Indexed OCR Text

Pages 61-80

فأسلمَ هو، فكان بعضُ اليَهود يقول للمسلمين : لا يُفْسِدْ هذا عليكم
كتابكم ، كما أفسَدَ أبوه علينا التَّوراة .
قال أبو العبَّس بنُ القاصّ الفقيه: كان ابنُ الرَّاوَنْدي لا يستقرُّ على
مذهب ولا نِحْلة ، حتى صنَّف لليهود كتابَ النُّصرة على المسلمين لدراهم أُعطيها
من يهود . فلمّا أخذ المال ، رام نقضها ، فأعْطَوْهُ مئتي درهم حتى سكت .
قال البَلخيّ : لم يكن في نُظراء ابن الرَّاوَنْدي مثلُه في المعقول ، وكانَ
أولَ أمرِهٍ حَسَنَ السِّيرة ، كثيرَ الحَياء ، ثم انسلَخَ من ذلك لأسباب ، وكان
علمُهُ فوقَ عقله . قال : وقد حُكِي عن جماعةٍ أنَّه تابَ عند موته .
قال في بعض المعجزات : يقول المنجِّم كهذا .
وقال : في القُرآن لحن .
وألّف في قِدَم العالَم . ونفى الصَّانع .
وقال : يقولون : لا يأتي أحدٌ بمثل القُرآن . فهذا إقليدس(١) لا يأتي
أحدٌ بمثله ، وكذلك بَطْلَيْموس(٢) .
وقيل : إنَّه اختلفَ إلى المبرِّد، فبعد أيام قال المُبَرِّد: لو اختلف إليَّ
سنةً لاحتجتُ أن أقومَ وأُجلِسَه مكاني .
قال ابنُ النَّجَّار : مات سنةَ ثمانٍ وتسعينَ ومئتين .
(١) ابن نوقطرس بن بزنيقس : مظهر الهندسة والمبرز فيها، وهو من الفلاسفة
الرياضيين. انظر ((فهرست ابن النديم)) ٣٧١ - ٣٧٢، و((الملل والنحل)) الشهر ستاني:
١١٤/٢ - ١١٥.
(٢) فلكي ، رياضي شهير، وهو الذي أخرج علم الهندسة من القوة إلى الفعل . انظر
((فهرست ابن النديم)) ٣٧٤ - ٣٧٥، و((الملل والنحل)) الشهر ستاني: ١١٦/٢.
٦١

وقيل : ما طالَ عمرُه ، بل عاشَ ستّاً وثلاثينَ سَنَة .
لَعَنَ اللهُ الذَّكَاءَ بلا إيمان، ورضي اللهُ عنِ البَلَدَة مع التَّقْوَى.
٣٢ - ابن طاهِر *
الأمير ، أبو أحمد ، عُبِيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ طاهِر بنِ الحُسَيْن
الخُزاعي ، من بيت إمارة وتقدُّم ، وليَ شُرطةً بغدادَ نيابةً عن أخيه الأمير
محمدِ بنِ عبد الله ، ثم استقلَّ بها بعد موت أخيه .
وكان رئيساً جليلاً، وشاعراً مُحسِناً ، ومترسّلاً بليغاً .
له تصانيف منها: كتاب ((الإِشارة)) في أخبار الشعراء، و(( رئاسة
السياسة)) وكتاب: ((البراعة في الفصاحة)) (١) وغير ذلك. ماتَ في شؤَّال
سَنَةَ ثلاثٍ مئة ، وله سبعٌ وسَبْعون سَنَة .
٣٣ - أبو عُثمان الجِيري **
الشيخُ الإِمامُ المحدِّثُ الواعظُ القُدوة ، شيخُ الإِسلام ، الأستاذُ أبو
الأغاني: ٣٩/٩ -٤٧، فهرست ابن النديم: ١٧٠، تاريخ بغداد :
!
٣٤٠/١٠ - ٣٤٤، المنتظم: ١١٧/٦ - ١١٩، الكامل في التاريخ: ١٨١/٧ و٧٥/٨ ،
وفيات الأعيان: ١٢٠/٣ -١٢٣، البداية والنهاية: ١١٩/١١، النجوم الزاهرة:
١٨٠/٣ - ١٨١.
(١) كذا ورد اسمه في الأصل، أما في ((الفهرست)) و((الوفيات)) فاسمه: ((البراعة
والفصاحة )).
** طبقات الصوفية: ١٧٠ - ١٧٥، حلية الأولياء: ٢٤٤/١٠ - ٢٤٦، تاريخ بغداد :
٩٩/٩ -١٠٢، الرسالة القشيرية: ١٩ - ٢٠، الأنساب: ١٨٢/ب، المنتظم:
١٠٦/٦ - ١٠٨، صفة الصفوة: ١٠٣/٤ -١٠٧، وفيات الأعيان: ٣٦٩/٢ - ٣٧٠، العبر:
١١١/٢، دول الإسلام: ١٨١/١، الوافي بالوفيات: ٢٠٠/١٥، مرآة الجنان: ٢٣٦/٢، =
٦٢

عثمان ، سعيدُ بنُ إسماعيلَ بنِ سَعيد بن منصور النِّيْسَابوري الحِيري
الصُّوفي .
مولدُهُ سنَّةَ ثلاثين ومئتين بالرَّي ، فسمع بها من محمد بن مُقاتل
الرَّازي ، وموسى بن نصر . وبالعراق من حُميد بن الرَّبيع ، ومحمدٍ بن
إسماعيل الأحْمَسيِّ وعدّة ، ولم يزل يطلب الحديثَ ويكتُبُه إلى آخر شيء.
حدَّث عنه الرئيسُ أبو عمرو أحمدُ بنُ نصر ، وابناه: أبو بكر وأبو
الحسن ، وأبو عَمرو بنُ مطر ، وإسماعيل بن نُجيد ، وعدَّة .
قال الحاكم : قدم نّيْسابور لصُحبة الأستاذ أبي حفص النَّيْسابوري ،
ولم يختلفْ مشايخُنا أنَّ أبا عثمان كان مُجاب الدَّعوة ، وكان مجمعَ العُبَّاد
والزُّهَّاد . ولم يزل يسمع ويجلُّ العلماء ويعظِّمُهُم .
سمعَ من أبي جعفر بن حَمدان («صحيحه » المخرَّج على مسلم
بلفظه ، وكانَ إذا بَلَغَ سُنَّةً لم يَستعملها، وقفَ عندها حتى يستعملها .
قلت : هو للخُراسانِين نظيرُ الجُنَيْد للعِراقِين .
ومن كلامه : سرورُكَ بالدُّنيا أذهبَ سرورَكَ بالله [عن قلبك ](١).
قال ابنُ نُجَيد : سمعتُهُ يقول: لا تَثْقَن بمودة مَن لا يُحبُّك إلّ
مَعْصُوماً .
قال أبو عمرو بن حمدان: سمعتُهُ يقول: مَنْ أَمَّر السُّنَّة على نفسه قولاً
= البداية والنهاية: ١١٥/١١، طبقات الأولياء: ٢٣٩ - ٢٤١، النجوم الزاهرة: ١٧٧/٣،
شذرات الذهب : ٢٣٠/٢ .
(١) ((الحلية)) ٢٤٥/١٠ وما بين حاصرتين منه.
٦٣

