبلُ من أحدٍ شيئاً ، ولو
تكسَّبَ بالمديح ، لحصَّلَ مالاً ودُنيا ، فإن نظمه في الذُّروة ، يُعَدُّ مع المتنبي
والبُحْتُري .
سمع جُزءاً من يحيى بن مِسْعَر ، رواهُ عن أبي عَروبة الحرَّاني .
وأخذ الأدبَ عن بني كوثر ، وأصحاب ابنٍ خالويه (٢)، وكان يَتوقَّدُ
ذکاء .
ومِنْ أَرْدَإٍ تواليفه ((رسالةُ الغفران)» في مجلد(٣) ، قد احتوت على
مَزْدَكَةٍ وفراغ، و((رسالة الملائكة))(٤)، ورسالة ((الطير)) على ذلك
الأنموذج، وديوانه ((سقط الزند))(٥) مشهور، وله ((لزوم ما لا يلزم))(٦) من
نظمه ، وكان إليه المنتهى في حفظ اللغات .
(١) انظر الخبر بأطول مما هنا في ((إنباه الرواة)) ٤٩/١، وانظر ((المنتظم)) ١٨٤/٨، و
((معجم الأدباء) ١٢٥/٣.
(٢) هو الأستاذ أبو عبيد الله الحسين بن أحمد الهمذاني النحوي اللغوي ، المتوفى سنة
(٣٧٠) هـ. مترجم في ((إنباه الرواة)) ٣٢٤/١، و((بغية الوعاة)) ٥٢٩/١، و((وفيات الأعيان))
١٧٨/٢ -١٧٩، (الفهرست)) ٨٤، «يتيمة الدهر)) ١٠٧/١-١٠٨، «معجم الأدباء))٢٠٠/٩ -
٢٠٥، ((نزهة الألبا)): ٣١١ -٣١٢، «اعلام النبلاء» ٥٤/٤ -٥٦، «طبقات ابن قاضي شهبة»
٣١٧/١ - ٣١٩، ((مرآة الجنان)) ٣٩٤/٢، «البداية والنهاية)) ٢٩٧/١١، ((النجوم الزاهرة)»
١٣٩/٤، ((تلخيص ابن مكتوم)) ٦٢ .
(٣) كتبها إلى الشيخ علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح جواباً عن رسالة بعث بها إليه .
(٤) طبعت بتحقيق وشرح العلامة محمد سليم الجندي ، عضو المجمع العلمي العربي
بدمشق .
(٥) وهو ديوان شعر تزيد أبياته على ثلاثة آلاف بيت ، وهو مطبوع مع شروح عدة لأئمة اللغة
والأدب ، بعناية وزارة الثقافة والإِرشاد القومي في مصر عام ١٩٤٥ وبتحقيق لجنة من الأساتذة .
(٦) ويعرف أيضاً باللزوميات ، وقد بين في مقدمته القوافي ولوازمها ، ومعنى لزوم ما لا
يلزم ، وهو مطبوع متداول .
٢٥

ارتحل في حدود الأربعِ مِئة إلى طرابلس وبها كتب كثيرةٌ ، واجتاز
باللاذقية ، فنزل ديراً به راهبٌ متفلسفٌ ، فدخل كلامُه في مسامع أبي
العلاء ، وحَصَلتْ له شكوكٌ لم يكن له نورٌ يدفعُها ، فحصلَ له نوعُ انحلالٍ
دلَّ عليه ما يَنظمه ويَلهج به. ويقال: تاب من ذلك وارعوى(١).
وقد سارت الفضلاءُ إلى بابه ، وأخذوا عنه .
وكان أخذ اللُّغة عن أبيه ، وبحلبَ عن محمدٍ بن عبد الله بنِ سعدٍ
النحوي .
وكانت غَلَّتُه في العام نحو ثلاثين ديناراً ، أفرز منها نِصْفَها لمن
يخدمه .
وكان غذاؤُه العَدَسَ ونحوه ، وحلواه التين ، وثيابُه القطن ، وفراشه
لِبّادٌ وحصير بَرْدِي(٢) ، وفيه قوةُ نفس، وتَرْكٌ لِلْمِنَنِ ، عُورِضَ فِي وَقْفِه ،
فسافر إلى بغداد يَتظلّم في سنة تسعٍ وتسعين ، وحدَّث بها بسَقط الزّند(٣).
يقال : کان یحفظُ كلَّ ما مرَّ بسمعِه ، ويُلازم بيته ، وسمی نفسه رهن
المَخْبِسَيْنِ ؛ للزومِه منزلَه وللعمى ، وقال الشعرَ في حداثته ، وكان يُملي
تصانيفه على الطَّلَبةِ من صَدره(٤) .
خرج صالح بنُ مرداس ملك حلب(٥) ، فنازل المعرّةَ يُحاصرها ،
(١) الخبر بنحوه في ((إنباه الرواة»٤٩/١. وانظر ما كتبه الأستاذ العلامة محمود شاكر في كتابه
العظيم ((أباطيل وأسمار)) في نقد هذا الخبر وابطاله ص ٣٢ - ٨٠ .
(٢) البّرْدِي: نبات تصنع منه الحصر، واحدته بَرْديَّة ، ويعرف في بلاد الشام (( معجم متن
اللغة )) .
٠٠
(٣) انظر ((إنباه الرواة)) ٤٩/١ - ٥٠.
(٤) ((معجم الأدباء)) ١٢٤/٣.
(٥) مرت ترجمته في الجزء السابع عشر برقم (٢٣٦).
٢٦

