Indexed OCR Text

Pages 161-180

اللّه، عليَّ خَيْرُ الوصيين] والوَجْه الآخر اسم المعزِّ والتَّاريخ(١). وأُعلن
الأذان بحي على خير العَمَل(٢)، ونوديَ: مَنْ ماتَ عن بنت وأخ أو أخت
فالمالُ كلُّه للبنت . فهذا رأيُ هؤلاء .
ثم جَهَّز جوهر هديةً إلى المُعزِّ ، وهي عشرون كجاوةٍ (٣) ، منها واحدةٌ
مرصَّعة بالجواهر ، وخمسونَ فرساً كاملة العُدةِ ، وخمسٌ وخمسونَ ناقة
مزيّنَةٌ، وثلاث مئة وخمسونَ جملاً بَخَاتِي، وعدَّةُ أَحْمَالٍ من نفائس
المتاع، وطيورٌ في أقفاص . سار بها جعفر ولَد جَوْهر، ومعه عدةُ أُمراء
إنْشِيديَّة تحت الحَوْطَة مكرَّمين(٤). واعتَقَل أبناء الملك عليَّ بنَ الإِخْشِيد
فِي رَفَاهية . وأحسنَ إلى الرَّعية ، وتصدَّق بمالٍ عظيم .
وأخِذَتِ الرَّمْلةُ بالسيف ، وأُسر صاحبُها الحسنُ بنُ أخي الإِخشيد ،
وأمراؤه، وبُعثوا إلى المَغْرب(٥).
وأمَر الأعيانَ بأنْ يَعولوا المساكينَ لشدَّةِ الغَلاءِ .
فتهيّ المُعِزُّ ، واستناب على المَغْرِبِ بُلكينَ الضُّنهاجيَّ، وسار بخزائِنِه
وتوابيتٍ آبائه(٧). وكان دخوله(٨) إلى الإِسكَنْدَرِية في شعبان سنةً اثنتين
(١) ((اتّعاظ الحنفا)): ١٦٤ - ١٦٥.
(٢) ((الكامل»: ٥٩٠/٨.
(٣) انظر رأي جمهور أئمة المسلمين في هذه المسألة ((المغني)) ١٦٨/٦، ١٦٩ لابن
قدامة .
(٤) الكجاوة : الهودج ، واللفظة فارسية .
(٥) ((وفيات الأعيان)»: ٦١/٥.
(٦) ((وفيات الأعيان)»: ٦٠/٥ - ٦١.
(٧) انظر ترجمته في ((الكامل)): ٦٢٣/٨ -٦٢٥ و((وفيات الأعيان)): ٢٨٦/١-٢٨٧.
(٨) ((اتعاظ الحنفا)): ١٨٦.
(٩) انظر ((الكامل)): ٦٢٠/٨ -٦٢٣.
سير ١١/١٥
١٦١

وستين وثلاث مئة. وتلقّاه قاضي مصر الذُّهْلِيُّ(١) وأعيانُها. فَأَكْرَمَهُمْ،
وطالَ حديثُه معهم ، وعرَّفهم أن قصدَه الحق والجهاد ، وأن يختِم عُمَرَه
بالأعمال الصَّالحة، وأن يُقيمَ أوامر جدِّه رسولِ اللّهِ وَه، ووَعَظَ وذكَّر حتى
أعجَبَهُم، وبكى بعضُهم . ثم خلع عليهم (٢) ، وقال للقاضي أبي الطاهر
الذُّهْلِيِّ : من رأيتَ من الخُلَفَاءِ ؟ فقال: واحداً، قال : مَنْ هو؟ قال :
مولانا ، فأعجبَه ذلك(٣) .
ثم إنَّه سار حَتّى خيّم بالجِيزة . فَأَخَذَ عسكرُه في التَّعدية إلى
الفُسْطاط ، ثم دَخَل القاهرة ، وقد بُنيَ له بها قصرُ الإِمارة ، وزُينتْ مصر ،
فاستوى على سرير مُلكه، وصلَّى رَكْعتين(٤).
وكانَ عَاقلا لبيباً حازِماً ذا أدبٍ وعِلْمٍ ومعرفة وجلالةٍ وكَرَمٍ . يرجعُ في
الجُمْلَة إلى عَدْل وإنْصافٍ ، ولولا بِدْعَتُهُ وَرَفْضُه ، لكان من خِيَارِ الملوكِ.
قيل : إن زوجةً صاحبِ مصر الإِخْشِيد لما زالَتْ دولتُهم ، أودَعَتْ عند
يهوديِّ بغلطاقاً من جَوْهَرٍ، ثم إنَّها طَلَبَتْهُ منه، فأنكرَه وصَمَّم ، فبذَلَت له
كُمَّه ، فأصرَّ. فما زالَت حتّى قالت: خُذْه، وهاتِ كُمَّأَ مِنْه فما فَعَل . فأَتَتِ
القَصْرَ، فأذِنَ المُعِزُّ لها، فحدَّثْه بأمْرِها. فَأَحْضَر اليهوديَّ، وقرَّره فلم
يُقِرَّ . فنفَّذ إلى دارِه مَنْ أخْرَب حيطانَها فَوَجَدُوا جرَّةً فيها البغلطاق ، فلمَّا رآه
المُعِزُّ ابتهر من حُسْنِهِ ، وقد نَقَصَه اليهوديُّ دُرَّتين بَاعَهما بألفٍ وست مئة
دينار . فسلَّمَه إليها، فاجْتَهَدَت أن يأخذه هَديَّة منها أوْ بَثَمنٍ فَأَبَى . فقالت :
(١) انظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)): ٣١٣/١ -٣١٤.
(٢) ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٢٢٧.
(٣) ((اتعاظ الحنفا)): ١٨٩ - ١٩٠.
(٤) ((وفيات الأعيان)): ٥ / ٢٢٧.
١٦٢