وفِعلاً، نطقَ بالحِكمة ، ومَنْ أُمَّر الهوى على نفسه، نطقَ بالبِدْعَة ، قال
تعالى: ﴿وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [ النور: ٥٤ ].
قلت : وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَبِعِ الهَوَىَ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ ﴾
[ ص : ٢٦ ] .
وعن أبي عثمان الحِيري قال : لا يكملُ الرجلُ حتى يستَويَ قلبُهُ في
المَنْعِ والعَطَاء ، وفي العِزِّ والذُّل .
وعن أبي عثمان أنَّهُ قال لأبي جعفر بن حمدان : ألستم تروونَ أن عند
ذكر الصالحين تَنزلُ الرَّحمةُ؟. قال: بلى، قال: فرسولُ اللهِ وََّ سيِّدُ
الصَّالِحِين .
قال الحاكم : أخبرني سعيدُ بنُ عثمان السَّمَرْقَنْدِيُّ العابد : سمعَ أبا
عثمان يقول - يعني عن الله - : مَنْ طَلَبَ جِواري ولم يُوطِّن نفسَه على
ثلاث ، أولُها : إلقاءُ العِزّ ، وحملُ الذُّلّ ، الثاني : سكونُ قلبه على جُوع
ثلاثةِ أيام، الثالث : لا يغتُمُّ ولا يهتمُّ إلا لِدِينِه أو طلب إصلاحِ دِينه(١) .
الحاكم : سمعتُ محمدَ بنَ صالح بن هانىء يقول: لما قُتِلَ يحيى بنُ
الذُّهلي ، مُنع الناسُ من حضور مجالس الحديث من جهة أحمد
الخُجُسْتاني(٢)، فلم يجسرْ أحد يحمل محبرة إلى أن ورد السَّريُّ بنُ
(١) لم يرد جواب الشرط في هذا الخبر وربما يكون في الكلام نقص ، ولم نوفق في
العثور على هذا النص في المصادر التي ترجمت للجيري لنستكمله .
(٢) بضم الخاء والجيم: نسبة إلى خُجُستان من جبال هراة . وأحمد بن عبد الله
الخُجُستاني ترجمه المؤلف في ((العبر)) ٣٨/٢ فقال: ((كان من أمراء يعقوب الصفار، جباراً
عنيداً ، خرج على يعقوب ، وأخذ نيسابور ، وله حروب ومواقف مشهودة ، ذبحه غلمانه وقد
سكر. وذلك في شوال سنة ثمان وستين ومئتين)). وانظر أيضاً ((اللباب)) لابن الأثير:
٤٢٤/١، و((وفيات الأعيان)) ٤٢٣/٦ - ٤٢٤.
٦٤

خُزَيْمة ، فقام الزاهدُ أبو عثمان الحِيري ، وجمعَ المحدِّثين في مَسْجِدِه ،
وعلَّق بيده مِحبرةً وتقدَّمَهُم ، إلى أن جاء إلى خان محمش ، فأخرج السريّ
وأجلس المُسْتَملي ، فحزَرْنا مجلسَهُ زيادةً على ألفٍ مِحْبرة ، فلمّا فرغَ قاموا
وقبَّلُوا رأسَ أبي عثمان، ونثر الناسُ عليهم الدَّراهم والسُّكَّر سنة ثلاثٍ
وسَبْعِينَ ومئتين .
قلت : ذكر الحاكم أخبارَ أبي عثمان [ في ] خمسٍ وعشرينَ ورقة ، وفي
غضون ذلك من كلامه في التوكّل واليَقين والرِّضى، قال الحاكم : وسمعتُ
أبي يقول : لما قتلَ أحمدُ بنُ عبد الله الخُجُسْتَاني - الذي استولى على
البلاد - الإِمامَ حَيْكان (١) بنَ الذُّهلي، أخذ في الظُّلم والعَسف ، وأمر بحَرْبةٍ
رُكزت على رأس المربّعةُ، وجمع الأعيان، وحلفَ: إنْ لم يَصُبُّوا الدراهمَ
حتى يغيبَ رأسُ الحَرْبة ، فقد أحلُّوا دماءهم ، فكانوا يقتسمون الغَرامة
بينهم ، فَخُصَّ تاجرٌ بثلاثين ألف درهم ، فلم يكن يقدر إلَّ على ثلاثة آلاف
درهم ، فحملها إلى أبي عثمان وقال : أيُّها الشَّيْخُ ! قد حلف هذا كما
بلغَك ، وواللهِلا أهتدي إلَّ إلى هذه ، قال: تأذنُ لي أن أفعلَ فيها ما ينفعُك ؟
قال : نعم ، ففرَّقَها أبو عثمان ، وقال للتاجر: امكُثْ عِنْدي . وما زال أبو
عثمان يتردّدُ بينَ السِّكَّة والمسجدليلتهُ حتى أصبح ، وأَذَّنَ المؤذِّن ، ثم قال
لخادمه : اذْهبْ إلى السُّوق ، وانظرْ ماذا تسمع ، فذهبَ ، ورجَعَ فقال : لم
أَرَ شَيْئاً ، قال : اذهبْ مرَّة أُخرى ، وهو في مناجاته يقول : وحقِّكَ لا أقمتُ ما
لم تفرِّجْ عن المكروبين ، قال: فأتى خادمهُ الفَرغانيُّ يقول : وكفى اللهُ
(١) انظر التعليق رقم (١) من الصفحة ٣٦.
(٢) في ((اللسان)): ((والمربعة: خشيبة قصيرة يرفع بها العدل ... وقال الأزهري:
هي عصا تُحمل بها الأثقال حتى توضع على ظهر الدواب)).
٦٥

