Indexed OCR Text

Pages 281-300

فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: دَعُوْنِي أُصَلِّي))(١).
أخرجَه الضِّياء الحافظ في ((المُخْتَارَة))(٢)، عن موفّق الدِّين بن قُدامة.
١٣٤ - محمَّد بن جابر*
ابن حَمَّاد : الإِمامُ ، الحافظُ ، الفقيه الكبير، أبو عبد الله المَرْوَزِي .
سمع: هُذْبَة بن خَالد، وعلي بن المَدِيني ، وشَيْبان بن فَرُوخ ،
وأحمد بن حَنْبَل ، وأبا مُصْعب الزُّهْري ، وحِبَّان بن موسى ، وعلي بن
حُجْر، وإسْحاق بن راهَوَيْه، وأحمد بن صَالح، وطبقتَهم بخُراسان ،
والحجاز والعِراق، ومِصْر والشَّام . وجَمَعَ وصَنَّف وبَرَع .
حدَّث عنه: البُخاري في ((تاريخه))، وابن خُزيمة ، وأبو حامد بن
الشَّرقي، وأبو العَبَّاس الدَّغُولي، وأبو العِبَّاس المَحْبُوبي، وآخرون .
ذَكّرَه الحاكمُ ، وقال : هو أحدُ أئمة زَمانِهِ ، أدركتْهُ المنيَّةُ في حد
(١) هو في سنن ابن ماجه (٤٢٧٢) في الزهد: باب ذكر القبر والبلى، ورجاله ثقات إلا
ان أبا سفيان - واسمه طلحة بن نافع القرشي - لم يسمع من جابر سوى أربعة أحاديث أخرجها
البخاري، وقال البوصيري في ((الزوائد)) ورقة ٢٧١: إسناده حسن إن كان أبو سفيان - واسمه
طلحة بن نافع - سمع من جابر. وليس هذا منها، وأخرجه ابن حبان في (( صحيحه موارد))
(٧٧٩) من طريق إسماعيل بن حفص الأبُلِّي بهذا الإسناد، وقد تصحّف فيه ((الأبلي)) إلى
(( الأيلي ))
(٢) هو: محمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي الحافظ : أحد الأعلام ، له تصانيف
مفيدة . وكتابه هذا منه أجزاء في المكتبة الظاهرية بدمشق ، ولم يتمه . قال الحافظ ابن كثير في
((الباعث الحثيث)): ٢٩: ((وكان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم.
وذكر الزركشي في تخريج الرافعي، فيما نقله عنه السيوطي في: ((اللآلي)) أن تصحيحه أعلى
مزية من تصحيح الترمذي وابن حبان . توفي سنة ( ٦٤٣هـ).
* تاريخ ابن عساكر: خ: ١٨٧/١٥ - ٧٩أ، تذكرة الحفاظ: ٦٤٤/٢ - ٦٤٥،
طبقات الحفاظ : ٢٨٣، شذرات الذهب: ١٧٥/٢.
٢٨١

الكُهُوْلَة. ماتَ بَمَرْ ولسَبعٍ بَقين من شَوَّال ، سَنة تسع وسَبعين ومئتين - رحمه الله -
قلت : قارب سَبْعين سَنةً .
١٣٥ - المُنَجِّم*
أبو الحَسَن ، علي بن يَحيى(١)، [بن أبي منصور]، الأخْباري،
الشّاعر نَديمُ المِتَوَكِّل ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَه .
وكانَ ذا فُنُون وعَقْليات وهَذَيان ، وتَوسُّعٍ فِي الأَدَبَّات .
وله تَصانيف، منها: كتاب ((أخبار إسْحاق النَّديم )).
مات سنة خمسٍ وسَبعين ومئتين ، وخَلَّف عِدَّةَ أولاد أدباء ، وهم أهل
بيت .
١٣٦ - غُلَامِ خَلِيْلِ **
الشَّيْخ، العالِمُ ، الزَّاهِدُ، الواعظ ، شَيْخ بَغْدَاد، أبو عبد الله ،
أحمد بن محمَّد بن غالب بن خالد بن مِرْدَاس ، الباهِلي البَصْري ، غُلام
خلیل .
* الأغاني: ٣٦٩/٨ وما بعدها ، الفهرست: المقالة الثالثة : الفن الثالث ، تاريخ
بغداد: ١٢١/١٢ - ١٢٢، معجم الأدباء: ١٤٤/١٥ - ١٧٥، وفيات الأعيان: ٣٧٣/٣ -
٣٧٤ .
(١) كان اسمه في الأصل: ((علي بن هارون بن علي بن يحيى)). وهو خطأ ، التبس
على المؤلف بجده : علي بن هارون بن علي بن يحيى ، الذي أشار اليه في ترجمة أبيه هارون بن
علي التي ستأتي في الصفحة : (٤٠٤)، برقم : (١٩٣). وتتمة اسمه من مصادره .
* * الجرح والتعديل: ٧٣/٢، كتاب المجروحين والضعفاء: ١٥٠/١ - ١٥١، تاريخ
بغداد: ٧٨/٥ - ٨٠، المنتظم: ٩٥/٥ - ٩٦، ميزان الاعتدال: ١٤١/١ - ١٤٢، لسان
الميزان، ٢٧٢/١ - ٢٧٤ .
٢٨٢

سَكَنَ بغداد . وكانَ له جَلَالةٌ عَجِيْبَةٌ ، وصَوْلَةٌ مَهِيْبَةٌ، وأمرٌ
بالمعروفِ ، واتباعٌ كثيرٌ، وصِحَّةُ مُعْتَقَدٍ ، إلاّ أنَّه يَروي الكَذِب الفاحِش ،
ويرى وَضْعَ الحديث . نسأل الله العافيةَ .
روى عن: دِينار(١) الَّذِي زَعَمَ أنَّه لَقِي أَنْساً، وعن قُرَّة بن حَبيب ،
وسَهْلِ بن عُثْمان، وشَيْبان ، وسُليمان الشَّاذَكُوني. وخَفِيَ حالُه على الكبار
أولاً .
حدَّث عنه : محمَّد بن مَخْلَد، وعُثْمَان السَّمَّاك ، وأحمد بن كامل ،
وطائفةٌ .
قال ابنُ أبي حَاتم : سُئِل أبي عَنه، فقالَ: رجُلٌ صالح ، لم يَكُن
عِندْي مِمَّن يَفْتَعِلُ الحديث(٢) .
وقالَ ابنُ خِراش : سَرَق غُلامُ خَليل هذه الأحاديث من عبد الله بن
شبيب(٣) .
وقالَ الإِمامُ أبو بكر الصِّبْغِي: غلامُ خَليل ممن لا أَشُكُّ في كَذِيه (٤).
ورُوي عن أبي داود السِّجِسْتاني أنَّه قال : ذاك دَجَّالُ بغداد ، نظرتُ في
أربعِ مئة حديث له ، عُرِضَتْ عَليَّ، كلُّها كَذِبٌ ، متونُها وأسانيدُها(٥) .
وقال ابن عَدِي : سمعتُ أبا عبد الله النُّهَاوَنْدي يقول: كلَّمْتُ غُلام
(١) هو: دينار بن عبد الله.
(٢) الجرح والتعديل : ٧٣/٢ .
(٣) انظر: تاريخ بغداد : ٧٩/٥.
( ٤ ) انظر : المصدر السابق .
(٥) في تاريخ بغداد: ٧٩/٥: قال: ((ذاك - يعني صاحب الزنج . كان دجال البصرة،
وأخشى ان يكون هذا - يعني غلام خليل - دجال بغداد)).
٢٨٣

