Indexed OCR Text

Pages 321-340

ركوة ، وغابَ ساعة ، ثمَّ رجع ومعه جامُ حَلواء ، فوضعه بين أيدينا وقال :
بسم الله . فأخذ القومُ يأكلونَ وأنا أقول : قد أخذ في الصَّنعة التي نسبَها إليه
عَمْرو بنُ عثمان ، فأخذتُ قطعة ، ونزلتُ الوادي ، ودُرْتُ على الحلاوبِين
أريهم تلك الحلواء ، وأسألهم ، حتى قالت لي طَبَّخة : لا يعمل هذا إلا
بزَبِيد ، إلَّ أنَّه لا يُمكن حملُه، فلا أدري كيف حُمل ؟ فرجع رجلٌ من زَبيد
إلى زَبيد ، فتعرَّفَ الخبر بزَبيد : هل ضاع لأحدٍ من الحلاويِّين جام علامتُهُ
كذا وكذا ؟ وإذا به قد حُمل من دكان إنسانٍ حلاويّ ، فصحّ عندي أنَّ الرجلَ
مخدوم .
قال أبو علي ابنُ البّاء فيما رواه عنه ابنُ ناصر بالإِجازة: حرَّك الحلاج
يده يوماً ، فنثر على مَنْ عنده دراهم . فقال بعضُهُم : هذه دراهم معروفة ،
ولكن أُؤْ مِنُ بِكَ إذا أعطَيْتَني درهماً عليه اسمُك واسمُ أبيك . فقال : وكيف
وهذا لم يُصنع ؟ قال : مَنْ أحضر مَنْ ليس بحاضرٍ صَنَّعَ ما لم يُصنع . فهذه
حكاية منقطعة .
وقال التّنُوخِي : أخبَرَنا أبي : أخبَرَنا أبو القاسم إسماعيلُ بنُ محمد بن
زنجي الکاتب ، عن أبيه قال : حضرتُ مجلس حامد الوزير ، وقد أحضر
السّمريّ - صاحب الحلّج - وسأله عن أشياء من أمر الحلّج ، وقال له :
حدِّثْنِي بما شاهدتَ منه . فقال: إنْ رأى الوزيرُ أن يُعْفِيَنِي، فَعَلَ . فَأَلحَّ
عليه ، فقال : أعلم أني إنْ حدَّثْتُك كذَّبْتَني، ولم آمَن عقوبَة . فأَمِّنَه ،
فقال: كنتُ معه بفارس فخَرَجْنا إلى إصْطَخر (١) في الشِّتاء ، فاشتَهَيْتُ عليه
(١) قال ياقوت: ((إصطخر - بالكسر وسكون الخاء المعجمة: بلدة من أعيان حصون
فارس ومدنها وكورها ، قيل : كان أول من أنشأها إصطخر بن طهمورث ملك الفرس . قال
الإصطخري: بها كان مسكن ملك فارس حتى تحول أردشير إلى جُور)). انظر ((معجم البلدان))
١ / ٢١١ .
٣٢١

خياراً ، فقال لي : في مثل هذا المكان والزّمان ؟ قلتُ : هو شيءٌ عرضَ
لي ، فلمَّا كان بعد ساعة قال : أنتَ على شهوتك ؟ قلتُ : نَعَم ، فسِرْنا إلى
جبل ثلج ، فأدخل يده فيه ، وأخرج إليَّ خيارةً خضراء ، فأكلتُها . فقال
حامد : كذبتَ يا ابنَ مئة ألف زانية، أَوجِعُوا فَكَّه . فأسرَعَ إليه الغلمانُ ،
وهو يصيح [: أليس من هذا خفنا؟] وأُخرج ، فأقبل حامد الوزير يتحدَّثُ
عن قومٍ من أصحاب النِيرنجات(١) أنَّهم كانوا يغدون بإخراج التَّيْن وما يجري
مجراه من الفواكه ، فإذا حصل في يد الإِنسان وأراد أن يأكله صار بَعْراً(٢).
قلت : صدق حامد ، هذا هو شغل أرباب السِّخْر والسيمياء ، ولكن قد
يقوى فعلُهُم بحيث يأكلُ الرجل البعرَ ولا يشعُرُ بطعمه .
قال ابنُ باكويه : حدَّثَنا أبو عبد الله بنُ مُفْلح، حدَّثَنَا طاهرُ بنُ عبد الله
التُّسْتَرِيُّ قال: تعجّبت من أمر الحلّج، فلم أزل أتَبَّعُ وأطلبُ الحِيَلَ،
وأتعلم النارنجيات لأقف على ما هو عليه ، فدخلتُ عليه يوماً من الأيَّام ،
وسلَّمتُ وجلستُ ساعة ، فقال لي : يا طاهر! لا تتعنَّ ، فإنَّ الذي تراه
وتسمعه من فعل الأشخاص لا من فِعلي ، لا تظنّ أنَّهُ كرامةٌ أو شَعْوَذة : فعل
الأشخاص : يعني به الجنّ .
وقال التّنُوخِي : أخبَرَنا أبي : سمعتُ أحمدَ بنَ يوسفَ الأزرق : أنَّ
الحلََّج لما قدم بغداد استغوى خَلقاً من النّاس والرُّؤساء ، وكان طمعُهُ في
الرَّافِضَة أقوى لدخوله في طريقهم ، فراسَلَ أبا سهل بن نوبخت
(١) النيرنجات، بكسر النون لا ضرب من الشعوذة والاحتيال والخداع فارسي معرب
عن نَيْرَنَكْ ، وفي الأصل: عن قوم كفاريجيات ، وما أثبتناه من نشوار المحاضرة، وتاريخ
بغداد .
(٢) الخبر في ((نشوار المحاضرة)) ٨٣/٦ - ٨٤، و((تاريخ بغداد)) ١٣٦/٨.
٣٢٢
ء
٢