المؤمنين القتال ، شُقَّ بطنُ أحمد بن عبد الله . فأخذ أبو عثمان في الإِقامة .
قلت : بمثل هذا يعظُم مشايخ الوقت .
قال أبو الحسين أحمدُ بنُ أبي عثمان : توفيَ أبي لعشرٍ بقينَ من ربيع
الآخر ، سنةَ ثمانٍ وتسعين ومئتين ، وصلَّى عليه الأميرُ أبو صالح .
وفيها في شَوَّالها مات الاستاذُ العارفُ أبو القاسم :
٣٤ - الجُنَيْدُ *
ابنُ محمَّد بن الجُنَيد النّهاوَنْدِي(١) ثم البغدادي القَوارِيريّ، والدُه
الخزَّاز .
هو شيخُ الصُّوفِيَّةِ ، وُلد سنة نَيِّفٍ وعشرين ومئتين ، وتفقَّه على أبي
ثَور ، وسمعَ من السَّرِيِّ السَّقَطي(٢) وصحبه، ومن الحسن بن عَرَفَة ،
وصحبَ أيضاً الحارثَ المُحَاسِبي (٣)، وأبا حمزة البغداديّ، وأتقن العلمَ ،
ثم أقبلَ على شأنه ، وتألَّهَ وتعبَّد ، ونطقَ بالحِكْمَة ، وقلَّ ما ورى .
طبقات الصوفية: ١٥٥ - ١٦٣، حلية الأولياء: ٢٥٥/١٠ - ٢٨٧، تاريخ بغداد :
٠
٢٤١/٧ - ٢٤٩، الرسالة القشيرية: ١٨ - ١٩، طبقات الحنابلة: ١٢٧/١ - ١٢٩،
الأنساب : ٤٦٣/ب، المنتظم: ١٠٥/٦ -١٠٦، صفة الصفوة: ٤١٦/٢ - ٤٢٤، وفيات
الأعيان: ٣٧٣/١ - ٣٧٥، العبر: ١١٠/٢ - ١١١، دول الإسلام: ١٨١/١، مرآة
الجنان: ٢٣١/٢ - ٢٣٦، طبقات الشافعية للسبكي: ٢٦٠/٢ - ٢٧٥، البداية والنهاية:
١١٣/١١ - ١١٥، طبقات الأولياء: ١٢٦ - ١٣٦، النجوم الزاهرة: ١٦٨/٣ - ١٧٠،
شذرات الذهب: ٢٢٨/٢ - ٢٣٠، روضات الجنات : ١٦٤ - ١٦٥.
(١) نسبة إلى ((نهاوند)): مثلثة النون الأولى، مع فتح الهاء والواو بينهما ألف،
وإسكان النون الثانية. قال ياقوت في ((معجمه)) ٣١٣/٥: ((مدينة عظيمة في قبلة همذان ،
بينهما ثلاثة أيام .
(٢) هو أبو الحسن ، سريّ بن المغلّس السَّقطي . إمام البغداديين وشيخهم في وقته ،
المتوفى سنة ٢٥١ هـ وقد تقدمت ترجمته .
(٣) هو أبو عبد الله، الحارث بن أسد المحاسبيّ، البصريُّ الأصل، الزاهد المشهور
صاحب التصانيف المتوفى سنة ٢٤٣ هـ وقد تقدمت ترجمته في الجزء ١٢ برقم (٣٥).
٦٦

حدث عنه : جعفر الخُلْدي ، وأبو محمد الجريري ، وأبو بكر
الشِّبْلِي ، ومحمد بن علي بن حُبيش ، وعبد الواحد بن علوان ، وعدّة .
قال ابن المُنادي: سمعَ الكثير، وشاهدَ الصَّالحين، وأهلَ
المعرفة ، ورُزقَ الذَّكاءَ وصوابَ الجواب . لم يُرَ في زمانِهِ مثلُه في عِقَّة
وعُزوفٍ عْنِ الدُّنيا .
قيل لي : إنَّه قال مرَّة : كنتُ أُفتي في حلقة أبي ثَور الكَلْبِيِّ ولي
عشرون سَنَّة .
وقال أحمدُ بنُ عطَاء : كان الجُنيد يُفتي في حلقة أبي ثّوْر .
عن الجُنيد قال : ما أخرجَ اللهُ إلى الأرضِ عِلماً وجعلَ للخَلق إليه
سبيلاً، إلا وقَد جعلَ لي فيه حظاً .
وقيل : إنَّهُ كانَ في سُوقه ووِرْدُه كلَّ يومٍ ثلاثُ مئة ركعة ، وكذا كذا
ألف تَسْبِيحَة .
أبو نُعَيْم حدثنا عليُّ بنُ هارون وآخر قالا : سمعنا الجُنَيْدَ غيرَ مَرَّة يقول:
عِلمُنا مضبوطٌ بالكِتابِ والسُّنَّة مَنْ لم يحفَظِ الكتابَ، ويكتبِ الحديثَ، ولم
يتفقَّهْ، لا يُقْتَدَى به.
قال عبد الواحد بن علوان : سمعتُ الجُنيدَ يقول: عِلمُنا - يعني
التَّصَوُّف - مُشَبَّكٌ بحديثِ رسولِ اللهِ .
وعن أبي العبَّاس بن سُريج: أنَّه تكلّم يوماً فعجِبُوا! فقال : ببَرَكة
مُجالَسَتي لأبي القاسم الجُنيد .
وعن أبي القاسم الكَعْبي أنَّه قال مرَّة: رأيتُ لكم شَيْخَاً بَبَغْدَاد ، يُقال
له الجُنّيْد، ما رأتْ عيناي مثلَه! كان الكَتَبَةُ - يعني البلغاء - يحضُرونَه
٦٧

