Indexed OCR Text

Pages 201-220

وعندما ماتَ الآمر قبْله، قال الجُهال: هذا بيتٌ لا يموتُ إمامٌ منهم
حتى يخلِّفَ ابناً ينصُّ على إمامته، فخلَّف الآمرُ حَمْلًا فكان بنتاً(١).
وكان الحافظ يعتريه القُولَنْجِ ، فَعَمِلَ له شيرماه الدَّيْلَمِيُّ طَبْلاً مُرَكَّباً من
سبعة معَادنَ فِي شَرَفِ الكواكب السُّبْعَة ، فكان مَنْ ضَرَبَهُ وبه قُولَنْج ، انفشِّ
منه ريح كثيرٌ ، فوجَدَ راحةٌ(٢). فوجده السُّلْطان صلاحُ الدِّين في خَزَائنهم ،
فَضَرَبَ به أميرٌ كرديٍّ فَضَرَطَ، فَغَضِبَ وَشَقُّه ، ولم يعلَم منفَعَتْه(٣).
وكان الحافظُ كلَّما أقامَ وزيراً تمكُّن. وحَكَمَ عليه، فيتألَّمُ ويتحيَّلُ
عليه ، وَيَعْمَلُ على هلاكِهِ ، منهم ، رضوان ، فسجنَه سبعَ سنين ،
وكان قد قَدِمَ الشَّامَ ، وَجَمَعَ جُموعاً ، وقاتَلَ المِصْرِيين ، وقاتَلَهُمْ على باب
القَاهِرة، وانْتَصَرَ ، ثُمَّ دَخَلَها، فاعتقله الحافظُ عنده معزَّزاً في القصر ، ثم
نقب الحبس ، وراح إلى الصَّعيد، وأقبل بجمعٍ عظيمٍ ، وحارَبَ ، فكانَ
المُلْتَقَى عند جامع ابن طولون ، فانتصر وتملَّكَ ، فَبَعَثَ إليه الحافظُ بعشرينَ
ألفٍ دينارٍ ، رسمَ الوزَارَة ، فما رضيَ حَتى كمل له ستينَ ألفاً ، ثم بعثَ إليه
عِدَّةً من المماليك ، فَقَاتَلَهُمْ غِلْماتُهُ وهو . فَقُتِلَ ، وبقي الحافظ بلا وزيرٍ عَشْرَ
سنين (٤).
ولمَّا قُتِلَ الأكمل(٥)، أقام في الوَزَارة يانس(٦) مولاه فَكَبُرَ يانس،
(١) ((وفيات الأعيان)): ٣ / ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٢) المصدر السابق .
(٣) ((النجوم الزاهرة)»: ٥ / ٣٣٥.
(٤) انظر ((الكامل)): ١١ / ٤٨ - ٤٩ .
(٥) هو أبو علي أحمد بن الأفضل ، الذي مَرَّ ذكره في أول الترجمة .
(٦) لم يراع الإمام الذهبي هنا الترتيب الزمني للأحداث، فإن وزارة يانس كانت سنة /٥٢٦/ =
٢٠١

وتعدَّى طَوْرَه، فسقِي(١) .
ثم وَزَرَ له وَلَّدُه الحَسَنِ ، فَكَان شرِّ وَزِيرٍ ، تَمَرِّدَ وَطَغَى، وَقَتَلَ أربعينَ
أميراً ، إلا أنّه كان فيه تسنُّنٌ ، فخافَه أبوه ، وجهَّز له عسكراً فتحاربُوا أياماً ،
ثم سَقَاه أبوه(٢) .
وقد امتدَّتْ أيامهُ(٣) . ومات في خامس جُمادى الأولى سنةً أربعٍ
وأربعينَ وخمس مئة ، فكانت دولتُه عشرينَ سنةً سوى خمسة أشهر . وعاش
سبعاً وسبعينَ سنةً . فما بَلَغَ أحدٌ هذا السنَّ من العُبيدية ، وقام بعده ولدُه
الظّافر (٤).
٧٦ - الظَّافِرُ باللّه *
صاحِبُ مِصْرِ الظَّافِرُ بالله أبو منصور إسماعيلُ بنُ الحافظِ لدينِ الله عبدِ
المجيدِ بنِ محمدِ بنِ الْمُسْتَنْصِر مَعَدِّ بنِ الظَّاهر علي بنِ الحاكم ، العُبيديُّ
المِصْرِيُّ الإِسْمَاعِيليُّ، من العُبيديّة الخارجين على بني العبّاس .
ولي الأمرَ بعد أبيه خمسةً أعوامٍ . وكان شابّاً جميلاً وَسيماً لعَّاباً عَاكِفَاً
على الأغاني والسُّراري .
= وقد ذكر قبلها وزارة رضوان ، مع العلم أنها كانت سنة / ٥٣١ / هـ .
(١) انظر ((الكامل)): ١٠ / ٦٧٣ .
(٢) انظر ((الكامل)): ١١ / ٢٢ - ٢٤، و((اتعاظ الحنفا)): ٣١٩ - ٣٢٣.
(٣) أي الحافظ لدين الله .
(٤) ((الكامل)) ١١ / ١٤١ - ١٤٢.
* الكامل: ١١ / ١٤١، وما بعدها، وفيات الأعيان: ١ / ٢٣٧ - ٢٣٨، العبر: ٤ /
١٣٦، البداية والنهاية: ١٢ / ٢٣١، تاريخ ابن خلدون: ٤ / ٧٣ - ٧٥ - خطط المقريزي :
٢ / ٣٠، النجوم الزاهرة: ٥ / ٢٨٨ - ٢٩٧، تاريخ ابن إياس: ١ / ٦٥ - ٦٦، شذرات
الذهب : ٤ / ١٥٢ - ١٥٣.
٢٠٢