خليل في هذه الأحاديث ، فقالَ: وَضَعْنَاها لِتُرَقِّقَ القلوبَ(١).
وفي «تاريخ بغداد)»(٢): أن أبا جعفر الشَّعِيْرِي قالَ : قلتُ لِغُلام
خليل لمَّا روى عن بَكْر بن عيسى ، عن أبي عَوانة : يا أَبًا عبد الله ! هذا
شَيخ قَدِيمُ الوَفَاة ، لم تُلْحَقْه ، فَفَكّر، وخِفْتُ أنا ، فقلتُ : كَأَنَّك سمعتَ
من رَجُلٍ باسمِه؟ فَسَكَتَ ، فلمّا كان من الغَد ، قالَ لي: إِنِّي نظرْتُ البارِحَة
فيمن سمعتُ منه بالبصرة ، ممن يُقال له : بَكْر بن عيسى ، فوجدْتُهم سِتِّين
رَجُلاً .
قال ابن الأعرابي : قَدِم من واسِط غُلام خَليل، فذُكِرَتْ له هذه
الشِّنَاعات - يعني خوضَ الصُّوْفية - ودقائقَ الأحوالِ التي يَذُمُّها أهلُ الأَثَر ،
وذُكِرَ له قولُهُم بالمحبَّة ، ويبلغه قولُ بعضهم : نحن نُحبُّ رَبَّنا ويُحِبّنا ،
فَأَسْقَطَ عنَّا خَوْفَهِ بِغَلَبَةٍ حُبِّه - فكانَ يُنكِرُ هذا الخَطَأ بخطأٍ أَغْلَظَ مِنْهُ، حَتَّى
جَعَل مَحَبَّةَ الله بِدْعَةً ، وكان يقول : الخَوْفُ أُوْلی بِنا . قال : وليس كما
توهّم ، بل المحبَّةُ والخوْفُ أَصْلان، لا يخلو المؤمِنُ منهُما ، فلم يَزَلْ يَقُصُّ
بِهِم، ويُحَذِّر منهم، ويُغْرِي بهم السُّلْطَان والعَامَّة ، ويقول : كانَ عندنا
بالبصرة قومٌ يقولون بالحُلول ، وقومٌ يقولون بالإِباحة ، وقومٌ يقولون كذا .
فانْتَشَر في الأَفْواه أن بِبَغْداد قوماً يقولون بالزَّنْدَقة .
وكانت تميل إليه والدة الموَفَّق، وكذلك الدَّوْلة والعَوَامِ ، لِزُهْدِه
وتَقَشُّفِه ، فأمرَتِ المحتَسِبَ أن يُطِيعَ غُلامِ خَليل، فَطَلب القومَ ، وَبَثَّ
الأعوانَ في طلبهم ، وكُتِبُوا ، فكانوا نَيِّفاً وسَبعين نَفْساً، فاختفى عامّتُهم ،
وبعضُهم خلَّصَتْه العامة، وحُبس منهم جماعةٌ مُدَّةٌ .
(١) انظر: تاريخ بغداد: ٧٩/٥.
(٢) ٧٨/٥ - ٧٩ .
٢٨٤

قلت وهَرَب النّوري(١) إلى الرَّة .
قالَ ابنُ كامل : ماتَ غُلام خَليل في رجب سَنة خمسٍ وسَبعين
ومئتين، وغلقت الأُسْواق، وخَرَج الرِّجال والنِّساء للصَّلاة عَلَيهِ ، ثُم حُمِل
في تَابوت إلى البصرة ، وبُنِيَتْ عَليه قُبَّةٌ. قال: وكانَ فَصيحاً مُعْرِباً، يَحْفَظُ
عِلماً كثيراً، ويَخْضِبُ بالحِنَّاءِ ، ويقتاتُ بالباقلا صرفاً (٢) .
١٣٧ - بَقِيُّ بِنُ مَخْلَد *
ابن يزيد : الإِمامُ ، القُدْوة ، شيخُ الإِسْلام، أبو عبد الرّحمن
الأندلسي القُرْطُبي، الحافظُ، صاحبُ ((التَّفْسِير)) و((المُسْنَد)) اللَّذَيْن لا
نظيرَ لهما .
وُلد في حدود سَنة مئتين ، أو قبلها بقليل .
وسمع من : يَحيى بن يحيى اللَّيْثِي، ويحيى بن عبد الله بن بُکیر ،
ومحمَّد بن عيسى الأَعْشى ، وأبي مُصْعب الزُّهْرِي، وصَفْوان بن صَالح ،
وإبراهيم بن المُنْذِر الحِزَامِي، وهِشام بن عمَّار، وزُهَيْر بن عَبَّاد الرُّؤاسي ،
ويَحيى بن عبد الحَميد الحِمَّاني، ومحمَّد بن عبد الله بن نُمَيْر، وأحمد بن
(١) هو أبو الحسين أحمد بن محمد النوري. انظر ترجمته في: طبقات الصوفية :
١٦٩/١٦٤، ومصادره فيه .
(٢) انظر: تاريخ بغداد: ١٠/٥.
* تاريخ علماء الأندلس :: ٩١/١ -٩٣، طبقات الحنابلة: ١٢٠/١، تاريخ ابن
عساكر: خ: ٢٠٣/٣ب - ٢٠٥ أ، الصلة لابن بشكوال: ١١٦/١ - ١١٩، المنتظم :
١٠٠/٥ - ١٠١، معجم الأدباء: ٧٥/٧ - ٨٥، تذكرة الحفاظ، ٦٢٩/٢ - ٦٣١، عبر
المؤلف: ٥٦/٢ ، البداية والنهاية: ٥٦/١١ - ٥٧، النجوم الزاهرة: ٧٥/٣، طبقات
الحفاظ: ٢٧٧، طبقات المفسرين: ١١٦/١ - ١١٧، نفح الطيب: ٤٧/٢، و٥١٨ -
٥٢٠، شذرات الذهب: ١٦٩/٢، تهذيب بدران: ٢٨٠/٣ - ٢٨٣.
٢٨٥