لألفاظِهِ، والفلاسفةُ يحضُرونَه لدقَّة معانيه، والمتكلِّمون يحضُرونَه لزِمام
علمه ، وكلامُه بائنٌ عن فَهْمِهِم وعِلْمهِم .
قال الخُلْدي: لم نَرَ فِي شُيوخِنا مَن اجتمعَ له علمٌ وحالٌ غير الجُنَید .
كانت له حالٌ خطيرةٌ ، وعلمٌ غزير، إذا رأيتَ حالَه رجَّحْتَهُ على عِلْمِه ، وإذا
تكلّم رجَّحْتَ علمَه علی حالِه .
أبو سهل الصُّعْلوكي : سمعتُ أبا محمد المرتعش يقول : قال
الجُنيد : كنتُ بينَ يدي السَّريِّ ألعبُ وأنا ابنُ سبعٍ سِنين ، فتكلَّموا في
الشُّكر، فقال : يا غلامُ ما الشُّكر؟ قلت: أَنْ لا يُعْصَى اللهُ بِنِعَمِهِ ، فقال :
أَخْشَى أَنْ يكونَ حظّك من اللهِ لسانُك . قال الجُنيد : فلا أزال أبكي على
قوله .
السُّلَمي حدثنا جدِّي ابنُ نُجيد(١) قال: كانَ الجُنيد يُفتح حانوته
ويدخل، فَيُسْبِلِ السِّتْرَ ويصلِّي أربع مئة ركعة.
وعنه قال: أَعلى الكِبْرِ أَن تَرَى نفسَكَ، وأَذَنَاهُ أَن تخطر ببالك - يعني
نفسك .
أبو جعفر الفَرغاني : سمعتُ الجُنَيد يقول : أقلُّ ما في الكلامِ سقوطُ
هَيْبَة الربِّ جلَّ جلالُه مِن القلب ، والقلبُ إذا عَرِيَ من الهَيْبَةِ عَرِيَ من
الإِيمان .
قيل : كان نقشُ خاتم الجُنيد : إِنْ كُنْتَ تَأْمَلُهُ فلا تَأْمَنْه .
وعنه : مَنْ خالفتْ إِشارتُه معاملَتَه ، فهو مدَّعٍ كذَّاب .
(١) هو أبو عمرو، إسماعيل بن نُجيد السُّلَمي، جدّ أبي عبد الرحمن صاحب
((الطبقات)) وهو مترجم فيها ص ٤٥٤ - ٤٥٧. وانظر أيضاً ((عبر المؤلف)) ٣٣٦/٢.
٦٨

وعنه : سألتُ اللهَ أن لا يعذِّبَنِي بِكلامي ؟ وربَّما وقعَ في نفسي : أنَّ
زعيمَ القومِ أرذلُهم .
وعنه : أُعطيَ أهلُ بغداد الشَّطْحَ والعِبارةِ وأهلُ خرسان القلب
والسخاء ، وأهلُ البصرة الزهد والقناعة ، وأهلُ الشَّامِ الحِلمَ والسَّلامة ،
وأهلُ الحِجَازِ الصَّبَرَ والإِنَابة .
وقيل لبعض المتكلِّمين - ويقال ، هو ابن كُلّب(١)، ولم يصح -:
قد ذكرت الطوائف، وعارضتّهم، ولم تذكر الصُّوفيّة، فقال: لم أَعرفْ لهم
علماً ولا قولاً، ولا ماراموه. قيل: بل هم السَّادة. وذكروا له الجُنيد، ثم
أَتَّوا الجُنيد فسألوه عن النَّصوُّف ، فقال : هو إفرادُ القَديم عن الحَدَث ،
والخروجُ عن الوطن ، وقطعُ المَحاب ، وتركُ ما علم أو جهل ، وأن يكونَ
المرءُ زاهداً فيما عند الله ، راغباً فيما لله عندَه ، فإذا كان كذلك حَظاه إلى
كشف العلوم، والعبارة عن الوجوه، وعلم السَّرائر، وفقه الأرواح . فقال
المتكلم : هذا - واللهِ - علمٌ حسن ، فلو أَعَدْتَه حتى نكتُبُه ، قال : كلّا ، مرّ
إلى المكان الذي منه بدأ النُّسْيان ، وذكر فصلاً طويلاً، فقال المتكلم : إنْ
كانَ رجلٌ يهدِمُ ما يَثْبت بالعقل بكلمة من كلامه ، فهذا ، فإنَّ كلامه لا يحتمل
المُعارَضَة .
قال أبو محمد الجَريري : سمعتُ الجُنيد يقول : ما أخذنا التَّصُوفَ عن
القالِ والقِيل ، بل عن الجُوعِ ، وتَركِ الدُّنيا ، وقطعِ المألوفات .
قلت : هذا حَسَن ، ومرادُه : قطعُ أكثر المألوفات ، وتركُ فضول
الدنيا ، وجوعٌ بلا إفراط. أمَّا مَنْ بالغَ في الجُوع كما يفعلُه الرُّهْبان ، ورفضَ
(١) انظر الحاشية (١) من الصفحة (٣٧٨) من هذا الجزء.
٦٩

سائرَ الدُّنيا ، ومألوفاتِ النَّفس، من الغذاءِ والنَّومِ والأَهْل، فقد عرَّض نفسَه
البلاء عريض، وربَّما خُولِطَ في عقله، وفاتَه بذلك كثيرٌ من الحنيفيَّة
السَّمْحَة ، وقد جعلَ اللهُ لكلِّ شيءٍ قَدراً ، والسَّعادةُ في مُتابعة السُّنَن ، فزِن
الأمورَ بالعَدل ، وصُمْ وأَقْطِر، ونَمْ وقُمْ ، والزمِ الوَرَعَ في القُوت ، وارضَ
بما قسمَ اللهُ لك، واصمُتْ إِلَّ مِن خَير، فرحمةُ اللهِ على الجُنيد ، وأين مثلُ
الجُنید في علمه وحاله؟.
قال ابن نُجيد: ثلاثةٌ لارابعَ لهم ، الجُنيدُ بَبَغْداد ، وأبو عثمان
بنيسابور ، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشَّام(١).
وقد كان الجُنيد يأنَسُ بصديقه الأستاذ أبي الحسين :
٣٥ - التّوري *
وهو أحمدُ بن محمد الخُراسانِيُّ الْبَغَويُّ الزَّاهد، شيخُ الطَّائفة
بالعِراق ، وأَحْذَقُهُم بلطائف الحقائق ، وله عباراتٌ دقيقة ، يتعلَّق بها مَنْ
انحرفَ مِن الصُّوفية ، نسألُ اللهَ العفو.
صحبَ السَّريَّ السَّقَطيَّ وغيرَه ، وكان الجُنَيدُ يعظِّمُه ، لكنَّه في الآخر
رقَّ له وعذَرَهُ لمّا فَسَدَ دِماغُه .
(١) ((طبقات الصوفية)) ص ١٧٦.
* طبقات الصوفية: ١٦٤ - ١٦٩، حلية الأولياء: ٢٤٩/١٠ - ٢٥٥، تاريخ بغداد :
١٣٠/٥ - ١٣٦، الرسالة القشيرية: ٢٠ الأنساب: ٥٧٠/ ب، صفة الصفوة: ٤٣٩/٢ - ٤٤٠،
المنتظم : ٧٧/٦، البداية والنهاية: ١٠٦/١١، طبقات الأولياء: ٦٢ - ٧٠، النجوم
الزاهرة : ١٦٣/٣.
٧٠