اسْتَوْزَرَ الأفضلَ سُلَيم (١) بنَ مَصَال فَسَاسَ الإِقليمَ .
وانقطعتْ دَعْوَتُه(٢) ودعوةُ أبيه من سائرِ الشَّام والمغرب والحَرَمِّين .
وبقي لهم إقليم مِصْرَ .
ثم خَرَجَ على ابنِ مصال العادلُ ابنُ السَلَّر (٣) ، وحاربَه وظَفِرَ به ،
واستأَصَلَه، واستبدّ بالأمرِ. وكان ابنُ مصالٍ من أجلِّ الأمراء، هَزَمَهُ عسْكَرُ
ابن السلّر بِدَلاص(٤)، وأتوا برأسه على قناةٍ(٥) وكان عليُّ بِنُ السَّلّر
من أمراءِ الأكرادِ ومن الأبطَالِ المشهورينَ ، سُنِّيّاً مُسْلِمَاً حَسَنَ المعتقَد شافعياً،
خَمَدَ بولايته نائرة الرَّفض. وَقَدْ ولي أولاً الثَّغر (٦) مدّة، واحترم
السِّلَفي (٧)، وأنشأ له المدرسةَ العَادِلية، إلاّ أنّه كان ذا سَطوة، وَعَسْف ،
وأخْذ على التُّهمةِ، ضَرَبَ مرةٌ دُقَاً ومِسْمَاراً على دِمَاغِ المُوَفَّق متولي الدِّيوان
لكونِهِ في أوائل أمْره شكا إليه غرامة لَزِمَتْهُ في ولايته ، فقال : كلامك ما يدخلُ
في أُذُنِي ، فبقي كلَّما دخل المِسْمَار في أُذُنه يستغيثُ ، فيقول : أَدَخَلَ كلامي
بعدُ فِي أُذُنِكَ(٨)؟ .
وقَدِمَ من إِفْرِيقية عباسُ بنُ أبي الفتوح (٩) بنِ الملك يحيى بن تميم بنِ
(١) هكذا ضبط في الأصل. وترجمته في ((وفيات الأعيان)) : ٣ / ٤١٦ - ٤١٧.
(٢) أي : الظافر بالله .
(٣) أخباره في ((الكامل)): ١١ / ١٤١ - ١٤٢، وله ترجمة في ((وفيات الأعيان)): ٣ /
٤١٦ - ٤١٩ .
(٤) كورة بصعيد مصر على غربي النيل .
(٥) ((وفيات الأعيان)): ٣ / ٤١٦.
(٦) أي : الإسكندرية .
(٧) هو الحافظ المشهور أحمد بن محمد بن سِلَفة. له ترجمة في (( وفيات الأعيان)) : ١ /
١٠٥ - ١٠٧، وسترد ترجمته في الجزء ٢١ من هذا الكتاب .
(٨) ((وفيات الأعيان)): ٣ / ٤١٧.
(٩) في الأصل: ابن أبي الفتح وما أثبتناه من ((وفيات الأعيان)): ٣ / ٤١٧.
٢٠٣

المُعِزّ بن باديس مع أمّه صبيّاً. فتزوّج العادلُ بها قبلَ الوَزَارَة، فتزوّج عَبَّاسٌ،
وَوُلِدَ له نَصْرٌ ، فَأَحَبَّه العادل ، ثُمَّ جَهَّز أباه للغزو، فلمَّا نزل بِيِلْبِيس، ذاكره
ابنُ مُنْقِذ(١)، وَكَرِهَا البيكارَ(٢)، فَاتَّفَقًا على قَتْلِ العَادِلِ، وأن يأخذَ
عَبَّاس مَنصَبَه . فَذَبَح نَصْرُ العادلَ على فراشِهِ في المحرم سنة ٥٤٨ ، وتملَّكَ
عَبَّاس وتمكّن(٣) .
وكان ابنُهُ نَصْر من المِلاحِ . فمال إليه الظَّافر وأحبُّه، فاتَّفَقَ هو وأبوه
عَبَّاس على الفَتْكِ بالظَّافر(٤) . فَدَعَاه نصرٌ إلى دارِهِم ليأتي متخفياً ، فجاء
إلى الدَّار التي هي اليوم المدرسة السُّيوفية. فشدَّ نَصْرٌ عليه فَقَتْلَه وَطَمَرَه في
الدار . وذلك في المُحَرَّم سنةَ تسعٍ وأربعين [ وخمس مئة ] . فقيل كان في
نِصْفه(٥)، وعاشَ الظَّافر اثنتين وعشرين سنةٌ .
ثم رَكِبَ عَبّاس من الغَدِ وأتى القصر . وقال : أين مولانا ؟ فطلبوه
فَفَّقَدُوه . وَخَرَجَ جبريلُ ويوسف أخو الظَّافر، فقال: أين مولانا؟ قالا: سَلْ
ابنَكَ، فَغَضِبَ. وقال: أنتما قَتَلْتُمَاه، وَضَرَبَ رِقَابَهُمَا في الحالِ (٦).
(١) أسامة بن منقذ الكناني ، أمير ، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر (قرب حماه )
ومن العلماء الشجعان، له تصانيف في الأدب والتاريخ. ومن أمتع كتبه ((الاعتبار)) نحا فيه منحى
السيرة الذاتية . توفي سنة / ٥٨٤ / هـ بدمشق .
له ترجمة في ((معجم الأدباء)»: ٥ / ١٨٨ - ٢٤٥، و((وفيات الأعيان)): ١ / ١٩٥ -
١٩٩، وسترد ترجمته عند المؤلف .
(٢) الحرب . وتأتي بمعنى : ميدان الحرب.
(٣) ((وفيات الأعيان)): ٣ / ٤١٧ - ٤١٨. وقد ذكر أسامة بن منقذ خبر قتل العادل ،
وأنه كان بالإتفاق مع الظافر انظر ((الاعتبار)) ١٨.
(٤) يذكر أسامة بن منقذ أن الظافر حمل نصراً على قتل أبيه ، فاطلع والده على الأمر فلاطفه
واستماله وقرر معه قتل الظافر . انظر الاعتبار : ١٩ - ٢٠ .
(٥) ((وفيات الأعيان)): ١ / ٢٣٧.
(٦) المصدر السابق .
٢٠٤

٧٧ - الفَائِزُ باللّه »
صاحِبُ مِصْرَ أبو القاسم عيسى بنُ الظَّافِرِ إسماعيلَ بنِ الحافظِ عبدِ
المجيدِ بنِ محمدِ بنِ المستنصر بالله العبيديُّ المِصْرِيُّ .
لما اغتال عَباس الوزير الظَّافر، أَظْهَرَ القَلَقَ، ولم يكن عَلِمَ أهلُ
القَصْرِ بِمَقْتَلِهِ . فَطَلَبُوهُ في دور الحُرَم فما وَجَدوهِ . وفَتَّشوا عليه وأيسوا مِنْه .
وقال عباسٌ لأخويه : أنتما الّذين قَتَلْتُمَا خَليفَتْنَا، فأصرًّا على الإِنكار،
فَقَتَلَهُمَا نَفْياً للَّهْمة عنه . واستدعى في الحالِ عيسى هذا، وهو طفلٌ له
خمسُ سنِينَ ، وقيل : بل سنتانٍ فحمله على كَتِفِهِ ، وَوَقَفَ باكياً كئيباً ، وأمر
بأنْ تَدْخُل الأمراءُ، فدخلوا، فقال: هذا وَلَدُ مولاكم، وقد قَتَلُ عَمَّاه
مولاكُمْ، فقتلتُهُما به كما تَرَوْن . والواجِبُ إخلاصُ النية والطَّاعَةِ لِهذا
الولد . فقالوا كلُّهم : سمعاً وطاعةٌ، وضجُّوا ضجَّةً قويةً بذلك . فَفَزِعَ
الطّفلُ، وبال على كَتِفِ الملكِ عَبّاس. ولقَّبوه الفائزَ، وبعثوه إلى أُمّه ،
واخْتُلَّ عَقْلُه من حينئذٍ ، وصارَ يتحرّكُ ويُصْرَعُ، ودانَتْ الممالكُ
لعباسٍ(١) .
وأما أهْلُ القَصْرِ، فاطّلعُوا على باطِنِ القَضِيَّة، وأقاموا المآتمَ على
الثَلاثَةِ، وتحيَّلوا ، وكاتبوا طلائعَ بنَ رُزِّيك الأرْمني الرَّافضي(٢)، والي
* الكامل: ١١ / ١٩١، وما بعدها، وفيات الأعيان: ٣ / ٤٩١ - ٤٩٤، العبر: ٤ /
١٥٦، البداية والنهاية: ١٢ / ٢٤٢، تاريخ ابن خلدون: ٤ / ٧٥ - ٧٦، خطط المقريزي:
١ / ٣٥٧، النجوم الزاهرة : ٥ / ٣٠٦ - ٣١٧، تاريخ ابن اياس: ١ / ٦٦ - ٦٧ شذرات
الذهب : ٤ / ١٧٥ .
وقد ورد في أغلب المراجع ((الفائز بنصر الله)).
(١) وفيات الأعيان)) : ٣ / ٤٩١ - ٤٩٢.
(٢) لقب بالملك الصالح. كان شجاعاً حازماً مدبراً، أصله من الشيعة الإمامية في =
٢٠٥