يا أميرَ المؤمنين ، إنما كان يصلحُ لي إذْ كُنَّا أصحابَ البلاد ، وأما اليوم ،
فلا، ثُمَّ أَخَذَتْهُ وَمَضَتْ(١) .
قيل : إن المنجّمين أخبروا المُعزّ أنَّ عليك قطعاً، فأشاروا أن يُتَّخِذ
سَرَباً(٢) يتوارى فيه سَنةً ففعل . فلما طالَتِ الغَيْبةُ ظنّ جُندُه المغاربة ، أنه
رُفِعَ ، فكان الفارس منهم إذا رأى غمامةً ، ترجَّل ، ويقول : السَّلام علیك یا
أميرَ المؤمنين، ثم إنه خَرَجَ بعد سَنٍَّ فخرج فماعاشَ بَعْدَهَا إِلا يَسيراً (٣).
وللشعراء فيه مدائح(٤) .
ومن شعره :
أُطلَعَ الحُسنُ من جبينك شمساً فوقَ وَرْدٍ مِن(٥) وَجْنَتَيْكَ أَطَلّاً
فكأَنَّ الجمالَ خَافَ على الوَرْ دِ ذُبُولاً (٦) فمدَّ بالشَّعر ظِلًّا(٧)
ومن شعره :
تِلْكَ المحاجِر (٨) في المَعَاجِرِ(٩)
لِلّه ما صَنَعَتْ بِنَا
سٍ مِنَ الخَنَاجِر في الحَنَاجِر
أمْضَى وأقْضَى في النُّفو
(١٠) ((النجوم الزاهرة)»: ٤ / ٧٨ .
(٢) السرب ، بالتحريك : بيت في الأرض .
(٣) ((الكامل)): ٨ / ٦٦٤.
(٤) من كبار الشعراء الذين مدحوا المعز الشاعر الأندلسي محمد بن هانىء .
انظر ترجمته في («معجم الأدباء)» : ١٩ / ٩٢ - ١٠٥.
(٥) في ((وفيات الأعيان)) : في .
(٦) في (( وفيات الأعيان )) : جفافاً .
(٧) ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٢٢٨.
(٨) مفردها : محجر . ما بدا من البرقع من جميع العين .
(٩) مفردها : معجر . بكسر الميم ، وهو ثوب تلفه المرأة على استدارة رأسها ، ثم تجلبب
فوقه بجلبابها. ((لسان العرب)) (عجر) .
١٦٣

ولَقَدْ تَعِبْتُ ببينِكُمْ تَعَبَ المهاجِرِ فِي الْهَوَاجِرِ(١)
قيل: إنَّه أُحضِرَ إلى المُعِزِّ بمصر كتابٌ(٢) فيه شهادةُ جدِّهم عُبيد اللّه
بِسَلَمِيَّة . وفيه: وكَتَبَ عُبِيدُ اللّهِ بنُ محمدٍ بنِ عبد اللّه البَاهِلِيُّ، فقال:
نَعَمْ، هذه شهادَةُ جَدِّنا، وأرادَ بقوله البَاهِلِي، أنَّه من أهل المبَاهَلَةِ (٣) لا أنه
من بَاهِلة (٤).
قلتُ : ظهرَ هذا الوَقْتِ الرَّفضُ، وأبدى صَفْحَتَه ، وشَمَخَ بِأَنْفِهِ في
مصر والشَّام والحجاز والغَرْب بالدولة العُبيدية ، وبالعراقٍ والجزيرة والعَجم
بيني بُوَيه ، وكان الخليفةُ المطيعُ ضعيف الدَّستِ والرّتْبَة مع بني بُوَيه . ثم
ضَعُفَ بَدَنُه، وأصابَه فَالجِّ، وخَرَسٌ فعزلوه، وأقاموا ابنَه الطَّائعَ للّهِ . وله
السُّكَّة والخُطبةُ، وقليلٌ من الأمور ، فكانَتْ مملكةُ هذا المُعِزّ أعظمَ وأمكنَ .
وكذلك دولةُ صاحب الأندلس المُسْتَنْصِر باللّهِ المَرْوَانِ ، كانت مُوطِّدة
مُسْتَقِلَّةٍ كوالده النَّاصر لدين الله الذي ولي خمسين عاماً.
وأعلنَ الأذانُ بالشَّام ومصر بحيّ على خَيْرِ العَمَل. فللّه الأمر كلُّه(٥)
قيل : ما عُرِفَ عن المُعزّ غير التَّشُّع ، وكان يُطيل الصَّلاة ، ومات قبلَه
(١) ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٢٢٨.
(٢) في الأصل : فيها .
(٣) المباهلة : الملاعنة ، باهلت فلاناً أي لاعنته ، ومعنى المباهلة أن يجتمع القوم إذا
اختلفوا في شيء فيقولوا : لعنة الله على الظالم منا .
((لسان العرب)) ( بهل ) .
(٤) اسم لقبيلة عظيمة من قيس بن عيلان .
انظر ما كتبه عنها ابن الأثير في ((اللباب)): ١ / ٩٣ - ٩٤.
(٥) ((النجوم الزاهرة)): ٤ / ٥٨.
١٦٤

بسنةٍ ابنُه عبدُ اللّه، وليُّ العهد، وصَبَرَ. وغُلَّقت مصر لعزائه ثلاثاً. وشيّعوه
بلا عمائم بل بمناديل صوف ، فأمَّهُم المعزُّ بأتمٍّ صلاةٍ وأَحسَنِها .
في سنة ستين وثلاث مئة، وجِدَ بالسُّوق ... (١) قد نُسِجَ فيه :
((المُعِزُّ عَزَّ وجَلَّ))، فأُحضر [النَّسَّاجِ](٢) إلى جَوْهَر، فأنكر ذلك، وصُلِبَ
النَّساجُ ثم أُطلق .
وأخذ المُحتَسِب من الطحَّانين سبع مئة دينار فأنكر عليه جَوْهر ، وردًّ
الذَّهبَ إليهم .
وأبيع تلِّيس(٣) الدقيق بتسعة عشر ديناراً، ثم انحلَّ السِّعر في سنّةٍ
ستين وثلاث مئة . وكان الغَلاءُ أربع سنين .
وقَبَضَ جَوْهَر على تسع مئة وأربعين جندياً والإِخْشِيد في وقتٍ واحد ،
وقُيِّدوا (٤) .
وثارتْ عليه القَرامِطة ، واستولوا على كثيرٍ من الشَّام ، وساروا حتّى أتّوْا
مِصْرَ، فحاربَهُم جَوْهر، وجَرَت أمور مهولة(٥) .
وعزِل سنةَ ٣٦١ من الوَزَارة ابنُ حِنْزابة، وأُهين(٦).
ووقع المصاف بين جَوْهر والقَرامِطة . وقُتل خَلْق وذلك بظَاهر القاهرة ،
(١) بياض في الأصل مقدار كلمة .
(٢) زيادة يقتضيها سياق النص .
(٣) شبه القفه، ويقول عامة صعيد مصر ((للشوال)) الضخم: ((تليس)).
(٤) ((اتعاظ الحنفا)): ١٨٢.
(٥) ((الكامل)»: ٨ / ٦١٤ - ٦١٦.
(٦) انظر ((وفيات الأعيان)) ١ / ٣٤٦ - ٣٥٠.
١٦٥