:
يُسْتغويه ، وكان أبو سهلٍ فَطِناً، فقال لرسوله : هذه المعجزاتُ التي يُظهرها
يمكن فيها الحِيل ، ولكنّي رَجُلٌ غزِل ، ولا لذَّةَ لي أكبر من النِّساء، وأنا
مبتلىَّ بالصَّلَع، فإن جعل لي شعراً وردًّ لحيتي سوداء، آمنتُ بما يَدْعوني إليه
وقلت: إِنَّه بابُ الإِمام ، وإنْ شاء قلت: إنهُ الإِمام ، وإنْ شاء قلت: إنَّهُ
النَّبِيّ ، وإنْ شاء قلت: إنّه الله . فأَيِسَ الحلَّاجُ منه وكفَّ .
قال الأزرق: وكان يدعو كلَّ قومٍ إلى شيءٍ [ من هذه الأشياء ]
حسبَ ما يستبلهُ طائفة طائفة. أخبَرَني جماعة من أصحابه: أنَّه لمّا افْتُتِنَ به
الناسُ بالأَهوازِ وَكُورِهَا بما يخرجُ لهم من الأطعمة والأشربة في غير حينها،
والدَّراهم التي سمّاها دراهم القُدرة ، فحدَّث أبو علي الجُبَّائِيُّ بذلك،
فقال : هذه الأشياء يمكن الحِيَل فيها في منازل ، لكنْ أدخِلوه بيتاً من بيوتكم
وكلُّفوه أن يُخرج منه جُرْزَتَين شوكاً. فبلغَ الحلَّاجَ قولُه ، وأنَّ قوماً قد عملوا
على ذلك ، فسافر .
وفي ((النشوار)) للتّنُوخِي(١): أخبَرَنا أبو بكر محمدُ بنُ إسحاقَ
الأهوازي قال : حدَّثني منجمٌ ماهرٌ قال: بلغني خبرُ الحلَّج، فجتُهُ
كالمسترشد ، فخاطَبَنِي [وخاطبته] ثم قال: تَشَةَّ السَّاعة ما شئتَ حتى
أجيئَكَ به . وكنّا في بعض بلدان الجبل التي لا يكونُ فيها الأنهار ، فقلت :
أريد سَمَكاً طريّاً حيّاً ، فقام ، فدخل البيت ، وأغلق بابَه ، وأبطأَ ساعة ، ثم
جاءَني وقد خاضَ وَحَلَا إلى ركبته، ومعه سمكةٌ تضطرب ، وقال: دعوتُ
الله، فأمرني أن أَقصِدَ البطائح ، فجئتُ بهذه . قال : فعلمتُ أنَّ هذا حيلة ،
فقلت له: فَدَعني أدخل البيت، فإنْ لم تنكشفْ لي حيلةٌ آمنتُ بك؟. قال:
شأنك . فدخلتُ [ البيت ] وغلَّقت على نفسي ، فلم أجد طريقاً ولا حيلة ،
١
(١) ١٦٥/١ - ١٦٨ وما بين حاصرتين منه.
٣٢٣

ثم قلعت من التَّزير ، ودخلتُ إلى دارٍ كبيرةٍ فيها بُسْتانٌ عظيم ، فيه صنوف
الأشجار، والثِّمار، والرِّيْحان، التي هو وقتها، وما ليس وقتها [ مما ] قد
غُطِّي وعُتَّقَ واحتيل في بقائه ، وإذا الخزائنُ مفتَّحةٌ ، فيها أنواع الأطعمة وغير
ذلك ، وإذا بِرْكَةٌ كبيرة ، فخضتُها ، فإذا رجلي قد صارت بالوَحَل كرجليه ،
فقلت : الآنَّ إن خرجتُ ومعي سمكةٌ قتلني ، فصِدْتُ سمكة ، فلمَّا صِرتُ
إلى باب البيت أقبلتُ أقول : آمنتُ وصدَّقتُ ، ما ثَمَّ حِيْلة ، وليس إلا
التَّصديق بك . قال : فخرج . وخرجتُ وعدوتُ ، فرأى السمكةَ معي ،
فعدا خلفي ، فلحقني ، فضربتُ بالسَّمكة في وجهه وقلتُ له : أتعبْتَني حتى
مضيت إلى البحر فاستخرجت هذه ، فاشتغل بما لَحِقَه من السَّمكة ، فلمّا
صرتُ في الطريق رميتُ بنفسي [ لما لحقني من الجزع والفزع] فجاء إليَّ،
وضاحَكَني وقال : ادخل . فقلت : هيهات . فقال : اسمع ، واللهِ لئن شئتُ
قتلتُك على فراشك ، ولكن إن سمعتُ بهذه الحكاية لأقتلنّك . فما حكيتُها
حتى قُتل .
قلت: هذا المنجِّم مجهول، أنا أستبعدُ صِدقَه .
ابنُ باكويه : سمعتُ عليّ بنَ الحسين الفارسيَّ بالمَوْصل، سمعتُ أبا
بكرٍ بِنَ سعدان يقول: قال لي الحلّج: تُؤْمن بي حتَّى أبعثَ إليك بعُصفورٍ
أُطرحُ من ذَرْقها وزنَ حبَّةٍ على كذا مَنَّاً(١) نُحاساً فيصير ذَهَباً؟. فقلت له: بل
أنتَ تؤمنُ بي حتى أبعثَ إليكَ بفيلٍ يستلقي فتصيرُ قوائمُهُ في السَّماء، فإذا
أردتَ أن تُخفيهُ أخفيتَه فى إحدى عَيِّنَيَك . قال: فُبُهِتَ وسَكَت .
ويروى أنَّ رجلاً قال للحلَّج: أريد تُفّاحة، ولم يكن وقته، فأومأ بيده
(١) في ((اللسان)): المنُّ: لغة في المنا الذي يوزن به . ونقل عن الجوهري قوله : المنُّ:
المَنا، وهو رطلان ، والجمع أمنان ، وجمع المَنا : أمناء .
٣٢٤

إلى الهواء، فأعطاهم تفأَحةً وقال: هذه من الجنَّة . فقيل له: فاكهةُ الجنة غيرُ
متغيِّرة ، وهذه فيها دُودة. فقال: لآنها خرجت من دار البقاء إلى دار الفَناء،
فحلَّ بها جزءٌ من البلاءِ .
فانظر إلى تَرامي هذا المسكينٍ على الكراماتِ والخوارق، فنعوذُ بالله
من الخِذْلان، فَعَنْ عمرَ رَضي اللهُ عنه أَنَّهُ كان يتعوَّذُ مِنْ خُشوعِ النِّفاق .
قال ابن باكويه: حدثنا حمدُ بنُ الحلَّاجِ قال: ثمَّ قدمَ أبي بغداد، وبنَی
داراً ، ودعا الناس إلى معنىً لم أقفْ إلَّ على شطرٍ منه، حتَّى خرج عليه محمدُ
ابنُ داود وجماعةٌ من العلماء، وقبّحُوا صورَتَه، ووقع بينَهُ وبينَ الشِّبْلي .
قال ابنُ باكويه : سمعتُ عيسى بن بزول القَزْويني يقول: إنَّه سأل ابنَ
خفيف عن معنى هذه الأبيات :
سِرَّ سَنا لاهُوتِهِ الثَّاقِبِ
سُبْحَانَ مَنْ أَظْهَرَ نَاسُوْتُهُ
في صُورَةِ الأَكِلِ والشَّارِبِ
ظَاهِراً
ثُمَّ بَدا في خَلْقِهِ
كَلَحْظَةِ الحاجِبِ بِالحَاجِبِ
حتّى لَقَد عايَنَهُ خَلْقُهُ
فقال ابنُ خفيف: على قائل ذا لعنةُ الله . قال: هذا شِعر الحسين
الحلّج. قال: إنْ كانَ هذا اعتقادَه، فهو كافر فربما يكون مَقولاً عليه(١).
السُّلمي (٢) أخبَرَنا عبدُ الواحد بنُ بكر، سمعتُ أحمدَ بنَ فارس،
سمعتُ الحلاج يقول: حجبَهُم الاسم فعاشوا، ولو أبَرَز لهم علوم القُدرة
لطاشوا .
(١) الأبيات في ((ديوان الحلاج)) ص - ٤١، والخبر بطوله في ((تاريخ بغداد)) ١٢٩/٨.
وانظر أيضاً ((المنتظم)) لابن الجوزي: ١٦٢/٦، و((البداية والنهاية)) لابن كثير: ١٣٤/١١.
(٢) في ((طبقات الصوفية)) ص - ٣٠٨ .
٣٢٥