الْمُنْيَةَ(١) ، وكان ذا شهَامَةٍ وإِقْدَامٍ. فسألوه الغوثَ، وَقَطّعُوا شعورَ النِّساءِ
والأولادِ ، وسيَّروها في طَيِّ الكتاب وسخُّمُوه، فلما تَأمُّلَهُ اطْلَعَ مَنْ حَوْلَه مِنْ
الجُنْدِ عليه، وَبَكَوْا . ولبسَ الحدادَ، واستمال عربَ الصَّعيدِ، وَجَمْعَ
وَحَشَدَ ، وكاتَبَ أمراءَ القاهرةِ ، وهيَّجَهُمْ على طَلَبِ الثّْرِ، فأجابوه . فسارَ
إلى القاهرة ، فبادر إلى ركابه جمهورُ الجيش ، وبقي عباسٌ في عسكرٍ
قليل . فخارت قواه وهَرَبَ هو وابنُهُ نصر ومماليكه والأميرُ ابنُ منقذ(٢) .
ونقل ابنُ الأثير أن أسامةَ هو الذي حَسَّنَ لعَبَّاس وابنِهِ اغتيالَ الظَّافِرِ
وقتْلِ العَادلِ . وقيل : إن الظَّافِرَ، أَقْطَعَ نَصَرَ بنَ عَبّاس قليوبَ (٣) . فقال
أسامة : ما هي في مَهْرِك بِكثيرٍ(٤).
ثَّ قَصَدَ عَبَّاسُ الشَّام على ناحية أيْلَه(٥) في ربيع الأول ، فما كانت
أيامُهُ بَعْدَ قْلِ الظَّافِرِ إلا يسيرة ، واستولى الصالحُ طلائع بنُ رُزِّيك علی دیارٍ
مِصْر بلا ضَرْبَةٍ ولا طَعْنَةٍ ، فَنَزَلَ إلى دَارِ عَبَّاس ، وَطَلَبَ الخادمَ الصَّغير الذي
كان مع الظَّافر، وسألَه عن المكان الذي دُفِنَ فيه أُستاذه، فأعْلَمَهُ ، فَقَلَعَ
بلاطَه ، وأُخْرَجَ الظَّافَرَ وَمَنْ مَعَه من القَتْلَى. وحُمِلُوا وناحوا عليهم . وتكفِّل
طلائعُ بالفَائِزِ، ودَبَّرِ الدَّولةِ(٦).
وَجَهَّزَتْ أُختِ الظَّافر رسولاً إلى الفرنج بِعَسْقَلان ، وَبَذَلَتْ لهم مالاً
= العراق، مات غيلة سنة / ٥٥٦ / هـ له ترجمة في ((وفيات الأعيان)): ٢ / ٥٢٦ - ٥٢٩.
(١) منية بني خصيب ، من أعمال صعيد مصر .
(٢) ((وفيات الأعيان)): ٣ / ٤٩٢.
(٣) تقع شمالي القاهرة ، وعلى بعد خمسة عشر كيلومتراً منها .
(٤) ((الكامل)): ١١ / ١٩١ - ١٩٢.
(٥) مدينة على ساحل البحر مما يلي الشام .
(٦) ((وفيات الأعيان)): ٣ / ٤٩٣.
٢٠٦

عظيماً إن أسروا لها عباساً وابنَه، فخرجوا عليه، فالْتَقَاهُمْ، فَقُتِلَ في
الوقعة ، وأُخِذَتْ خَزَائِنُهُ ، وأسروا ابنَه نَصْراً، وبعثوه إليها في قَفَّص حديد ،
فلمَّا وَصَلَ ، قَبَضَ رسولُهم المالَ ، وذلك في ربيع الأول سنة خمسين ،
فقُطِعَتْ يَدُ نصر ، وضُرِبَ بالمقارِعِ كثيراً ، وقُصَّ لحمه ، ثم صُلِبَ فمات ،
فبقي معلّقاً شهوراً ، ثم أحرِق(١) .
وقيل: تسلّمه نساءُ الظَّافِرِ، فَضَرَبْنَه بالقباقيب، وأَطْعَمنَه لحمَه(٢).
ماتَ الفائزُ في رجب سنةً خمسٍ وخمسينَ وخمس مئة . وله نحو من
عَشْرٍ سنين . وبايعوا العاضد(٣).
٧٨ - العَاضِد *
صَاحِبُ مِصْرَ العَاضِدُ لدين الله خَاتَمُ الدَّوْلِة العبيدية أبو محمد عبدُ اللهِ
ابنُّ الأمير يوسفَ بنِ الحافظِ لِدينِ اللهِ عبدِ المجيدِ بنِ محمدِ بنِ المُسْتَنْصِرِ ،
العُبيديُّ الحاكميُّ المِصْريُّ الإِسْماعيليُّ المدَّعي هو وأجْدَادُه، أَنَّهم
فاطميون .
مولده سنَّةً ستٍ وأربعينَ وخمس مئة .
(١) انظر ((الاعتبار)): ٢٣ - ٢٧ .
(٢) ((النجوم الزاهرة: ٥ / ٣١٠ - ٣١١.
(٣) ((وفيات الأعيان)): ٣ / ٤٩٤.
* الكامل: ١١ / ٢٥٥ وما بعدها، وفيات الأعيان: ٣ / ١٠٩ - ١١٢، العبر: ٤ /
١٩٧ - ١٩٨، البداية والنهاية: ٢٦٤/١٢ - ٢٦٨، تاريخ ابن خلدون: ٧٦/٤ - ٨٢، خطط
المقريزي: ١ / ٣٥٧ - ٣٥٩، النجوم الزاهرة: ٥ / ٣٣٤ - ٣٥٧، تاريخ ابن إياس : ١ /
٦٧ - ٦٨، شذرات الذهب: ٤ / ٢١٩ - ٢٢٠، ٢٢٢ - ٢٢٣.
٢٠٧