واستمرَّ ذلك ثلاثة أيام، ثم ترخَّل الأعسم(١) القِرْمِطيُّ منهزماً (٢) . وذلوا،
واتَّهم الأعْسَمُ أُمراءه بالمخامرة ، فَقَبِضَ عليهم .
وصلّى بالنَّاسِ المُعزّ يوميْ العيد صلاةً طويلةً بحيث إنَّه سبّح في
السجودِ نحو ثلاثين، ثم خَطَبهم فَأَبْلَغَ، وأحبّتْه الرَّعيَّةُ(٣).
وصَنَعَ شَمْسِيَّةٌ لتُعْمَل على الكَعْبة ثمانية أشبارٍ في مثلِها من حريرٍ
أحمر . وفيها اثنا عشر هلالاً من ذَهَبٍ، وفي الهلالِ تُرُنْجَةٌ (٤) قد رُصِّعَتْ
بجواهر وياقوت وزُمُرُّد، لم يُشاهد أحدٌ مثلها(٥) .
وقدَّم له جَوْهر القائد تُحفاً بنحوٍ من ألف ألف دينار، فَخَلَعَ عليه ،
وأعطاه ما يَليقُ به(٦).
ماتَ المُعِزُّ في ربيعِ الآخر سنةً خمسٍ وستين وثلاث مئة بالقاهرة
المُعِزِّيَّة . وكان مولده بالمَهْدِيَّة التي بناها جدُّهم . وعاش ستاً وأربعين سنةٌ .
وكانت دولتُه أربعاً وعشرين سنةً(٧) .
وقام بعدَه ابنُه العزيزُ باللّه .
(١) هو الحسن بن أحمد بن أبي سعيد ، الجنابي القرمطي ، أبو علي ، أحد زعماء
القرامطة، ولد بالإِحساء سنة / ٢٧٨ / وتنقلت به الأحوال ، فاستولى على الشام سنة / ٣٥٧ /
ووجه اليه المعز جيشاً من مصر بقيادة جعفر بن فلاح ، فهزمه القرمطي ، وذُبح جعفر ، زحف إلى
مصر سنة / ٣٦١ / فحاصرها أشهراً، ثم عاد يريد الشام ، فمات بالرملة سنة / ٣٦٦ /.
وذكرت أغلب المراجع لقبه ((الأعصم)) وهو الصحيح. وفي ((النجوم الزاهرة))
((الأعظم)). أنظر ((فوات الوفيات)): ١ / ٢٢٧.
(٢) ((اتعاظ الحنفا)): ١٨٢
(٣) ((اتعاظ الحنفا)): ١٩٠ - ١٩١.
(٤) ثمرة كالليمون ، ذهبية اللون ، ذكية الرائحة ، ذات طعم حامض .
(٥) ((اتعاظ الحنفا)): ١٩٣ - ١٩٤.
(٦) ((اتعاظ الحنفا)): ١٩٢ .
(٧) ((الكامل)): ٨ / ٦٦٣.
١٦٦

وقد جَرَى على دمشقَ وغيرِها من عساكر المغاربة كلُّ قبيح من القَتْل
والنَّهب. وفَعَلُوا ما لا يفعلُه الفِرَنج . ولولا خوفُ الإِطالة لسُقتُ ما يُبكي
الأعينَ(١).
٦٩ - العَزيزُ باللّهِ *
صاحبُ مِصْرَ أبو منصور نِزَار بنُ المُعِزِّ مَعَدٍّ بنِ إسماعيلَ، العُبَيْدِيُّ
المهدَوِيُّ المَغْرِبِيُّ .
ولدَ سنةً أربعٍ وأربعينَ وثلاث مئة .
قامَ بعد أبيه في ربيعٍ الأول سنةً خمسٍ وستين .
وكان كريماً شُجاعاً صَفوحاً أسمَرَ أَصْهَبَ الشَّعْرِ، أَعْيَن(٢)،
أَشْهَلَ (٣)، بَعِيدَ ما بين المَنْكِبَيْنِ، حَسَنَ الأخلاقِ ، قريباً من الرَّعِيةِ، مُغرى
بالصيد، ويُكْثِرُ من صيدِ السِّبَاعِ، ولا يُؤْثِرِ سَفْكَ الدِّمَاءِ. وله نظْمٌ ومعرفةٌ (٤).
توفِّي في العيد ولَدْ له فقال :
نَحنُ بنو المُصْطَفَى ذَوُو مِحنٍ
أوَّلُنا مُبْتَلَىِّ وَخَاتِمُنَا (٥)
(١) انظر ((الكامل)): ٨ / ٥٩١ - ٥٩٢، ٦٤٠ - ٦٤٣.
* المنتظم : ٧ / ١٩٠، الكامل: ٨ / ٣٦٣ وما بعدها، البيان المغرب: ١ / ٢٢٩ وما
بعدها، وفيات الأعيان: ٥ / ٣٧١ - ٣٧٦، العبر: ٣ / ٣٤، البداية والنهاية: ١٢١ / ٣٢٠
تاريخ ابن خلدون: ٤ / ٥١ - ٥٦، خطط المقريزي: ١ / ٣٥٤، النجوم الزاهرة : ٤ /
١١٢، ١٢٥، تاريخ ابن إياس: ١ / ٤٨ - ٥٠، شذرات الذهب: ٣ / ١٢١.
(٢) أي واسع العين .
(٣) الشهلة في العين : أن يشوب سوادّها زرقة .
(٤) ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٣٧٢ .
(٥) في ((يتيمة الدهر)): وآخرنا .
١٦٧

عجيبةٌ في الأنَامِ مِحْنَتْنَا يَجْرَعُها في الحياة كاظِمُنَا
طُرَّاً، وأعيادنا(١) مَآَتِمُنا(٢)
يفرحُ هذا الوَرَى بعيدِهِمْ
قال أبو منصور الثَّعَالبي في ((اليتيمة)): سَمِعْتُ الشَّيخَ أبا الطيِّب
يَحْكِي أَنَّ الَّمَوِيَّ صاحبَ الأنْدَلُس كتَبَ إليهِ نِزَارٌ صاحِبُ مِصْرَ كتاباً سبَّه فيه
وهَجَاه، فكتَبَ إليه الأمَويُّ: ((أما بَعْدُ: فإِنَّكَ عَرَفْتَنَا فِهِجَوْتَنَا. وَلَو عَرَفْنَاكَ
لأَجبناك (٣) )). فاشْتَدَّ هذا على العزيز، وأفْحَمَه عن الجواب، يشيرُ أنَّكَ
دَعيَّ لا نعرِفُ قبيلَتَكَ .
قال أبو الفرج بنُ الجَوْزِي: كان العزيزُ قد وَلَّى عيسَى بنَ نسطورس(٤)
النَّصْرانيَّ أَمْرَ مِصْرَ، واستنابَ مُنشًا اليهوديّ بالشَّامِ . فكتبتْ إليه امرأةً :
بالذي أعزَّ اليهود والنَّصَارى بمُنشا وابن نسطورس ، وأذلَّ المسلمينَ بكَ ، إلّ
ما نَظَرْتَ في أَمْرِي . فَقَبَضَ على الاثْنين. وأخَذَ من عيسى ثلاث مئة ألف
دينار (٥) .
قال ابن خَلِّكَان وغيرُه : أكثرُ أهلِ العلم لا يُصحَّحون نسَبَ المَهْدِيِّ
عُبيدِ اللهِ جَدَّ خُلَفَاءِ مِصْر، حتى إنَّ العزيز في أوَّل ولايته صَعِدَ المِنْبَرَ يومَ
جُمُعَةٍ ، فَوَجَدَ هناكَ رُقْعَةٌ فيها :
إِذَا سَمِعْنَا نَسَباً مُنْكراً نبكي على المِنْرِ والجَامِعِ (٦)
(١) في ((يتيمة الدهر)): وأفراحنا .
(٢) الأبيات في (يتيمة الدهر)): ١ / ٢٥٤ مع اختلاف . فصدر البيت الأول مع عجز
البيت الثاني ، وصدر البيت الثاني مع عجز البيت الأول .
(٣) ((يتيمة الدهر)): ١ / ٢٥٥ .
(٤) في الأصل : نسطور .
(٥) ((المنتظم)): ٧ / ١٩٠.
(٦) في ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٣٧٣ .
إنا سمعنا نسبأ منكراً
يتلى على المنبر في الجامع
١٦٨