وقد ساحَ النَّوري إلى الشام ، وأخذ عن أحمدَ بنِ أبي الحَوَاري ، وقد
جرت له مِحْنة، وفرّ عن بغداد في قيام غلام خليل على الصُّوفيّة ، فأقام بالرَّقَّة
مدةً متخلِّاً مُنعزِلاً. حكى ذلك أبو سعيد بنُ الأعرابي ، قال: ثم عاد إلى
بغداد وقد فقدَ جلَّسه وأناسَه وأشكالَه، فانقبضَ لضعف قوَّته، وضَعْف بَصَره .
وقال أبو نعيم: سمعتُ عمر البنَّاء [البغدادي] بمكّة يحكي محنةً غلام
خليل ، قال : نَسَبُوا الصُّوفيَّة إلى الزَّندقة ، فأمر الخليفةُ المعتمد في سنة أربع
وستين ومئتين بالقَبْض عليهم ، فأخذَ في جملتهم النُّوريّ ، فأُدخِلُوا على
الخليفة ، فأمرَ بضربٍ أعناقهم ، فبادَرَ النُّورِيُّ إلى السَّيَّاف ، فقيل له في
ذلك ، فقال : آثرتُ حياتَهم على نفسي ساعة ، فتوقّف السيّاف [عن قتله ،
ورفع أمره إلى الخليفة]، فردَّ الخليفةُ أمرهم إلى قاضي القضاة إسماعيلَ بنِ
إسحاق ، فسأل أبا الحُسين النُّوري عن مسائل في العبادات ، فأجاب ، ثم
قال : وبعد هذا، فاللّه عباد يُنْطِقُون باللّه، ويأكُلُون بالله، ويسمَعُون بالله،
فبكى إسماعيلُ القاضي ، وقال : إنْ كان هؤلاء القوم زنادِقة ، فليس في
الأرض مُوَحِّد. فأطلقوهم(١)
أبو نعيم(٢)، سمعتُ أبا الفَرَج الوَرِثَاني، سمعتُ علي بنَ عبد الرّحيم
يقول: دخلتُ على النُّورِي، فرأيتُ رِجْلَيْه مُنْتَفِخَتَيْن، فسألته [ عن أمره ]
فقال: طالبَتْني نفسي بأكل تَمر، فدافَعْتُها، فأَبَت [ عليَّ ] فاشترَيْتُه، فلمّا
أكلتُ، قلت: قُومي فصلِّي، فأَبَتْ، فقلت: للَّه عليَّ إِنْ قَعَدت على الأرضِ
أربعين يوماً، فما قعدتُ - يعني إلَّ في صلاة .
(١) الخبر مطولاً في ((حلية الأولياء)) ٢٥٠/١٠ - ٢٥١، و((تاريخ بغداد)) ١٣٤/٥ وما
بين حاصرتين منهما .
(٢) في ((الحلية)) ٢٥١/١٠.
٧١

وعن النُّوري قال: مَنْ رأيتَه يدَّعي معَ اللهِ حالةً تُخْرِجِ عَن الشَّرع، فلا
تَقْرَبن منه .
قال أبو العباس بن عطاء: سمعتُ أبا الحُسين النُّوريَّ يقول: كانَ في
نفسي من هذه الكرامات، فأخذتُ من الصِّبْيان قصبة، ثم قمتُ بین زَوْرَقَین
وقلت: وعِزَّتِك لئن لم تخرجْ لي سَمَكة فيها ثلاثةُ أرطال لُأغْرِقِنَّ نفسي .
قال: فخرجتْ لي سمكةٌ ثلاثةُ أرطال. قال: فبلغ ذلك الجُنيد، فقال كان
حُكْمُه أن تخرُج له أفعی فتلدغه .
وعن النُّورِيِّ قال: سبيلُ الفانِينَ القَناءُ في محبوبهم، وسبيلُ الباقِينَ
البقاءُ بَبَقائه، ومَن ارتفعَ عن الفَناء والبَقاء، فحينئذٍ لا فناء ولا بقاء .
عن القَنَّاد قال: كتبتُ إلى النُّوري وأنا حدث:
إِذَا كانَ كُلُّ المَرْءِ فِي الكُلِّ فَانِياً أَبِنْ ليَ عَنْ أَيِّ الوُجُودَيْنِ يُخْبِرُ
فأجاب لوقته :
إِذا كُنْتَ فِيمَا لَيْسَ بِالوَصْفِ فَانِياً فَوَقْتُكَ فِي الأَوْصَافِ عِنْدِي تَحَيُّرُ(١)
قلت: هذا يحتاجُ إلى شَرحٍ طويل، وتحرُّز عن الفناء الكلِّي،
ومرادُهم بالفَناء، فناءُ الأوصافِ النَّفْسَانيَّة ونحوها، ونسيانُها بالاشتغال بالله
تعالى وبعبادتِه ، فإنَّ ذاتَ العارفِ وجَسَدَهُ لا ينعدم ما عاش ، والكون وما
حوى فمخلوق والله خالق كل شيء ومبدعه ، أعاذَنا اللهُ وإِيَّاكم من قول
(١) الخبر والبيتان في ((حلية الأولياء)) ٢٥٣/١٠ - ٢٥٤، ولفظ البيت الأول في
((الحلية)):
إذا كان كلَّ الكلِّ في النور فانياً أَيِن لي عن أيِّ الوجودين أُخبر
٧٢

الأَنِّحاد(١)، فإِنَّهِ زَنْدَقَة .
قال فارس الحَمَّال : رأيتُ النُّوريَّ خرجَ من البادية، ولم يبقَ منه إلاّ
خاطره، فقال له رجل: هل يلحق الأسرارَ ما يلحقُ الصِّفات ؟ - يريد الضَّنا
الذي رأى به، فقال: إنَّ اللهَ (٢) أقبلَ على الأسرار فحمَلَها، وأعرضَ عن
الصِّفات فمحَقَها ، ثم أَنْشْأَ يقول:
أَزْعَجَنِي عَنْ وَطَني !
أهكذا صَيَّرَني
وإِذْ بدا غَيَّبَني(٣)
حتّى إذا غِبْتُ به
واصلتُه قاطَعَني
واصَلَني .. حتى إذا
تشهدُ أوْ تَشْهَدني (٤)
يقولُ لا تشهدُ ما
قال: ولمّا مات النُّورِي قال الجُنيد: ذهبَ نصفُ العِلم بمَوْتِه.
وقيل: قالَ النُّورِي للجُنَيد: غَشَشْتَهُمْ فَصَدَّرُوكَ، ونصحتُ لَهُم فَرَمَوْني
بالحِجَارة .
قيل: كان النُّوري يلهج بفناء صفاتِ العارف، فكان ذلك أبو جاد فناء
ذات العارف كما زعمت الاتِّحادية، فقالوا بتعميم فناء السّوي، وقالوا: ما في
الكون سوى الله، وصرَّحوا بأنَّه تعالى اتَّحد لخلقه، وأنتَ أنا، وأنا أنتَ،
وأنشدوا :
(١) انظر في تعريف ((الاتحاد)) ما كتبه محمد فريد وجدي في ((دائرة معارف القرن
العشرين)) ٦٧٨/١٠ - ٦٨٤.
(٢) لفظ ((الحلية)) : إن الحقّ .
(٣) رواية البيت في الحلية كما يلي :
حتَّى إذا غبت بدا
وإن بدا غيّبني
(٤) الخبر والأبيات في ((حلية الأولياء)) ٢٥٠/١٠.
٧٣