أقامه طلائعُ بنُ رُزِّيك(١) بعدَ الفائز، فكان من تحت حِجره ، لا حَلَّ
لديه ولا رَبْط . وكان العاضد سَبَّاباً خبيثاً مُتَخَلِّفَاً .
قال القاضي شمسُ الدِّين بْنُ خَلِّكان : كانَ إذا رأى سُنََّ اسْتَحَلَّ دَمَه،
وسار وزيرُه الملكُ الصالحُ طلائعُ سيرةً مَذمومَة، واحتكر الغَلَّت ، وقتل
عِدَّةَ أُمَراء ، وأَضْعَفَ أحوالَ الدَّوْلةِ بقْلِ ذوي الرأي والبَأْسِ ، وصَادَرَ
وَسَف(٢) .
وفي أيام العَاضِدِ أَقَبْلَ حسينُ بنُ نزارٍ بن المُسْتَنْصر بنِ الظَّاهر،
العُبيدِيُّ من الغَرْبِ في جَمْع كثيرٍ ، فلما قَارَبَ مِصْرَ غَدَرَ به خواصُّه ، وقبضُوا
عليه ، وأَتَّوْا به العَاضِدَ ، فذبحه في سنةٍ سبعٍ وخمسينَ(٣) . وتزوَّجِ العَاضِدُ
بنتِ طلائع، وأَخَذ طلائعُ في قَطْع أخبار العَسْكَرِ والأمراءِ ، فَتَعَاقَدُوا بموافقةٍ
العَاضِدِ لهم على قَتْلِه، فَكَمَنَ له عِدَّةٌ في القَصْرِ، فَجَرحُوه ، فَدخل
مماليكُه ، فَقَتَلُوا أولئك، وحَمَلُوه ، فما أَمْسى . وذلك في رمضانَ سنةً ستٍ
وخمسين(٤) .
وَوَلي مكانَه وَلَدُهُ الملكُ العَادِلُ رُزِّيك(٥) . وكان مليحَ النَّظْمِ ، قويّ
الرَّفْضِ، جَوَاداً شُجَاعاً ، يُناظرُ على الإِمامةِ والقدَر ، وعَمِلَ قَبْلَ مَوْتِهِ بثلاث
[ليالٍ](٦):
(١) انظر ص / ٢٠٥ / تعليق / ٢ / من هذا الجزء.
(٢) ((وفيات الأعيان)): ٣ / ١١٠.
(٣) المصدر السابق، ((وقيل: إن ذلك كان في أيام الحافظ عبد المجيد)).
(٤) انظر ((الكامل)): ١١ / ٢٧٤ - ٢٧٦.
(٥) ترجمته في ((النكت العصرية)): ٥٢ - ٦٧، و((وفيات الأعيان)): ٢ / ٥٢٩ -
٥٣٠ .
(٦) زيادة من ((النكت العصرية)): ٤٨ .
٢٠٨

نحن في غَقْلَةٍ ونَوْمٍ وللمو ت عيونٌ يَقْطَانَةٌ لا تَنَامُ
ليْتَ شِعري متى يكونُ الحِمامُ(١)؟
قد رَحَلْنا إلى الحِمام سِنيناً
ولعمارة اليمني(٢) فيه قصائد ورثاء ، منها في جنازته :
في جَانبيه سَكينةٌ وَوَقَارٌ
وكأنَّها تابوتُ (٣) موسى أُودِعَتْ
تابوتِه وعلى الكَريم يُغَارُ(٥)
وتغاير الحَرَمانِ والهَرمانِ(٤) في
نَعَمْ ، وَوَزَرِ للعاضِد الملكُ أبو شجاعٍ شاوَرُ السَّعديُّ ، وكان على نيابِةٍ
الصَّعيد من جهةٍ طلائع، فَقَوِي ، ونَدِمَ طلائعٌ على تَوْليته لفروسيته
وشَهامته، فأوصى طلائعٌ وهو يموت إلى ابنِهِ أن لا يهيجَ(٦) شَاوَرَ .
ثم إن شاورَ حَشَدَ وَجَمَعَ ، واخترقَ البَريَّة إلى أن خرجَ من عند
تَرْوَجَةِ(٧)، وَقَصَدَ القَاهِرَةَ، فدخلَها من غير مُمانعة، ثمَّ فَتَكَ
بُرُزِّيك وتمكَّن (٨) .
(١) ((النكت العصرية)): ٤٩. وانظر أخباره وأشعاره في ((خريدة القصر)) قسم شعراء
مصر: ١٧٣/١ - ١٨٥ .
(٢) هو عمارة بن علي ، نجم الدين ، مؤرخ، فقيه ، أديب ، من أهل اليمن قدم مصر
برسالة من أمير مكة ، فأحسن الفاطميون إليه ، وبالغوا في إكرامه ، فأقام عندهم ومدحهم . ولما
زالت دولتهم اتفق مع سبعة من أعيان المصريين على الفتك بصلاح الدين الأيوبي ، فقبض عليهم
صلاح الدين وصلبهم في القاهرة - وعماره من جملتهم سنة / ٥٦٩ / هـ .
انظر أخباره في كتاب ((النكت العصرية))، و((وفيات الأعيان)): ٤٣١/٣ - ٤٣٦.
(٣) في الأصل: وكأنه. وما أثبتناه من ((النكت العصرية)) : ٦٤ .
(٤) في ((النكت العصرية)): ((وتغاير الهرمان والحرمان ... )).
(٥) البيتان من قصيدة طويلة في ((النكت العصرية)) : ٦٤.
(٦) ((وفيات الأعيان)): ٢ / ٤٤٠.
(٧) قرية بالقرب من الإسكندرية .
(٨) ((وفيات الأعيان)): ٢ / ٤٤٠.
سير ١٤/١٥
٢٠٩