ورماها بالمجانيق ، فخرج إليه أبو العلاء يتشفَّع ، فأكرمه ، وقال : ألكَ
حاجة ؟ قال : الأميرُ - أطال اللَّهُ بقاءَه - كالسيف القاطع ، لان مسُّه، وخَشُن
حدُّه، وكالنهار الماتِع(١) قاظ (٢) وسطُه، وطاب أبْرداء(٣) ﴿خُذِ العَقْوَ وَأُمُرْ
بالعُرْفِ وأَعْرِضْ عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] فقال: قد وهبتُك
المعرةَ ، فأنشِدْنا من شعرِكَ . فأنشدهُ على البديهِ أبياتاً ، وترحّل صالحٌ (٤).
كان لأبي العلاء خَلوةٌ يدخُلها للأكلِ ، ويقولُ : الأعمى عورة ،
والواجبُ استتارُه . فأكل مرّةً دُبساً ، فنقط على صدرِه منه ، فلما خرج
للإفادة ؛ قيل له : أكلتُم دُبساً ؟ فأسرع بيده إلى صدره ، فمسحه وقال :
نعم ، لعنَ اللَّهُ النَّهم . فعجبوا من ذكائه ، وكان يعتذر إلى من يرحل إليه ،
ويتأوَّه لعدم صلته(٥) .
قال الباخَرزي(٦): أبو العلاء ضريرٌ ماله ضريب(٧)، ومكفوفٌ في
قميص الفضل ملفوف ، ومَحجوبُ خصمه الألد محجوج ، قد طال في
ظل (٨) الإِسلام آناؤه، ورشَح(٩) بالإلحاد إناؤُه، وعندنا [خَبرُ بصرِه، واللّهُ
العالم ببصيرته والمطّلعُ على سريرته، وإنما تحدَّثتِ الألسُنُ](١٠) بإِساءته
(١) الماتع: المرتفع، قال في ((القاموس)): متع النهار: ارتفع قبل الزوال. وفي الأصل
(( المانع)) وهو خطأ .
(٢) قاظ من القيظ ، وهو شدة الحر.
(٣) أبرداه: أي طرفاه، وهما الغداة والعشي. وفي الأصل ((إيراده)).
(٤) الخبر في ((إنباه الرواة)) ٥٣/١ - ٥٤، وانظر ((معجم الأدباء)) ٢١٦/٣ - ٢١٧.
(٥) ((إنباه الرواة)) ٥٥/١.
(٦) ((دمية القصر)) ١٧٥/١.
(٧) في ((الدمية)): ما له في أنواع الأدب ضريب .
(٨) في الدمية : ظلال .
(٩) في ((دمية القصر)) : ولكن ربما رشح.
(١٠) ما بين معقوفتين زيادة من ((الدّمية)).
٢٧

بكتابه (١) الذي عارض به القرآن، وعنونه بـ ((الفصول والغايات في محاذاة
السور(٢) والآيات)).
وقال غَرسُ النِّعمة محمدُ بنُ هلال بن المُحَسّن(٣): له شِعرٌ كثير،
وأدب غزير ، ويُرمى بالإلحاد ، وأشعارُه دالةٌ على ما يُزَنُّ (٤) به ، ولم يَأكل
لحماً ولا بيضاً ولا لَبْناً، بل يقتصر على النبات، ويُحرِّمُ إيلامَ الحيوان ،
ويُظهر الصوم دائماً . قال : ونحن نذكُر مما رُمي به فمنه(٥) :
لإيقاظِ النَّواظِرِ مِنْ كَرَاهَا
قِرانُ المُشْتَرِي زُحَلا يُرَجَّى
وخُلِّفتِ النُّجومُ كما تَراهًا
تَقضِّی الناسُ جيلاً بعدَ چِیلٍ
وأوقعَ بِالخَسَارِ مَنِ اقْتَراها
تَقدَّم صاحبُ التوراةِ موسی
وقال الآخرُون: بلِ اقتّراها
فقال رِجَالُهُ(٦): وَحْيٌ أَتَاهُ
كؤوسُ الخَمرِ تُشْرَبُ فِي ذُرَاها
وما حَجِّي (٧) إلى أحجَارٍ بَيْتٍ
تهاوَنَ بالمذاهبِ وازْدَراها
إذا رَجَع الحكيمُ(٨) إلى حِجاهُ
(١) عند الباخرزي : لكتابه الذي زعموا أنه عارض به ...
(٢) في إحدى نسخ ((الدمية)): ومحاذاة السور، وفي غيرها: محاذاة للسور، وفي
أخرى : في معارضة السور . وحول تسمية الكتاب بهذا الاسم والخلاف حوله انظر مقدمة الكتاب
نفسه ، حيث سماه المحقق : الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ . طبعة دار الآفاق
الجديدة . تحقيق محمود حسن زناتي .
(٣) هو أبو الحسن محمدُ بن هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابىء، الملقب بغرس
النعمة المتوفى سنة (٤٨٠) هـ، ذيَّل على ((تاريخ)) والده الذي ذيله على ((تاريخ)) ثابت بن
سنان ، و « تاریخ ) ثابت هو ذیل علی ( تاريخ )) ابن جرير
(٤) أي : يُتْهُمُ .
(٥) الأبيات في ((اللزوم)) ٦٢٢/٢ - ٦٢٣ بتقديم وتأخير.
(٦) في ((اللزوم)): وقال .
(٧) في (( اللزوم)): وما سيري.
(٨) في ((اللزوم)): الحصيف .
٢٨