لأَنِّيَ فِي التَّحقيقِ لَسْتُ سِواكُم
وألتذُّ إنْ مَرَّت على جسدي يدي
فنعوذُ بالله من الضَّلال .
قال ابنُ الأعرابي: مضيتُ يوماً، أنا ورُوَيْم وأبو بكر العطّار نمشي على
شاطىء نهر، فإذا نحنُ برجلٍ في مسجد بلا سقف . فقال رُوَيم: ما أشبه هذا
بأبي الحُسَينِ النَّوري ! فملنا إليه، فإذا هو هو، فسلّمنا وعرفنا، وذكرَ أَنَّه ضَجِرَ
من الرَّقَّة فانحدر، وأنَّه الآنَ قدِمَ ولا يدري أین یتوجّه، وكان قد غاب عن
بغداد أربعَ عشرةً سنَّةَ، فَعَرَضْنا عليه مسجِدَنا فقال: لا أُريدُ موضِعاً فيه
الصُّوفيّة، قد ضَجِرتُ منهم، فلم نزل نطلبُ إليه حتى طابت نفسُه . وكانت
السَّوداء قد غلبت عليه، وحديثُ النَّفْس، ثم ضَعُفَ بَصَرُه ، وانكسَرَ قلبُه،
وفَقَد إخوانَه، فاستوحش من كلِّ أحد .
ثم إنَّه تأنَّس وسألنا عن نصرِ بنِ رجاء، وعثمانَ، وكانا صَديقين له، إلّ
أنَّ نصراً تنكَّر له، فقال: ما أخافُ بغداد، إلَّ مِن نَصْر، فعرَّفْناه أنَّه بخلاف ما
فارَقَه، فجاءَ معنا إلى نَصْرِ، فلمّا دخل مسجِدَه، قام نصرٌ وما أبقى في إكرامه
غايَة، وبِتْنا عنده، ولما كان يومُ الجُمعة، ركِبْنا مع نصر زورقاً من زوارقه إلى
مكان، وصَعدنا إلى الجُنيد، فقام القومُ وفَرِحُوا، وأقبلَ عليه الجُنيد، يذاكرُه
ويمازِحُه، فسأله ابنُ مسروق مسألة، فقال: عليكم بأبي القاسِم، فقالَ
الجنيد: أجِب يا أبا الحُسَين، فإنَّ القومَ أحبُّوا أن يسمَعُوا جوابَك، قال: أنا
قادمٌ وأنا أُحبُّ أن اسمَع، فتكلَّم الجُنيدُ والجماعةُ ، والنُّوري ساكت. فعرَّضواله
ليتكلّم، فقال: قد لُقبّتُم ألقاباً لا أعرِفُها، وكلاماً غيرُ ما كنتُ أعهَد، فدعُوني
حتى أسمعَ، وأقف على مقصودِكم، فسألُوه عن الفَرق الذي بعد الجمعَ: ما
علامته ؟ وما الفَرقُ بينَه وبينَ الفرق الأَوّل ؟ - لا أدري سألوه بهذا اللفظ أو
بمعناه.
٧٤

وكنتُ قد لقيتُه بالرِّقَّة سنةَ سَبعينَ ومئتين، فسأَلَني عن الجُنيد، فقلت:
إِنَّهم يشيرون إلى شيءٍ يسمُّونه الفرقَ الثاني والصَّحْو، فقال: اذكْر لي شَيئاً
منه، فذكرتُه، فضَحِكَ وقال: ما يقول ابن الخلنجي ؟ قلت: ما يُجالسُهم .
قال: فأبو أحمد القلانسيّ؟ قلت: مرةً يُخالِفُهم، ومرةً يوافقهم . قال: فما
تقول أنتْ؟ قلتُ: ما عسى أن أقول أنا ؟ ثم قلتُ: أحسَبُ أنَّ هذا الذي
يسمُونِه فَرقاً ثانياً هو عينٌ من عيون الجَمع، يتوهّمُون به أنَّهم قد خرجوا عن
الجمع، فقال: هو كذاك، أنتَ إنَّما سمعتَ هذا من القَلانِسيّ. فقلت: لا .
فلمّا قدمتُ بغداد، حدثتُ أبا أحمد القَلانِسيَّ بذلك، فأعجبَه قول
النّوري . وأمَّا أبو أحمد فكان ربَّما يقول: هو صَحْو وخروجٌ عن الجمع،
وربَّما قال: بل هو شيء مِن الجمع . ثم إنَّ النَّوري شاهَدَهم فقال: ليس هو
عين من عيون الجمع، ولا هو صحو من الجمع، ولكنهم رجعوا إلى مـ :
يعرِفون، ثمّ بعد ذلك ذكر رُوَيمُ وابنُ عطاء: أنَّ النُّورِيَّ يقول الشيء وضدَّه،
ولا نعرفُ هذا إلَّ قول سُوفسطا ومَنْ قال بقوله(١). وكان بينهم وحشة ، وكان
يكثرُ منهم التَّعَجُّب، وقالوا للجُنيد فانكر عليهم وقال: لا تقولوا مثلَ هذا لأبي
الحُسَيْن، ولكنه رجلٌ لعلَّه قد تغيَّر دماغه .
ثم إنَّ أبا الحُسَين انقبضَ عن جميعهم، وجفاهُم، وغلبت عليه العِلَّة،
وعَمِيَ، ولزمَ الصَّحارى، والمقابر، وكانت له في ذلك أحوالٌ يطول شرحُها .
وسمعتُ جماعةً يقولون: مَنْ رأَى النُّورِيَّ بعدَ قدومِهِ من الرَّقَّة، ولم يكن رآه
قبلها فكأنه لم يَرَه لتغُّرِهِ، رحمه الله .
(١) وهم السوفسطائيون : فرقة من الفلاسفة ، ينكرون المحسوسات والبدهيات ،
ويعدون الوجود خيالاً في خيال . انظر ما كتبه محمد فريد وجدي - عن السوفسطائية - في (( دائرة
معارف القرن العشرين)) ١٧١/٥- ١٧٣. وقد عرف شيخ الإِسلام السفسطة، فقال: هي نفي
الحقيقة، أو التردد فيها، أو جعلها. تابعة لظنون الغير.
٧٥
:

قال ابن جَهْضَم: حدَّثني أبو بكر الجلَّء قال: كانَ النُّورِيُّ إذا رأى
منكراً غيِّره، ولو كان فيه تَلَفُهُ. نزل يوماً، مرأى زورقاً فيه ثلاثون دَنّاً، فقال
للمَلَّحِ: ما هذا؟ قال: ما يلزمُك؟ فألحَّ عليه، فقال: أنتَ واللهِ صُوفيٍّ كثيرُ
الفُضول، هذا خمرٌ للمُعْتضِد، قال: أعطِني ذلك المِذْرى، فاغتاظ وقال
الأجِيره: ناوِلْه حتى أبصرَ ما يصنع، فأخذه، ونزل فكسَّرها كلَّها غيرَ دَنّ، فأخذ
وأدخل إلى المعتضد، فقال: مَنْ أنتَ ويلك؟ قال: مُحتسِبٌ ، قال: ومَن
ولَكَ الحِسْبَة ؟ قال: الذي ولَّك الإِمامَة يا أميرَ المؤمنين! فأطرق: وقال: ما
حَمَلَك على فِعلك؟ قال: شفقة مِنِّي عَلَيك! قال: كيف سَلِم هذا الدَّن ؟
فذكرَ أنَّه كان يكسِر الدِّنان ونفسُه مُخلِصَةٌ خَاشِعَة، فلمَّا وصلَ إلى هذا الدَّنِّ
أعجبَتْهُ نفسُه، فارتاب فيها ، فتركه .
عن أبي أحمد المَغَازِلي قال: ما رأيتُ أحداً قطُّ أعبدَ مِن النُّورِي.
قيل: ولا الجُنيد؟ قال: ولا الجُنّيّد .
وقيل: إنَّ الجُنَيد مرضَ مرَّةً فعاده النُّورِي، فوضَعَ يدَهُ عليه، فَعُوفِيَ
لوقتِه .
توفي النُّورِيُّ قبلَ الجُنيد، وذلك في سنةٍ خمسٍ وتسعينَ ومئتين، وقد
شاخَ رحمهُ الله . وقد مرَّ موتُ الجُنيد في سنة ثمانٍ وتسعين(١) .
قال أبو بكر العَطَويّ: كنتُ عندَ الجُنيد لما احتُضِر، فختم القرآنَ ثم
ابتدأ سورة البقرة، فتلا سَبعينَ آيةً ومات .
قال الخُلْدي: رأيتُه في النَّوم فقلت: ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقال: طاحت
(١) انظر الصفحة (٦٦) من هذا الجزء ، وما يجيء من الكلام بعد هذا فهو من تمام
ترجمة الجنيد .
٧٦

تلكَ الإِشارات، وغابَتْ تلكَ العِبارات، وفنِيَتْ تلكَ العُلوم ، ونِفِدَتْ تلكَ
الرُّسوم، وما نَفَعَنا إلَّ ركعاتٌ كنَّا نركَعُها في الأَسْحَار .
قال أبو الحُسَين بن المُنادي: ذُكرَ لي أنَّهم حَزَرُوا الجمعَ يوم جِنازة
الجُنيد، الذين صلَّوا عليه نحو سِتِين ألفاً، وما زالوا يَنْتابون قبرَهُ في كلِّ يومٍ
نحوَ الشَّهر، ودُفن عند السَّرِيِّ السَّقَطِيّ.
قلت: غَلِطَ مَن وَرَّخَهُ فِي سَنَةِ سَبعٍ وتِسْعِين، واللهُ أعْلَم .
٣٦ - البَرْذَعي *
الإِمامُ الحافظُ، أبو عثمان سعيدُ بنُ عَمرو بن عمَّر الأزدي البَرْذَعي .
برخَالٌ ، جَوَّالٌ ، مصنِّف .
سمع أبا كُريب، وعبدَة الصَّفَّار، وعمروَ بنَ عليِّ الفلَّس، ومحمدَ بنَ
المثنّى، وبُنْداراً، وأبا سعيد الأشجّ، ومحمدَ بن يحيى الذُّهْلي، وأحمدَ
ابنّ عبد الرحمن بن وهب، وأبا إسحاق الجوزجاني، وأحمدَ بن الفرات، وأبا
زُرعة، ولازمه، وفَقُه به وبمسلم بن الحجاج ، وابن وارَةٍ(١) .
حدَّث عنه: حفصُ بنُ عمر الأَرْدُبِيلي (٢)، وأحمدُ بن طاهر الميانجي،
* معجم البلدان: ١ / ٣٨٠ - ٣٨١، مختصر طبقات علماء الحديث
لابن عبد الهادي: الورقة ١/١٢٨، تذكرة الحفاظ: ٧٤٣/٢ - ٧٤٤، الوافي بالوفيات :
١٤٧/١٣، طبقات الحفاظ : ٣١٣، تهذيب ابن عساكر: ١٦٦/٦.
(١) هو الحافظ المجود أبو عبد الله محمد بن مسلم بن عثمان بن وارة المتوفى سنة
٢٧٠، قال الطحاوي: ثلاثة لم يكن في الأرض مثلهم في وقتهم: أبو حاتم، وأبو زُرْعَة، وابن
وارة. وقد تقدمت ترجمته.
(٢) نسبة إلى أردبيل من أشهر مدن أذربيجان.
٧٧