وقال: أسماءُ اللهِ مِنْ حيثُ الإِدراكُ رسم(١)، ومن حيثُ الحقُّ
حقيقة .
وقال : إذا تخلَّص العبدُ إلى مقام المعرفة، أُوحِيَ إليه بخاطرة .
و[ قال: ] مَن التمسَ الحقَّ بُنُورِ الإِيمان، كان كَمَنْ طلب الشمسَ بنور
الكواكب .
وقال: ما انفصَلتِ البشريّةُ عنه، ولا اتَّصلت به .
ومما رُويَ للحلّاج :
مِثْلَ جَرْيِ الدُّمُوعِ مِنْ أجْفانِي
أَنْتَ بَيْنَ الشَّغافِ والقَلْبِ تَجْرِي
كحُلولِ الأَرْواحِ في الأَبْدان
وتَحلُّ الضَّمِيْرَ جَوْفَ فُؤَادِي
لِثمانٍ وَأَرْبَعٍ وَاثْنَانٍ(٢)
يَا هِلَّلاَ بَدا لَأَرْبَعِ عَشْرٍ
وله :
تُمْزَجُ الخَمْرَةُ بِالمَاءِ الزُّلَالِ
مُزِجَتْ رُوحِيَ في ◌ِوحِْ كمَا
فإِذا أنْتَ أنا في كلِّ حَال(٣)
فَإِذا مَسَّكَ شَيْءٌ مَسَّنِي
وعن القَناد قال: لقيتُ يوماً الحلّج في حالةٍ رَثَّة، فقلتُ له: كيف
حالك ؟ فأنشأ يقول :
(١) في ((طبقات السلمي)) : اسم .
(٢) الأبيات في ((ديوان الحلاج)) ص - ٩٦ - ٩٧، و((طبقات الصوفية)) ص - ((أخبار
الحلاج)) ص - ١١٣ - ١١٤.
(٣) البيتان في ((ديوان الحلاج)) ص - ٨٢، و ((تاريخ بغداد)) ١١٥/٨ ورواية البيت الأول
فيهما :
مُزِجت روحُك في روحي كما تُمزجُ الخمرةُ بالماءِ الزُّلال
٣٢٦

لَئِنْ أَمْسَيْتُ فِي ثَوْبَيْ عَدِيْمٍ لَقَدْ بَلَيَا عَلَى حُرِّ كَرِيْم
مُغَيِّرَةً عَنِ الحَالِ القَدِيْم
فلا يَحْزُنْكَ أنْ أَبْصَرْتَ حَالاً
لَعَمْرُكَ بِي إلى أَمْرٍ جَسِيْم(١)
فَلِي نَفْسٌ سَتَذْهَبُ أَوْ سَتَرْقَى
وفي سنة إحدى وثلاث مئة أُدخل الحَلَّاجُ بغداد مشهوراً على جمل،
قبض عليه بالسُّوس، وحُمل إلى الرّائشي، فبعثَ به إلى بغداد، فصُلب حيًّا،
ونُوديَ عليه: هذا أحدُ دُعاة القرامِطَة فاعْرِفوه .
وقال الفقيهُ أبو عليٍّ بنُ البَنّاء: كان الحلَّجُ قد ادّعى أنَّهُ إِلَه، وأنَّهُ يقول
بحلول اللَّهْوتِ فِي النَّاسُوت، فأحضرَهُ الوزيرُ عليُّ بنُ عیسی فلم يجده - إذ
سأله - يُحسِنُ القرآن والفِقَه ولا الحديثَ . فقال: تعلُّمُكَ الفرضَ والطّهور
أجدى عليكَ من رسائل لا تَدري ما تقول فيها. كَمْ تكتبُ - ويلَك - إلى
النَّاس: تباركَ ذو النُّورِ الشَّعْشَعاني؟! ما أحوَجَكَ إلى أدب! وأمَرَ به فصُلب
في الجانب الشَّرقيّ، ثمّ في الغربيّ. ووُجد في كتبه: إنِّي مُغرِق قوم نُوح،
ومُهلِك عاد وثمود .
وكان يقول للواحد من أصحابه: أنتَ نُوح . ولآخر : أنت مُوسى .
ولآخر: أنت محمد .
وقال: مَنْ رَسَتْ قدمُهُ في مكان المناجاة، وكُوشِفَ بالمُباشرة، ولُوِفَ
بالمجاورة ، وتلذَّذ بالقُرْب، وتزِّين بالأنس، وترشَّح بمَرْأى الملكوت، وتوشّح
بمحاسن الجَبَروت ، وترقّى بعد أن توقَّى، وتحقَّقَ بعد أن تمزَّق، وتمزقَّ بعد
أن تزندَق، وتصرَّف بعد أن تعرَّف، وخاطبَ وما راقبَ، وتدلَّلَ بعد أن تذلَّل،
ودخل وما استأذنَ، وقُرِّب لمّا خُرِّب، وكُلُّم لمّا كُرِّم، ما قتلوه وما صَلَبوه .
(١) ((ديوان الحلاج)) ص - ١١٧ - ١١٨. وانظر أيضاً ((تاريخ بغداد)) ١١٧/٨، و((البداية
والنهاية)) ١٣٤/١١.
٣٢٧

ابن باكويه: سمعتُ الحسينَ بنَ محمد المذاري يقول: سمعتُ أبا
يعقوب النّهْرجُوري یقول: دخل الحسینُ بنُ منصور مگّة، فجلس في صحن
المسجد لا يبرَحُ من موضعه إلاَّ للطّهارة أو الطواف، لا يُبالي بالشمس ولا
بالمطر، فكان يُحمل إليه كلَّ عشيّةٍ كُوزٌ وقُرص، فيعَضّ من جوانبه أربعَ
عَضَّاتٍ وَيَشْرب .
أخبَرَنا المسلمُ بنُ محمد القَيْسِيُّ كتابة، أخبَرَنا الكِنْدِيّ، أخبَرَنا ابن
زريق، أخبَرَنَا أبو بكرٍ الخطيب، حدَّثَني محمدُ بنُ أبي الحسن الساحِلَيّ، عن
أحمدَ بنِ محمد النَّسَويّ ، سمعتُ محمدَ بنَ الحسين الحافظ، سمعتُ
إبراهيم بن محمد الواعظ يقول: قال أبو القاسم الرَّازي: قال أبو بكر بن
مُمُشاذ: حضر عندنا بالدِّيَنَور رجلٌ معه مِخْلاة ، ففتَّشوها، فوجدوا فيها كتاباً
للحلََّج عنوانهُ: مِنَ الرَّحمن الرَّحيم إلى فلانِ بنِ فلان . فوجه إلى بغداد
فأحضرَ وعُرض عليه، فقال: هذا خَطِّي وأنا كتَبْتُه. فقالوا: كَنَتَ تدَّعي النُّبُوَّة
صِرْتَ تدَّعي الرُّبويّة؟! قال: لا، ولكنْ هذا عَينُ الجمع عندنا، هل الكاتبُ
إِلَّ الله وأَنا؟ فاليدُ فيه آلة . فقيل: هل معك أحد، قال: نَعم، ابنُ عطاء،
وأبو محمد الجَرِيري، والشِّبلي . فأحضر الجريري وسئل، فقال: هذا كافر،
يُقتلُ مَنْ يقول هذا. وسئل الشِّبلي، فقال: من يقول هذا يُمنع . وسُئل ابنُ
عطاء، فوافق الحلاج، فكان سبب قتله .
قلتُ: أمَّا أبو العبّاس بنُ عطاء فلم يُقتل، وكلَّم الوزير بكلام غليظٍ لمَّا
سأله وقال: ما أنت وهذا، اشتغلت بظلم النَّاس. فعزَّره . وقال السُّلمي:
حدثنا محمدُ بن عبد الله بن شاذان قال كان الوزيرَ حين أُحضر الحلاّجُ للقتل
حامدُ بنُ العبّاس، فأمره أن يكتبَ اعتقاده، فكتب اعتقاده، فعرضه الوزير
على الفقهاء ببغداد، فأنكروه، فقيل لحامد: إنَّ ابنَ عطاء يصوِّب قوله . فأمر
٣٢٨
٣٠