حَنْبل - مسائلَ وفوائدَ - ولم يروِله شَيئاً مُسْنَداً، لكونِه كانَ قد قَطَعَ الحديث -
وسمع من : أبي بكر بن أبي شَيْبَة ، فأكثر، ومن : جُبَارَة بن المُغَلِّس ،
ويَحيى بن بِشر الحَرِيْرِي، وشَيْبَان بن فَرُوخ، وسُوَيْد بن سَعيد ، وهُذْبَة بن
خالد، ومحمَّد بن رُمْحِ ، وداود بن رُشَيد ، ومحمَّد بن أبانَ الواسِطي ،
وحَرْمَلَة بن يحيى، وإسْماعيل بن عُبَيْد الحَرَّاني ، ويَعْتُوب بن حُمَيْد بن
كَاسِب، وعيسى بن حمَّاد زُغْبَة ، وسُحْنُون بن سَعِيد الفقيه، وهُرَيْم بن عَبْد
الأعلى، ومِنْجَاب بن الحَارث، وعُثْمان بن أبي شَيْبَة، وعُبَيْد الله
القَوَارِيْري، وأبي كُرَيْب، وبُنْدَار، وهَنَّاد، والفَلّس، وكثير بن عُبَيْد،
وخلقٍ .
وعني بهذا الشَّأن عِنايةً لا مَزيد عليها، وأدْخَلَ جَزِيْرَة الأَنْدَلس عِلماً
جماً، وبه، وبمحّمد بن وضَّاح(١) صارتْ تِلك النَّاحِية دَارَ حَديثٍ، وعدّةُ
مَشْيَخَتِه الَّذِينِ حَمَل عنهم مئتان وأَرْبَعَةٌ وثمانون رَجُلاً .
حدَّث عنه : ابنُه أحمد ، وأيوبُ بن سُليمان المُرِّي ، وأحمد بن عبد
الله الأَمَوي، وأَسْلم بن عبد العَزيز ، ومحمّد بن وَزِير، ومحمَّد بن عُمر بن
لُّبَابة ، والحَسَن بن سَعْد الكِنَاني، وعبد الله بن يونس المُرَادِي القُبْري ،
وعبد الوَاحِد بن حَمْدون ، وهِشَام بن الوليد الغَافِقِي ، وآخرون .
وكان إماماً مُجتهداً صالحاً ، ربَّانِياً صادقاً مُخْلِصاً ، رأْساً في العِلم
والعَمَل ، عديمَ المثل ، مُنْقَطِعِ القَرِيْن ، يُفْتي بالأثَر، ولا يُقَلِّد أحداً .
وقد تفقه بإقْرِيْقيّة على سُحنون بن سَعيد .
ذَكَرَه أحمد بن أبي خَيْئَمةِ، فقالَ: ما كنَّا نُسَمِّيه إلا المِكْنَسَة، وهَل
(١) ستأتي ترجمته في الصفحة: (٤٤٥)، برقم : (٢١٩).
٢٨٦

احتَاجَ بَلَدٌ فيه بَقِيِّ إلى أن يَرْحَل إلى هاهنا منه أَحَد؟!(١)
قالَ طاهر بن عبد العَزيز الأندلسي: حملتُ مَعي جُزْءًاً من ((مُسْنَد))
بَقِيِّ بنِ مَخْلَد إلى المَشْرِقِ، فَأَرَيْتُه محمَّدَ بنَ إِسْماعيل الصَّائِغ ، فقال : ما
اغْترِفَ هذا إلَّ مِن بحر . وعَجِبَ من كَثْرَةِ عِلْمِه .
وقال إبراهيم بن حَيُّون ، عن بَقي بن مَخْلَد ، قالَ : لِمَّا رَجَعْتُ من
العِراق، أَجْلَسَنِي يَحيى بن بُكَير إلى جَنْبِهِ ، وسَمِعَ مِنِّي سَبْعَةً أحاديث .
وقال أبو الوليد بن الفَرَضِي في ((تاريخه)): مَلا بَقي بنُ مَخْلد
الأندلسَ حَديثاً، فأنكر عليه أصحابُه الأندلسيُّون: أحمد بن خالد(٢)،
ومحمَّد بن الحارث ، وأبو زَيْد، ما أَدْخَلَه من كُتَب الاختلاف ، وغرائب
الحديث، فأغروا به السُّلْطان وأخافُوه به ، ثم إنَّ الله أَظْهَرَهُ عليهم ، وعَصَمه
مِنْهُم، فَتَشَر حديثَه وقرأَ للنَّاسِ روايتَه(٣) . ثم ثَلاه ابن وَضَّاح ، فصارت
الأندلس دار حَديث وإسناد (٤). ومما انفَرَد بِهِ، ولم يدخله سواه ((مصنَّف ))
أبي بكر بن أبي شَيْبَة [بتمامه]، و((كتاب الفقه)) للشَّافعي بكمّاله - يعني
((الأم)) - و((تاريخ)) خَليفة، و((طبقات)) خليفة، وكتاب (( سِيرة عُمّر بن
عبد العزيز))، لأحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي .... وليس لأحد مثل
(((مُسْنَدِهِ)).
وكان وَرِعاً فاضلاً زَاهِدَاً ... قد ظَهَرَت له إجابات الدَّعْوة في غير ما
شيء .
(١) تذكرة الحفاظ: ٦٣٠/٢.
(٢) في رواية ابن الفرضي: ((عبد الله بن خالد)).
(٣) زاد هنا ابن الفرضي: ((فمن يومئذ انتشر الحديث بالأندلس)).
(٤) وزاد هنا: ((وإنما كان الغالب عليها قبل ذلك حفظ رأي مالك وأصحابه)).
٢٨٧