والحسنُ بنُ علي بن عيّاش، وإبراهيمُ بن أحمد المِيْمذي(١) وآخرون .
قال ابن عُقْدة: توفيَ سنةً اثنتين وتسْعينَ ومئتين .
أخبرنا الحسنُ بن عليّ، أخبرنا جعفرُ بن منير، أخبرنا السِّلَفيّ، أخبرنا
إسماعيلُ بنُ عبد الجبّار، أخبرنا أبو يعلى الخَلِيلي الحافظ، أخبرنا عبدُ اللهِ
ابنُ محمد الحافظ، سمعتُ أحمدَ بنَ طاهر الحافظ، سمعتُ سعيدَ بنَ عمرو
الحافظ يقول: لمّا رجعتُ من مصر، أقمتُ ثانياً عند أبي زُرعة، فعرضتُ عليه
كتاب المُزَنِيّ، فكلّما قرأتُ عليه ممّا يخالفُ الشَّافعي بقيَ يتبسّمُ ويقول: لم
يعمل صاحبُك شَيئاً في اختياره، لا يمكنُه الانفصالُ فيما ادَّعى، قلتُ: هل
سمعتَ منه شَيْئاً ؟ قال: لا، وما جالستُه إلَّ يَوْمَين .
٣٧ - الوَليدُ بنُ حمَّاد *
ابن جابر الحافظ، أبو العبَّاس الرَّمْلي، مؤلف كتاب «فضائل بيت
المقدس)»
حدث عن سُليمانَ بنِ بنتِ شُرحبيل، وهشامٍ بنِ عمَّار، ويزيدَ بن
مَوهب الرَّمْلي، وعبدِ الرَّحمن الحَلَبي، وإبراهيم بنٍ محمد الفِرِيابي، ويَحْيِى
ابنِ يعقوب، وعدَّة.
روى عنه: أبو بشر الدُّولابي، والفضلُ بنُ مَهاجر، وأبو القاسم
الطَّبَراني، وأبو أحمد بن عديّ، وعبدُ اللهِ بنُ أحمد بن وكيع قاضي طَبَرِيَّة،
(١) نسبة إلى ميمذ مدينة بأذربيجان ذكرها السمعاني في ((الأنساب)) دونما ضبط،
وضبطها ابن الأثير، في اللباب)) والسيوطي في ((لب اللباب)) بفتح الميمين، أما ياقوت ، فقد
ضبطها في ((معجمه)) ٢٤٤/٥ بكسر الميم الأولى ، وفتح الثانية .
* تاريخ ابن عساكر : ٤٠٨/١٧/ب .
٧٨

وآخرون . وكان ربَّانِياً .
ذكره ابنُ عساكر مختصراً، ولا أعلمُ فيه مَغْمَزاً، وله أسوةُ غيرِه في رواية
الواهِيات .
بقي إلى قريب الثلاث مئة .
٣٨ - إبراهيمُ بنُ مَحْمُود *
ابن حمزة ، شيخُ المالكيَّة بنَيْسابور ، أبو إسحاق النَّيْسابوري ، تلميذ
ابن عبد الحكم .
حدَّث عن يونسَ بنِ عبد الأعلى، والرَّبيع ، وعبد الجبَّار بن العَلَاء،
وأحمدَ بنِ مَنِيع ، ومحمدٍ بن رافع ، وطبقتهم .
حدث عنه : ابنُ أخيه محمود بن محمد ، وأبو الطَّيِّب محمدُ بنُ أحمد
ابن حمدون، وحسَّانُ بنُ محمد الفقيه، وأبو بكر بن زياد النَّقَاش(١).
قال الحاكم : سمعتُ محمود بن محمد ، سمعتُ عمِّي إبراهيم
يقول : قالَ لي محمدُ بنُ عبد اللهِ بن عبد الحكم : ما قَدمَ عليناخُراسانِيٌّ أَعَرَفُ
بِطَرِيقَةِ مالكٍ منك ، فإذا رجعتَ إلى خُراسان فادعُ الناسَ إلى رأي مالك .
قال : وكانَ عمِّي يصومُ النهارَ ويقومُ اللَّيل ، ولا يدَعُ الجهادَ في كل ثلاث
* تاريخ ابن عساكر: ١/٢٧٤/٢، تهذيب ابن عساكر: ٢٩٥/٢ -٢٩٦.
(١) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي ، ثم البغدادي النقاش ،
شيخ المقرئين في عصره على ضعف شديد فيه، فقد نقل المؤلف في ((ميزانه)) عن طلحة بن
محمد الشاهد : كان النقاش يكذب في الحديث ، والغالب عليه القصص ، وقال المؤلف في
((العبر)) ٢٩٣/٢: ومع جلالته في العلم ونبله، فهو ضعيف متروك الحديث. توفي سنة
٣٥١ هـ وسترد ترجمته في هذا الجزء.
٧٩

سنين ثم قال الحاكم : كانَ يُعرف بالقَطَّان ، ولم يكن مدَه بنَيْسَابُور للمالكيَّة
مدرس . وسمعتُ أبا الطَّيب الكرابيسي يقول : توفيَ الفقيهُ إبراهيمُ بنُ
محمود في شعبانَ سَنَّةَ تسعٍ وتسعينَ ومثتين .
٣٩ - الأصبهاني *
إمام القُرَّاء، أبو بكر، محمدُ بنُ عبد الرَّحيم بنِ إبراهيمَ بنِ شَبيب
الأَصْبَهاني .
اعتنى بقراءة وَرْش(١)، وحذق فيها، فتلا على عامر الحَرَسي(٢)،
وسُلَيْمان الرِّشْدِيني، وعبد الرَّحمن بن داود [ بن] أبي طيبة، وسمعَ
الحروف من يونس بن عبد الأعلى .
وروى الحديث عن داود بن رُشَيد ، وعبدِ اللهِ بنِ عمر مُشْكُدَانة ،
وعثمان بن أبي شيبة وطبقتهم .
قرأ عليه: هبةُ اللهِ بنُ جعفر، وعبدُ اللهِ بنُ أحمد المطرِّز، ومحمدُ بن
یونس، وإبراهیمُ بن جعفر.
وحدث عنه : ابنُ مجاهد ، وأبو أحمد العسال ، وأبو الشَّيخ ،
ومحمدُ بنُ أحمد بنِ عبد الوهّاب الأصْبَهاني ، وآخرون .
* ذكر أخبار أصبهان: ٢٢٦/٢، تاريخ بغداد: ٣٦٤/٢، طبقات القراء للذهبي:
١٨٩/١ - ١٩٠، طبقات القراء للجزري: ١٦٩/٢ - ١٧٠، طبقات المحدثين بأصبهان لوحة
٢٣٣.
(١) لقبه شيخه نافع المدني بورش لشدة بياضه ، والورش لبن يصنع ، وقيل : لقبه
بطائر اسمه ((ورشان)) ثم خفف ، فقيل : ورش ، وهو عثمان بن سعيد القرشي مولاهم القبطي
المصري المتوفى سنة ١٩٧ هـ وقد تقدمت ترجمته في الجزء التاسع رقم الترجمة (٨٢ ).
(٢) بالسين المهملة نسبة إلى ((حرس)) محلة شرقي مصر، وقد تصحفت في ((طبقات
القراء)) إلى ((الجرشي)) انظر ((المشتبه)) ١٤٨/١.
٨٠