ثُمَّ قَدِمَ دمشق جريدةً إلى نورِ الدِّين مستنْجداً به ، فَجَهَّز معه
شِيركُوه (١) ، بل بَعْدَه بسنةٍ ، فاستردّ له الوَزَارةِ(٢)، وتمكَّنَ، ولم يجازِ
شِيرُكُوه بما يليقُ به ، فأضمَرَ له الشِّرَّ، واستعانَ شاور بالفِرنج ، وَتَحصَّن
منهم شِيركوه ببلْبِيس ، فحصروه مدَّة، حتى مَلُّوا(٣) .
واغتنم نورُ الدين خُلوّ السَّاحلِ منهم فَعمِلَ المصافَّ على حَارم (٤).
وأَسَرَ ملوكاً في سنةٍ تسعٍ وخمسينَ (٥) .
وَرَجَعَ شِيركوه بَعْدَ أمورٍ طويلةِ الشَّرْحِ (٦).
ثم سيَّر العاضِدُ، يَستنجِدُ بشيركوه على الفرنج (٧)، فسار وَهَزَمَ الفرنج
بعد أنْ كادوا يأخذون البِلادَ (٨)، وهمَّ شاور باغتيال شيركوه وكبارٍ عَسْكره ،
فناجَزُوه وقَتَلُوه في ربيعٍ الآخر سنةَ أربع وستينَ قَتلَه ◌ُجُرْد يك النّوري وصلاح
الدينِ ، فتمارضَ شيركوه فعاد شاور فَشَدَّ عليه صلاح الدين (٩) .
ولعمارة فيه :
(١) أسد الدين شيركوه ، أول من ولي مصر من الأكراد الأيوبيين . وهو عم السلطان
صلاح الدين . كان من كبار القواد في جيش نور الدين . وكان عاقلاً مدبراً وقوراً ، مات سنة /
٥٦٤ / هـ له ترجمة في ((وفيات الأعيان)): ٢ / ٤٧٩ - ٤٨٠.
(٢) كان أبو الأشبال ضرغام بن عامر قد خرج على شاور بجموع كثيرة ، وغلبه واستولى
على الوزارة. انظر ((النكت العصرية)) : ٧٣ - ٧٧ .
(٣) ((الكامل)): ١١ / ٢٩٩.
(٤) كورة جليلة تجاه أنطاكية. ((معجم البلدان)): ٢٠٥/٢ .
(٥) ((الكامل)): ١١ / ٣٠١ - ٣٠٤.
(٦) ((الكامل)): ٣٠٠/١١ - ٣٠١.
(٧) خرج شيركوه إلى مصر ثلاث مرات. الأولى سنة / ٥٥٨ / نجدة لشاور ، والثانية /
٥٦٢ / لتملك مصر، والثالثة / ٥٦٤ / هـ ، وهي هذه .
(٨) ((الكامل)): ١١ / ٣٣٥ - ٣٤٠.
(٩) ((وفيات الأعيان)): ٢ / ٤٤١.
٢١٠

في نَصْر دینِ محمدٍ (١) لم يَضْجَرِ
ضَجِر الحديدُ من الحديد وشَاوَرٌ
حَيْثَتْ يمينُكَ يا زَمَانُ فَكَفِّرٍ (٢)
حَلَفَ الزَّمانُ ليأْتِينَّ بمثلِهِ
فاستوزر العاضِدُ شِیرکوه(٣) ، فلم يُطوّل ، ومات بالخانُوق بعد شهرینِ
وأيامٍ (٤) ، وقَامَ بَعْدَه ابنُ أخيه صلاحُ الدين(٥) . وكان يضرب بشجاعة أسدٍ
الدينِ شِيركوه المثل ، ويخافُه الفِرَنج(٦).
قال ابن واصل (٧): حدَّثنا الأمير حسامُ الدِّينِ بنُ أبي علي: قال: كان
جَدِّي في خِدْمَةِ صلاحِ الدين . فحكى وقعَة السُّودانِ (٨) بِمصر التي زالت
دولتُهم بها ودولة العبيديّة . قال: شَرَعَ صلاحُ الدِّينِ يَطْلُبُ من العاضِد أشياءَ
مِنَ الخيلِ والرَّقيقِ والمالِ [ليقوي بذلك ضعفه] ، فَسيِّرني إلى العاضِد أَطلُبُ
منه فَرَساً ، فأتيتُه وهو راكبٌ في بُستانه الكافوريِّ ، فقلتُ له ، فقال : مالي
إلّ هذا الفَرَسِ، وَنَزَلَ عنه، وشَقَّ خُفّيه ورمى بهما، فأتيتُ صلاح الدين
بالفَرَس(٩).
قلتُ : تلاشى أمْرُ العَاضدٍ مع صلاحِ الدين إلى أن خَلَعَه ، وخَطَبَ
(١) في (النكت العصرية)) آل محمد .
(٢) ((النكت العصرية)): ٧٣ .
(٣) ((الكامل)): ١١ / ٣٤٠.
(٤) ((الكامل)): ١١ / ٣٤١.
(٥) ((الكامل)) ١١ / ٣٤٢، وما بعدها .
(٦) انظر ((الكامل)): ١١ / ٣٠٠ - ٣٠١.
(٧) محمد بن سالم بن واصل ، مؤرخ ، عالم بالمنطق والهندسة . من فقهاء الشافعية
مولده ووفاته في حماه . من كتبه ((مفرّج الكروب في أخبار بني أيوب )) وعنه ينقل الإمام الذهبي .
توفي سنة / ٦٩٧ / هـ. له ترجمة في ((نكت الهميان)): ٢٥٠ - ٢٥٢ .
(٨) انظر ((الكامل)): ١١ / ٣٤٥ - ٣٤٧.
(٩) ((مفرِّج الكروب)): ١ / ١٧١ - ١٧٩ وما بين حاصرتين منه .
٢١١

لبني العبّاسِ، واستأْصَلَ شَأْفَةَ بني عُبيد . ومَحَقّ دولةَ الرَّفْضِ. وكانوا
أربعةَ عَشَرَ مَتخلُّفاً لاخليفةً ، والعاضِدُ فِي اللُّغَةِ أيضاً القاطعُ، فكان هذا عاضداً
لدولةِ أهل بيته .
قال ابنُ خَلِّكان : أخبرني عالمٌ أن العاضِدَ رأى في نومه كأَنَّ عقرباً
خَرَجَتْ إليه من مسجد عُرِفَ بها فَلَدَغَتْه ، فلما استيقظَ طَلب مُعَبِّراً، فقال :
ينالُكَ مكروه [من](١) رجلٍ مقيمٍ بالمسجد ، فسأل عن المسجدِ ، وقال
للوالي عنه ، فأُتي بفقيرٍ ، فسألهَ من أينَ هُوَ؟ وفيما قَدِمَ ، فرأَى منه صِدْقاً
وديناً . فقال: ادْعُ لنا يا شيخ، وخلّى سبيلَه، وَرَجَعَ إلى المسجدِ ، فَلَمَّا
غَلَبَ صلاحُ الدِّين على مِصْرَ، عَزَمَ على خَلْعِ العاضدِ ، فقال ابنُ خَلِّكان :
استفتى الفقهاء ، فأفتوا بجواز خَلْعِهِ لِمَا هُوَ من انحلالِ العقيدةِ والاستِهْتَّارِ ،
فكان أكثرهم مبالغةً في الفُتْيَا ذَاك، وهو الشيخُ نجم الدينِ الخُبُوشائِيُّ (٢)،
فإنه عدَّد مساوىء هؤلاء ، وسَلَب عنهم الإِيمان(٣).
قال أبو شامة(٤): اجْتَمَعتُ بأبي الفتوحِ بنِ العاضد ، وهو مسجونٌ
مقيَّد، فحكى لي أن أباه في مَرَضِهِ طَلَبَ صلاحَ الدِّين، فجاء ، وأَحْضَرَنَا
(١) زيادة يقتضيها السياق .
(٢) هو محمد بن الموفق بن سعيد، أبو البركات ، نجم الدين الخبوشاني ، نسبة إلى
خبوشان - وهي بليدة بناحية نيسابور - انتقل الى مصر، وحظي عند السلطان صلاح الدين . صنف
كتاب ((تحقيق المحيط)) في الفقه، قال عنه ابن خلكان: ((رأيته في ستة عشر مجلداً)). توفي -
رحمه الله - سنة / ٥٨٧ / هـ. له ترجمة في ((وفيات الأعيان)): ٤ / ٢٣٩ - ٢٤٠ و((طبقات
الشافعية)) : ٤ / ١٩٠ - ١٩٢.
(٣) ((وفيات الأعيان)): ٣ / ١١١.
(٤) المؤرخ المشهور، صاحب كتاب ((الروضتين)) عبد الرحمن بن إسماعيل، المقدسي
الدمشقي . لقب أبا شامة ، لشامة كبير كانت فوق حاجبه الأيسر. توفي سنة /٦٦٥/هـ سترد
ترجمته عند المؤلف فيما بعد .
٢١٢