قال : وكانَ المشاهير من أصحاب ابن وَضَّاح لا يسمعون منه ، للَّذي
بينهما من الوَحْشَة ... ولد في شهر رمضان سنة إحدى ومئتين(١) .
وقال الحافظُ أبو القاسم الدَّمَشْقي : لم يقعْ إليَّ حديثٌ مُسْنَدٌ مِن حَديث
بقيٍّ (٢) .
قلت : عَمِل له تَرْجَمَة حَسَنَة في ((تاريخه)).
قال الإِمام أبو محمَّد بن حَزْم الظَّاهِرِي: أَقْطَعُ أنَّه لم يُؤْلَّفْ في
الإِسْلام مثلُ ((تَفْسَير)) بَقِيٍّ، لا «تَفْسير)) محمّد بن جَرِیر، ولا غيره (٣).
قالَ: وكان محمَّد بن عبد الرّحمن الأمَوي صاحبُ الأندلس مُحِبّاً
للعُلُومِ عَارِفاً، فلمَّا دَخَلَ بَقِيَّ الأندلس ((بُمَصَنَّف)) أبي بكر بن أبي شَيْبةٍ ،
وقُرىء عليه ، أنْكَرَ جَماعَةٌ من أهْلِ الرّأي ما فيه من الخِلاف، واستَبْشَعُوه
ونَشَّطُوا العَامَّة عَلَيه، ومَنَعُوه من قراءَته ، فاستَحْضَرَه صاحبُ الأندلس محمَّدٌ
وإياهم، وتَصَفَّح الكِتَاب كلَّ جُزْءاً جُزْءاً، حتَّى أَتَى على آخره ، ثم قالَ
لخَازِنِ الكُتُب : هذا كتابٌ لا تَسْتَغْنِي خِزَانْتُنَا عَنْه ، فانظر في نَسْخِهِ لنا . ثم
قال لَبَقِيٍّ : انشرْ عِلْمَكَ، واروِ ما عندَك. ونهاهُم أن يَتَعَرَّضُوا له.
قال أَسْلَم بن عبد العَزيز : حدثنا بَقِيُّ بن مَخْلَد ، قالَ : لما وضعْتُ
((مُسْنَدِي))، جاءَني ◌ُبَيْد الله بن يَحيى بن يَحيى، وأخوه إسحاق؛ فَقَالا:
بَلَغَنا أنَّك وضعتَ ((مُسْنداً))، قَدَّمْتَ فيه أبا مُصْعَب الزُّهْرِي ، ويَحيى بن
بُكير، وأَخَرْتَ أَبَانا ؟ فَقالَ: أمَّا تَقْدِيمي أبا مُصْعب ، فلقول رسولِ الله -
(١) انظر: تاريخ علماء الأندلس: ٩٢/١ -٩٣، والزيادة منه.
(٢) تاريخ ابن عساكر: خ : ٢٠٣/٣ ب.
(٣) انظر: معجم الأدباء : ٧٧/٧ - ٧٨ .
٢٨٨

﴿ -: ((قَدِّمُوا قُرَيْشاً، ولا تَقَدَّمُوهَا))(١). وأمَّا تَقْدِيمي ابنَ بُكير، فَلِقَول
رسول الله - وَل﴿ه -: ((كَبِّرْ كَبِّرْ))(٢) يريد السِّن - ومَعَ أنَّه سَمِع ((المَوَطَّأ)» من
مالك سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، وأبوكُما لَم يَسْمَعْه إلا مَرَّةً واحدة .
قلتُ : وله فيه فوت معروف(٣) .
قالَ: فَخَرَجا، ولم يَعودا، وخَرَجا إلى حَدِّ العَداوة(٤).
وألَّفَ أبو عبد الملك أحمد بن محمَّد بن عبد البر القُرْطُبي ، الميتُ في
عام ثمانيةٍ وثلاثين وثلاث مئة كتاباً(٥) في أخبار عُلَماء قرطبة ، ذكر فيه بَقيَّ بن
مَخْلَد، فَقال : كانَ فاضِلا تَقِيّاً، صَوَّاماً قَوَّاماً متبتِّلاً، مُنْقَطِعِ القَرين في
عَصْرِهِ ، مُنْفَرداً عن النَّظِير في مِصْره، كان أَوَّلُ طَلَبِهِ عندَ محمَّد بن عيسى
(١) أخرجه البيهقي في ((السنن)) ١٢١/٣، وفي ((مناقب الشافعي)) ٢١/١ من طريق
معمر ، عن الزهري ، عن ابن أبي حثمة أبي بكر بن سليمان مرفوعاً ، وقال : وهو مرسل جيد ،
وأورده ابن حجرفي ((توالي التأسيس)) ص ٤٥ ، وقال : هذا مرسل قوي الإِسناد ، وله شاهد
موصول من حديث أنس عند أبي نعيم في «الحلية)) ٦٤/٩ ، وآخر من حديث علي عند البزار ،
وثالث من حديث عبد الله بن السائب عند الطبراني في ((الكبير)) ورابع عن جبير بن مطعم عند
البيهقي في مناقب الشافعي ٢٢/١، ٢٣ .
(٢) قطعة من حديث مطول أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٨٧٧/٢، ٨٧٨ في القسامة ،
والبخاري ٢٠٣/٢، ٢٠٦ في الديات، ومسلم (١٦٦٩) في القسامة ، وأبو داود ( ٤٥٢٠ ) و
(٤٥٢١) و (٤٥٢٣) والترمذي (١٤٢٢) والنسائي ٥/٨، ١٢.
(٣) رواية يحيى بن يحيى الليثي ((الموطأ))، وهي المطبوعة المتداولة بين أيدي طلبة
العلم في هذا الزمن. ورواية أبي مصعب الزهري غير مطبوعة، والبغوي يعتمدها كثيراً في ((شرح
السنة )) .
وقد روى ((الموطأ)) عن مالك جماعات كثيرة ، وبين رواياتهم اختلاف ، من تقديم
وتأخير ، وزيادة ونقص ، ومن أكبرها وأكثرها زيادات رواية أبي مصعب ، فقد قال ابن حزم : في
(( موطأ)) أبي مصعب زيادة على سائر الموطآت نحو مئة حديث .
وقوله: ((فيه فوت معروف)): يريد أن يحيى بن يحيى لم يسمع ((الموطأ )» كله من مالك .
(٤) انظر: معجم الأدباء : ٨١/٧ - ٨٢.
(٥) في الأصل: ((كتاب)).
٢٨٩