به . فعُرض على ابن عطاء، فقال: هذا اعتقادٌ صحيح، ومَنْ لم يعتقد هذا
فهو بلا اعتقاد. فأحضر [ إلى ]الوزير، فجاء، وتصدّر في المجلس ، فغاظ
الوزيرَ ذلك، ثم أُخرج ذلك الخطّ فقال: أَتصوِّبُ هذا؟ قال: نَعَم، مالك
ولهذا ؟ عليكَ بما نُصِبتَ له من المُصادرة والظُّلم، مالك وللكلام في هؤلاء
السَّادة؟ فقال الوزير: فَكَّيْهِ. فضُرِبَ فكّاه، فقال أبو العبّاس: اللهُمَّ إِنَّكَ
سلَّطْتَ هذا عليَّ عقوبةً لدخولي عليه. فقال الوزير: خُفَّه يا غلام . فنزع
خُفّه . فقال: دماغه. فما زال يضرب دماغه حتى سال الدَّم من مَنْخِرَيْه . ثمَّ
قال: الحبس . فقيل: أيُّها الوزير؟ يتشوَّش العامَّة. فحُمل إلى منزله .
وروى أبو إسحاق البرمكي، عن أبيه، عن جدِّه قال: حضرتُ بينَ يدي
أبي الحسن بنٍ بشّار، وعنده أبو العبّاس الأَصْبَهاني، فذاكره بقصَّة الحلّج،
وأنَّه لما قُتل كتب ابنُ عطاء إلى ابن الحلَّج كتاباً يعزِّيه عن أبيه، وقال: رحِمَ
اللهُ أباك ، ونسخَ روحَهُ في أطيب الأجساد. فدلَّ هذا على أنَّ يقول بالتَّناسخ،
فوقَع الكتابُ في يد حامد، فأحضر أبا العباس بنَ عطاء وقال : هذا خَطِّك ؟
قال: نَعَم. قال: فإقرارُك أعظم . قال: فَشَيخٌ يكذِب ؟! فأمَرَ به ، فصُفِع ،
فقال أبو الحسن بنُ بشار: إنِّي لأرجو أن يدخلَ اللهُ حامد بن العباس الجنَّةً
بذلك الصَّفْعِ .
قال السُّلمي(١): أكثر المشايخ ردُّوا الحلَّاَجِ ونَفَوْه، وأَبُوْا أن يكونَ له
قدمٌ في التصوُّف، وقَبله ابنُ عطاء، وابنُ خفيف، والنَّصْر آباذي .
قلت: قد مرَّ أن ابنَ خفيف عُرض عليه شيءٌ من كلام الحلاج، فتبرَّأ
منه .
-
(١) في ((الطبقات ((٣٠٧ - ٣٠٨ .
٣٢٩

وقال محمدُ بنُ يَحْبِى الرَّازي: سمعتُ عَمْرو بنَ عثمان يلعنُ الحلَّج
ويقول: لو قَدَرْتُ عليه لقتلتُهُ بيدي. فقلت: أيش وَجَدَ الشَّيخ عليه ؟ قال:
قرأتُ آيةً من كتاب اللهِ فقال: يُمْكِنُني أن أُؤْلِّف مثلَه .
وقال أبو يعقوب الأقطع : زوَّجتُ ابنتي من الحسينِ بنِ مَنْصور لِما
رأيت من حُسن طريقته واجتهاده ، فبانَ لي بعد مدَّة يسيرة أنَّه ساحرٌ، محتالٌ
کافِر .
وقال أبو يعقوب النُّعْماني سمعتُ أبا بكرٍ محمدَ بنَ داود الفقيه يقول
: إنْ كان ما أنزل اللهُ على نبيِّه حقاً، فما يقول الحلَّج باطل. وكان شديداً
عليه .
السُّلمي: سمعتُ عليّ بنَ سعيد الواسطيَّ بالكُوفة يقول: ما تجرَّد أحدٌ
على الحلَّج وحمَلَ السُّلطانَ على قتله كما تجرَّد له ابنُ داود. وبلغَني أنَّه لمّا
أُخرج إلى القتل تغيَّر وجهُ حامدِ بنِ العبّاس، فقال له بعضُ الفُقهاء: لا تَشُكَّنَّ
أيُّها الوزير ، إن كان ما جاء به محمدٌ حقاً، فما يقول هذا باطل .
١
السُّلمي: سمعتُ الحسينَ بَن يَحْيَى ، سمعتُ جعفراً الخُلْدي وسُئِل
عن الحلَّج فقال: أعرفُه وهو حَدَث، كان هو والغُوَطي يصحَبان عَمْراً المكيَّ
وهو پحلِج .
السُّلمي: سمعتُ جعفر بن أحمد يقول: سمعتُ أبا بكرٍ بنَ أبي سعدان
يقول: الحلّجُ مُمَوَّهٌ مُمَخْرِق .
قال السُّلمي: وبلغني أنَّه وقف على الجُنَيْد، فقال: أنا الحقّ . قال:
بل أنتَ بالحقّ، أيَّ خشبةٍ تُفسد .
السُّلمي: سمعتُ أبا بكرٍ بنَ غالب يقول: سمعتُ بعضَ أصحابنا
٣٣٠