ونحن صِغَار، فأوصاه بِنَا ، فالتزمَ إكرامنا واحترامَنَا(١)
قال أبو شامة : كان منهم ثلاثةٌ بإفريقية : المهديُّ ، والقائمُ ،
والمنصورُ، وَأَحَدَ عَشَرَ بمصرَ آخرِهُمْ العَاضد(٢)، ثم قال: يدَّعون الشّرَفَ
ونِسْبَتُهم إلى مجوسي أو يهودي ، حتى اشْتَهَر لهم ذلك ، وقيل : الدولة
العلوية ، والدولة الفاطمية ، وإنما هي الدَّوْلة اليهوديّة أو المجوسيَّة المُلْحِدَةُ
الباطنيّةُ .
ثم قال : ذَكَرَ ذلك جماعةٌ من العلماءِ الأكابرِ ، وأَنَّ نَسَبَهُمْ غيرُ
صحيحٍ . بل المعروف أَنَّهُمْ بنو عُبيد . وكان والد عُبيد من نسل القَدَّاح
المجوسي المُلْحِد . قال : وقيل : والده يهوديٌّ من أهل سَلَمِيَّة . وعُبيد كان
اسمُه سعيداً ، فَغَيِّره بعُبيد الله لمَّا دخل إلى المَغْرِبِ، وادّعى نَسبأً ذكر بُطلانَه
جماعةٌ من علماءِ الأَنْسَابِ، ثم ترقّى ، وتملَّك ، وبنى المَهديّة . قال :
وكان زِنْدِيقاً خبيثاً ، ونشأتْ ذريّتَهُ على ذلك . وبقي هذا البلاءُ على الإِسلام
من أوَّلِ دولتهم إلى آخرِها(٣) .
قلت : وكانت دولتُهم مئتي سنةً وثمانياً وستين سنة ، وقد صنَّفَ
القاضي أبو بكر بن الباقلاني كتابَ ((كَشْفِ أسرار الباطنيَّة)) فافتتحه ببُطْلانِ
انتسابهم إلى الإِمام عليَّ، وكذلك القاضي عبدُ الجبار المُعْتَزِلِيُّ .
هَلَكَ العاضدُ يومَ عاشوراء سنةً سبعٍ وستينَ وخمس مئة بذَرَب مُفْرٍِ .
وقيل مات غَمَّأ لما سَمِع بقطع خُطبته وإقامة الدعوة للمستضيء . وقيل :
(١) ((الروضتين)): ١ / ١٩٤.
(٢) ((الروضتين)): ١ / ٢٠١.
(٣) ((الروضتين)): ١ / ٢٠١.
٢١٣

سُقي ، وقيل : مصَّ خَاتَماً له مسموماً . وكانت الدَّعوةُ المذكورةُ أُقيمت في
أول جُمعة من المحرَّم ، وتسلَّمَ صلاحُ الدينِ القصرَ بما حوى من النفائسِ
والأموالِ ، وقَبَضَ أيضاً على أولاد العاضدِ وآله ، فسجنَهُم في بيتٍ من
القَصْرِ، وقَمَعَ غِلْمانهم وأنصارَهم ، وعفى آثارهم .
قال العِماد الكاتبُ(٢): وهمُ الآن محصورون محسورون لم يَظْهَروا .
وقد نَقَصُوا وتَقْلَّصُوا ، وانتقى صلاحُ الدين ما أحبَّ من الذُّخائِ ، وأطلقَ البيعَ
بعدُ في ما بقي ، فاستمرّ البيع فيها مدَّة عشر سنين(٣).
ومن كتابٍ من إنشاءِ القاضي الفاضل(٤) إلى بغدادَ: ((وقد تَوَالَت
الفُتوحُ (٥) غرباً ، ويَمَنَأَ وشاماً . وصارت البلاد [بل الدنيا والشهر ، بل] والدهرُ
حَرَماً حراماً ، وأضحى الدِّين واحداً بَعْدَ أَنْ كان أدْيَاناً ، والخِلافَةُ إذا ذُكِّرَ بِهَا
أهلُ الخِلافِ لم يَخْرُّوا عليها صُمَّاً وعُمياناً، والبُدِعَةُ خَاشِعَةٌ ، والجُمُعة
جَامِعَةٌ ، والمَذَلَّةُ في شِيَعِ الضَّلال شائِعة . ذلك بأنَّهم اتَّخذوا عبادَ اللهِ مِنْ
دُونه أولياءَ ، وسَمِّوا أعداءَ الله أصفياءَ، وتقطَّعوا أمرهم [بينهم] شِيَعاً،
وفَرَّقوا أمرَ الْأُمَّةِ . وكان مجتمِعاً، وقُطع دابِرُهُم، ورَغِمَت أُنوفُهُم
(١) ((النجوم الزاهرة)»: ٥ / ٣٣٤ - ٣٣٥.
(٢) هو محمد بن صفي الدين محمد ، أبو عبد الله . مؤرخ عالم بالأدب . من كتبه :
((خريدة القصر)) و((الفتح القسي في الفتح القدسي)). ولد بأصبهان، وتعلم ببغداد، وعمل في
((ديوان الإنشاء)) زمن السلطان نور الدين ، ثم لحق بصلاح الدين بعد وفاته . استوطن دمشق
وتوفي بها سنة / ٥٩٧ / هـ له ترجمة في ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ١٤٧ - ١٥٣ .
(٣) ((الروضتين)): ١ / ١٩٤ - ١٩٥.
(٤) هو عبد الرحيم بن علي اللخمي ، المعروف بالقاضي الفاضل ، وزير من أئمة
الكتّاب، وَزَر للسلطان صلاح الدين ، ولد بعسقلان، وتوفي بالقاهرة سنة / ٥٩٦ / هـ له ترجمة
في ((جزيرة القصر)): قسم شعراء مصر: ١ / ٣٥ - ٥٤، و((وفيات الأعيان)): ٣ / ١٥٨ -
١٦٣ .
(٥) في ((الروضتين)): عربا ، بالعين المهملة .
٢١٤