الأَعْشى، ثم رَحَل، فَحَمَل عن أهْلِ الحرمَيْن ، ومِصر، والشام،
والجزيرة ، وخُلْوان ، والبَصْرَة ، والكوفة ، وواسِطٍ وبغداد، وخُرَاسَان - كذا
قال ، فَغَلِطَ، لم يصلْ إلى خُرَاسَن ، بل ولا إلى هَمَذَان ، وما أُدْري هل
دخل الجَزِيْرة أم لا؟ ويَظْهَر ذلك لمن تَأَمَّل شُيُوخَه - ثُمَّ قالَ: وعَدَن
والقَيْرَوان - قلت: وما دخل الرَّجل إلى اليَمَن - قالَ: وذكر عبد الرَّحمن بن
أحمد ، عن أبيه : أنَّ امرأةً جاءت إلى بَقِيٍّ ، فَقَالت : إنَّ ابني في الأُسر،
ولا حِيْلة لي، فلو أَشَرْتَ إلى من يَفْدِيه ، فإنني وَالِهَةٌ . قالَ : نَعم ، انصَرِفِي
حتَّى أَنْظُرَ في أَمْرِهِ . ثُم أطْرَق، وحَرَّك شَفَتَيْه، ثم بَعْدَ مُدَّة جاءت المرأة
بابنها ، فقال : كنتُ في يد مَلِكِ، فَبَيْنا أنا في العَمَلِ ، سَقَطَ قَيْدي. قالَ :
فذكر اليَوْم والسَّاعة، فوافَقَ وَقْتَ دُعاء الشِّيْخِ . قَالَ: فَصَاحَ على المُرَسَّم
بنا ، ثم نَظَر وتَحَيَّر ، ثم أَحْضَر الحدَّاد وقَيَّدَني، فلما فرغه ومَشَيْت سَقَطَ
القَيْد ، فَبُهِتوا ، ودَعَوا رُهْبَانَهم، فقالُوا: أَلَكَ والدةٌ؟ قلتُ : نعم ، قالوا :
وافق دعاءها الإِجابةُ(١).
هذه الواقِعة حدَّث بها الحافظُ حمْزة السَّهْمي ، عن أبي الفَتح نَصْر بن
أحمد بن عبد الملك ، قال : سمعْت عبد الرَّحمن بن أحمد ، حدثنا
أبي ... فَذَكَرَها، وفيها: ثم قَالُوا: قد أطْلَقَكَ الله، فلا يُمكننا أن نُقَيِّدَك .
فَزَوّدُونِي ، وبَعَثُوا بي .
قالَ : وكانَ بَقِيُّ أَوَّلَ من كَثّر الحديثَ بالأندلِسِ ونَشَرِه ، وهاجَمَ به
شُيوخَ الأنْدَلُس ، فثارُوا عليه ، لأنَّهم كانَ عِلْمُهم بالمسائل ومذهبٍ مالك ،
وكانَ بَقِيُّ يُفْتِي بِالْأَثَرِ ، فَشَذَّ عَنْهُم شُذوذاً عظيماً ، فَعَقَدُوا عليه الشَّهَادات ،
(١) انظر: المنتظم: ١٠٠/٥ - ١٠١، ومعجم الأدباء: ٨٤/٧ - ٨٥، والبداية
والنهاية : ٥٦/١١ - ٥٧.
٢٩٠

وبَدَّعُوه ، ونَسَبُوا إليه الزَّنْدَقَة، وأَشْياء نَزَّهَهُ الله مِنها. وكانَ بَقِيِّ يَقُول: لقد
غَرَسْتُ لَهُم بالأندلُس غَرْساً لا يُقْلَعُ إلَّ بِخُروج الدَّجَّال(١) .
قال : وقال بَقيُّ : أتيتُ العِراقَ، وقد مُنِعَ أحمدُ بن حَنْبل من
الحديثِ ، فسألتُه أن يحدِّثَنِي، وكان بيني وبينه خُلَّةٌ ، فكانَ يُحَدِّثُنِي
بالحديثِ في زِيِّ السُّؤّال ، ونحن خلوة ، حتَّى اجتمعَ لي عنه نحوٌ من ثلاثٍ
مئة حديثٍ .
قلتُ : هذه حكايةٌ منقَطِعَة .
قال ابن حزم : و « مُسْنَد)» بقي روی فیه عن ألفٍ وثلاث مئةصاحب
ونَيِّفٍ ، ورَتَّبَ حديثَ كُلّ صاحِبٍ على أبوابِ الفقه ، فهو مُسْنَدٌ ومُصَنَّف ،
وما أعلمُ هذه الرُّتْبَة لأحدٍ قبلَه، مع ثِقَتِه وضَبْطِه، وإثْقانه واحتفالِه في
الحديث . وله مُصَنَّفٌ في فتاوى الصَّحابة والتَّابعين فَمَن دونهم ، الذي
قد أَرْبِى فيه على ((مُصَنَّف)) ابن أبي شَيْبَة، وعلى ((مصنَّف)) عبد الرَّزَّاق ،
وعلى ((مصنَّف)) سعيد بن منصور .... ثم إِنَّ نَوَّه بذكر ((تَفْسِيره))،
وقال : فصارَتْ تَصانيف هذا الإِمامِ الفاضلِ قواعدَ الإِسْلام ، لا نظير لها،
وكانَ مُتَخَيِّراً لا يُقَلِّد أَحَداً ، وكانَ ذا خاصَّةٍ من أحمد بن حَنْبل ، وجارِياً في
مِضْمَار البُخاري ومُسْلم والنسائي(٢).
وقال أبو عَبْد الملك المذكور في ((تاريخه)): كان بَقِيُّ طُوالاً
أَقْنى (٣)، ذا لِحْيَةٍ مُضَبَّراً (٤) قوياً جَلْداً على المشي، لم يُرَ راكباً دابَّةً قَطُ ،
(١) انظر: تذكرة الحفاظ: ٦٣٠/٢.
(٢) معجم الأدباء : ٧٨/٧ - ٨٠ .
(٣) القنا: احديداب في الأنف. يقال: رجل أقنى الأنف، وامرأة : قنواء .
( ٤) الضَّبْر : تلزيز العظام ، واكتناز اللحم .
٢٩١