فاذْكُرْ أباًّ بَعْدَ الأب الرَّابع(١)
إِنْ كُنْتَ فيما تَدَّعي صَادِقاً
فانسُبْ لنا نَفْسَكَ كالطَّائِعِ
وإن تُرِدْ تحقيقَ ما قُلْتَه
وادْخُلْ بِنَا فِي النَّسَبِ الواسِعِ
أوْلا دع الأنسابَ مَسْتورةٌ
يَقْصُرُ عنها طَمَعُ الطَّامع(٢)
فإنَّ أنسابَ بني هاشم.
وَصَعِدَ مرةً أُخرى ، فرأى وَرَقَةٌ فيها:
بالظُلمِ والجَوْرِ قد رَضِينا وليسَ بالكُفْرٍ والحماقه
فقلْ لَنَا كاتبَ البِطَاقَةْ
إِنْ كُنْتَ أُعْطِيتَ عِلمَ غَيْبٍ
ثُمَّ قال ابنُ خَلِّكان : وذلك لأنَّهم ادَّعوا عِلْمَ المغيّباتِ . ولهم في ذلك
أخبارٌ مشهورة(٣) .
وفُتحت للعزيز حلب وحماه وحِمْص . وَخَطَبَ أبو الذَّوَاد محمدُ بنُ
المسيَّب بالمَوْصِل له . وَرَقَم اسْمَه على الأعلامِ والسِّكَّةِ سنةَ ٣٨٣، وخُطِبَ
له أيضاً باليمنِ وبالشَّامِ ومدائنِ المَغْرِب(٤).
وكانت دولةُ هذا الرَّافِضيّ أعظَمَ بكثيرٍ من دولةِ أمير المؤمنين الطَّائعِ
ابنِ المطيعِ العَبَّاسيِّ .
قال المُسَبِّحيُّ(٥) : وفي سنةٍ ثمانين، أَسِّس جامعُ القاهرة(٦) . وفي
(١) في الأصل: السابع، وما أثبتناه من ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٣٧٣ .
(٢) ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٣٧٣.
(٣) ((وفيات الأعيان)): ٥ / ٣٧٣ - ٣٧٤.
(٤) المصدر السابق .
(٥) انظر ص ١٥٠ تعليق (٦).
(٦) وأَتَّمَّه ابنه الحاكم. انظر ((خطط المقريزي)): ٢ / ٢٧٧ .
١٦٩

أيام العزيز بُني قصرُ البَحْرِ الذي لَمْ يَكُنْ(١) مثلُه فِي شَرْقٍ ولا غَرْبٍ . وجامعُ
القَرَافَة وقصرُ الذُّهَب(٢).
وفي أيامه أظهر سبُّ الصحابةِ جِهَاراً .
وفي سنة ٣٦٦ حَجَّتْ جميلةٌ بنتُ نَاصِرِ الدَّوْلَة ، صاحِبِ المَوْصِل .
فممّا كان مَعَها أربع مئة محمل . فكانت لا يُذْرى في أي محمل هي .
وأعْتقت خمس مئة نَفْسٍ . ونثَرَتْ على الكعبة عَشرة آلافٍ مِثْقَال(٣). وسَقَّت
جميعَ الوَفد سَويقَ السُّكَّر والثَّلْجِ كذا قال الثَّعَالِي، وَخَلَعَتْ وَكَسَتْ خمسينَ
ألفاً. ولقد خَطَبَها السُّلْطَان عضُدُ الدَّولة ، فأبتْ فَحَنِقَ لذلك، ثم تمكّنَ
منها ، فأفْقَرَها وعذَّبها ، ثم ألزمها أن تقعُد في الحانة لتحصلَ من الفاحشة ما
تؤدِّي ، فَمَرَّتْ مع الأعوانِ ، فَقَذَفَتْ نَفْسِها فِي دِجْلَةَ ، فغرِقَتْ ، عفا الله
عنها (٤) .
وفي سنة ٦٧ جَرَتْ وقعات بين المصريين ، وهِفتكين(٥) الأمير، وقُتِلَ
خَلْقٌ، وضُرِبَ المثل بشجاعةِ هِفْتكين . وهَزَمَ الجيوشَ ، وَفَرَّ منه جَوْهَرُ
القائدُ. فسار لحربه صاحبُ مصر العزيزُ بنفسه ، فالتقوا بالرَّمْلَة . وكان
هِفتكين على فَرَس أدْهَم يجولُ في النَّاس، فَبَعَثَ إليه العزيزُ رسولاً، يقول :
أزعجتني وأحوجتني لمباشرة الحَرْب، وأنا طالبٌ للصُّلْحِ، وأَهَب لك الشَّامَ
كلَّه. قال : فنزل وباسَ الأرضَ ، واعتذر ووقَعَ الحربُ . وقال: فاتَّ
الأمرُ ، ثم حَمَل على المَيْسَرَةِ، فَهَزَمَها ، فحمل العزيزُ بنفسه عليه في
(١) في ((وفيات الأعيان)»: ٣٧٢/٥ ((لم يبن)).
(٢) انظر ((خطط المقريزي)): ١ / ٣٨٤، وحواشي ((النجوم الزاهرة)»: ٤ / ١١٣.
(٣) ((المنتظم)): ٧ / ٨٤ .
(٤) انظر ص / ١٢١ / تعليق / ٢ / من هذا الجزء.
(٥) انظر ص / ١٢٠ / تعليق /٦/ من هذا الجزء .
١٧٠

