Indexed OCR Text
Pages 121-140
والصداقة))(١)، مجلد، وكتاب ((المقابسات))(٢)، وكتاب: ((مثالب الوزيرين))(٣) - يعني ابن العميد وابن عبّاد - وغير ذلك(٤). وهو الذي نسب نفسَه إلى التوحيد ، كما سمّى ابنُ تُومرت أتباعَه بالمُوحِّدين ، وكما يُسمِّي صوفيّةُ الفلاسفة نُفُوسَهم بأهل الوحدة وبالاتحاديّة . أنبأني أحمدُ بنُ أبي الخير ، عن محمدٍ بن إسماعيل الطَّرَسُوسي ، عن ابنِ طاهر : سمعتُ أبا الفتح عبدَ الوهّاب الشِّيرازي بالرَّيِّ يقولُ : سمعتُ أبا حَيّان التَّوحيدي يقولُ: أُناسٌ مَضَوا تحت النََّهُم، وظنُّوا أنَّ الحقَّ معهم ، وكان الحقُّ وراءَهم . (١) طبع غير مرة ، وآخر طبعة صدرت في دمشق سنة ١٩٦٤ بتحقيق الدكتور إبراهيم الكيلاني . (٢) وهو مئة وثلاث مقابسات في مباحث من العلوم ، ذكر فيه بعض ما وقع له من مفاوضات علماء عصره في بغداد ، وكانوا يجتمعون في دار أبي سليمان المنطقي ، فيتذاكرون في مواضيع شتى في الفلسفة والأدب . وقد طبع هذا الكتاب في الهند وغيرها ، وآخر طبعة صدرت في بغداد سنة ١٩٧٠ م بتحقيق الدكتور محمد توفيق حسين . (٣) قال ابن خلكان في هذا الكتاب : ضمَّنه معايب أبي الفضل ابن العميد والصاحب بن عباد ، وتحامل عليهما ، وعدد نقائصهما، وسلبهما ما اشتهر عنهما من الفضائل والإِفضال ، وبالغ في التعصب عليهما ، وما أنصفهما ، وهذا الكتاب من الكتب المجدودة ، ما ملكه أحد إلا وتعكست أحواله ، ولقد جربت ذلك، وجربه غيري على ما أخبرني من أثق به. ((وفيات الأعيان) ٥ / ١١٢، ١١٣ . والكتاب طبعه مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٦٥ م بتحقيق الأستاذ محمد بن تاويت الطنجي. ومن آثار التوحيدي المطبوعة أيضاً كتاب ((الإمتاع والمؤانسة))، وهو مجموع مسامرات في فنون شتى حاضر بها الوزير أبا عبد الله العارض في نحو أربعين ليلة ، نشره أحمد أمين وأحمد الزين . (٤) انظر مصنفاته في ((معجم الأدباء)) ١٥ / ٧، ٨، و((هدية العارفين)) ١ / ٦٨٤، ٦٨٥، وانظر النسخ الخطية لبعضها في ((تاريخ)) بروكلمان ٤ / ٣٣٦ - ٣٣٨. ١٢١ قلتُ : أنتَ حامِلُ لوائهم . قال الشيخ محيي الدين في ((تهذيب الأسماء)» : أبو حيان من أصحابنا المُصنِّفين ، فمن غرائِه أنه قال في بعض رسائله : لا رِبَا في الزَّعْفَران . ووافقه عليه أبو حامد المَرُّوذي(١) . وقال ابنُ النجّار : له المُصنَّفات الحسنةُ كالبصائِرِ وغيرها . قال : وكان فقيراً صابراً مُتَدَيِّناً، صحيحَ العقيدة(٢). سمع جَعْفَراً الخُلْدِي ، وأبا بكر الشافعي ، وأبا سعيد السِّيرافي ، والقاضي أحمدَ بنَ بِشْرِ العامري . روى عنه : عليُّ بَنُ يوسف الفامي ، ومحمدُ بن منصور بن جِيْكان(٣) ، وعبدُ الكريم بنُ محمد الداوودي ، ونصرُ بنُ عبد العزيز الفارسي ، ومحمدُ بن إبراهيم بن فارس الشِّيرازيُّون ، وقد لقي الصاحِبَ بنَ عبّاد وأمثالَه . قلتُ : قد سمع منه أبو سَعْد عبدُ الرحمن بن مَمِّجَة الأصبهانيُّ ، وذلك في سنة أربع مئة ، وهو آخر العهدٍ به . وقال السِّلَفي : كان نصرُ بنُ عبد العزيز ينفَرِدُ عن أبي حِيّان ◌ِنُكَتٍ عجيبة (٤) . وقال أبو نصر السِّجزي الحافظ فيما يَأْثُرُوهُ عنه جعفر الحكّاك : سمعتُ أبا سَعْد الماليني يقول : قرأتُ الرسالةَ - يعني المنسوبةَ إلى أبي بكرٍ وعُمر مع أبي عُبيدة إلى عليٍّ رضي الله عنهم - على أبي حيان ، فقال: هذه (١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢ / ٢٢٣. ثم قال النووي: والصحيح المشهور تحريم الربا فيه والله أعلم . (٢) انظر ((طبقات)) السبكي ٥ / ٢٨٧، و((لسان الميزان)) ٧ / ٣٩. (٣) انظر ((تبصير المنتبه)) ١ / ٤٧٥. (٤) انظر ((لسان الميزان)) ٧ / ٣٩. ١٢٢ الرسالةُ عملتُها رداً على الرافضة ، وسببه أنهم كانوا يحضُرون مجلس بعض الوزراء ، وكانوا يُغْلُون في حال علي، فعملتُ هذه الرسالة(١). قلتُ : قد باءَ بالاختلافِ على عليِّ الصفوةُ ، وقد رأيتُها وسائِرُها كذبٌ بيِّن . ٧٨ - هشامُ المؤيَّدُ باللّهِ * ابنُ المستنصر صاحب الأندلس ، بايعوه صبياً ، فقامَ بتشييدِ الدولةِ الحاجبُ المنصورُ(٢) محمدُ بنُ أبي عامر، فكان من رجالِ الدهرِ رأياً وحَزْماً ، ودهاءً وشجاعةً وإقداماً - أعني الحاجب - فعمَدَ أولَ تغلَبه إلى خزائنِ كتب الحَكّم ، فأبَرَزَ ما فيها بمَحْضَرٍ من العُلماء ، وأمر بإفرازِ ما فيها من تصانيفِ الأوائِلِ والفلاسفَةِ ، حاشا كُتُب الطبّ والحساب ، وأمر بإحراقِها : فأحرقت ، وطمر بعضَها ، ففعل ذلك تحبُّاً إلى العَوَامِ ، وتقبيحاً لمذهب الحكم(٣) . ولم يزل