يقول: لمَّا أرادوا قتلَ الحلاج، أُحضر لذلك الفقهاء، فسألوه: ما البُرهان؟
قال: شواهد يُلْبِسُها الحقُّ لأهل الإِخلاص، يجذبُ في النفوس إليها جاذب
القَبول. فقالوا بأجمعهم : هذا كلامُ أهل الزَّنْدَقة .
فنقول: بل مَنْ وَزَنَ نفسَه، وزَمَّها(١) بالكتاب والسُّنَّة، فهو صاحبُ
برهان وحجَّة، فما أخيَبَ سَهْمَ مَنْ فَاتَه ذلك !
قال ابنُ الجَوْزي فيما أنبأُوني عنه: إنَّ شيخَه أبا بكر الأنصاري أنبأه
قال: شهدتُ أنا وجماعة على أبي الوفاء بنِ عَقيل قال: كنتُ قد اعتقدتُ في
الحلَّج ونصرته في جزء، وأنا تائبٌ إلى الله منه، وقد قُتل بإجماع فقهاء
عصره، فأصابوا وأخطأ هو وحده .
السُّلمي : سمعتُ منصور بنَ عبدِ الله: سمعتُ الشِّبليَّ يقول: كنت أنا
والحلَّج شيئاً واحداً، إلَّ أنَّه أظهرَ وكتمتُ. وسمعتُ منصوراً يقول : وقف
الشِّبليُّ عليه وهو مصلوب، فنظر إليه وقال: ألم ننهَكَ عن العالمين ؟ !
أبو القاسم التُّوخِي: أخبَرَنا أبي: حدَّثَني حسينُ بنُ عبّاس عَمِّن حضر
مجلس حامد وجاؤ وه بدفاتر الحلّاج، فيها: إنَّ الإِنسانَ إذا أراد الحجّ فإنَّه
يَسْتغني عنه بأن یعمد إلى بيتٍ في داره، فیعمل فيه مِحراباً، ويغتسل ويُحرم،
ويقول كذا وكذا، ويُصلِّي كذا وكذا، ويطوفُ بذلك البيت، فإذا فرغ فقد
سَقَط عنه الحجُّ إلى الكعبة . فأقرَّ به الحلََّّج وقال: هذا شيءٌ رويتُهُ كما
سمعتُه . فتعلَّق بذلك عليه الوزير، واستفتى القاضِيَيْنِ: أبا جعفرٍ أحمدَ بن
الْبُهْلول، وأبا عمر محمدَ بنَ يوسف، فقال أبو عمر: هذه زَنْدَقةٌ يجبُ بها
القتل. وقال أبو جعفر: لا يجب بهذا قتلٌ إلَّ أن يُقِرَّ أَنَّه يعتقدُه، لأنَّ الناسَ قد
(١) أي قيَّدها وجعل لها زِماماً .
٣٣١

يروون الكفرَ ولا يعتقدونَه، وإن أخبَر أنَّه يعتقده اسْتُتِيبَ منه، فإن تابَ فلا شيءَ
عليه، وإلَّ قُتِل . فعمِلَ الوزيرُ على فتوى أبي عمر على ما شاع وذاع من أمره،
وظهرَ من إلحاده وكُفره، فاستؤْذِن المقتدرُ في قتله، وكان قد استغوى نَصْراً
القُشُوريَّ من طريق الصَّلاح والدِّين، لا بما كان يدعو إليه، فخوّف نصرٌ
السَّيِّدة أمَّ المقتدر من قتله وقال : لا آمَنُ أن يلحقَ ابنَكِ عقوبةُ هذا الصَّالِح.
فَمَنعتِ المقتدرَ مِنْ قَتْله، فلم يَقبل، وأمر حامداً بقتله، فحُمَّ المقتدرُ يومَه
ذلك، فازداد نصرٌ وأمُّ المقتدر افتتاناً، وتشكَّكَ المقتدر، فأنفذ إلى حامد
يمنعه من قَتْله، فأخّر ذلك أيّاماً إلى أن عُوفي المقتدر . فألحَّ عليه حامد وقال:
يا أميرَ المؤمنين! هذا إن بقيَ قلبَ الشَّريعة، وارتدَّ خلقٌ على يده، وأدِّی
ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيءٌ فأقتُلني . فأذن له
في قتله، فقتّله من يومه، فلمَّا قُتل قال أصحابُه: ما قُتل وإنَّما قتل بِرْذَوْنٌ كان
لفلان الكاتب، نَفَقَ(١) يومئذٍ وهو يعود إلينا بعد مدَّة، فصارت هذه الجَهالةُ
مقالة طائفة . قال: وكان أكثر مخاريق الحلاج أنَّه يُظهرها كالمعجزات،
يستغوي بها ضَعَفَة الناس .
قال أبو علي التّنُوخي: أخبرني أبو الحسن أحمدُ بنُ يوسف التُّوخِي
قال: أخبرني جماعة أنَّ أهل مقالة الحلاج يعتقدون أنَّ اللَّهُوتَ الذي كان فيه
حالٍّ في ابنٍ له بتُسْتَر، وأنَّ رجلاً فيها هاشم يقال له : أبو عمارة محمدُ بنُ عبد
الله قد حلَّت فيه روحُ محمْد ◌ََّ، وهو يُخاطَبُ فيهم بسيِّدنا .
قال التُّوخِيُّ الأزرق: فأخبرني بعضُ من استدعاه من الحلَّجيّة إلى
أبي عمارة هذا إلى مجلس، فتكلَّم فيه على مذهب الحلّج ويدعو اليه .
قال: فدخلتُ وظنوا أني مُسترشِد، فتكلّم بحضرتي والرجلُ أحوَل، فكان
(١) أي : مات . قال في اللسان : نفق الفرس والدابة وسائر البهائم ينفق نفوقاً: مات .
٣٣٢

يقلب عَينَيْه إليَّ فيجيشُ خاطِرُهُ بِالهَوَس، فلمَّا خرجنا قال لي الرجلُ : آمنتَ ؟
فقلتُ: أشد ما كنتُ تكذيباً لقولكم الآن ، هذا عندكم بمنزلةِ النَّبِي وَيَ!؟ لِمَ
لا يجعل نفسَه غيّر أحول ؟ فقال: يا أَبْلَه! وكأنَّه أحْول، إنَّما يقلِّب عينيه في
الملكوت .
قال أبو عليّ التّنُوخِي: أَخبَرَني أبو العبّاس المتطِّبُ أَحدُ مسلمي
الطِّب الذين شاهدتُهُم : إنَّ حيَّ نور بن الحلَّجِ بتُسْتَر، وإنَّه يلتقط دراهم من
الهواء ويجمعُها ويسمِّيها دراهم القُدرة ، فأحضروا منها إلى مجمع كان لهم ،
فوضعُوها واتخذوا أولئك يشهدون له أَنَّه التقطها من الجو ، يُغرون بها قوماً
غرباء ، يستدعونهم بذلك ، ويرون أنَّ قدرَ حيّ نور أَجلُّ مِن أَن يُمتحن كلَّ
وقت ، فلمَّا وضعت الدراهم في منديل قلَّبتها فإذا فيها درهمٌ زائف ، فقلت :
أَهذه دراهم القُدرة كلّها؟ قالوا: نَعم. فأريتُهُم الدرهم الزَّيْف، فتفرقتِ
الجماعةُ وقُمْنا، وكان حي نور قد استغوى قائداً دَيْلميًَّ على تُسْتَر، ثم زاد عليه
في المخرقة الباردة، فانهتك له، فقتله. فمِن بارِد مخاريقه: أَنَّه أحضر جِراباً
وقال له: إذا حزبَكَ أمرٌ أخرجتُ لك من هذا الجراب ألف تُركيٍّ بسلاحهِم
ونَفَقَتِهم. فسقط من عينه واطَّرَحَةَ، فجاء إليه بعد مدَّةٍ وقال: أَنا أَردُّ يد الملك
أحمد بن بُويه المقطوعةَ صحيحة، فَأَدخِلْنِي إِليه. فصاح عليه وقال: أُريدُ أَن
أُقطعَ يدك؛ فإنْ رددتَها حملتُك إليه، فاضطَربَ من ذلك، فرماه بشيءٍ كانت فيه
منيَّتُه، فبعثه سِراً فغرَّقه .
قال عليُّ بن محمود الزَّوْزني: سمعتُ محمدَ بنَ محمد بن ثوابه
يقول : حكى لي زيد القَصْريُّ قال: كنت بالقدس ، إذ دخل الحلَّاج، وكان
يومئذٍ يُشْعَلُ فيه قُنديلُ قُمامةٍ بدُهن البَلَسَان(١)، فقام الفقراء إليه يطلُبون منه
(١) البلسان : شجر كثير الأوراق ، ينبت بمصر، وله دهن معروف.
٣٣٣