الأبطال فانْهَزَمَ هِفتكين ، ومن مَعَه والقَرَامِطَة ، واستحَرِّ بهم القَتْلُ. ونُودي:
من أسَرَ هِفتكين فله مئةُ ألفٍ دينارٍ . وَذَهَبَ هِفتكين جريحاً في ثلاثة ، فَظَفِرَ
به مُفْرِج بنُ دَغْفَل. ثم أتَى به العزيزَ ، فلم يؤْذِهِ بَل بَلَّغَه أعلى الرُّتَب مُديدةٌ
ثم سقَاه ابنُ كِلُّس(١) الوزير، فأنكَرَ العزيزُ ذلك . فداراه ابنُ كِلِّس بخمس
مئة ألف دينار(٢).
وفي سنة ٣٦٨ توثَّب على دمشق قسّام الجُبَيْلِي التَّرَّاب(٣) ، والتفِّ
عليه أحداثُ البلد وشُطَّارُها. ولم يبق لأميرِها مَعه أمْر(٤) .
وجاء رسولُ العزيز إلى أمير الوقت عَضُد الدولة لَيَخْطُبَ له ، فأجابَه
بتلطّفٍ وودٍ وإتحافٍ ، ولم يتهيأ ذلك(٥) ،
وفيها، أي سنة ٦٩ : سَلْطَنَ الطَّائعُ عَضُدَ الدولة. وبلَّغه أقصى الرُّتَب،
وفَوَّضَ إليه أمورَ الرّعيّة شَرْقاً وغَرْباً، وعَقَدَ بيده له لواءيْن ، وزادَ في ألقابه
((تاج الملَّ))(٦).
وتزوَّج الطَّائعُ ببنته على مئة ألفٍ دينار(٧).
(١) وهو يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن كلس ، أبو الفرج ، ولد ببغداد وسافر به أبوه الى
الشام ، ثم أنفذه الى مصر ، فاتصل بكافور الإخشيدي ، فولاء ديوانه بالشام ومصر ، ووثق به .
وكان يهودياً فأسلم . ثم انتقل إلى المغرب الأقصى فخدم المعز ثم ولي وزارة العزيز ، وتوفي في
أيامه سنة / ٣٨٠ / هـ انظر ((وفيات الأعيان)) : ٧ / ٢٧ - ٣٤ . .
(٢) انظر ((الكامل)): ٨ / ٦٥٦ - ٦٦١ .
(٣) قسام الحارثي ، من قرية من قرى سنير يقال لها : تلفيتا ، كان ينقل في أول أمره التراب
على الدواب ، ثم انتقلت به الأحوال حتى غلب على دمشق وأرسل العزيز جيشاً من مصر لحربه ،
فقاتله أياماً ثم ضعف أمره واستأمن سنة / ٣٧٦ / هـ له ترجمة في ((أمراء دمشق)) : ٦٨ .
(٤) ((ذيل تاريخ دمشق)): ٢١ وما بعدها .
(٥) ((المنتظم)) : ٧ / ٩٨.
(٦) ((المنتظم)): ٧ / ٩٨ - ١٠٠.
(٧) ((المنتظم)): ٧ / ١٠١.
١٧١

وفي سنة سبعينَ رجَعَ عضُد الدَّوْلة من هَمَذَان ، فَخَرَجَ الطَّائع
لتلقيه ، أكره على ذا، وما جَرَتْ عادةٌ لخليفةٍ (١) بهذا.
وفي سنة إحدى، وَقَعَ حريق عظيمٌ ببغدادَ . وذهبتِ الأموال(٢).
وفي سنة اثنتين مات السُّلْطَانُ عَضُدُ الدولة ، والسيِّدَةُ المُحجَّبَة سارة
أُخْت المقتدر، وقد قاربت النِّسعين. وَلَطَموا أياماً في الأسواق على
العَضُد ، وتَمَلَّكَ ابْنُهُ صَمِصَامُ (٣) الدولة .
وفي سنة ٣٧٧ تهيّأ العزيزُ لغزو الرُّومِ ، فَأُحْرِقَتْ مراكِبُهُ فَغَضِبَ ،
وَقَتَلَ مْتِي نَفْس اتَّهمهم. ثم وَصَلَت رسُل طاغيةِ الرُّومِ بهديَّةٍ ، تطلُبُ
الهُدنة ، فأجاب بشرط أنْ لا يبقى في مملكتهم أسيرٌ ، وبأن يخطُبوا للعزيزِ
بِقُسْطَنْطِينَيَّة فِي جَامِعِها. وعُقِدَت سبعة أعوام(٤) .
ومات متولي إفريقية يوسُفُ بُلَّكِينَ(٥)، وقام ابنُهُ المَنْصُور، وبعث
تقادم إلى العزيز [ بهدية ] قيمتُها ألف ألف دينار(٦).
واشْتَدَّ القَحْطُ بِبغدَادَ . وابتيعت كارة(٧) الدَّقِيقِ بمئتين وستِّينَ
دِرْهَماً(٨).
(١) ((المنتظم)): ٧ / ١٠٤.
(٢) ((المنتظم)): ٧ / ١٠٧ - ١٠٨.
(٣) ((المنتظم)): ٧ / ١١٣.
(٤) ((النجوم الزاهرة)): ٤ / ١٥١ - ١٥٢ .
(٥) في الأصل : يوسف بن بلكين .. وهو وهم . إذ أن بلكين يسمى ( يوسف ) أيضاً .
وقد توفي سنة / ٣٧٣ / هـ انظر ((وفيات الأعيان)): ١ / ٢٨٦ وما بين حاصرتين زيادة من
عندنا ، ولعل تقادم اسم أحد قواده .
(٦) ((الكامل)): ٩ / ٣٤ وفيه ((وأرسل هدية عظيمة إلى العزيز .. قيل: كانت قيمتها
ألف ألف دينار)) .
(٧) الكارة : خمسون رطلاً .
(٨) ((المنتظم)): ٧ / ١٣٢.
١٧٢

وَغَلَبَ شَرَفُ الدَّوْلَة على بغدادَ، وَقَبَضَ على أخيه الصَمْصَامِ(١).
وفي سنة ٣٨١ عُزِلَ من الخلافة الطَّائِعُ، وَوَلَيَ القادرُ(٢).
وفي سنةٍ ستٍ وثمانين في رمضان ماتَ العزيز بِيلْبِيس (٣) في حمام
من القُولَنجِ، وعمره اثنتان وأربعون سنه وأشهر . وقام ابنُهُ الحاكمُ
الزنديق (٤) .
٧٠ - الحاكم *
صاحِبُ مِصْرَ الحاكمُ بأمرِ الله ، أبو علي منصورُ بنُ العَزيز نزار بنِ
المُعزِّ مَعَدِّ بن المنصور إسماعيلَ بنِ القائمِ محمدِ بنِ المهدي ، العُبيديُّ
المِصْرِيُّ الرَّافضيُّ، بل الإِسْمَاعيلِيُّ الزِّنديق المدَّعي الربوبية .
مولده في سنة خمس وسبعين وثلاث مئة .
وأقاموه في المُلْك بَعْدَ أبيه ، وله إحدى عشرة سنة . فحكى هو ،
قال: ضمَّني أبي وقَبَّلَني وهو عُرْيان، وقال: امضِ فالْعب، فأنا في
عافية . قال: ثم تُوفِّي، فأتاني بَرْجَوَان(٥) ، وأنا على جُمِّيزة في الدّار ،
(١) المصدر نفسه .
(٢) ((المنتظم)»: ٧ / ١٥٦ - ١٦١.
وانظر ترجمة القادر بالله رقم / ٦٣ / من هذا الجزء .
(٣) مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة فراسخ على طريق الشام .
(٤) ((الكامل)): ٩ / ١١٦ - ١١٨.
* المنتظم: ٧ / ٢٩٧ - ٣٠٠، الكامل : ٩ / ١١٨ وما بعدها ، البيان المغرب : ١ /
٢٨٦، وفيات الأعيان: ٥ / ٢٩٢ - ٢٩٨، العبر: ٣ / ١٠٤ - ١٠٦، البداية والنهاية: ١٢ /
٩ - ١١، تاريخ ابن خلدون: ٤ / ٥٦ - ٦١، خطط المقريزي: ١ / ٣٥٤، النجوم
الزاهرة: ٤ / ١٧٦ - ١٩٦، تاريخ ابن إياس: ١ / ٥٠ - ٥٨، شذرات الذهب: ٣ /١٩٢ -
١٩٥ .
(٥) هو أبو الفتوح ، برجوان ، كان من خدام العزيز ، ومدبِّري دولته ، نافذ الأمر ، مطاعاً ، =
١٧٣