المُؤَيِّدُ بالله هشامٌ غائباً عن الناس لا يَظهَرُ ولا يُنفِّذ أمراً . وكان ابنُ أبي عامر ممّن طلبَ العلم والأدبَ ، ورأسَ وَتَرَقِّى ، وساعدتْهُ المقاديرُ، واستمالَ الأمراءَ والجيشَ بالأموالِ ، ودانت لهيبِهِ الرجالُ، (١) انظر ((ميزان الاعتدال)) ٤ / ٥١٨، و((لسان الميزان)) ٧ / ٣٨. قال ابن حجر: فقد اعترف بالوضع . * جذوة المقتبس ١٧ ، بغية الملتمس ٢١ ، الكامل لابن الأثير ٨ / ٦٧٧ - ٦٧٩ ، النبراس ٢٢، تاريخ ابن خلدون ٤ / ١٤٧، المغرب في حلي المغرب ١ / ١٩٣ - ١٩٦، البيان المغرب ٢ / ٢٥٣ و٣ / ١٩٧، نفح الطيب ١ / ٣٩٦. (٢) تقدمت ترجمته برقم (٧) . (٣) انظر الصفحة ١٥ تعليق رقم (٢ و٣) ١٢٣ وتلقَّب بالمنصور ، واتّخذ الوزراءَ لنفسِهِ، وبقي المُؤَيَّدُ معه صورةً بلا معنى ، لأن المُؤَيّد كان أخرقَ ، ضعيفَ الرأي ، وكان للمنصورِ نكايةً عظيمةٌ في الفِرَنج ، وله مجلسٌ في الأسبوع يجتمعُ إليه فيه الفُضَلَاءُ للمناظرة ، فيُكرِمُهُم ويحترمُهُم ويَصِلُهُم ، ويُجيزُ الشعراء ، افتتح عدةَ أماكن ، وملأ الأندلسَ سَبْياً وغنائم ، حتى بِيعت بنتُ عظيمٍ من عُظماء الروم ذاتُ حسنٍ وجمالٍ بعشرين ديناراً ، وكان إذا فَرَغَ من قتال العدو ، نَفَضَ ما عليه من غُبار المصافِّ، ثم يجمَعُهُ ويَحْتَفِظُ به ، فلما احتُضِرَ أمر بِما اجتَمَعَ له من ذلك بأن يُذَرَّ على كَفَنِهِ ، وغزا نيِّهاً وخمسين غزوةً ، وتوفي مبطوناً شهيداً وهو بأقصى الثّغْر ، بقُرب مدينةٍ سالم ، سنةَ ثلاثٍ وتسعين وثلاث مئة . وكان أولَ شيءٍ حاجباً للمُؤيّد بالله ، فكان يدخُلُ عليه القصر ، ويخرجُ فيقولُ : أمرَ أميرُ المؤمنين بكذا ، ونهى عن كذا . فلا يُخالِفُه أحدٌ ، ولا يعترِضُ عليه مُعتَرِضٌ ، وكان يمنع المُؤَيِّدَ من الاجتماعِ بالنّاسِ ، وإذا كان بعد مُدّةٍّ ركّبَه ، وجعل عليه بُرْنُساً، وألبس جواريه مثلَه، فلا يُعرفُ المُؤَيَّدُ من بينهن، فكان يخرُجُ يتنزَّهُ في الزَّهراء ، ثم يعودُ إلى القصرِ على هذه الصفة . ولما توفي الحاجبُ ابنُ أبي عامر، قام في منصبه ابنُهُ المُلَقّب بالمُظَفَّر : أبو مروان عبدُ الملك بنُ محمد . وجرى على منوالٍ والِدِه ، فكان ذا سَعْدٍ عظيم ، وكان فيه حياءً مُفْرِطٌ يُضربُ به المَثَلُ ، لكنه كان من الشُّجعان المذكورين ، فدامت الأندلسُ في أيّامه في خيرٍ وخِصْبٍ وعزٍّ إلى أن مات في صفر ، سنة تسع وتسعين وثلاث مئة(١). (١) انظر ((نفح الطيب)) ١ / ٤٢٣، و((الكامل)٨ / ٦٧٨، و((الذخيرة)» ق٤/ج١/ ٧٨ - ٨٦ . ١٢٤ وقام بتدبير دولةِ المُؤَيِّدِ بالله الناصرُ عبدُ الرحمن أخو المُظَفّر المذكور المعروف بشنشول(١)، فعتا وتمرَّد، وفسق وتهتَّك ، ولم يزل بالمُؤَيّد بالله حتى خلع نفسه من الخلافة ، وفوّضها إلى شَنشول هذا مُكْرَهاً ، في جُمادى الآخرة ، سنة تسع وتسعين وثلاث مئة . ومن قصة شنشول ۔ ویقال : شنجول وهو أصح - أنَّ أباه المنصور غزا غَزْوَةً البررت ، وهو مكان مضيق بين جَبّلين لا يمشيه إلا فارسٌ بعد فارس ، فالتقى الرومُ هناك، ثم نَزَلَ ، وأمر برفعِ الخيامِ وبناءِ الدُّورِ والسُّور، وَاخْتَطَّ قصراً لنفسِهِ ، وكتب إلى ابنِهِ ومولاه واضحٍ بالنيابةِ على البلاد ، يقولُ في كتابه : ولما أبصرتُ بلاد أرغون ، استقصرتُ رأي الخُلفاء في ترك هذه المملكة العظيمة . فلما عَلِمَتِ الرومُ بعزمه ، رغبوا إليه في أداء القطِيعَةِ ، فأبى عليهم إلا أن يهبوه ابنةَ مَلِكِهِم الذي من ذُرّيّة هرقل ، فقالوا : إنَّ هذا لعارٌ. فالتقوهُ في أُمَمٍ لا تُحصى في وسطٍ بلادهم ، وهو في عشرين ألف فارس ، فكان للمسلمين جولةٌ ، فثبتَ المنصورُ وولداه ، وكاتبه ابنُ برد ، والقاضي ابنُ ذكوان في جماعة ، فأمر أن تُضرب خيمةٌ له ، فرآها المسلمون ، فتراجعوا ، فهزم اللهُ الكافرين ، ونزل النصرُ، ثم حاصر مدينةً لهم ، فلما همَّ بالظَّفَر، بذلوا له ابنَةَ المَلِكِ ، وكانت في غاية الجَمال والعقل ، فلما شيّعها أكابرُ دولتها، سألوها البِرِّ والعنايةَ بهم، فقالت: الجاهُ لا يُطلَبُ بأفخاذِ النساء بل برِمَاحِ الرِّجال. فولدت للمنصورِ شنجول هذا ، وهو لَقَبٌ لجدِّه لُأَمِّه لُقِّب هو به . ومن مفاخر المنصور : أنه قدم من غزوةٍ ، فتعرَّضَتْ له امرأةٌ عند (١) انظر ((نفح الطيب)) ١ / ٤٢٤ و((الكامل) ٨ / ٦٧٨، ٦٧٩، و((تاريخ)) ابن خلدون ٤ /١٤٨، و((البيان المغرب)) ٤٤/٣، وأعمال الأعلام: ٩١، و((جذوة المقتبس)) ١٧. ١٢٥ القصر ، فقالت : يا منصورُ ! يفرحُ الناسُ وأبكي ؟ إنّ ابني أسيرٌ في بلاد الروم . فثنى عِنَّنَه وأمر الناسَ بغَزْو الجهةِ التي فيها ابنُها . وقد عصاهُ مرةً ولدٌ له ، فهربَ ، ولجأ إلى مَلِكِ سَمّورة ، فغزاها المنصورُ، وحاصَرَها ، وَحَلَفَ أَّ يرحَلَ إلا بابنِهِ، فسلَّموهُ إليه، فأمَرَ بقتلِهِ ، فَقُتِلَ بقُرب سَمُورةٍ . ومن رُجْلَة المنصور : أنه أُحيط به في مدينة فُتّة ، فرمى بنفسه من أعلى جبلها ، وصار في عسكره ، فبقي مُفْدَع(١) القَدَمين لا يركَبُ ، إنما يُصنَعُ له محملٌ على بغلٍ يُقادُ بِهِ في سبع غَزَواتٍ وهو بضعة لحمٍ ، فانظر إلى هذه الهمّة العليّة ، والشجاعةِ الزائدة . وكان موتُه آخِرَ الصلاحِ وأولَ الفسادِ بالأندلس ، لأنّ أفعالَه كانت حسنةً في الحالِ ، فاسدةً في المآل ، فكانت قبله القبائلُ ، كُلُّ قبيلةٍ في مكان ، فإذا كان غزو ، وضعتِ الخلفاءُ على كُلِّ قبيلةٍ عدداً ، فيغزُون ، فلما استولى المنصورُ، أدخل من صنهاجة ونَفْزن عشرين ألفاً إلى الأندلس ، وشتّتَ العرب عن مواضِعها ، وأخملهم ، وأبقى على نفسه لکونه ليس من بيوت المُلْك ، ثم قَتَل في بني أُميّة جماعةٌ ، واحتاط على المُؤَيّد ، ومنعه من الاجتماعِ بأحدٍ ، وربما أخرجهُ لهم في يوم العيدِ للهَناء ، فلما مات المنصورُ وابنُه المُظَفّر أبو مروان ، انخرمَ النظامُ ، وشرع الفسادُ ، وهلك الناسُ ، فقام شنجول وطغى وبغى ، وفعل العظائِمَ ، والمؤيِّدُ باللّه تحت الاحتجار، فدسّ على المُؤَيّد من خوّفه وهدّده، وأعلمه أنه عازِمٌ على قتله إن لم يُؤَلِّه عهدَهُ، ثم أمر شنجول القضاةَ والأعلام بالمُثُول إلى القصر الذي بالزَّهراء ، (١) الفَدَع محركة: عوج ومَيْلٌ في المفاصل ، كأن المفاصل قد زالت عن مواضعها ، لا يستطاع بسطها معه ، وأكثر ما يكون في الرسغ من اليد والقدم . ١٢٦ فأخرج لهم المُؤَيَّدَ ، وأخرج كتاباً قرىء بينهم بأن المُؤَيّد قد خَلَع نفسه ، وسَلّم الأمرَ إلى الناصرِ لدين الله عبدِ الرحمن بنِ أبي عامر. فشهد من حضرَ بذلك على المُؤَيَّد(١) ، وأخذ الناصرُ هذا في التهتَّك والفِسْقِ ، وكان زِيُّهم المكشوفة، فأمر جُنده بحلْق الشَّعر، ولبس العمائم تشبُّهاً ببني زِيري(٢) ، فبقوا أوحشَ ما يكونُ وأسمَجَهُ ، لقُّوا العمائم بلا صنعةٍ ، وبقُوا ضُحْكَةً ، ثم سار غازياً ، فجاءه الخبرُ بأنَّ محمدَ بنَ هشام بن عبد الجبّار الأُموي ابنَ عمِّ المُؤَيَّد باللّه قد توثّب بقُرطبة، وهدم الزَّهراءَ، وأقام معه القاضي ابنَ ذكوان، وأنفقَ الأموالَ في الشُّطّار ، فاجتمع له أربع مئة رجل ، وأخذ يُرتّبُ أموره في السِّرِّ ، ثم ركب ، وقصدَ دارَ والي قُرطبة ، فقطع رأسَهُ ، فخرج إليه الأستاذُ جُوذَر الكبير ، فقال له محمدُ بنُ هشام : أينَ المُؤَيَّد باللّه؟ أخرِجْهُ. فقال: أذلَّ نفسه ، وأذلَّنا بضَعْفِه. فخرج يطلبُ أمانَهُ، فقال: أنا إنما قُمتُ لأزيل الذُّلَّ عنك، فإن خلعتَ نفسَكَ طائعاً، فلك كُلُّ ما تُحِبُّ . ثم طلب ابنَ المَكْوِيّ(٣) الفقيه، وابنَ ذكوان(٤) القاضي والوزراء ، فدخلوا على (١) انظر ((نفح الطيب)) ١ / ٤٢٤ - ٤٢٦، و((الكامل)) ٨ / ٦٧٩، و((تاريخ)) ابن خلدون ٤ / ١٤٨ ، ١٤٩ . (٢) هم من البربر، وكانوا ملوك وأمراء إفريقية وما والاها من بلاد المغرب ، وجدُّهم هو الأميرُ زيري بن مَنّاد ، الحميري الصنهاجي ، ومن أولاده أبو الفتوح بلکین بن زيري جد بادیس بن المنصور بن بلكين ، وباديس سترد ترجمته في هذا الجزء برقم (١٢٦) . وانظر تراجم بني زيري في ((وفيات الأعيان)) ٢٦٥/١، ٢٦٦ و٢٨٦، ٢٨٧، و٣٠٤ - ٣٠٦، و٣٤٣/٢، ٣٤٤، و ٥ / ٢٣٣ - ٢٣٥. وانظر ((معجم الأنساب والأسرات الحاكمة)): ١٠٩، و((تاريخ)) ابن خلدون ٦ / ١٥٥ وما بعدها . (٣) هو أبو عمر أحمد بن عبد الملك بن هاشم ، المعروف بابن المكوي ، سترد ترجمته برقم (١٢٠) . (٤) هو أبو العباس أحمد بن محمد ذكوان القاضي ، متوفى سنة ٤١٣ ، مترجم في (((المغرب في حلي المغرب)) ١ / ٢١٥، ٢١٦، و((بغية الملتمس)): ١٧٤. ١٢٧ الْمُؤَيّد، فشهدوا عليه بتفويض الأمرِ إلى ابن عمِّه هذا، وضعف أمرُ شنجول ، وظفر به محمدٌ ، فذبحه في أثناء هذا العام ، وله بضعٌ وعشرون سنة(١) . قال ابنُ أبي الفياض : كان خِتان شُنشول في سنة ثمانين وثلاث مئة ، فانتهت النفقةُ يومئذٍ إلى خمس مئة ألف دينار ، وخَتَنُوا معه خمس مئة وسبعةً وسبعين صبياً . وأما محمدُ بنُ هشام بنِ عبد الجبّار بن الناصر لدين اللّه عبد الرحمن ، فتلقَّب بالمَهْدي (٢) ، ونصبَ الديوان ، واستخدمَ ، فلم يبقَ زاهدٌ ولا جاهِلٌ ولا حجّام حتى جاءهُ ، فاجتمع له نحوٌ من خمسين ألفاً ، ودانت له