١
شيئاً، فدخل بهم إلى القُمامة ، فجلس بين الشَّمامِسَة(١)، وكان عليه
السَّواد ، فظنّوه منهم ، فقال لهم : متى يُشعل القنديل؟ قالوا: إلى أَربع
ساعات . فقال : كثير . فأوماً بأصبعه ، فقال : الله . فخرجت نارٌ من يده ،
فأشعلتِ القِنديل ، واشتعلت ألفُ قِنديل حواليه ، ثمَّ رُدَّت النارُ إلى أُصبعه ،
فقالوا : مَن أَنت ؟ قال : أَنا حَنيفيّ ، أقلُّ الحنيفيين، تُحُبُّون أَن أُقيمَ أو
أخرج؟ فقالوا: ما شئتَ . فقال: أَعطوا هؤلاء شيئاً. فأَخرجوا بَدْرَةً (٢) فيها
عشرة آلاف درهم للفقراء .
فهذه الحكايةُ وأمثالُها ما صحَّ منها فحكمُهُ أنَّه مخدومٌ من الجِن .
قال التَّوخي(٣): وحدَّثَني أحمدُ بنُ يوسف الأزرق قال : بلغني أنَّ
الحلَّج كان لا يأكل شيئاً شهراً، فهالني هذا ، وكان بين أبي الفرج وبين
روحان الصُّوفيّ مودّة (٤)، وكان محدَّثً صالحاً ، وكان القَصْرُّ - غلام
الحلاج - زوجَ أُخته ، فسألتُه [عن ذلك] فقال: أمَّا ما كان الحلّج يفعلُه فلا
أَعلمُ كيفَ كان يتمُّ له ، ولكنَّ صِهريَ القَصْريَّ قد أَخذ نفسَه، ودرَّجها ،
حتَّى صار يصبِر عن الأكل خمسةَ عشَر يوماً ، أقلّ أو أكثر . وكان يتمُّ له ذلك
بحِيْلة تخفى عَلَيّ ، فلمَّاحُبس في جملة الحلَّجيّة، كشفها لي ، وقال لي :
إنَّ الرَّصد إذا وقع بالإِنسان، وطال فلم تنكشف معه حيلة ، ضَعُفَ عنه
الرَّصد، ثمَّ لا يزال يضعُف كلَّما لم تنكشف حِيتُهَ ، حتى يبطل أصلاً،
(١) الشمامسة: جمع شمّاس ، رؤوس النصارى . قال صاحب اللسان : هو الذي يحلق
وسط رأسه ويلزم البِيعَة .
(٢) في اللسان: ((البدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف ، سمّيت ببدرة السَّخلة، أي:
جلد السخلة .
(٣) في ((نشوار المحاضرة)) ١٥٩/١ - ١٦٠.
(٤) عبارة ((النشوار)): وكان بيني وبين أبي الرج بن روحان الصوفيّ موّدة.
٣٣٤

فيتمكَّنَ حينئذ من فعل ما يريد ، وقد رصَدَني هؤلاء منذ خمسةَ عشَرَ يوماً ،
فما رأَوْني آكلُ شيئاً بَّة، وهذا نهاية صَبْري ، فخُذْ رِظْلًا مِن الزَّبيب ورِطْلًا من
اللَّوز، فدُقَّهُما ، واجعلْهما مثل الكُسب(٤) وابسُطْه كالورقة ، واجعلْها بين
وَرقتين كدفتر ، وخذِ الدفَتَر في يدك مكشوفاً مطويًّا ليخفى، وأَحضرهُ لي خُفِيةً
لأكل منه وأشرب الماء في المضمضة ، فيكفيني ذلك خمسةَ عشَرَ يوماً
أُخرى . فكنتُ أعملُ ذلك له طول حَبْسِه .
قال إسماعيل الخُطَبي في ((تاريخه)): وظهر رجلٌ يُعرف بالحلَّج،
وكان في حبس السُّلطان بسِعايةٍ وقعت به في وزارة عليٍّ بنٍ عيسى ، وذُكر عنه
ضروبٌ من الزَّنْدقة ، ووضع الحِيّل على تضليل الناس من جهات تُشبه
الشَّعْوذة والسِّحر وادِّعاء النبوّة، فكشَفَهُ الوزير، وأنهى خَبَرَه إلى المقتدر ،
فلم يقَّ بما رُمي به ، وعاقبَه، وصلَبه حيًّا أياماً ، ونُوديَ عليه ، ثم حُبّس
سنين ، ينقل من حبس إلى حبس ، حتى حُبس بأَخَرة في دار السُّلطان ،
فاستغوى جماعة من الغلمان ، وموَّه عليهم ، واستمالهم بحيلة ، حتى صاروا
یحمونه ويدفعون عنه ثمَّ راسل جماعة من الكبار ، فاستجابوا له ، وترامی به
الأمرُ حتى ذُكر عنه أنَّه ادَّعى الرُّبوبيَّة ، فسُعيَ بجماعةٍ من أصحابه فقُبض
عليهم ، ووُجد عند بعضهم كتبٌ له تدلُّ على ما قيل عنه ، وانتشر خبرُه ،
وتكلّم الناسُ في قتله ، فسلَّمه الخليفةُ إلى الوزير حامد ، وأمرَ أن يكشِفَهُ
بحضرة القضاة ، ويجمع بينَه وبينَ أصحابه ، فجرت في ذلك خطوب ، ثم
تيقَّن السُّلطان أمرَه ، فأمر بقتله وإحراقه لسبعٍ بقين من ذي القَعْدَة سنةً تَسعٍ
وثلاث مئة ، فضُرب بالسِّياط نحواً من ألف ، وقُطعت يداه ورجلاه ، وضُربت
(١) الكسب: عصارة الدهن، فارسيّ معرّب. أنظر ((المعرب)) للجواليقي: ص ..
٢٨٥ .
٣٣٥