ومنابرُهم ، وحقّتْ عليهم الكلمةُ تشريداً وقَتْلاً ، وتمتْ كلماتُ ربِّك صِدْقاً
وعَدْلاً ، وليس السيف عمن سواهم [كفَّار] من الفرنج بصائم ، ولا الليلُ عن
السير إليهم بنائمٍ))(١) .
قلت : أعجبني سَرْدُ هؤلاء الملوك العُبيديّة على التوالي ، ليتأمَّله
الناظرُ مجتمِعَاً. فلنرجعِ الآنَ إلى ترتيبِ الطَّباق في حُدُود العشرين وثلاث
مئة وما بَعْدَها .
٧٩ - مَرداوِيج بنُ زيَّار *
الدَّيْلَمِيُّ مَلِكُ الدَّيْلَمِ عتا وَتَمَرَّدَ (٢)، وسفَكَ الدِّماء، وحَكَمَ على
مدائنِ الجَبَلِ وغيرِها . وخافَتْه الملوكُ، وكان بنو بُوَيه من أمرائِهِ(٣).
ولمَّا كانتْ ليلةُ الميلادِ من سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة أمرَ بَجَمْعٍ
أخطابٍ عظيمةٍ ، وخَرَجَ إلى ظَاهِرِ أَصْبَهَان ، وجمع ألفي غُرَاب ، وعَمِلَ في
آذانها النّفْطَ، ومَدَّ سِمَاطاً ما سُمِعَ بمثِلِهِ أصلاً . كان فيه ألفُ فرس
قشلميش، وألفا بقرة، ومن الغَنَم والحَلْواء أشياء ، فلمَّا شَاهَد ذلك
اسْتَقَلَّه، وتَنَّر على القُوَّاد، وكان مسيئاً إلى الأَتْرَاك الذين مَعَه، فلمَّا أصبحَ
اجتمعوا للموكب ، وصَهَلَت الخيل ، فَغَضِبَ، وأَمَرَ بشَدِّ سُروجِها على
ظهور أَرْبَابها . فكان مَنْظَراً فظيعاً ، فَحَنِقُوا عليه ، ودَخَلَ البلد فأمَرَ صاحبَ
(١) انظر الكتاب بطوله في ((الروضتين)): ١ / ١٩٥، وما بين حاصرتين منه. وقد
اختصره الذهبي هنا .
* الكامل : ٨ / ١٩٦، وما بعدها، المختصر في أخبار البشر: ٢ / ٨٢، العبر: ٢ /
١٩٠، البداية والنهاية: ١١ / ١٧٨، شذرات الذهب: ٢ / ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٢) انظر ابتداء أمره في ((الكامل)): ٨ / ١٩٣، وما بعدها .
(٣) ((المختصر في أخبار البشر)): ٢ / ٧٨ .
٢١٥

حَرَسِه أن لا يَتْبعه ، ودخَل الحمّام ، فَهَجَمَت التُّرك عليه ، وقَتَلُوه . وكانَ قَد
اتّخذ لنفسه تاجاً مرصّعاً بالجواهر كتاج كِسْرى .
وتملَّك بعدَه أخوه ، وَشْمَكِير ، وتملك أيضاً بنو بُويه - من تاریخ
المؤيد(١) -
٨٠ - العُزَيري *
الإِمامُ أبو بكر محمدُ بنُ عُزَير ، السِّجِسْتَانِيُّ المفسِّر، مصنَّفُ ((غريب
القرآنِ))(٢) .
كان رجُلاً فاضلاً خَيّراً .
أَلَّفَ ((الغريب)) في عِدَّةِ سنين وَحَرِّره، وراجَعَ فيه أبا بكر بنَ
الأنباري ، وغيرَه(٣).
رَواه عنه : أبو عبد الله بن بَطّة، وعثمانُ بنُ أحمدَ بنِ سمعان ، وعبدُ
اللهِ بنُ الحُسَينِ السَّامَرِّيُّ المقرىء ، وكان مقيماً ببغداد ، لم يذكرْ له ابنُ
النَّجَّار وفاةً .
قال (٤): والصحيحُ مُزير براء، رأيتُهُ بخطِ ابنِ نّاصرِ الحافظ . وذكر أنَّه
شَاهَدَه بخطِّ يدِه، وبخطِ غير واحدٍ من الذين كتبوا كتابَه عَنْه، وكانوا مُتَثَبِّتِين .
(١) (( المختصر في أخبار البشر)): ٢ / ٨٢. وانظر أيضاً خبر مقتله في ((الكامل))
: ٨ / ٢٩٨ - ٣٠٣.
* نزهة الألباء : ٢١٥ - ٢١٦، الوافي بالوفيات: ٤ / ٩٥، بغية الوعاة: ٧٢ - ٧٣.
(٢) كتاب ((غريب القرآن)) مرتب على حسب حروف المعجم ، وقد طبع بمصر سنة /
١٣٢٥ / هـ .
(٣) ((نزهة الألباء)): ٢١٦ .
(٤) أي ابن النجار. انظر حاشيتنا رقم / ٨/ ص / ٩٢/ من هذا الجزء .
٢١٦

قال : وَذَكَر لي ابنُ الأخضر (١) شيخُنا، أنَّه رأى نسخةُ بالغريب بخطٍ
مؤلّفه ، وفي آخره : وكَتَبَ محمدُ بنُ عُزير بالراءِ المهملة .
وقال أبو زكريا التِّبْرِيزيُّ : رأيتُ بخطٍّ ابنِ عُزير ، وعليه علامةُ الرَّاء غير
المعجمة(٢).
وأما الدَّارَقُطْنِي، والحافظُ عبدُ الغني ، والخطيبُ ، وابنُ ماكولا ،
فقالوا: عُزِيز بمعجمتين، محمدُ بنُ عُزِير ((صاحب الغريب))(٣). فبعد
هؤلاء الأعلامِ من يَسْلَم من الوَهْم (٤)؟.
بقي ابنُ عُزير إلى حدودٍ الثلاثين وثلاث مئة .
٨١ - ابنُ الإِخْشِيْد *
العلامة الأستاذُ، شيخُ المُعْتَزِلَة، أبوبكر ، أحمدُ بنُ عليّ بنِ بيغجور
الإِحْشِيد (٥)، صاحِبُ النَّصانيف .
(١) هو عبد العزيز بن محمود بن المبارك بن الأخضر، الجنابذي، ثم البغدادي، محدث
العراق في عصره ، أصله من جنابذ ( قرية بنيسابور ) صنف مجموعات حسنة ، وكان ثقة ، صحبه
ابن النجار مدة طويلة، وقرأ عليه، توفي سنة / ٦١١ / هـ له ترجمة مفصلة في ((شذرات
الذهب)» : ٥ / ٤٦ - ٤٧ .
(٢) ((نزهة الألباء)»: ٢١٥.
(٣) انظر ((الإكمال)): ٧ / ٥.
(٤) مال ابن حجر العسقلاني إلى كتابته بزايين ، وبسط القول في مناقشة من قال بالراء
المهملة. انظر ((تبصير المنتبه)) : ٣ /٩٤٨ - ٩٥٠.
* الفهرست : ٢٤٥ - ٢٤٦، تاريخ بغداد: ٤ / ٣٠٩، الوافي بالوفيات: ٧ / ٢١٦،
طبقات المعتزلة: ١٠٠ ، لسان الميزان: ١ / ٢٣١ .
(٥) في (لسان الميزان)): ٢٣١/١ ((ابن الإِخشاد، ويقال له: ابن الإخشيد)).
٢١٧