وكانَ مُلازماً لحضور الجنائز ، مُتَواضعاً ، وكان يقول إنِّي لأعرفُ رَجُلًا ، كان
تَمْضي عليه الأيامُ في وقتٍ طَلَبه العِلم ، ليسَ له عيشٌ إلا وَرَقُ الكُرُنْب الذي
يُرْمِى، وسَمعتُ مِن كل مَن سمعت منه في البُلدان ماشِياً إلَيْهِم على
قَدمي(١) .
قال ابنُ لبابة الحافظ : كان بَقِيُّ من عُقَلاءِ النَّاس وأفاضِلِهم ، وكان
أَسْلمُ بن عبد العزيز يقدِّمُه على جميع من لقيه بالمَشْرِق ، ويصفُ زُهْدَه ،
ويقولُ : ربّما كنتُ أمشي معه في أَزِقَّ قُرْطُبَة، فإذا نَظَرَ في مَوْضعٍ خالٍ إلى
ضَعِيفٍ مُحْتَاجٍ أعطاه أحدَ ثَوْبَيْه(٢).
وذكر أبو عُبَيْدَة صَاحب القِبْلة (٣)، قال: كان بَقي يَخْتِم القُرآن كل
لَيْلَة، في ثلاثَ عشرةَ رَكْعَةً، وكان يُصلِّي بالنَّهَار مئة رَكْعَةٍ ، وَيَصُومُ الدَّهْرَ .
وكانَ كثيرَ الجِهَاد ، فاضِلاً، يُذْكَر عنه أنه رابَطَ اثنتين وسَبعين غَزْوة(٤).
ونقل بعضُ العُلماء من كتابٍ لحَفِيْدِ بَقِيٍّ عبدِ الرَّحمن بن أحمدَ :
سمعتُ أبي يقولُ: رَحَل أبي من مكَّة إلى بَغْداد، وكان رَجُلاً بُغْيَتُه مُلاقاة
أحمد بن حَنْبل . قالَ : فلما قَرُبْتُ بلغَتْني المِحْنَةُ ، وأَنَّه ممنوعٌ، فاغْتَمَمْتُ
غَمّاً شديداً ، فاحتَلَلْتُ بغدادَ ، واكتريتُ بيتاً في فُنْدُق ، ثم أتيتُ الجامعَ وأنا
أُرِيْد أن أجلِسَ إلى النَّاس، فدُفِعْتُ إلى حَلْقَةٍ نَبِيلِةٍ ، فإذا بَرَجُل يتكلّمُ في
(١) تذكرة الحفاظ: ٦٣٠/٢.
(٢) انظر: تذكرة الحفاظ: ٦٣١/٢.
(٣) هو مسلم بن أحمد المعروف بصاحب القبلة، لأنه كان يُشْرق في صلاته، وكان عالماً
بحركات الكواكب وأحكامها ، وكان صاحب فقه وحديث . وهو أول من اشتهر في الأندلس بعلم
الأوائل والحساب والنجوم ، انظر: نفح الطيب : ٣٧٥/٣.
( ٤ ) انظر : المصدر السابق.
٠٠ ١٣
٢٩٢

الرِّجَال، فقيل لي : هذا يَحيى بن معين . فَفُرِجت لي فُرْجَة ، فقُمْتُ إليه ،
فقلتُ : يا أبا زكريا : - رَحِمك الَّله - رجلٌ غريبٌ ناءً عن وَطَنِهِ ، يُحبُّ
السُّؤَال ، فلا تستجْفِني ، فقالَ : قُل . فسألتُ عن بعض من لقيتُه ، فبعْضاً
زكَّى، وبعْضاً جَرَح، فَسَألْتُه عن هِشام بن عَمَّر، ، فقالَ لي : أبو الوليد ،
صاحبُ صَلاة دِمَشق ، ثِقَة، وفوق الثَّقة ، لو كانَ تحتَ ردائِه كِبْر، أو متقدّداً
كِبْراً، ما ضرَّه شيئاً لخيره وفضله ، فصَاحَ أصحابُ الحَلْقَة : يكفيكَ - رحمك
الله - غيرُك له سؤال. فقلتُ - وأنا واقفٌ على قَدَم: اكشف عن رَجُل
واحد : أحمد بن حَنْبل ، فَنَظَرَ إليَّ كالمُتَعَجِّبِ ، فقالَ لي: ومثلُنا ، نحن
تكشف عن أحمد ؟! ذاكَ إمامُ المُسْلِمين ، وخيرُهم وفاضلُهم . فخرجتُ
أستَدِلُّ على مَنْزِل أحمد بن حَنْبل ، فدُلِلْتُ عليه ، فقرعتُ بابَه ، فخرَجَ
إليَّ، فقلتُ : يا أبا عبد الله: رجُلٌ غريبٌ، نائي الدَّارِ ، هذا أوَّلُ دُخُولِي
هذا البلد، وأنا طَالبُ حديثٍ ومُقَيِّدٍ سُنَّة، ولم تَكُنْ رِحْلَتي إلا إليك ،
فقالَ : ادخل الأصطوان ولا يقع عليك عَيْن . فدخلتُ ، فقالَ لي : وأين
موضِعُك ؟ قلتُ : المغْرِب الأقصى . فقالَ : إِفْرِيقَّة ؟ قلتُ : أبعد من
إفريقيّة، أجوزُ من بَلَدي البحرَ إلى إفريقيّة ، بلدي الأندلسُ ، قَالَ : إن
موضِعَكِ لَبَعِيدٌ ، وما كانَ شيء أحبّ إليَّ من أن أُحْسِنَ عَوْنَ مِثْلِكَ ، غير أنِّي
مُمْتَحَنُ بما لعَلَّه قد بلغَك. فقلتُ: بلى، قد بَلَغَني ، وهذا أوَّل دُخُولِي ،
وأنا مَجْهُول العَيْنِ عِندَكم ، فإن أَذِنْتَ لي أن آتي كلَّ يومٍ في زِيِّ السُّؤَّال ،
فأقولُ عند الباب ما يقولُه السُّؤَّال ، فَتَخْرُج إلى هذا الموضِع ، فلو لم
تحدِّثني كل يوم إلا بَحديث واحدٍ ، لكانَ لي فيه كِفَاية . فقالَ لي : نعم ،
على شَرْط أن لا تَظْهَرَ في الخَلْقِ ، ولا عند المحدثين. فقلتُ : لكَ شرطُك ،
فكنتُ آخُذُ عصاً بِيَدِي ، وألُفُّ رأسِي بخِرْقَة مُدَنَّسَة ، وآتي بابَهُ فأصيح:
الأَجْرَ - رحمك الله - والسُّؤَّال هناك كذلك، فَيَخْرُجُ إليَّ، ويغلق،
٢٩٣

ويحدِّثُني بالحدِيْثَين والثَّلاثة والأكثر ، فالتَزَمْتُ ذلك حتى ماتَ الممتَحِن له ،
وولي بعدَه مَن كانَ على مذهب السُّنَّة، فَظَهَر أحمد ، وعَلَتْ إمامَتُه ،
وكانَتْ تُضَرَبُ إليه آباطُ الإِبل ، فكانَ يعرِف لي حَقَّ صَبْري ، فكنتُ إذا أتيتُ
حَلْقَتَه فَسَحَ لي ، ويقصُ على أصحابِ الحديثِ قِصَّتِي مَعَه ، فكانَ يناولُني
الحديثَ مناولةً(١) ، ويقرؤه عليَّ وأقرؤه عليه ، واعتللتُ في خلقٍ معَه . ذَكَر
الحكاية بطولها .
نقلَها القاسِم بن بَشْكُوَال في بعض تآليفه، ونقلْتُها أنا من خَطِّ شیخِنا
أبي الوليد بن الحاج، وهي مُنْكَرَة، وما وَصَل ابنُ مَخْلَد إلى الإِمامِ أَحْمَد
إلا بعد الثّلاثين ومِئتين ، وكانَ قَد قَطَع الحديثَ من أثناء سَنة ثمانٍ وعِشْرين،
وما رَوَى بعد ذلك ولا حَدِيثاً واحداً، إلى أن ماتَ ، ولما زالتِ المحنةُ سَنة
اثنتين وثلاثين، وهَلَكَ الواثِقُ، واستُخْلِفَ المتوكل، وأمَرَ المحدِّثين بِنَشْر
أحاديث الرّؤية(٢) وغيرِها، امتَنَع الإِمامُ أحمدُ من التَّحْدِيث، وصَمَّمَ على
ذلك ، ما عمِل شَيئاً غيرَ أنَّه كانَ يُذاكر بالعِلم والأثر، وأَسْماء الرِّجال والفِقْه،
ثم لو كانَ بَقِيٌّ سَمِع منه ثلاث مئة حديث، لكان طرَّزَ بها (( مُسْنَده)) ،
وافتخر بالرِّواية عَنه. فعِندِي مُجَلَّدَان من ((مُسَنَده))، وما فيهما عن أحْمَد
كلمةٌ .
ثم بعدَها حِكايَةٌ أنكرُ منها ، فقال : نقلتُ من خطِّ حفيدِه عبد الرَّحمن
(١) المناولة : أن يعطي الشيخ الطالب أصل سماعه، أو فرعاً مقابلاً به ، ويقول له : هذا
سماعي عن فلان فاروه عني ، أو : أجزت لك روايته عني ، ثم يبقيه معه ملكاً له ، أو يعيره إياه
لينسخه ويقابل به . أو يأتيه الطالب بكتاب من سماعه ، فيتأمله ، ثم يقول : ارو عني هذا .
( انظر: الباعث الحثيث : ١٢٣، ١٢٤).
(٢) أي رؤية المؤمنين الله سبحانه وتعالى في الآخرة .
٢٩٤

ابن أحمد بن بَقِيَّ، حدَّثني أبي ، أخبرتْني أمِّي أَنَّها رأت أبي مع رَجُل ◌ُوال
جداً، فَسَألَتْه عنه، فقال: أرجو أن تكوني امرأةً صالحة، ذاكَ الخَضِرُ - عليه
السَّلام(١) -
ونقل عبد الرَّحمن هذا عن جدِّه أشياء، الله أعلمُ بصِحَّتِها ، ثم قالَ :
كان جدِّي قد قَسَّم أيامَه على أعمال البِرِّ : فكانَ إذا صلَّى الصُّبح قَرأْ حِزْبَه من
القُرآن في المصحف ، سُدسَ القُرآن ، وكان أيضاً يَخْتِم القرآن في الصَّلاة
في كل يوم ولَيْلة، ويَخْرُج كلَّ ليلةٍ في الثُّلث الأخير إلى مَسْجِده، فَيَخْتِم
قُرْبَ انصِدَاعِ الفَجر، وكانَ يُصلِّي بعد حزْبِه من المصْحَف صَلاةً طويلةً
جداً ، ثم ينقَلِبُ إلى دَارِه - وقد اجتمعَ في مَسْجِده الطَّلَبَةُ - فَيُجَدِّدُ الوضوءَ ،
ويَخْرُج اليهم، فإذا انقَضَت الدُّول، صارَ إلى ضَوْمَعَةِ المَسْجِدِ ، فَيُصَلِّي
إلى الظُّهْر ، ثم يكونُ هو المبتَدِىء بالأَذَان، ثم يَهْبِطُ ثم يُسمِعُ إلى العَصْر ،
ويصلِّي ويُسمِع ، وربَّمَا خَرَج في بقيةِ النَّهَارِ، فَيَقْعُدُ بين القُبور يَبكي
ويَعْتَبِر، فإذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أتى مَسْجِدَه ، ثم يُصلِّي ، ويَرْجِع إلى بيته
فَيُفْطِرُ، وكان يَسْرُدُ الصُّومَ إلَّ يومَ الجُمْعَةِ، ويخرج إلى المسجد ، فيخْرُج
إليه جِيرانُه ، فيتكلّمُ معَهم في دِينهم ودُنياهم ، ثم يصلِّي العِشَاءِ، ويَدْخُل
بيتَه، فيحدِّث أهْلَه ، ثم ينامُ نومةً قد أخذتْها نفسُه، ثم يقومُ . هذا دَأْبُه إلى
أن تُوُفِّي . وكانَ جَلداً ، قوياً على المشي، قد مشى مع ضَعِيف في مَظْلَمَةٍ
إلى إِشْبِئْلِيَة، ومَشى مع آخر إلى إِلْبِيْرَة، ومع امرأةٍ ضَعيفةٍ إلى جَيَّن .
(١) قد صرح بموت الخضر جمهور أهل العلم فيما نقله أبو حيان في ((البحر المحيط))
وذكر الحافظ ابن حجر في ((الإصابة)) منهم إبراهيم الحربي ، وعبد الله بن المبارك ،
والبخاري ، وأبا طاهر بن العبادي ، وأبا الفضل بن ناصر ، وأبا بكر بن العربي وابن الجوزي
وغيرهم .
٢٩٥