وله (١) :
فاحْكُم إلهي بينَ ذَاكُ وبَيني
صَرْفُ الزمانِ مُفَرِّقُ الإِلْفَينِ
وبَعَثْتَ أنتَ لِقَبْضِها مَلَكِيٍ
أَنَهِيْتَ عَنْ قَتْلِ النُّفوس تعمُّداً
وزَعِمْتَ أَنَّ لها معاداً ثانياً
ما كان أَغناها عنِ الحالَيْنِ
وله(٢) :
عُقولٌ تَستَخِفُّ بها سُطورٌ(٣)
كتابُ محمدٍ وكتابُ مُوسى
ومنه(٤) :
هَفَتِ الحنيفةُ والنَّصارى ما اهتدَتْ
رَجُلانِ أهلُ الأرض: هذا عاقلٌ
ومنه(٥) :
صَدقتُمُ هكذا(٦) نقولُ
قُلْتُمْ لنا خالقٌ قديمٌ
ولا مكانٍ ألا فقولوا
زَعمتمُوهُ بلا زمانٍ
مَعناهُ ليستْ لكم عُقُولُ
هذا كلامٌ له خَبِيءٌ
(١) الأبيات مما لم يُروفي الديوانين .
(٢) «اللزوم) ٤٤٣/١ .
(٣) في ((اللزوم)): أمور تستخف بها حُلوم .
(٤) (( اللزوم)) ٣٠١/٢، وقد ورد البيت الثاني فيه هكذا :
دين ، وآخر ديِّن لا عقل له
اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا
(٥) ((اللزوم)) ٢٧٠/٢.
(٦) في ((اللزوم)): كذا بدل هكذا .
٢٩
ولا يَدري الفتى لمنِ الثُّبورُ
وإنجيلُ ابنٍ مَرِيمَ والزَّبُورُ
ويهودُ حارتْ والمجوسُ مُضَلَّلَةْ
لا دينَ فيه ودَيِّنَ لا عَقْلَ لَهْ

ومنه (١):
دينٌ وكفرٌ وأنباءٌ تقال وفُر
في كلِّ جيلٍ أباطيلٌ يُدانُ بها
فَأَجَبْتُه :
قانٌ يُنَصُّ وَتَوراةٌ وإِنجِيلُ
فهل تفرَّد يوماً بالهُدىْ جِيْلُ
فزادَكَ اللَّهُ ذُلاّ يا دُجَيْجِيلُ
نَعَمْ أبو القاسمِ الهادي وأُمَّتُهُ
ومنه (٢) لُعِنَ :
فلا تَحْسَبْ مَقالَ الرُّسْلِ حقّاً
وكان الناسُ فِي عَيْشٍ رَغيدٍ
ومنه (٣) :
ولكنْ قَولُ زُورٍ سَطَّرُوهُ
فَجَاؤُوا بالمُحال فكَدَّرُوهُ
كسبُ الفوائِدِ لا حُبُّ الِّلاواتِ
وإنما حَمَّلَ التوراةَ قارئها
للعُربِ إلّ بأحكامِ النّبواتِ
وهل أبِيحَثْ نِساءُ الرُّومِ(٤) عَنْ عُرُضٍ)
أنشدتنا فاطمةُ بنتُ علي كتابة ، أخبرنا فَرْقَدُ الكِناني ، سنة ثمانٍ وست
مئة ، أنشدنا السِّلَفي ، سمعتُ أبا زكريا التبريزي (٦) يقولُ: لما قرأتُ على
أبي العلاء بالمعرَّة قوله (٧) :
(١) «اللزوم)) ٢٦٨/٢، وفيه: وأنباء تُقَصُّ، بدل ((تُقال)).
(٢) الأبيات مما لم يُرو في الديوانين .
(٣) («اللزوم)) ٢٢٨/١.
(٤) في ((اللزوم)): ((القوم)) بدل ((الروم)).
(٥) في ((القاموس)): ويضربون الناس عن عُرض: لا يبالون من ضربوا . وفي الأصل :
غرض بالغين المعجمة .
(٦) في الأصل: أبا بكر الهريري وهو تحريف ، والمثبت من ترجمة أبي العلاء في (( تاريخ
الإِسلام)» للمؤلف ، المطبوعة في «تعريف القدماء بأبي العلاء)).
(٧) ((اللزوم)) ٣٨٦/١.
٣٠
،و
۔۔۔