فقال : انزلْ وَيْحَكَ ، اللـهَ اللهَ فينا، فنزلتُ، فوضَعَ العِمامة بالجَوْهر على
رأسي، وقبَّل الأرضَ ثم قال: السَّلامُ عليك يا أميرَ المؤمنين، وَخَرَجَ بي
إلى النَّاس، فقبّلوا الأرضَ، وسلَّموا عليَّ بالخِلاَفَةِ(١).
قلت : وكان شيطاناً مَريداً جَبَّاراً عنيداً ، كثير التلوّن، سفَّاكاً للدماء ،
خبيثَ النِّحْلة ، عظيمَ المِكْرِ جَوَادَاً مُمدَّحاً ، له شأنٌ عجيبٌ ، ونبأٌ غريبٌ ،
كان فِرعون زمانه، يَخْتَرِع كلَّ وقتٍ أحكاماً يُلْزِمُ الرَّعِية بها. أمر بسَبِّ الصَّحابَةِ
رضي الله عنهم ، وبكتابةِ ذلك على أبوابِ المساجدِ والشوارع. وأمر عُمَّالَه
بالسَّبِّ ، وبقتل الكلاب في سنة خمسٍ وتسعين وثلاث مئة . وأبطل
الفُقَّاعَ (٢) والمُلوخيا، وحرَّمَ السَّمَكَ الذي لا فُلُوسَ عليه(٣) ، ووقع ببائع.
لشيء من ذلك فقتلهم (٤) .
وفي سنةٍ اثنتين وأربع مئة ، حرَّم بيع الرُّطَب ، وَجَمَع منه شيئاً
عظيماً، فأحْرَقَه، وَمَنَعَ من بيع العِنبِ ، وأباد الكروم(٥) . وأمَرَ النَّصارى
بتعليق صَليبٍ في رِقَابِهِم زِنْتُهُ رَطْلٌ وَرُبْعٌ بالدِّمشقي . وألزم اليهودَ أن يعلِّقوا
في أعناقهم قُرميَّةً في زِنَةِ الصَّليب إشارةً إلى رأس العِجْلِ الذي عَبَدُوه ، وأن
تكون عمائمُهُم سُوداً ، وأن يَدْخُلُوا الحَمَّمَ بالصَّلِيب وبالقُرميّة . ثم أُفْرَدَ لهم
حَمَّاماتٍ . وأمر في العامِ بِهَدْمِ كنيسة قُمامة(٦) ، وبهدم كنائِسٍ مصر .
= نظر في أيام الحاكم في ديار مصر والحجاز والمغرب ، وذلك في سنة / ٣٨٨ / وقتل بأمر الحاكم
سنة / ٣٩٠ / له ترجمة في ((وفيات الأعيان)): ١ / ٢٧٠ - ٢٧١ .
(١) ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٣٧٥ - ٣٧٦.
(٢) شراب يتخذ من الشعير.
(٣) ((وفيات الأعيان)): ٥ / ٢٩٣ الفَلْس: القشرة على ظهر السمكة.
(٤) الوجه : فقتله .
(٥) ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٢٩٣.
(٦) في بيت المقدس .
١٧٤

فأسْلَمَ عِدَّة ، ثم إنه نَهَى عن تقبيلِ الأرضِ ، وعن الدُّعاءِ له في الخُطَب
وفي الكُتُبِ . وجعل بدله السَّلام عليه(١) .
وقيل : إن ابن باديس(٢) أميرَ المغرب بَعَثَ يُنْقم عليه أموراً. فأراد أن
يستميلَه، فأظهر الَّفَقُّه، وَحَمَلَ فِي كُمِّه الدَّفاترَ، وطَلَبَ إلى عنده فَقِيهِينِ ،
وأمرَهما بتدريسِ فقهِ مالكٍ في الجامع ، ثم تغيّرَ، فقتلهما صَبْراً (٣).
وأذِنَ النَّصَارى الذين أكْرَهَهُم في العَوْدِ إلى الكُفْرِ .
وفي سنة ٤٠٤ نَفَى المنجّمينَ من بلادِهِ(٤)،
وَمَنَعَ النِّساء من الخروج من البيوت ، فأحسنَ وأبطَّلَ عَمَلَ الخِفاف
لَهُنَّ جُمْلَةً ، وما زلن ممنوعات من الخروج سبعَ سنين وسبعةً أشهر(٥) .
ثم بعد مدَّة أمرَ بإنشاء ما هَدَم من الكنَائِسِ ، وبتنصُّر مَنْ أسلم(٦).
وأنشأ الجامعَ بالقَاهِرَة ، وكان العزيز ابتدأه(٧) .
وقد خرج عليه أبو رَكْوَةٍ(٨) الوليدُ بنُ هشام العُثْمَانِيُّ الأَنْدَلُسيُّ بأرضِ
بَرْقة، والتفَّ عليه البَرْبَرُ، واستَفْحل أمْرُه ، فَجَهَّزَ الحاكمُ لحربِهِ جَيْشاً ،
(١) ((وفيات الأعيان)): ٥ / ٢٩٣ - ٢٩٤.
(٢) المعز بن باديس ، كان ملكاً جليلاً، قطع خطبة المستنصر ، وخلع طاعته ، وخطب
للقائم بأمر الله الخليفة العباسي، توفي سنة / ٤٥٤ / بالقيروان. له ترجمة في ((وفيات
الأعيان)» : ٥ / ٢٣٣ - ٢٣٥.
(٣) ((العبر)): ٣ / ١٠٥ - ١٠٦.
(٤) ((وفيات الأعيان)»: ٥ / ٢٩٤ .
(٥) المصدر السابق .
(٦) المصدر السابق .
(٧) ((خطط المقريزي)): ٢ / ٢٧٧.
(٨) انظر ص / ١٣١ / تعليق /٦/ من هذا الجزء .
١٧٥