الوزراءُ والصَّقالِةُ ، وبايعوهُ ، فأمر بنهب دُورِ آل المنصور أبي عامر ، وانتهبَ جميعَ ما في الزهراء من الأموالِ والسلاح ، وقُلعت الأبوابُ . فقيل : وصل منها إلى خزانة المهدي هذا خمسةُ آلاف ألف دینار سوى الفِضّة ، وصلّی بالناس الجمعة بقُرطُبة ، وقُرىء كتابه بلعنة شنشول ، ثم سارَ إلى حربه ، فكان القاضي ابنُ ذكوان يُحرِّضُ على قتاله ، ويقولُ: هو كافِرٌ . وكان شنشول قد استعان بعسكر الفِرنج لأنَّ أمَّه منهم ، وقام معه ابنُ غومِش ، فجاء إلى قُرطبة ، فتسحّب جُنده ، فقال له ابنُ غومش : ارجع بنا قبل أن تُؤخذ . فأبى ، ومال إلى دير شربش جوعانَ سهران ، فأنزل له راهبٌ دجاجةً وخُبزاً ، فأكل وشرب وسَكِرَ ، وجاء لحربه ابنُ عمِّ المهدي وحاجبُه محمدُ بن المغيرة الْأُموي ، فقبضَ عليه ، فظهر منه الجَزَعُ ، وقبَّل قَدَمَ ابنِ المُغيرة ، وقال : أنا (١) انظر ((نفح الطيب)) ٤٢٦/١، و((الكامل)) ٦٧٩/٨، و((تاريخ)) ابن خلدون ٤ /١٤٩، ١٥٠. (٢) انظر ((الكامل ) ٨ / ٦٧٩، ٦٨٠، و((تاريخ)) ابن خلدون ٤ / ١٤٩، ١٥٠، و ((جذوة المقتبس)) ١٨، و((نفح الطيب)) ١ / ٤٢٦، و((بغية الملتمس)) ٢٢، ٢٣. ١٢٨ في طاعةِ المَهْدي. ثم ضُربت عُنُقُه ، وطيف برأسه : هذا شنشول المأبُون المخذول . فلما استوثق الأمرُ للمهدي ، أظهرَ من الخَلَاعة والفسادِ أكثرَ مما عمله شنشول . قال الحُميدي(١) : فقام على المَهْدي ابنُ عمِّه هشامُ بنُ سُليمان بن الناصر لدين اللّه، في شوال سنة تسع وتسعين ، وقام معه البربرُ، وأُسر هشام هذا ، فقتله المهدي . وقال غيره : زاد المهديُّ في الغَيِّ وأَخْذِ الحُرَمِ ، وعمد إلى نصراني يُشبه المُؤَيَّد بالله، ففصَده حتى مات، وأخرجهُ إلى الناس ، وقال : هذا المُؤَيّد . فصلّى عليه ، ودفنه(٢) ، وقدم على المَهْديِّ رسولُ فلفل بن سعيد الزَّنَاتي صاحب طرابلس داخلاً في طاعته، يلتمسُ إرسالَ سِكّةٍ على اسمِه لُيُعينَه على باديس ، فغلب باديسُ على طرابلس وتملّكَها ، وكتب إلى ابنٍ عِمِّه حمّاد ليُغرِيَ القبائل على المَهْدي لِخِذْلانه ، قد همَّ بالغدرِ بالبربرِ الذي حوله ، ولَوَّحَ بذلك ، فهذا سببُ خروجِهم عليه مع ابنِ عمِّه هشامٍ بن سُليمان، فقتلوا أولاً وزيريه : محمدَ بن دُرّي، وخَلَفَ بن طريف ، وأحرقوا السرّاجين، وعبروا القنطرةَ، ثم تخاذلوا عن هشامٍ حتى قُتل، وتحيِّز جُلُّهم إلى قلعةِ رَباح ، فهرب معهم سليمانُ بنُ الحَكّم بن سليمان بن الناصر ، وهو ابن أخي هشامٍ المقتول ، فبايعوه ، وسمُّوه : المستعين بالله (٣)، وجمعوا له مالاً، حتى صار له نحوٌ من مئة ألف دينار ، فتوجّه بالبربرِ إلى طُليطُلة ، فتملّكَها، وقَتل واليها ، فجزع المَهْدِيُّ، واعتدَّ للحصار ، وتجرأت عليه (١) في ((جذوة المقتبس)) ١٨. وانظر ((الكامل)) لابن الأثير ٨ / ٦٨٠. (٢) انظر ((الكامل)) ٨ / ٦٧٩. (٣) سترد ترجمته عقب هذه الترجمة مباشرة . ١٢٩ سير ٩/١٧ العامّةُ ، ثم بعث عسكراً ، فهزمهم سليمانُ المستعين ، ثم سار حتى شارف قُرطُبة ، فبرز لحربه عسكرُ المَهدِيِّ ، فناجزهم سليمانُ ، فكان مَن غرق منهم في الوادي أكثرَ ممن قُتِل ؛ وكانت وقعة هائلة هلكَ فيها خلقٌ من الأخيار والأئمة والمُؤذِّنين، فلما أصبح المَهْدِيُّ باللّه، أخرج للناسِ الخليفةً المُؤَيَّد باللّه هشامَ بنَ الحكم ، الذي كان أظهر لهم موته ، فأجلسَه للنّاس ، وأقبل قاضي الجماعةِ يقول : هذا أميرُ المؤمنين ، وإنما محمدُ بنُ هشام بنِ عبد الجبار نائبُه . فقال له البربرُ : يا ابنَ ذكوان : بالأمسِ تُصَلَّي عليه ، واليومَ تُحييه؟! ثم خرج أهلُ قُرطَبة إلى المُستعين ، سليمان فاحسن ملقاهم واختفى محمد المهدي واستوثق أمر المستعين ودخل قصرَ الإِمارةِ ، ووارى الناسُ قتلاهم ، فكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً ، ثم تسحّب المهديُّ إلى طُليطلة، فقاموا معه، وكتب إلى الفِرنجِ ، ووعدَهم بالأموال ، فاجتمع إليه خلقٌ عظيم ، وهو أول مالٍ انتقلَ من بيت المال بالأندلس إلى الفرنج ، وكانت الثغورُ كلُّها باقيةً على طاعة المَهْدي ، فقصد قُرطبةَ في جحفلٍ عظيم ، فالتقى الجمعان على عقبة البقر على بريدٍ من قُرطبة ، فاقتتلوا أشدَّ قتال، فانهزم سليمانُ المستمعين، واستولى المهديُّ على قرطبة ثانياً، ثم خرجَ بعد أيام إلى قِتال جماهير البربر ، فالتقاهم بوادي آرُه ، فهزموهُ أقبح هزيمةٍ ، وقُتل من جنده الفرنج ثلاثةُ آلافٍ ، وغرق خلقٌ ، فجاء إلى قرطبة ، ثم وثب عليه العَبيدُ ، فضُربت عنقُه ، وقُطعت أربعتُه، وكفى