وأن نَعُوذَ بمَولانا مِنَ النّارِ
تناقُضُ ما لَنا إلا السُّكوتُ لَهُ
ما بالُها قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينارِ؟
يَدّ بخمسٍ مِی؛(١)من عَسْجَدٍ وُدِیَتْ
سألتُه ، فقال : هذا كقول الفقهاء : عبادة لا يُعقَّلُ مَعناها .
قال كاتِبُه : لو أراد ذلك؛ لقال: تَعَبُّدٌ . ولما قال: تناقضٌ. ولَمَا
أُردقَه ببیتٍ آخر یَعترِضُ علی ربه .
وبإسنادي قال السِّلَفي : إن كان قاله مُعْتَقِداً معناه ، فالنارُ ماواه ، وليس
له في الإِسلام نصيب . هذا إلى ما يُحكى عنه في كتاب ((الفصول والغايات))
فقيل له : أين هذا من القرآن ؟ فقال: لم تَصْقُلْهُ المحاريب أربعَ مِئةٍ سنة .
وبه قال : وأخبرنا الخليلُ بنُ عبد الجبار بقَزوين وكان ثقةً ، حدثنا أبو
العلاء بالمعرة ، حدثنا أبو الفتح محمدُ بنُ الحسين ، حدثنا خَيْئَمةُ ، فذكر
حديثاً .
ثم قال السِّلَفي : ومن عجيب رأي أبي العلاء تركُه أكلَ ما لا يَنْبُتُ حتى
نُسِبَ إلى التَّبَرْهُم، وأنه يرى رأيَ البراهمةِ (٢) في إثبات الصانعِ وإنكارٍ
الرسل ، وتحريم إيذاء الحيواناتِ ، حتى العقاربِ والحيات ، وفي شِعره ما
يَدُلُّ عليه وإن كان لا يَسْتَقِرُّ به قرار، فأنشدني أبو المكارم الأسدي ، أنشدنا
أبو العلاء لنفسه(٣):
أَقَرُّوا بالإِله وأَثْبَتُوه
وقالوا : لا نبيّ ولا کتابُ
(١) في ((اللزوم)) ٥٤٤/١ : بخمس مثين عسجد . ومىء بميم مكسورة وهمزة منونة : من
جموع المئة .
(٢) قال الجوهري: البراهمة قوم لا يجوزون على الله بعثة الرسل. ((الصحاح)):
( برهم ) .
(٣) ((اللزوم)) ٩٩/١.
٣١

رُوَيْدَكُمُ فقد طال(٢) العِتابُ
ووطءُ بناتنا چِلَّ(١) مُباحٌ
ولو سَمِعُوا صَلِيلَ السَّيْفِ تَابُوا
تمادوا في الضلال فلم(٣) يتوبوا
قال : وأنشدنا أبو تمام غالبُ بنُ عيسى بمكة ، أنشدنا أبو العلاء
المعري لنفسه (٤):
وما أَمْسَكَتْ كَفِّ ◌ِشِنْيِ عِنَانٍ
أَتْنِي مِن الإِيمان ◌ِتُّونَ حِجَّةٌ
وما مسَّنِي من ذاك رَوْعُ جَنّانِ
ولا كَانَ لِي دارٌ ولا رُبْعُ منْزلٍ
فهانَتْ عليَّ الأرضُ والثْقَلانِ
تذكّرتُ أني مالكٌ وابنُ مالكٍ
وبه : قال السِّلفي : ومما يَدُلُّ على صحة عقيدته ما سمعتُ الخطيب
حامدَ بن بختيار، سمعتُ أبا المهدي(٥) بن عبد المنعم بن أحمد
السَّرُوجي ، سمعتُ أخي أبا الفتح القاضي يقولُ : دخلتُ على أبي العلاء
التنوخي بالمعرة بَغْتَّةً ، فسمعتُه يُنشد (٦):
كم غُودِرَتْ(٧) غَادَةٌ كَعَابٌ وعُمِّرت أُمُّها العَجوزُ
والقبرُ حِرْزٌ لها حَرِيزٌ
أحرَزَها الوالِدَانِ خوفاً
والخُلْدُ فِي الدَّهرِ لا يَجوزُ
يجوزُ أن تُخْطِىءِ(٨) المنایا
ثم تَأْوَّه مرات ، وتلا قولَه تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذُلكَ لَآيَةٌ لِمَنْ خَافَ عَذابَ
(١) في الأصل: ((كل)) والمثبت من ((اللزوم)).
(٢) في ((اللزوم)): بطل .
(٣) في ((اللزوم)): تمادوا في العتاب ولم ...
(٤) الأبيات مما لم يُرو في الديوانين .
(٥) في ((تعريف القدماء)) ١٩٩ نقلًا عن نص ((تاريخ الإِسلام)): أبا المهذب .
(٦) هذه الأبيات من شعره في «ملقى السبيل)).
(٧) في ((ملقى السبيل)): هلكت، وقد أثبت محققو ((تعريف القدماء)) ١٩٩: بودرت.
(٨) في ترجمته من ((تاريخ الإسلام)) المنشورة في ((تعريف القدماء)) ١٩٩: تبطىء.
٣٢

الآخِرةِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٥]. ثم
صاح وبكى ، وطرح وجهه على الأرض زماناً ، ثم مَسح وجهَه ، وقال :
سُبحان مَنْ تكلَّم بهذا في القِدَم ! سُبحان مَنْ هذا كلامُه ! فصبرتُ ساعةً ، ثم
سَلَّمْتُ ، ثم قلتُ : أرى فِي وَجْهِكَ أَثَرَ غيظٍ ؟ قال : لا ، بل أنشدتُ شيئاً من
كلام المخلوق ، وَتَلوتُ شيئاً مِن كلام الخالق ، فَلَحِقَني ما ترى . فتحققت
صحة دينه .
وبه : قال السِّلَفي : سمعتُ أبا زكريا التبريزي يقول: أَفضلُ من قرأتُ
عليه أبو العلاء (١) . وسمعت أبا المكارم(٢) بأبهر - وكان من أفراد الزمان -
يقولُ: لما تُوفي أبو العلاء اجتمع على قبره ثمانون شاعراً(٣)، وخُتِمَ في
أسبوعٍ واحد مئتا ختمة . إلى أن قال السِّلَفي : وفي الجملة فكان مِن أهل
الفضل الوافر ، والأدبِ الباهر ، والمعرفةِ بالنسب وأيامِ العرب ، قرأ القرآنَ
بروايات ، وسَمِعَ الحديثَ على ثقات ، وله في التوحيد وإثبات النبوات ، وما
يَحْضُّ على الزهد ، وإحياء طرق الفتوة والمروءة شعرٌ كثير ، والمُشكل منه ،
فله على زَعمه تفسير .
قال غَرْسُ النِّعمة : حدثنا الوزيرُ أبو نصر بنُ جَهِير، حدثنا المَنازي
الشاعر(٤) قال: اجتمعتُ بأبي العلاء، فقلتُ: ما هذا الذي يُروى عنك؟ قال:
(١) في ترجمته من ((تاريخ الإسلام)) المنشورة في ((تعريف القدماء)) ٢٠٠ : أفضل من
رأيته ممن قرأت عليه أبو العلاء .
(٢) هو عبد الوارث بن عبد المنعم الأبهري ، أحد الأدباء الفضلاء تلميذ لأبي العلاء
المعري ، وقرأ عليه الأدب ، والأبهري نسبة إلى أبهر ، وهي موضعان : أحدهما بلدة بالقرب من
زنجان والمذكور منسوب إليها، والثانية قرية من قرى أصبهان. انظر ((الأنساب)) ١٢٦/١.
(٣) الخبر إلى هنا في ((المنتظم، ١٨٨/٨.
(٤) هو أبو نصر أحمد بن يوسف الكاتب الوزير ، المتوفى سنة (٤٣٧) هـ . وقد مرت
ترجمته في الجزء السابع عشر برقم (٣٨٩).
٣٣
سير ٣/١٨
ط
:

حسدوني ، وكذبُوا علي . فقلتُ : على ماذا حسدوك ، وقد تركتَ لهم الدنيا
والآخرة ؟ فقال : والآخرة ؟! قلتُ : إي والله.
ثم قال غَرس النعمة : وأذكرُ عند ورود الخبر بموته وقد تذاكرنا
إلحادَه ، ومعنا غلامٌ يُعْرَفُ بأبي غالب بن نَّبْهان من أهل الخير والفقه ، فلما
كان من الغد ، حكى لنا قال : رأيتُ البارحة شيخاً ضريراً على عاتقه أفعيان
متدلِّيَان إلى فَخِذَيهِ ، وكُلَّ منهما يَرْفَعُ فَمَهُ إلى وجهه ، فيقطع منه لحماً ،
ويَزْدَرِدُه ، وهو يَستغيثُ، فهالَني ، وقلتُ : مَنْ هذا؟ فقيل لي : هذا أبو
العلاء المعري المُلْحِد(١).
ولأبي العلاء(٢).
مَعَ ابْنِ زَوْجٍ لَهَا ولا خَتَنٍ
لَا تَجْلِسَنْ حُرَّةٌ موفَّقَةٌ
إِنْسَانِ إِنَّ الفتى مِنَ الفِتْنِ(٣)
فَذَاكَ خَيْرٌ لَهَا وأُسْلَمُ لِذْ
أنشدنا أبو الحسين الحافظ بَبَعْلَبَك، أنشدنا جعفرُ بنُ علي ، أنشدنا
السِّلَفي، أنشدنا أبو المكارم عبدُ الوارث بنُ محمد الأسديُّ ، أنشدنا أبو
العلاء بنُ سليمان لنفسه (٤):
بِغَيْرٍ عَنَاءٍ والحياةُ بلاغُ
رَغِبْتُ إلى الدُّنيا زماناً فلم تَجُدْ
لديَّ فَعِنْدي راحةٌ وفَراغُ
وألقى(٥) ابنّه اليَاسُ الكريمُ وبِنْتَهُ
(١) الخبر بأطول مما هنا في ((إنباه الرواة)) ٨٠/١ - ٨١، والجزء الأخير منه في
((المنتظم)) ١٨٨/٨.
(٢) ((اللزوم)) ٥٧٥/٢ .
(٣) في ( اللزوم)): مع .
(٤) الأبيات الآتية مما لم يرو في الديوانين .
(٥) في الأصل : ألفى .
:
٣٤
.