فانتصَرَ أبو رَكْوَة وتملَّكَ وَجَرَتْ خُطوب، ثُمَّ أَسِرَ وقُتل من جنده نحوٌ من
سبعين ألفاً. وحمل إلى الحاكم في سَنَّة ٣٩٧، فَذَبَحَه صَبْراً (١).
وقد حُبِّبَ في الآخر إلى الحاكم العُزْلَةُ ، وبقي يَرْكَبُ وَحْدَهُ في
الأسواق على حمار ، ويقيم الحِسْبَة بنفسه ، وبين يديه عبدٌ ضخمٌ فاجرٌ ،
فمن وَجَبَ عليه تأديبٌ، أمَرَ العَبْدَ أنْ يولِجَ فيه، والمفعول به يصيح(٢) .
وقيل : إنه أراد ادِّعاءَ الإِلَهية ، وَشَرَعَ في ذلك ، فكلَّمه الكبراء ،
وخوَّفوه من وثوبِ النَّاسِ ، فَتَوَقَّف (٣).
وفي سنة إحدى وأربع مئة ، أقام الدَّعوة قِرْوَاشُ بنُ مقلد بالمَوْصِل
للحاكم ، فأعطى الخطيب نسخة بما يقوله : الحمد لله الذي انجلتْ بنوره
غَمَرَاتِ الغصْبِ وانقهرتْ بقدرتِهِ أركانُ النصْبِ ، وأطْلَعَ بأمره شَمْسَ الحقِّ
من الغَرْب ، ومحى بعدله جَوْرَ الظُّلْمَةِ ، فعادَ الحقُّ إلى نِصَابِهِ الباين بذاته ،
الْمُنْفَرِدِ بِصِفَاتِهِ، لم يُشْبِهِ الصُوَرَ فتحتويه الامكِنة ، ولم تَرَه العيونُ فَتَصِفُهُ
رأيتُ ، فَضَرَبَ عُنْقَه .
ثُمَّ صلَّى على النبي صلَّى الله عليه وسلم. ثُمَّ على أمير المؤمنينَ ،
وسيِّد الوصيين ، وعمادِ العلمِ ، وعلى أغصانه البواسق . اللهم وصلِّ على
الإِمامِ المهدي بك، والذي جاءَ بأمرِكَ ، وصلِّ على القائمِ بأمرك ،
والمنصور بنَصْرِكَ ، وعلى المُعِزِّ لدينك ، المجاهدِ في سبيلك . وصلِّ على
العزيزِ بكَ، واجعل نوامي صلواتك على مولانا إمام الزَّمان ، وحِصْن
(١) انظر ((الكامل)): ٩ / ١٩٧ - ٢٠٣.
(٢) ((تاريخ ابن إياس)): ١ / ٥٣.
(٣) ((البيان المغرب)): ١ / ٢٨٦.
١٧٦

الإِيمان ، صاحبِ الدَّعوة العَلَوِيَّةِ عبدِك ووليِّك أبي عليَّ الحاكمِ بأمرك أميرٍ
المؤمنين(١).
وأقيمت الدَّعْوَةُ على يدِ قِرْوَاش بالكُوفةٍ وبالمدائن(٢).
ثم استمالَ القَادِرُ باللهِ قِرْوَاشاً ، ونَفِّذَ إليه تُحفاً بثلاثين ألف دينارٍ .
فأعاد له الخُطبة(٣).
واستحوذَتِ العربُ على الشَّامِ ، وحاصروا القِلاع .
وتَمَّ القَحْط الشديدُ بنَيْسَابور ونواحيها ، حتَّى هَلَكَ مئة ألف أوْ
يَزيدون . وأُكِلت الجِيّف ولحوم الآدميين(٤) .
وفي الأربع مئة وبعدَها كانت الأنْدَلُسُ تَغْلي بالحروب والقِتال على
المُلْك(٥).
وأنشأ داراً كبيرةً ملَّها قيوداً وأغْلالاً ، وَجَعَلَ لها سبعةً أبوابٍ ، وسمَّاها
جهنّم . فكان من سَخِطَ عليه، أسْكَنْه(٦) فيها .
ولما أمَرَ بحريق مصر ، واستباحَها ، بَعَثَ خادمَه ليشاهدَ الحال . فلما
رَجَعَ ، قال : كيف رأيتَ ؟ قال : لو استباحَها طاغيةُ الرُّوم ما زاد على ما
رأيتُ ، فَضَرَبَ عُنُقُه .
وفي سنة اثنتين وأربع مئة كُتِبَ ببغدادَ مَحضرٌ يتضمَّن القَدْحَ فِي أُنْسَابِ
(١) الخطبة بتمامها في ((المنتظم)): ٧ / ٢٤٨ - ٢٥١ .
(٢) ((المنتظم)): ٧ / ٢٥١ .
(٣) المصدر السابق .
(٤) ((الكامل)): ٩ / ٢٢٥.
(٥) «الكامل، ٢١٦/٩ - ٢١٩.
(٦) ((البيان المغرب)): ١ / ٢٨٦ .
سير ١٢/١٥
١٧٧

أصحاب مِصر وَعَقَائِدِهم وأنَّهم أَدْعياء . وأن انتماءَهم إلى الإِمامِ عليّ باطلٌ
وزور، وأنَّ النَّاجمَ بمصرَ اليومَ وسَلَفَه(١) كفّارٌ وَفُسَّاق زنادقة ، وأنَّهم لمذهب
النَِّويّة معتقدون ، عطّلوا الحدود، وأباحوا الفُروج، وسفكوا الدماء ، وسبُّوا
الأنبياءَ، وادَّعوا الربوبيةَ، فكتب خَلْقٌ في المحضر منهم الشّريف الرَّضي ،
وأخوه المُرْتَضَى ، والقاضي أبو محمد بن الأكْفَاني ، والشيخ أبو حامد
الإِسْفَراييني ، وأبو محمد الكَشْفُلِيُّ الفقيه ، والقُدوريُّ ، والصَّيْمَرِيُّ ،
وعِدَةٌ(٢).
وَهَرَبَ من مِصْرَ ناظرُ الدِّيوانِ الوزيرُ أبو القاسم بنُ المَغْرِبِي إِذْ قَتَلَ
الحاكمُ أباه وعمَّه وصار إلباً عليه يسعى في زوالٍ مُلْكه(٣)، وحسَّن لمفرج
الطّائي أميرِ العرب الخروجَ على الحاكم . فَفَعَلَ وقُتِلَ قائدُ جيشه ، وعَزَموا
على مبايعة صاحب مكة العَلَوِيِّ، وكادَ أن يتمَّ ذلك ثم تلاشى (٤) .
وفي سنة ثلاث وأربع مئة ، أُخِذَ الوفدُ العراقيُّ، وغوِّرت المياه ،
وَهَلَكَ بِضْعَةً عَشَرَ ألف مسلمٍ. ثم أُخِذَ من العرب ببعض الثّأْرِ. وَقُتِلَ
عِدَّة (٥) .
وَبَعَثَ المَلِكُ محمودُ بنُ سُبُكْتِکین کتاباً إلى الخليفة بأنَّه وَرَدَ إلیه من
الحاكِمِ كتابٌ يدعوه فيه إلى بيعته . وقد خرَّق الكِتابَ، وبصَقّ عليه (٦).
وفي سَنَة أربع جَعَلَ الحاكمُ وليَّ عهده ابنَ عمه عبدَ الرَّحيمِ بنَ
(١) في الأصل: وسيلة، وما أثبتناه من ((المنتظم)): ٧ / ٢٥٥ .
(٢) ((المنتظم)): ٢٥٥/٧ - ٢٥٧. وانظر أيضاً ص /١٣٢ - ١٣٣ / من هذا الجزء.
(٣) ((اتعاظ الحنفا)): ٣٠٧.
(٤) ((الكامل)): ٩ / ١٢٢ - ١٢٣.
(٥) ((المنتظم)): ٧ / ٢٦٠ - ٢٦١.
(٦) ((المنتظم)): ٧ / ٢٦٢.
١٧٨