كان يدري الحديثَ ، ويَرويه عن أبي مسلم الكَجِّي وطَبَقَتِهِ . ويَحتجُ
به في تواليفه ، وكان ذا تعبُّدٍ وزهادَة ، له قريةٌ تقومُ بأمره ، وكان يؤثر الطَّلبة .
وله محاسن على بِدْعتِهِ، وله تواليفُ في الفِقْهِ ، وفي النَّحْوِ والكُلَامِ . ودارُهُ
ببغداد في سوق العَطَش(١). وكان لا يَفْتُر من العِلْمِ والعِبَادَةِ.
له كتاب ((نقل القرآن)) ((وكتاب الإجماع)) ((وكتاب اختصارٍ تفسير
محمد بن جرير)) ((وكتاب المعونة في الأصول)) وأشياء مفيدة(٢).
توفي في شعبان سنةً ستٍ وعشرين وثلاث مئة .
٨٢، يوسُف بنُ يَعْقُوب *
ابنُ الحسينِ(٣) الإِمامُ المجوِّد، مقرىء واسط ، أبو بكر الواسطيُّ
الأصَمُّ ، إمامُ الجامع .
قرأ القرآنَ على يحيى العُلَيميِّ ، عن حمادِ بنِ شعيب ، وأبي بكر بن
عَيَّاش، وعلي بنِ شعيب بن أيوبَ الصَّرِيْفينيِّ، وتصدر دهراً ، ورحلوا
إليه .
وسمع من محمد بن خالد الطّحَّان .
(١) محلة ببغداد ، بالجانب الشرقي.
(٢) انظر ((الفهرست)»: ٢٤٥ - ٢٤٦ .
* تاريخ بغداد: ١٤ / ٣١٩ - ٣٢٠، معرفة القراء: ١ / ٢٠٢.
غاية النهاية : ٢ / ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٣) في ((تاريخ بغداد)): ١٤ / ٣١٩ ((ابن الحسن)).
٢١٨

حدَّث عنه : أبو أحمد الحاكم ، وأبو بكر بنُ المقرىء .
وتلا عليه : عليّ بنُ محمد بن خُلَيعِ القَلَانِسِيُّ، والحَسَنُ بنُ سعيد
المُطَّعيُّ، وعثمان بن أحمد المَجَاشِيُّ(١)، وإبراهيم بن عبد الرحمن
البغدادِيُّ، وأبو بكر النَّقَّاش ، وعبدُ العزيز بن عِصَام ، وعليُّ بنُ منصور
الشَّعِيريُّ، وأبو أحمد السَّامَرِّيُّ فيما زَعَمَ (٢) .
قال ابن خُلَيع : كان شيخُنا حسنَ الأخذ ، قرأت عليه وله نيفٌ وتسعونَ
سنةً(٣) .
وقال أبو عبد الله القَصَّاع (٤): وُلِد في شعبان سنة ثمان عشرة ومئتين.
وكان يقول(٥): قَرَأْتُ على يحيى بن محمد العُلَيمي في سنةٍ أربعينَ
ومئتين والتي تليها ، ومات(٦) في سنة ثلاث [ وأربعين ومئتين ] عن ثلاث
وتسعين سنة . وكان قد ضَعُفَ(٧) .
قال لي : قرأتُ على حمَّاد بن أبي زياد شعيب سنةً سبعينَ ومئة ، وكان
فاضلاً جليلاً(٨).
(١) في ((غاية النهاية)): النجاشي ، وهو تصحيف .
(٢) انظر ((غاية النهاية)): ١ / ٤١٥ - ٤١٧.
(٣) ((غاية النهاية)): ٢ / ٤٠٥.
(٤) هو محمد بن إسرائيل بن أبي بكر ، أبو عبد الله ، المعروف بالقصاع : أُستاذ كبير ،
اعتني بعلم القراءات أتم عناية، توفي سنة / ٦٧١ / هـ من كتبه ((الاستبصار)) و((المغني)) له
ترجمة في ((غاية النهاية)) : ٢ / ١٠٠.
(٥) أي يوسف بن يعقوب .
(٦) أي : العليمي .
(٧) انظر ترجمة العليمي في ((غاية النهاية)): ٢ / ٣٧٨ - ٣٧٩. وما بين حاصرتين منه.
(٨) انظر ترجمة حماد في ((غاية النهاية)): ١ / ٢٥٨ - ٢٥٩ .
٢١٩

تلا على عاصم ، وقرأتُ بَعْدَهُ على أبي بكر بن عَيَّاش .
قال القُضَاعي: توفِّي يوسفُ الوَاسِطِيُّ فِي ذي القَعْدَة سنةَ ثلاث عَشْرَةً
وثلاث مئة .
سَمِّه هو المحدِّث أبو عمرو :
٨٣ - يوسف بن يعقوب *
النَّيْسابوري ، نزيلُ بَغْدَاد .
يروي عن : محمدٍ بنِ بَكَّار بن الرِّيان ، وأبي بكر بنِ أبي شَيْبَة ،
وأحمدَ بنِ عِبْدَة ، وأبي حفص الفَلَاس .
روى عنه: الدَّارَقُطْني، وابنُ شاهين ، والمعافى النَّهْرَوَانِيُّ، وأبو
بكر بنُ شَاذان ، وعليُّ بن لؤلؤ الورَّاق .
قال عبدُ الغني بنُ سعيد: وَثَبَ إلى الرواية عن ابن أبي شَيْبَةٍ(١).
وقال البَّرْقَانِيُّ : لا يُساوي شيئاً(٢) .
وقال الحاكمُ : حدَّث عن كل مَنْ شاءِ(٣) . فَسَمِعْتُ أبا علي الحافظ ،
يقول : ما رأيتُ في رِحْلَتِي فِي أَقْطَارِ الأرْضِ نَّيْسَابُوريَّاً يكذبُ غيرَ أبي عمرو
هذا(٤) .
* تاريخ بغداد: ١٤ / ٣٢٠، ميزان الاعتدال: ٤ / ٤٧٥، لسان الميزان: ٦ / ٣٢٩.
(١) ((تاريخ بغداد)): ١٤ / ٣٢٠.
(٢) المصدر السابق .
(٣) ((لسان الميزان)): ٦ / ٣٢٩ .
(٤) ((تاريخ بغداد)): ١٤ / ٣٢٠.
٢٢٠