أحاديثُ مَينٍ (١) تُفتَرى وتُصاغُ
وزادَ فسادَ النَّاسِ فِي كُلِّ بلدةٍ
كُمَيتٌ(٢) لها بالشَّارِبينَ مَراغُ
وَمِنْ شَرِّ ما أسْرَجْتَ في الصُّبح والدُّجى
وبه (٣):
من البَرِيَّةِ جُوسُوا الأرضَ أوحُوسُوا (٤)
أَوْحَى المليكُ إلى مَنْ فِي بَسيطِتِهِ
مَسعُودُكُمْ عِندَ أهل الرأي مَنْحوسُ
فأَنْتُمُ قومُ سُوءٍ لا صلاحَ لَكُم
أنشدنا موسى بنُ محمد بَعْلَبَك ، أنشدنا الشرف الإِرْبِلي ، أنشدنا
أحمدُ بنُ مُدرك القاضي ، أنشدني أبو جعفر محمدُ بنُ مؤيد بن أحمد بن
حواري ، أنشدنا جدّي أبو اليقظان أحمد ، أنشدنا أبو العلاء بنُ سليمان
لنفسه :
لعلَّ بالجِزْعِ(٦) أعواناً على السَّهَرِ
يا سَاهِرَ البَرْقِ أَيقظ راقد السَّمُرِ(٥)
فَاسْقِ المَواطِرَ(٧) حيًّا مِنْ بَنِي مَطرٍ
وإن بَخِلْتَ على الأحياءِ كُلِّهمِ
حَمْلَ الحُلِيِّ لِمَنْ أَعيِىْ عَنِ النَّظَرِ
ويا أَسيرةَ حِجْلَيْها(٨) أَرَى سَفَهاً
يَسري(١٠) أمامي وَتَأْوِيباً(١١) على أَثَرِي
ما سِرْتُ إِلا وَطَيْفٌ مِنْك يَطرحُني(٩)
(١) المين : الكذب .
(٢) الكُميت من أسماء الخمر التي فيها حمرة وسواد .
(٣) ((اللزوم)) ٢٦/٢.
(٤) الحوس : مرادف للجوس ، وهو طلب القوم وتخلل ديارهم .
(٥) السمر : ضرب من العضاء يعظم ويطول ، وليس في العضاه شيء أجود خشباً منه .
(٦) الجزع : منعطف الوادي ، وقيل : منقطعه .
(٧) المواطر : السحب التي فيها المطر .
(٨) الحجل : الخلخال .
(٩) في ((سقط الزند)) يصحبني .
(١٠) في السقط : شُرىٌ .
(١١) التأويب : سير النهار كله إلى الليل ، ثم جعلوا قدوم الغائب إياباً.
٣٥

أَلْفَيتُ ثَمَّ خيالاً مِنك مُنْتَظِري
لو خَطَّ رَحْلِيَ فوق النجم رافِعُه
وزِيدَ فيهِ سَوَادُ القَلْبِ والبَصَرِ
يَوَدُّ أنَّ ظلامَ الليل دامَ له
والعَذْبُ يُهْجَرُ للإِفراط في الخَصَرِ(٢)
لو اختصرتُم مِنَ(١) الإِحسانِ زُرْتُكُمُ
وهي طويلة بديعة نَيِّفٌ وسبعون بيتاً (٣)، وشِعْرُه من هذا النمط .
قيل : إنه أوصى أن يُكتب على قبره :
هذا جَناه أبي عَليَّ وما جَنَيْتُ علىْ أَحد
قلتُ : الفلاسفة يَعدون اتخاذَ الولدِ (٤) وإخراجَه إلى الدنيا جنايةً
عليه ، ويَظهرُ لي من حال هذا المخذول أنه مُتَحَيِّرٌ لم يَجزم بِنِحْلَةٍ . اللهم
فاحفظ علينا إيماننا .
ونقل القفطي(٥) أن أبا العلاء قال : لَزِمْتُ مسكني منذ سنة أربعٍ مئة ،
واجتهدتُ أن أَتوفّر على الحمدِ والتسبيح ، إلا أن أُضطَرَّ إلى غير ذلك،
فَأَمْلَيْتُ أشياءَ تولّى نسخَها أبو الحسن ابن أبي هاشم(٦) في الزهد والعظات
والتمجيد؛ فمن ذلك (( الفصول والغايات)) مئة كراسة ، ومُؤْلَّفُ في غريب
ذلك عشرون كراسة (٧)، و((إقليد الغايات في اللَّغة)) عَشر كراريس ،
وكتاب ((الأيك والغصون)) ألف ومئنا كراسة، وكتاب ((مختلف
(١) في الأصل: في. وما أثبتناه من ديوانه ((سقط الزند)).
(٢) الخصر ، بفتحتين : البَرْد ، وقد خصر الرجل إذا آلمه البرد في أطرافه ، وماء
خَصِرٌ : بارد .
(٣) انظر ((شروح سقط الزند)) ١١٤/١ وما بعدها.
(٤) في الأصل : الوالد . وهو خطأ .
(٥) في ((إنباه الرواة)) ٥٦/١.
(٦) في ((الإِنباه)): علي بن عبد الله بن أبي هاشم .
(٧) في ((الإِنباه)): وهو كتاب مختصر لقبه ((السادن)).
٣٦