اللّه شرّه في ثامن ذي الحجة عام أربع مئة ، وعاش أربعاً وثلاثين سنة(١). قال الحميدي(٢): أُعيد المُؤيَّد بالله إلى الخلافة في آخر سنة أربع (١) ((جذوة المقتبس)) ١٨، ١٩. (٢) ((جذوة المقتبس)) ١٧ . ١٣٠ مئة ، فحاصرته جيوشُ البربر مع سُليمان المستعين مدةً ، واتصل ذلك إلى شوال سنة ثلاث وأربع مئة ، فدخل البربرُ قُرطبةَ بالسيف ، وقُتل الْمُؤَيّد باللّه . وقرأتُ بخطٌّ أبي الوليد بن الحاج : أنَّ طائفةً وثَبوا على المهديِّ ، فقتلُوه ، وأخرجوا المُؤَيِّد باللّه ، فطيّر عنبرُ رأسَ المَهْدي بين يدي المُؤَيّد ، وسكن الناسُ ، وكتب المُؤَيّد إلى البربر ليدخلوا في الطاعة ، فأبوا ، وصار يركّبُ ويظهَرُ ، فهابَه الناسُ ، وعائت البربرُ ، وعملت ما لا يعملُه مسلمٌ ، ونازلوا قُرطبة سنةَ اثنتين وأربع مئة ، واشتد القحطُ والبلاءُ ، وفني الناسُ ، ودخل البربرُ بالسيفِ في سنة ثلاثٍ ، فَقَتَلُوا حتى الولدان ، وهرب الخلقُ ، وهرب المُؤَيِّدُ باللّه إلى المشرق ، فحجّ ، ولقد تصرّف في الدنيا عزيزاً وذليلاً، والعزةُ للّه جميعاً(١). وقال غيره : أما المُؤَيَّد ، فانقطع خبرُه ، ونُسي ذكره . وقال عُزيز في ((تاريخ القيروان)): إن المُؤَيَّدَ بالله هربَ بنفسِه من قرطبة ، فلم يزل فارّاً ومستخفياً حتى حجّ ، وكان معه كيسُ جوهٍ ، فشعر به حرَّابةُ مكةَ ، فأخذوه منه ، فمال إلى ناحيةٍ من الحرم ، وأقام يومين لم يَطْعَم طعاماً ، فأتى المروةَ ، فلقيه رجلٌ ، فقال له : تُحسِنُ تجبل الطينَ ؟ قال : نعم . فذهبَ به ، فلم يُحسن الجَبْل ، وشارط على درهمٍ ورغيفٍ ، فقال : عجِّل القرصَ ، فإني جائع . فأتاه به ، فأكلَه ، وعملَ حتى تعِبَ ، وهربَ ، وخرج مع الركبِ إلى الشام في أسوأٍ حالٍ ، فقدم القُدْسَ ، فمشىْ ، فرأى رجلاً يعمل الحُصُرَ ، فنظر إليه الرجلُ ، فقال : من أنت ؟ قال غريب . قال : تُحسِنُ هذه الصنعة ؟ قال : لا . قال : فتكونُ عندي تُناوِلُني (١) انظر ((الكامل)) لابن الأثير ٩ / ٢١٦ - ٢١٩. ١٣١ الحَلْفَاءِ(١) وأُعطيك أُجرةً ؟ قال : نعم . فأقام عنده يُعاونه ، ويأكُل معه ، فتعلّم صنعة الحُصُر ، وأقام بالقدس سنين ، ولم يَدْرِ به أحدٌ ، ثم رجعَ إلى الأندلس في سنة أربع وعشرين وأربع مئة . قال عُزِيزِ : فهذا نصُّ ما رواه مشايخُ من أهل الأندلس ، والذي ذكره ابنُ حزم في كتاب ((نُقط العروس)) أنه قال : أُخلوقةٌ لم يُسمع بمثلها : ظهر رجلٌ يُقال له خَلَفُ الحُصْري بعد اثنتين وعشرين سنة من موت المُؤَيّد بالله هشامٍ ، فُويع له ، وخُطِبَ له على منابرِ الأندلس في أوقاتٍ شَتّى ، وادُّعي أنه المُؤَيّد باللَّه هشام ، وسُفكت الدماءُ ، وتصادمت الجيوشُ في أمره . قالَ عُزَيْزٌ: فأقام المُدَّعى أنه هشامٌ نّفاً وعشرين سنة والقاضي محمدُ بنُ إسماعيل ابن عبّاد كالوزير بين يديه والأمرُ إليه ، فاستقام بذلك لابنِ عبّاد أكثرُ بلادٍ الأندلس ، ودفع عنه كلام الحُسّاد إلى أن مات هشامٌ . قلتُ : هذه الحكاية شبهُ خُرافة ، ومن بعد سنة ثلاث وأربع مئة انقطع خبرُ المُؤَيّد بالله ، وانتقل إلى اللهِ، وأظنُّه قُتل سراً ، فكان له حينئذٍ خمسون سنة ، وكان ضعيف الرأي ، قليلَ العقلِ، يُصدِّق بما لا يكون ، وله نَهْمةٌ في جمع البقر البُلْق(٢)، وأعطى مرةً مالاً عظيماً لمن جاءه بحافرِ حمارٍ ، وزعمَ أنَّه حافِرُ حمارِ العُزَيْرِ، وأتاه آخرُ بحَجَرٍ ، فقال : هذا من الصخرةِ . (١) قال الأزهري : الحلفاء : نبتّ أطرافه محدودة كأنها أطراف سعف النخل والخوص ، ينبت في مغايض الماء والنزور، الواحدة حَلَفه مثل قَصَبَة وقصباء ... وكان الأصمعي يقول : الواحدة: حَلِفَة. وقال سيبويه: الحَلْفاء واحد وجميع. ((تهذيب اللغة)) ٥ / ٦٩. وفي (((معجم متن اللغة)): قال الشهابي: هو من فصيلة النجيليات ، يكثر في الجزائر والمغرب والأندلس ، يصنعون بورقه الحصر والقفف والحبال ، ويستخرجون منها أليافاً وكاغداً . (٢) الْبَلَق: سواد وبياض، وارتفاع التحجيل إلى الفخذين . ١٣٢ ہے وأتاه آخرُ بشَعْرٍ قال: هذا من شعر النبيِّ ◌َ﴿. فقيل لهذا السبب : كان المنصورُ يمنعُ الناسَ من الاجتماع به . وقال بعضُ الناس : بل خنقه المَهْدِيُّ ، وأخرجه ميتاً كما ذكرنا ، فاللهُ أعلم ، وبالجملة فالذي جرى على أهل الأندلس من جُندها البربرِ لا يُحَدُّ ولا يُوصف ، عملوا ما يصنعه كُفّار التَّركِ وأبلغَ ، وأحرقوا الزَّهراء وجامعَها وقُصُورَها ، وكانت أحسنَ مدينةٍ في الدُّنيا وأطراها ، قال ابن نبيط : ثَلاثةٌ مِنْ طَبْعِها الفَسَادُ الفَأْرُ والْبَرْبَرُ والجَرَادُ وقال مُحيي الدين عبدُ الواحد بنُ علي التميمي المَرّاكُشِي في كتاب ((المعجب)) : دخلتِ البربرُ قُرطُبَةَ وعليهم سليمانُ المُستعين في شوال سنة ثلاثٍ وأربع مئة ، فقتلوا المُؤَيَّدَ بالله، وقُتل في هذه الكائنة بقُرطبة من أهلها نَيِّفٌ وعشرون ألفاً . ٧٩ - سُليمان المستعينُ بالله ﴾ ابنُ الحَكَم بن سليمان بن الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد ، الْأُمويُّ المروانيْ . دانت له الأندلسُ سنة ثلاث وأربع مئة كما ذكرنا ، جال بالبربرِ يُفسِدُ وينهب البلادَ ، ويعملُ كُلَّ قبيح ، ولا يُبقي على أحد ، فكان من جُملة جُنده القاسمُ وعليّ ابنا حَمُود بن ميمون العلويِّ الإدريسي ، فجعلهما قائدَين على * جمهرة الأنساب ١٠٢، جذوة المقتبس ١٩ - ٢٢، الذخيرة في محاسن الجزيرة : القسم الأول ، المجلد الأول / ٣٥ - ٤٨، بغية الملتمس ٢٤ - ٢٦، المعجب ٤٢ - ٤٥، الحلة السيراء ٢ / ٥ -١٢، البيان المغرب ٣ / ٩١، المختصر في أخبار البشر ٢ / ١٤٥، فوات الوفيات ٢ / ٦٢، ٦٣، تاريخ ابن خلدون ٤ / ١٥٠، ١٥١، نفح الطيب ١ / ٤٢٨ - ٤٣١. وسيكرر المؤلف ترجمته عقب الترجمة (١٧٣) . ١٣٣ البَرْبر ، وأمَّر عليّاً على سَبْتة وطَنْجة وتلك العُدوة، وأمَّرُ القاسِمَ على الجزيرة الخضراء . قال الحُميدي : لم يزل المُستعينُ يجولُ بالبَرْبَرِ يُفسِدُ وينهبُ ، ويُقِفِر المدائن والقُرى بالسَّيف ، لا يُبقي معه البَرْبَرُ على صغيرٍ ولا كبير ، إلى أن غَلَب على قُرْطُبة، ثم إنَّ عليّ بنَ حَمُّود الإِدريسي طَمِعَ في الْخِلَافة ، وراسل جماعةٌ ، فاستجابَ له خَلْقٌ ، وبايعوه ، فعدَّى من سَبْتة إلى الأندلس ، فبايعه مُتَولِّي مالقه ، واستحوذَ على الكبار ، وزحفَ إلى قُرطبة ، فجهّزَ المستعينُ لحربه ولدهَ محمدَ بنَ سُليمان ، فالتقوا، فانهزم محمدٌ ، وهجم ابنُ حَمُّد ، فدخل قُرطبةَ في الحال ، وظفر بالمُستعين ، فذبحه بيده صبراً ، وذبح أباه الحَكَم وهو شيخٌ في عَشر الثمانين ، وذلك في المحرم ، سنة سبع وأربع مئة ، وانقضت دولةُ المَروانية في جميع الأندلس(١). وكان المُستعين أدِيباً شاعراً ، عاش نيّفاً وخمسين سنة . وله تيك الأبيات المشهورة : (٢) : وأَهَابُ لَحْظَ (٣) فَوَاتِرِ الْأَجْفَانِ عَجَباً يَهَابُ اللَّيْثُ حَدَّ سِنَاني (١) ((جذوة المقتبس)) ١٩، ٢٠ بأطول مما هنا. (٢) قال الحميدي : وهذه الأبيات معارضة للأبيات التي تنسب إلى هارون الرشيد وأنشدنيها له أبو محمد عبد الله بن عثمان بن مروان العمري ، وهي : وحللن مِن قلبي بكُلِّ مكان ملك الثلاث الآنسات عناني مالي تُطاوعني البرية كُلُّها وأُطيعهن وهُن في عصياني ماذاك إلا أن سُلطان الهوى وبسه قوين أعزّ من سلطاني انظر ((جذوة المقتبس)) ٢١، ٢٢، و«الحلة السيراء٤ ٢ / ٩، و((الأخيرة)) ١ /١/ ٤٦، ٤٣٧ . (٣) في ((نفح الطيب)) و((فوات الوفيات)): ((سحر)). ١٣٤ وأُقَارِعُ الأَهْوَالَ لا مُتْهَيِّباً وتَمَلَّكَتْ نَفْسي ثَلاثٌ كالدُّمى كَكَواكِبِ الظُّلْماءِ لُحْنَ لِنَاظِرِ (١) منها سِوى الإِعْرَاضِ والهِجْرَانِ زُهْرُ الوُجُوهِ نَواعِمُ الأَبْدانِ مِن فَوْقِ أَغْصَارٍ على كُثْبَانٍ حُسْناً وهذي أُخْتُ غُصْنِ البَانِ هذي الهلالُ وتِلْكَ بِنْتُ المُشْتَرِي فَقَضىُ بِسُلْطانٍ على سُلْطاني حاكَمْتُ فِيهِنَّ السُّلُوَّ إلى الصبا (٢) عاشَ الهوىُ في غِبْطَةٍ وَأَمَانٍ(٣) وإذا تجاری في الھوی اَهْلُ الھوی ٨٠ ٪ علي بن حَمُّود بن مَيَمُون * ابن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثَنَّى بن ريحانةِ رسولِ الله ﴾ الحسن بن عليٍّ بن أبي طالب، الناصِرُ لدين الله ، الهاشميُّ ، العلويُّ الإِدريسيُّ. استولى على الأمر بقُرطبة في أول سنة سبع وأربع مئة كما قدّمنا ، وكَانت دولته اثنين وعشرين شهراً(٤)، ثم خالفَ عليه الموالي الذين قاموا بنصرِه وبيعَتِه ، فخرجوا عليه ، وقدّموا عليه الأميرَ عبدَ الرحمن بنَ محمد بنِ (١) في ((نفح الطيب)) و((الذخيرة)) و((فوات الوفيات)): لناظري. (٢) في ((نفح الطيب)): الرضى، وفي ((الحلة السيراء)): الهوى. (٣) الأبيات في ((جذوة المقتبس)) ٢١، و((الحلة السيراء )) ٢ / ٩ بزيادة خمس أبيات قبل البيت الأخير، و((نفح الطيب))١ / ٤٣٠، ٤٣١، و((الذخيرة)) ١ /١ /٤٧، ٤٨ عدا البيت الأخير وزيادة أربع أبيات، و((فوات الوفيات)) ٢ / ٦٣ عدا البيت الخامس والأخير وزيادة أربع أبيات . * جمهرة ابن حزم ٥٠، ٥١، جذوة المقتبس ٢٢، الذخيرة في محاسن الجزيرة القسم الأول، المجلد الأول ٩٦ - ١٠٢، بغية الملتمس ٢٧، الكامل لابن الأثير ٩ / ٢٦٩ - ٢٧٣، المعجب ٩٨، البيان المغرب ٣ / ١١٩ - ١٢٤، تاريخ ابن خلدون ٤ / ١٥٢، ١٥٣، الأعلام ١٢٨، نفح الطيب ١ / ٤٣١. وسيعيد المؤلف ترجمته عقب الترجمة رقم (١٧٠). (٤) وكان لقبه المتوكل على الله، وقيل الناصر لدين الله. انظر ((الجذوة)) و((الكامل)). ١٣٥ عبد الملك بن الناصر لدين الله الأموي، ولقبوه بالمُرْتَضى، وزحفُوا إلى غَرْنَاطة ، ثم ندموا على تقديمه لما رَأَوا من قُوَّتِهِ وصَرَامَتِه وثبات جَأْشِه ، فخافوا من غائلته، ففرُّوا عنه، ودسُّوا عليه من قتله غيلة(١). وأما عليُّ بنُ حَمُّود، فوثب عليه غلمانٌ له صَقالبَةٌ في الحمّامِ ، فَقَتَلُوه في آخر سنة ثمان وأربع مئة (٢). وخلّف من الأولاد يحيى المُعْتَلي وإدريس، فشيخُنا جعفرُ(٣) ابنُ محمد الإدريسي من ذُرِّيَّته ، حدثنا بمصر عن ابن باقا . ٨١ - القاسم بن حَمُّود بن ميمون * الإِدريسيُّ ، والي إمرة الأندلس بعد مقتل أخيه علي بن حُمود سنة ثمان (٤) . وكان هادئاً ساكناً ، أَمِنَ الناسُ معه ، وكان يتشيَّع قليلاً ، فبقي في المُلك الى سنة اثنتي عشرة وأربع مئة ، في ربيع الأول ، فخرج عليه ابنُ أخيه يحيى بنُ علي بن حمُّود المُعْتَلِي ، فهرب القاسِمُ من غير قِتالٍ إلى إشبيلية ، فاستمالَ البربر، وجمع وَحَشَد ، وجاء إلى قُرطُبة ، فهرب منه المُعْتَلي ، ثم اضطرب أمرُ القاسم بعد قليل ، وخَذَلهُ البربرُ ، وتفرَّقوا في سنة أربع عشرةً ، (١) انظر ((الكامل)) لابن الأثير ٩ / ٢٧١، ٢٧٢. (٢) انظر تفصيل ذلك في ((الذخيرة)) ١ / ١ / ١٠٠، ١٠١. (٣) ترجمة المؤلف في ((مشيخته)) الورقة ٤١ / ١. * جمهرة ابن حزم ٥٠، ٥١، جذوة المقتبس ٢٢ - ٢٤، الذخيرة في محاسن الجزيرة: القسم الرابع ، المجلد الأول / ٤٨١ - ٤٨٦، بغية الملتمس ٢٨، ٢٩، الكامل لابن الأثير ٩ / ٢٧٣ - ٢٧٦، البيان المغرب ٣ / ١٢٤ و١٣٣ و١٩٠، تاريخ ابن خلدون ٤ / ١٥٢، ١٥٣، ١٥٤، نفح الطيب ١ / ٤٣١، ٤٣٢. (٤) وقد تلقّب بالمأمون كما ذكرت مصادر الترجمة . ١٣٦ وتغلَّبت كُلُّ فرقةٍ على بلدٍ من الأندلس ، وجرتْ خطوبٌ وأمورٌ يطول شرحُها ، فلحق القاسِمُ بشَرِيش(١)، فقصدهُ المُعتلي، وحاصَرهُ، فظَفِرَ به ، وسجنَه دهراً، وأما أهلُ إشبيلية ، فطردُوا عنها ابني القاسم بنِ حَمُّود ، وأمَّروا عليهم ثلاثةً : قاضِي البلد محمد بن إسماعيل بن عبّاد ، ومحمد بن يريم الألْهاني ، ومحمد بن الحسن الزُّبيدي ، فساسوهم ، ثم تملّك عليهم القاضي ، وأظهر لهم ذلك الحُصْري الذي يُقال : إنه المُؤَيَّد كما قدّمنا ، وتملّك مالقة يحيى المُعتلي والجزيرةَ الخضراء(٢) ، وغلب أخوه إدريسُ بنُ علي على طَنْجة (٣)، وطال أسرُ القاسم ، وعاش ثمانين سنة ، ثم خُنق في سنة إحدى وثلاثين وأربع مئة . ٨٢ - يحيى بن علي بن حَمُّود المعتلي بالله * أبو زكريا العلويُّ الحسنُّ الإِدريسيُّ، وأمُّه علويَّةً أيضاً . غلب على أكثر الأندلس ، وتسمّى بالخِلافة ، واستناب على قُرْطُبةَ الأميرَ عبد الرحمن بن أبي عطّاف إلى سنة سبع عشرة ، ثم قُطعت دعوتُه عن قرطبة فتردد عليها بالعساكر إلى أن أطاعته جماعة البربر وسلموا إليه الحُصُونَ والقِلاع، وعظُم سلطانُه ، ثم قصد إشبيلية ، فحاصرها ، فخرج منها فوارسُ (١) شَرِيش : مدينة كبيرة من كورة شذونة ، وشذونة مدينة بالأندلس تتصل نواحيها بنواحي موزور من أعمال الأندلس. ((معجم البلدان)) ٣ / ٣٢٩. (٢) قال في ((الجذوة )) : وهي كانت معقِلَ القاسم ، وبها كانت ذخائره. (٣) في ((الجذوة)): وهي كانت عُدَّة القاسم التي يلجأ إليها إن رأى ما يخاف بالأندلس. * جذوة المقتبس ٢٤ ، الذخيرة في محاسن الجزيرة : القسم الرابع ، المجلد الأول / ٣١٦ - ٣١٨، بغية الملتمس: ٣٠، الكامل لابن الأثير ٩ / ٢٧٤ - ٢٧٩، المعجب ٥٠ - ٥٤، البيان المغرب ٣ / ١٨٨، تاريخ ابن خلدون ٤ / ١٥٣، أعمال الأعلام ١٣٦، بلغة الظرفاء ٤٢ ، نفح الطيب ١ / ٤٣١ . ١٣٧ وهو حينئذٍ سكرانُ، فحمَلَ عليهم وكانوا قد أكمنوا له ، فقتلوهُ في المحرم ، سنة سبع وعشرين وأربع مئة(١) . .. ولما انهزم البربرُ مع القاسم بن حُود من قرطبة ، اتفق رأيُ أهلها على ردّ الأمر إلى بني أُميَّة، فاختاروا عبد الرحمن (٢) بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله أخا(٣) المهدي (٤)، فبايعوهُ في رمضان سنة أربع عشرة، ولقّبوه بالمستَظهر بالله ، وله اثنتان وعشرون سنة . ثم قام عليه نسيبُه محمدُ بنُ عبد الرحمن في طائفة من سَفِلَة العوامِّ ، فقتلوا اُلمستظهرَ بعد شهرين ، وكان قد وزر له