إلياس(١)، وَصَلُحَت سِيرته ، وأعتق أكثرَ مماليكه .
وفي هذا القرب تمت مَلْحَمة عظيمةٌ بين ملكِ التُّرْك ◌ُغَان بالمسلمين ،
وبين عساكرِ الصين ، فدامت الحربُ أياماً، وقُتِلَ من كُفَّار الصين نحوٌ من مئةٍ
ألف(٢) .
وفي سنة خمس ظَفِرَ الحاكمُ بنساءٍ على فسادٍ ، فَغَرَقَهُنَّ ، وكانت
الغَاسِلة لا تخرجُ إلى امرأةٍ إلَّ مع عَدلين . ومرِّ القَاضي مالكُ بنُ سعيد
الفَارقي، فنادته صبية من رَوْزَنَةٍ (٣): أقْسَمت عليك بالحاكِمِ أنْ تَقِفَ ،
فَوَقَفَ فِبكَتْ ، وقالت: لي أخْ يموتُ ، فبالله إلَّ ما حَمَلْتَني إليه لأراه،
فَرَقَّ، وَبَعَثَ مَعَها عَدْلَيْن، فأتت بَيْتً، فدخَلَتْ ، والبَيْت لعاشِقِها . فجاء
الزَّوجُ ، فسأل الجِيران ، فحدَّثوه ، فجاءَ إلى القاضي ، وصاح ، وقال : لا
أخَ لها ، وما أفَارِقُك [ حتى تردها إلي ](٤)، فحار القاضي ، وَطَلَعَ بالرّجل
إلى الحاكم ، ونادى العقْوَ فأمْرَه أنْ يَرْكَبَ مع الشَّاهدَيْن ، فوجدوا المرأةَ
والشَّابَّ في إزَارٍ واحد على خُمار(٥)، فَحُمِلا على هيئتِهما . فسألها الحاكمُ
فأحالتْ على الشَّابِّ، وقالَ: بل هَجَمَتْ عليّ، وَزَعَمَتْ أَنَّها بلا زوجٍ ،
فُلُقَّتْ في بارِيَّةٍ (٦)، وأُحْرِقَتْ، وضُرِبَ الشَّابُّ ألفَ سَوط .
وولي دمشقَ للحاكم عِدَّةُ أمراء ما كان يَدَع النائب يستقر حتى يَعْزِله .
(١) (اتعاظ الحنفا)): ٣١١.
(٢) ((الكامل)): ٩ / ٢٩٧.
(٣) الكوة .
(٤) زيادة من ((المنتظم)): ٧ / ٢٦٩.
(٥) الخمار - بضم الخاء - من الخمر: ما يصيب شاربها من ألمها وصداعها.
(٦) حصير منسوج من قصب ، فارسية معرَّبة .
(٧) ((المنتظم)): ٧ / ٢٦٨ - ٢٧٠.
١٧٩

وفي سنة سبع وأربع مئة سقَطَتْ قُبّة الصَّخرةِ(١).
وفيها استولى ابن سُبُكْتِكين على خُوارَزْم(٢).
وفيها قتل الدُّرْزِيُّ(٣) الزِّنديقِ لادِعائه ربوبيةَ الحاكم .
وفي سنة تسعٍ افتتح محمود مدینتین من الهند ، وجرتْ له حروبٌ
وملاحم عجيبة (٤) .
وفي شوال سنةً إحدى عشرة وأربع مئة عُدِمَ الحاكم ، وكان الخَلْق في
ضَنْكٍ(٥) من العيش مَعَه، صالحهم وطالحهم ، وكانوا يَدسُّون إليه الرِّقاع
المختومة بسبِّه والدُّعاءِ عليه، لأنَّه كان يَدُور في القاهرة على دَابَّةٍ ، ويتزمّد .
وعَمِلُوا هيئةَ امرأةٍ من كاغد (٦) بخُفٍّ وإزار في يدِها قِصَّةٌ ، فأخذها فرأى فيها
العظائمَ، فَهَمَّ بالمرأةِ فإذا هي تمثال ، فطلب العُرفاء والأمراء
فأمَرَ بالمُضي الى مصر ونهبها وإحراقها ، فذهبوا لذلك، فقاتل
أَهْلُها، ودافَعْوا واستَمرَّتْ النَّار، والحَرْبُ بين الزَّعية والعَبيد ثلاثاً،
وهو يَركب حِماره، ويشاهدُ الحريقَ والضَّجَّةَ فيتوجَّعُ لِلنَّاسِ ،
ويقول: لَعَنَّ اللّهُ من أمر بهذا. فلما كان ثالثُ يومٍ اجتمع الكُبراءُ
والمشايخ إليه، ورَفْعُوا المصاحِفَ وبكوا، فَرَحمِهُمْ جُنْدُه الأتراك ،
وانْضَمُوا إليهم ، وقاتلُوا معهم . وقال هو : ما أذِنْتُ لهم ، وقد أذِنْتُ لكم في
الإيقاع بهم . وبَعَثَ في السرّ إلى العبيد: استمرُّوا، وقوَّاهُمْ بالأسلحة . وفَهِمَ
(١) ((المنتظم)): ٧ / ٢٨٣.
(٢) ((المنتظم)): ٧ / ٢٨٤.
(٣) أنظر ص / ١٣٥ / تعليق / ٢ / من هذا الجزء .
(٤) ((الكامل)) : ٩ / ٣٠٨ - ٣١٠.
(٥) أي في ضيق .
(٦) القرطاس وهو الصحيفة يكتب فيها . فارسي معَّب.
١٨٠