الفصول))(١) نحو أربع مئة كُرَّاس، و((تاج الحرة في وعظ النساء)) نحو أربع
مئة كراسة ، و((الخطب))(٢) مجلد، وكتاب في الخيل(٣) عشر كراريس،
وكتاب ((خطبة الفصيح)) خمس عشرة كراسة، و((ترسيل الرموز))(٤) مجلد،
و((لزوم ما لا يلزم)) نحو مئة وعشرين كراسة، و((زجر النابح))(٥) مجلد،
وكتاب ((نجر الزجر)(٦) مقداره، وكتاب ((شرح لزوم ما لا يلزم))(٧)
ثلاث مجلدات، وكتاب ((مُلْقَى السبيل))(٨) جزء، و((مواعظ))(٩).
(١) سماه في ((الإِنباه)): الفصول، وعبارة ياقوت ١٤٨/٣: والكتاب المعروف بتضمين
الآي ، وهو مختلف الفصول .
(٢) في ((الإِنباه)): ((سيف الخطب))، وعند ياقوت: ((سيف الخطبة))، وفي ((كشف
الظنون)): ((سيف الخطيب)).
(٣) في ((الإِنباه)): خطب الخيل وكذلك عند ابن العديم وقال: يتكلم فيه على ألسنة
الخيل ، ويذكر على لسان كل فرس خطبة يحمدُ الله تعالى فيها ويعظمه .
(٤) في ((تاريخ)) الذهبي و((الإِنباه)): وسيل الراموز، وفي ياقوت : رسل الراموز.
والراموز : البحر ، ورسيله : ماؤه العذب .
(٥) ذكره ياقوت في ((معجم الأدباء)) ١٥٣/٣ بقوله: كتاب زجر النابح يتعلق بلزوم ما لا
يلزم ، وذلك أن بعض الجهال تكلم على أبيات من لزوم ما لا يلزم ، يريد بها التشرد والأذية ، فألزم
أبا العلاء أصدقاؤه أن ينشىء هذا، فأنشأ هذا الكتاب وهو كاره ، وقد نشر مجمع اللغة العربية
بدمشق مقتطفات منه ، جمعها وحققها الدكتور أمجد الطرابلسي وذلك عام ١٩٦٥ م ، ثم أعيد
طبعه عام ١٩٨٢ م .
(٦) في الأصل : بحر الرجز، وهو خطأ ، والنجر ، بفتح النون وسكون الجيم :
الأصل ، کما نص على ذلك ابن العدیم ، وقید به اسم الكتاب كما هو مثبت ، وهو كذلك في
((تاريخ)) الذهبي و((الإنباه))، وتصحف في ((معجم الأدباء)) إلى: ((بحر)).
(٧) عبارة القفطي : وكتاب يعرف براحة اللزوم ، يشرح فيه ما في كتاب لزوم ما لا يلزم من
الغريب .
(٨) وهي رسالة فلسفية نشرتها مجلة المقتبس بدمشق سنة ١٩١٢ م، وطبعت على حدة
في ١٨ صفحة وعلق عليها حسن حسني عبد الوهاب ... وطبعت أيضاً في كتاب ((رسائل
البلغاء)) . معجم سركيس : ٣٢٩ .
(٩) في ((الإِنباه)): مواعظ الست ، وعند ياقوت وابن العديم: المواعظ الست ، ومعنى
هذا اللقب أن الفصل الأول منه في خطاب رجل ، والثاني في خطاب اثنين ، والثالث في خطاب =
٣٧

في مجلد، و(( خُماسيَّة الراح (١) في ذم الخمر)) عشر كراريس - قلت: أظنه
يعني بالكراسة ثلاث ورقات - وكتاب ((سقط الزند))، وكتاب (( القوافي
والأوزان))(٢) ستون كراسة ، وسرّدَ أشياء كثيرة أدبيات ، وكتابُه في الزهد ،
يُعرف بكتاب ((استغفر واستغفري)) مَنظومٌ نحو عشرة آلاف بيت ، المجموع
خمسة وخمسون مصنفاً(٣). قال: في نحو أربعة آلاف ومئة [ وعشرين ](٤)
كراسة .
قلت : قد قدرتُ لك الكراسة .
قال القِفطي (٥): أكثرُ كتبِهِ عُدِمَتْ ، وسلم منها ما خرجَ عن المعرة قبل
استباحةِ الكُفَّار لها .
قُلتُ : قبرُهُ داخلَ المعرة في مكان دائرٍ ، وقد حدَّث عنه أبو طاهر بنُ
أبي الصقر الأنباري ، وطائفة ، وقد طال المقالُ ، وما على الرجل أُنسُ زُهَّادِ
= جماعة ، والرابع في خطاب امرأة ، والخامس في خطاب امرأتين ، والسادس في خطاب نسوة
((الإنباه)) ٦٠/١.
(١) في الأصل : حماسة الراح ، والصواب ما أثبتناه . قال القفطي: ومعنى هذا الوسم
أنه بني على حروف المعجم ، نذكر لكل حرف يُمكن حركته خمسَ سجعات مضمومات وخمساً
مفتوحات ، وخمساً مكسورات ، وخمساً موقوفات .
(٢) ذكره القفطي باسم : جامع الأوزان الخمسة التي ذكرها الخليل بجميع ضروبها ،
ويذكر فيه قوافي كل ضرب، وفي ((معجم ياقوت)) و ((كشف الظنون)) : جامع الأوزان ، وقد
ذكره القفطي مرة أخرى بهذه التسمية عندما عرض للكتب التي رآها لأبي العلاء .
(٣) لم يذكر المصنف جميع المصنفات التي ذكرها القفطي، انظر ((الإِنباه)) ٥٦/١ وما
بعدها، و ((معجم الأدباء)) ١٤٥/٣ وما بعدها . ومن مؤلفاته غير المذكورة في الترجمة والتي
طبعت كتاب (( عبث الوليد)) في الكلام على شعر أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري ، وقد نشرته
الشركة المتحدة في بيروت بتحقيق ناديا علي الدولة و((رسالة الهناء)) نشرها المكتب التجاري
ببيروت بشرح وتحقيق كامل كيلاني .
(٤) ما بين معقوفتين من ((الإِنباه)).
(٥) ((الإِنباه)) ٦٦/١.
٣٨