عُنُقُه ، وأُحرقَ بدنُه، ونُصب رأسُه للنَّاس ، وعُلِّقت يداه ورجلاه إلى جانب
رأسه .
قال أبو عليِّ التَّنوخي(١): أخبرني أبو الحسين بنُ عيَّش [القاضي]
عمَّن أَخبره : أَنَّه كان بحضرة حامد بن العبّاس لمَّا قبض على الحلَّاج، وقد
جيءَ بكتبٍ وُجدتْ في داره من دُعاته في الأطراف يقولون فيها : وقد بَذَرْنا
لك في كلِّ أَرضٍ ما يزكو فيها ، وأجابَ قومٌ إلى [أنك] الباب - يعني الإِمام -
وآخرون يعنون أَنَّكَ صاحبُ الزَّمان [يعنون الإِمام الذي تنتظره الإِمامية] ،
وقوم إلى أنَّكَ صاحبُ النَّاموس الأكبر - يعنون النَّبِّوَِّ، وقومٌ يعنون أَنَّك هو
هو - يعني اللهَ عزَّ وجلّ. [قال:] فسُئِل الحلّج عن تفسير هذه الكتب ،
فأخذ يدفعُهُ ويقول : هذه الكتبُ لا أَعرِفُها ، هذه مدسوسةٌ عليّ ، ولا أَعلمُ ما
فيها ، ولا معنى هذا الكلام. وجاؤوا بدفاتر للحلَّاج فيها أنَّ الإِنسانَ إذا أراد
الحجّ فإنَّه يكفيه أن يعمد إلى بيت .. وذكر القصة .
قال أبو علي بنُ البنّاء الحنبليّ: كان عندنا بسوق السِّلاح رجلٌ يقول :
القرآنُ حِجَاب ، والرسولُ حِجَاب ، وليس إلَّ عبدٌ ورب، فافتُيَنَ به جماعةٌ
وتركوا العبادات ، ثم اختفى مخافةً القتل .
وقال الخطيب ((في تاريخه))(٢): ثم انتهى إلى حامد أنَّ الحلََّّجَ قد
موَّهَ على الحَشَمِ والحُجّاب بالدار بأنَّه يُحْبِي الموتى، وأنَّ الجِنَّ يخدُمُونه ،
وأظهر أنَّه قد أَحيى عدةً من الطير . وقيل : إنَّ القُنَّائيَّ الكاتب يعبُدُ الحلاج
ويدعو إليه ، فُكُبِسَ بِيتُه، وأحضروا من داره دفاتر ورِقاع بخطُّ الحلَّج،
فنهضَ حامد ، فدفعه المقتدر إلى حامد ، فاحتفظ به ، وكان يُخْرِجُهُ كلَّ يومٍ
(١) في ((نشوار المحاضرة)) ١٦٢/١، وما بين حاصرتين منه.
(٢) ١٣٢/٨ .
٣٣٦

إلى مجلسه ليظفر له بسَقْطه ، فكان لا يزيد على إظهار الشَّهادتين والتوحيد
والشرائع ، وقبضَ حامدٌ على جماعةٍ يعتقدون إلَهية الحلَّجِ، فاعترفوا أنَّهم
دعاةُ الحلَّاجِ، وذكروا لحامد أنَّه قد صحَّ عندهم أنَّه إلَه، وأنَّه يُحْبِي
الموتى، وكاشَفُوا بذلك الحلَّجِ، فجَحَد وكذَّبهم وقال : أعوذُ بالله أن أدَّعيَ
النّبُوَّة والرُّبوبيَّة، إنَّما أنا رجل أعبدُ اللهَ وأكثرُ الصَّلاةَ والصّومَ وفعلَ الخير ،
ولا أعرف غير ذلك .
قال إسماعيلُ بنُ محمد بنِ زنجي : أخبَرَنا أبي قال : كان أولَ ما
انكشف من أمر الحلاج لحامد أنَّ شَيْخاً يُعرفُ بالدَّبّاس كان ممَّن استجاب
له، ثم تبيَّن مَخْرقتَه ، ففارقَه، واجتمع معه على هذه الحال أبو عليٍّ
الأوارجيُّ الكاتب ، وكان قد عمل كتاباً ذكر فيه مخاريقَ الحلَّج والجيل
فيها ، والحلَّجُ حينئذٍ مقيمٌ عند نصرِ القُشُوريِّ في بعض حجره ، موسعٌ
عليه ، مأذونٌ لَمَن يدخل إليه ، وكان قد استغوى القُشُوريّ ، فكان يُعظّمه
ويُحدِّث أنَّ علةً عرضت للمقتدر في جوفه ، فأدخل إليه الحلاج ، فوضع يده
عليها فُعُوفِيَ ، فقام بذلك للحلَّاج سوق في الدار وعند أُمِّ المقتدر ، ولما
انتشر كلامُ الدَّبَّاس والأوارجي في الحلَّاج ، أحضر إلى الوزير ابن عيسى ،
فأغلظَ له ، فحكي في ذلك الوقت أنَّه تقدَّم إلى الوزير وقال له سراً : قِفْ
حيثُ انتهيتَ ولا تزِدْ ، وإلّ قلبتُ الأرض عليك . فتهيَّهُ الوزير ، فنُقل حيئذٍ
إلى حامد بن العبّاس .
وكانت بنتُ السمريّ - صاحبِ الحلَّج - قد أُدخلت إليه ، وأقامت
عنده في دار الخلافة ، وبعث بها إلى حامد ليسألها عن ما رأت . فدخلت إلى
حامد ، وكانت عَذْبَةَ العِبارة ، فسألها ، فحكتْ أنَّها حملها أبوها إلى
الحلَّج، وأنَّها لما دخلت عليه وهبَ لها أشياء مثمنة ، منها رَيْطَةٌ خضراء
٣٣٧

وقال لها : زوجتُكِ ابني سُليمان ، وهو أعزُّ ولدي [عليّ] وهو مقيمٌ
بَنْسابور، وليس يخلو أن يقعَ بين المرأة وزوجها خلاف ، أو تُنكِر منه حالاً ،
وقد أوصيتُه بكِ ، فمتى جرى عليك شيءٌ ، فصُومِي يومَكِ ، واصعدي إلى
السَّطح ، وقُومي على الرَّماد ، واجعلي فطرَكِ عليه مع ملح ، واستقبلي
ناحِيَّتِي ، واذْكُري ما أنكرتيه ، فإِنِّي أسمعُ وأرى .
قالت : وكنتُ ليلةً نائمةً ، فما أحسستُ به إلّ وقد غَشِيَنِي ، فانتبهتُ
مذعورةً منكِرَةَ لذلك ، فقال: إنَّما جئتُ لأوقِظَكِ الصَّلاة . ولما أصبحنا
ومعي بنتُه، نزل ، فقالت بنتُه: اسجُدي له . فقلت: أَوَ يُسجَدُ لغير الله ؟!
فسمع كلامي ، فقال : نَعم ، إلّهُ في السَّماء وإلّهُ في الأرض .
قالت : ودعاني إليه وأدخل يده في كُمِّه وأخرجها مملوءةً مِسْكاً ، فدفعه
إليَّ وقال : هذا تُرابُ اجعَليه في طِيبك .
وقال مرة : ارفَعي الحَصيرَ ، وخُذي ما تُريدين ، فرفعتُها ، فوجدتُ
الدنانيرَ تحتَها مفروشةً ملءَ البيت ، فبهَرَني ما رأيت(١).
ولمَّا حصل الحلاج في يد حامد ، جدَّ في تتبّعِ أصحابه ، فأخذ منهم
حيدرة ، والسّمريّ، ومحمدَ بنَ عليٍّ القُنَّائي، وأبا المُغيث الهاشِميّ، وابنَ
حمّاد ، وكبسَ بيتَهُ ، وأُخِذتْ منه دفاترُ كثيرة ، وبعضُها مكتوبٌ بالذهب ،
مبطّةٌ بالحرير ، فقال له حامد : أما قبضتُ عليك بواسط فذكرتَ لي دفعةً
أنَّك المهدي ، وذكرتَ مرةً أَنَّك تدعو إلى عبادة الله ، فکیف ادعيت بعدي
الإِلَهِيَّة ؟ .
وكان في الكتب عجائبُ من مكاتباته إلى أصحابه النافذين إلى
(١) انظر أقوال بنت السمري في: ((نشوار المحاضرة)) ٨١/٦ - ٨٢، و((تاريخ بغداد))
١٣٤/٨ - ١٣٥.
٣٣٨