أبو محمد بن حزم الظاهريُّ ، فأثنى على اُلمستظهر، وقال : كان في غايةِ الأدب والبلاغة والذكاء ، رحمه الله . وقَوِيَ أمرُ محمدٍ بن عبد الرحمن بن عُبيد الله بن الناصر الأموي ، ولقّبوه بالمستكفي بالله (٥)، فُويع وله ثمان وأربعون سنة ، فتملّك ستةَ أشهر ، وكان أحمقَ ، قليلَ العقل، وزر له أحمدُ بن خالد الحائك ، ثم قُتل وزيرُه ، وخُلع هو ، وسجنوه ثلاثاً لم يُطعموه فيها شيئاً، ثم نَفَوه المُعَثَّر، فلحق بالثغور ، وأضمرته البلادُ ، وقيل : بل سُمَّ في دجاجة ، فهلكَ ، وعاد أمرُ الناس إلى اُمُعْتلي . فلما غاب المعتلي ، أجمع أهل قرطبة على ردِّ الأمر إلى بني أُميّة ، ونهض (١) ((جذوة المقتبس)) ٢٤، ٢٥، و((الكامل)) لابن الأثير ٩ / ٢٧٨، ٢٧٩. (٢) وهو المستظهر بالله ، سترد ترجمته في هذا الجزء برقم (٢١٥) . (٣) في الأصل: ((أخو)) وهو خطأ . (٤) وهو محمد بن هشام بن عبد الجبار ، تقدم الحديث عنه في ترجمة المؤيد بالله هشام رقم (٧٨) . (٥) سترد ترجمته في هذا الجزء برقم (٢٥٨). ١٣٨ بذلك الوزيرُ أبو الحزم جَهْوَرُ بنُ محمد بن جهور ، وبایعوا أبا بكر هشام(١) بن محمد بن عبد الملك بن الناصر لدين الله ، ولُقِّب بالمعْتَدِّ بالله في ربيع الأول سنة ثماني عشرة ، وله أربعٌ وخمسون سنة ، فبقي ينتقلُ في الثغور ، ودخل قُرطبة في آخر سنة عشرين ، فلم يلبث إلا يسيراً حتى قامت عليه طائفةٌ من الجند ، وجرتْ أمورٌ يطولُ شرحُها ، ثم خلعوه ، وأُخرج من قصره والنساءُ مهتكات حافيات ، إلى أن دخلوا الجامعَ في هيئة السبايا ، فبقُوا هنالك أياماً يتعطّف عليهم الناس بالطعام إلى أن خرجوا من قُرطبة ، فلحق هشامٌ هذا بابن هود اُمتغلّب على سَرَقُسْطَة ولاردة وطَرْطُوْشَة، فأقام عنده إلى أن مات سنة سبع وعشرين في العام الذي قُتل فيه المعتلي . فهذا آخرُ ملوكِ بني أمية مُطلقاً ، وتفرقت الكلمةُ ، وصار في الأندلس عدة ملوك . ٨٣ - جَهْور بنُ محمد بنِ جهْور * الرئيس أبو الحزم القُرطبيُّ الوزيرُ ، من بيت رئاسةٍ ووزارة ، من دُهاة الرجالِ وعُقلائهم ، دبّر أمرَ قُرطبة ، واستولى عليها، لكنه من عقله لم يتسمُّ بالإِمرة ، ورتّب البوّابين والحشَمَ على بابِ القصر ، ولم ينتقل من بيته ، وأنفقَ (١) (انظر ((جذوة المقتبس)) ٢٧ وما بعدها، و((بغية الملتمس)) ٣٤، و((الكامل) ٩ / ٢٨٢٠، و((نفح الطيب)) ١ / ٤٣٨. * جمهرة الأنساب ٩٣ ، جذوة المقتبس ٢٨، ٢٩ و١٨٨، مطمح الأنفس ١٦، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة : القسم الأول ، المجلد الثاني / ٦٠٢ - ٦٠٥، الصلة لابن بشكوال ١ / ١٣١، بغية الملتمس ٣٤، ٣٥ و٢٦٠، الكامل في التاريخ ٩ / ٢٨٤، ٢٨٥، الحلة السيراء ٢ / ٣٠ - ٣٤، المغرب في حلي المغرب ١ / ٥٦، البيان المغرب ٣ / ١٨٥، دول الإسلام ١ / ٢٥٧، العبر ٣ / ١٨٣، تاريخ ابن خلدون ٤ / ١٥٩، شذرات الذهب ٣ / ٢٥٥ . ١٣٩ في الجند الأموالَ، وأقام العُمال، وفرّق العُدَدَ على العامة (١). وكان على طريقة الرُّؤساء الصالحين ، فاستمرّ أمرُ الناس معه مُستقيمًا إلى أن تُوفي في صفر ، سنة خمسٍ وثلاثين وأربع مئة . فقام بعده ابنُه الرئيس أبو الوليد محمدُ بن جهور ، فجری في السياسة على منهاج أبيه سواء ، وبقي كذلك مدة سنين . وكان والدُه أبو الحزم من كبار العلماء روى عن أبي عبد الله بن مفرج ، وخلف بن القاسم ، وعباس بن أصبغ ، وجماعةٌ . روى عنه : محمدُ بن عتّاب ، وغيره . وكان من صغارٍ وزراء دولةٍ ابنٍ أبي عامر . وكان يقول : أنا ممسِكٌ أمرَ النّاسِ إلى أن يتهيّأَ لهم من يَصلُح للخلافة . فاستقل بالسّلطنة ، واستراحَ من اسمِها ، وكان يجعلُ ارتفاع الأموالِ ودائعَ عند التّجار ومُضاربة (٢) . وكان يعودُ المرضى ، ويشهدُ الجنائز وهو بزيِّ الصالحين ، وله هيبةٌ عظيمةٌ ، وأمرٌ مطاع، عاش إحدى وسبعين سنة . وأما ابنه : ٨٤ - أبو الوليد * (١) في ((جذوة المقتبس)) ٢٩، و((الحلة السيراء)) ٢ / ٣٣: وفرَّق السلاح عليهم ، وأمرهم بتفريقه في الدکاکین وفي البیوت حتى إذا دهم أمر في ليل أو نهار ، كان سلاح كل واحد معه . وانظر ((الكامل)) ٩ / ٢٨٥. (٢) قال الحميدي : وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك . انظر (((جذوة المقتبس)) ٢٨، ٢٩، و((الحلة السيراء)) ٢ / ٣٢، و«الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة )) ٦٠٣/٢/١، و((الكامل)) ٢٨٥/٩، وانظر ص ٥٢٥ من هذا الجزء . * الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة : القسم الأول ، المجلد الثاني / ٦٠٤ ، الصلة لابن = ١٤٠