المؤمنين ، والله أعلم بما خُتِمَ له . ومن خَبيثٍ قوله (١):
أَتَى عيسى فَبَطَّلَ شَرْعَ موسى(٢) وجَاءَ مُحَمَّدٌ بصلاةٍ خَمْسٍ
فضلَّ القومُ بين غَدٍ وَأَمْسٍ (٣) "
وقالُوا : لا نبيُّ بَعْدَ هُذا
فما تُخْليكَ مِن قَمَر وشَمسٍ
ومهما عِشْتَ مِنْ دُنياكَ هذي (٤)
وإن قلتُ الصحيحَ (٥) أُطَلْتُ هَمسِي
إذا قُلتُ المُحالَ رفعتُ صوتي
وممن رثاه تلميذُه أبو الحسن علي ، فقال (٦) :
فَلَقَدْ أَرَقْتَ اليومَ من جَفني دما
إن كُنْتَ لم تُرِقِ الدِّماءِ زهادٌ
مِسكٌ فسامِعَةً (٨) يُضَمِّخُ أو فَما
سَيَّرْتَ ذِكْرَكَ(٧) في البلاد كأنّه
ذِكراكَ أخرجَ (١٠)فِديةٌ مَنْ أحرمًا
وَأَرَى(٩) الحَجِيْجَ إذا أَرادُوا ليلةً
وممن رَوى عنه أبو القاسم عليُّ بن المُحَسّن التَّنوخي ، ومات قبله ،
وغالبُ بن عيسى الأنصاري .
وكانت عِلَّتُه ثلاثةَ أيام ، ومات في أوائل شهر ربيع الأول من سنة تسعٍ
وأربعينَ وأربعِ مئة ، وعاش ستّا وثمانين سنة .
(١) ((اللزوم)) ٥٥/٢ - ٥٦ .
(٢) في ((اللزوم)): دعا موسى فزال وقام عيسى.
(٣) في ((اللزوم)):
وقيل يجيء دينّ غير هذا وأودى الناس بين غدٍ وأمس
وفي الأصل : غداً ، وهو خطأ .
(٤) في (( اللزوم)): ومهما كان في دنياك أمر .
(٥) في ((اللزوم)): اليقين.
(٦) الأبيات في ((معجم الأدباء)) ١٢٦/٣ - ١٢٧، و((وفيات الأعيان)) ١١٥/١.
(٧) في ((معجم الأدباء)) : ذكراً.
(٨) في ((معجم ياقوت)): مسامعها .
(٩) في ((معجم الأدباء)): وترى .
(١٠) في ((معجم ياقوت)): أوجب .
٣٩

١٧ - الصَّابُوني *
الإِمامُ العلامةُ ، القُدوة ، المفسِّر، المُذكِّر، المُحدِّث، شيخُ
الإِسلام ، أبو عثمان ، إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ أحمدَ بنِ إسماعيلَ بنِ
إبراهيم بن عابدِ(١) بن عامرٍ ، النيسابوريُّ ، الصَّابُونيُّ .
وُلِدَ سنة ثلاثٍ وسبعينَ وثلاثٍ مئة .
وأَوّلُ مجلس عَقدَه للوعظ إثر قْلِ أبيه في سنة ثنتين وثمانينَ وهو ابنُ
تسع سنين .
حدَّث عن : أبي سعيدٍ عبدِ الله بنٍ محمد بنِ عبد الوهّاب ، وأبي بكر
ابن مِهْران، وأبي محمد المَخْلَدي ، وأبي طاهر بنٍ خُزيمة ، وأبي الحسين
الخَفّاف ، وعبد الرحمن بنِ أبي شُريح ، وزاهرِ بنِ أحمدَ الفقيه ، وطبقتِهم ،
ومن بعدهم .
حدَّث عنه : الكَتاني ، وعليُّ بن الحسين بن صَصْرَى ، ونجا بنُ
أحمد ، وأبو القاسم بنُ أبي العلاء ، والبيهقيُّ ، وابنُه عبدُ الرحمن بنُ
إسماعيل ، وخلقٌ آخِرُهم أبو عبد الله محمد بنُ الفضل الفَراوي .
(*) تتمة اليتيمة ١١٥/٢، الأنساب ٥/٨ - ٦، تاريخ دمشق خ ٢/٤٢٨ - ٢/٤٣١،
معجم الأدباء: ١٦/٧ - ١٩، المنتخب: ورقة ٣٨/أ، الكامل ٦٣٨/٩، اللباب ٢٢٨/٢ -
٢٢٩، المختصر ١٧٧/٢، دول الإسلام ٢٦٤/١، العبر ٢١٩/٣، الوافي بالوفيات ١٤٣/٩ -
١٤٤، تتمة المختصر ٥٤٧/١، طبقات السبكي ٢٧١/٤ - ٢٩٢، البداية والنهاية ٧٦/١٢ ،
طبقات ابن قاضي شهبة : ورقة ٢٢٣ أ، النجوم الزاهرة ٦٢/٥، طبقات المفسرين للسيوطي :
٧، طبقات المفسرين للداوودي ١٠٧/١ - ١٠٨، شذرات الذهب: ٢٨٢/٣ - ٢٨٣،
الرسالة المستطرفة : ١٠٣، تهذيب تاريخ ابن عساكر ٣٠/٣ - ٣٦.
(١) بالباء الموحدة والدال المهملة كما في ((تبصير المنتبه) ٨٨٧/٣، وقد تصحف في
((تهذيب)) ابن عساكر، و((طبقات)) السبكي إلى ((عائذ)) بالهمزة والذال المعجمة.
٤٠