النّواحي ، يُوصِيْهم بما يدعون [الناس] إليه ، و[ما] يأمُرُهم [به] من نقلهم
من حال إلى حال ، ورُتبةٍ إلى رُتبة ، وأَن يخاطبوا كلَّ قومٍ على حسب
عقولهم وقدر استجابتهم وانقيادهم ، وأجاب بألفاظٍ مرموزة ، لا يعرفها غيرُ
مَن كتبها وكُتِبَتْ إليه، وفي بعضها صورةٌ فيها اسمُ الله على تعويج ، وفي
[داخل ذلك] التعويج مكتوب: عليّ عليه السَّلام(١). إلى أن قال:
وحضرتُ مجلسَ حامد وقد أُحضرَ سَفَطٌّ من دار القُنَّائي ، فإذا فيه قِدَرٌ جافَّة ،
وقواريرُ فيها شيءٌ كالزِّئبق ، وكِسَرٌ جافَّة ، فَعَجب الوزير من تلك القِدَر ،
وجعلها في سَفط مختوم ، فسُئِلَ السّمّري ، فدافع ، فَأَلْحُّوا عليه ، فذكر أنَّها
رجيع الحلَّاج، وأنَّه يَشْفى، وأنَّ الذي في القوارير بولُه. فقال السّمّري
لي: فكُلْ من هذه الكِسَر، ثم انظُرْ كيف يكون قلبُك للحلَّج. ثم
أحضر حامد الحلّج وقال: أيش في هذا السَّفَط؟ قال: ما أدري(٢). وجاء
غلام حامد الذي كان يخدُمُ الحلَّج، فأخبر أنَّه دخل بطبق . قال : فوجده
ملءَ البيت من سَقْفه إلى أرضه، فهالَه ما رأى، ورمى بالطَّق من يده وحُمَّ .
قال ابنُ زنجي : وحملت دفاتر من دور أصحاب الحلّج ، فأمرني
حامد أن أقرأها والقاضي أبو عمر حاضر ، والقاضي أبو الحسين بنُ
الأَشْناني ، فمِن ذلك : أنَّ الإِنسان إذا أراد الحجَّ أفردَ في داره بيتاً وطاف به
أَيَّامِ المَوْسِم ، ثم جمع ثلاثينَ يتيماً ، وكساهم قميصاً قميصاً ، وعمل لهم
طعاماً طيِّاً، فأطعمهم وخَدَمهم وكساهم ، وأعطى لكل واحدٍ سبعةً دراهم أو
ثلاثة ، فإذا فعل ذلك ، قام له ذلك مقامَ الحجّ . فلمّا قرأ ذلك الفصل التفتَ
القاضي أبو عمر إلى الحلّج، وقال له : من أين لك هذا؟ قال : من
(١) ((نشوار المحاضرة)) ٨٢/٦ - ٨٣، و((تاريخ بغداد)) ١٣٥/٨ - ١٣٦.
(٢) ((نشوار المحاضرة)) ٨٤/٦ - ٨٥، و((تاريخ بغداد)) ١٣٦/٨ - ١٣٧.
٣٣٩

کتاب(( الإِخلاص )) للحسن البصري . قال : كذبت یا حلال الدَّم ! قد سمعنا
كتاب ((الإِخلاص)) وما فيه هذا . فلمّا قال [ أبو عمر] : كذبتَ يا حَلال
الدَّم ، قال له حامد : اكتُبْ بهذا . فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلاج ، فألحَّ
عليه حامد ، وقدَّم له الدَّواة ، فكتب بإحلال دمه ، وكتب بعده مَنْ حضر
المجلس ، فقال الحلاج: ظَهري حِمىٌ، ودمي حرام ، وما يحلُّ لكم أن
تتأوَّلوا عليّ ، واعتقادي الإِسلام ، ومذهبي السُّنّة ، فاللهَ اللهَ في دمي .
ولم يزل يردِّدُ هذا القولَ وهم يكتبون خطوطَهُم ، ثمَّ نهضوا ، ورُدَّ
الحلَّجُ إلى الحَبْس، وكُتب إلى المقتدر بخبر المجلس ، فأبطأ الجواب
يومَيْن ، فغلظ ذلك على حامد ، وندِم وتخوّف ، فكتب رُقعةً إلى المقتدر في
ذلك ويقول : إنَّ ما جرى في المجلس قد شاع، ومتى لم تُتبعه قتلَ هذا افتُتن
به النَّاس ، ولم يختلف عليه اثنان . فعاد الجوابُ من الغد من جهة مُفلح :
إذا كان القُضَاة قد أباحوا دمَهُ فليحضر محمدُ بنُ عبد الصَّمد صاحب
الشُّرطة ، ويتقدَّم بتسليمه وضربه ألف سَوْط ، فإنْ هَلَكَ وإلّ ضُربَتْ عُنُقُه .
فسرَّ حامد ، وأحضرَ صاحب الشُّرطة ، وأقرأه ذلك ، وتقدَّم إليه بتسليم
الحلَّجِ، فامتنع ، وذكر أنَّه يتخوَّف أن يُنتزع منه ، فبعثَ معه غِلمانَهُ حتى
يُصَيِّروه إلى مجلسه، ووقع الاتِّفاق على أن يحضَر بعد عشاء الآخرة ، ومعه
جماعةٌ من أصحابه ، وقوم على بِغال موكفة مع سُيّاس ، فيحمل على واحد
منها ، ويدخل في غِمار القوم . وقال حامد له : إنْ [ قال لك: ] أجري لك
الفُراتَ ذهباً ، فلا ترفع عنه الضَّرب .
فلمَّا كان بعد العِشاء ، أتى محمدُ بنُ عبد الصَّمد إلى حامد ، ومعه
الرِّجال والبغال، فتقدَّمَ إلى غِلمانِهِ بالرُّكوب معه إلى داره ، وأخرج له
الحلَّج، فحكى الغُلام: أنَّه لمّا فتح الباب عنه وأمره بالخروج، قال: مَنْ عند
٣٤٠