قلت : وَهِمَ بعضُ النَّاسِ ، وقالَ : ماتَ سَنة ثلاثٍ وسَبعين ومئتين .
بلِ الصواب أنّه توفي لليلتين بقِيّتا من جمادى الآخرة ، سَنة سِتٍ وسَبعين
ومئتين . وَرَّخَه عبد الله بن يونس وغيره .
ومن مناقبه أنَّه كانَ من كبار المجاهِدين في سَبيل الله ، يقال : شَهِد
سَبعين غَزْوَةً .
ومن حديثه : أخبرني محمَّد بن عَطَاء الله(١) بالإِسْكَنْدِيَّة ، أخبرنا عبد
الرَّحمن ين مَكِّي في سَنة سَتّ وأربعين وسِتِّ مئة ، أنبأنا خَلَف بن عبد الملك
الحافظ ، أخبرنا أبو محمَّد بن عَتَّب ، أخبرنا الحافظ أبو عُمَر النَّمَرِي ،
أخبرنا محمَّد بن عبد الملك ، حدثنا عبد الله بن يونُس ، حدثنا بَقيُّ بن
مَخْلَد ، حدثنا هانىء بن المتَوَكِّل ، عن مُعَاوية بن صَالح ، عن رَجُل ، عن
مُجَاهد ، عن عَلي - رضي الله عنه - قال: لولا(٢) أنيِّ أنْسى ذكر الله ، مَا
تَقَرَّبْتُ إلَى اللهِ إِلَّ بِالصَّلاةِ عَلَى النَّبِّ - وََّ - سَمعتُ رسولَ الله - وَهِ -
يقول : ((قَالَ جِبْرِيْلُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ الله يَقُولُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ عَشْرَ مَرَّاتٍ
اسْتَوْجَبَ الْأَمَانَ مِنْ سَخَطِهِ))(٣) .
١٣٨ - ابنُ قُتَيْبَة *
العَلَّمة الكبيرُ، ذو الفُنون، أبو محمَّد، عبدُ الله بنُ مُسْلم بن قُتَيْبَة
(١) ترجمة الذهبي في ((مشيخته)): خ: ق: ١٤٢، فقال: ((محمد بن عطاء الله بن
أبي منصور مظفر بن المفضل الشيخ ناصر الدين بن الخطيب الكندي الاسكندراني ، شيخ متميز
وقور ... مولده في أول رمضان سنة سبع وثلاثين وستمئة ... توفي سنة اثنتي عشرة وسبعمئة)).
(٢) في الأصل : لو
(٣) في سنده مجهول .
* طبقات النحويين واللغويين للزبيدي : ١١٦ ، الفهرست : المقالة الثانية : الفن =
٢٩٦

الدِّيْنَوَرِي ، وقيل : المَرْوَزِي ، الكاتب ، صاحبُ التَّصَانِيف .
نزلَ بَغداد ، وصَنَّفَ وجَمَع ، وبَعُدَ صِيْتُه .
حدَّث عن: إسحاق بن راهَوَيْه ، ومحمَّد بن زِياد بن عُبَيْد الله
الزِّيادي ، وزِياد بن يحيى الحَسَّاني ، وأبي حَاتم السِّجِسْتَاني، وظَائفةٍ .
حدَّث عنه : ابنُه القاضي أحمد بن عبد الله، بدِيارِ مِصْر، وعُبَيْد الله
السُّكَّرِي ، وعُبَيْد الله بن أحمد بن بكر ، وعَبد الله بن جَعْفَر بن دُرُسْتُوَيْه
النَّحْوي ، وغيرُهم .
قال أبو بكر الخطيب : كانَ ثِقة دَيِّناً فاضلاً(١).
ذِكْرُ تَصانيفه: ((غَريب القُرآن))، ((غَرِيْب الحديث))، كتاب
((المعَارِف))، كتابُ ((مُشكل القرآن))، كتاب ((مُشْكِل الحَديث)» ،
كتاب ((أَدَب الكاتِب))، كتاب ((عُيُون الأخبار))، كتاب ((طَبَقات
الشُّعَراء))، كتاب ((إصْلاح الغلط))، كتاب ((الفرس))، كتاب ((الهَجْو))،
كتاب ((المسَائل))، كتاب ((أعْلامِ النَّبُوَّة))، كتاب ((المَيْسِر))، كتاب
((الإِبل))، كتاب ((الوحش))، كتاب ((الرُّؤْيا))، كتاب ((الفِقْه))، كتاب
((معاني الشِّعر))، كتاب ((جَامِع النَّحْو))، كتاب ((الصِّيام))، كتاب ((أدب
القاضي))، كتاب ((الرَّد على مَن يقولُ بخَلْق القُرآن))، كتاب ((إعراب
= الثالث، تاريخ بغداد: ١٧٠/١٠ - ١٧١، المنتظم: ١٠٢/٥، إنباه الرواة: ٢ / ١٤٣ -
١٤٧، وفيات الأعيان: ٤٢/٣ - ٤٤، تذكرة الحفاظ: ٦٣٣/٢، ميزان الاعتدال :
٥٠٣/٢، عبر المؤلف: ٥٦/٢، البداية والنهاية: ٤٨/١١، البلغة في تاريخ أئمة اللغة:
١١٦، لسان الميزان: ٣٥٧/٣ - ٣٥٩، النجوم الزاهرة: ٧٥/٣ - ٧٦، بغية الوعاة:
٦٣/٢ - ٦٤، شذرات الذهب: ٢ / ١٦٩ - ١٧٠.
(١) تاريخ بغداد: ١٠ /١٧٠.
٢٩٧

القُرآن))، كتاب ((القِراءات))، كتاب ((الأنْواء))، كتاب ((التَّسْوِية بَيْن
العَرَبِ والعَجَم ))، كتاب ((الأشْرِبة))(١).
وقد وَلِي قَضَاءِ الدِّيْنَوَر، وكانَ رأساً في عِلم اللِّسَان العَربي، والأخْبار
وأيامِ النَّاس .
وقال أبو بكر البَيْهَقي : كانَ يَرى رأي الكَرَّامية (٢).
ونقل صاحبُ(٣) ((مرآة الزمان))، بلا إسْنادٍ عن الدَّارَقُطْني، أنَّه قال:
كانَ ابن قُتِبَة يَميل إلى التَّشْبِيه(٤).
قلت : هذا لم يَصِح ، وإنْ صَحَّ عنه، فَسُحْقاً له ، فما في الدِّين
مُحَابَاة .
(١) انظر مقدمة كتاب ((المعارف)) لابن قتيبة تحقيق د . ثروة عكاشة ، وما قاله فيها عن
مؤلفات ابن قتيبة .
(٢) الكَرَّامية: تنسب إلى مؤسسها محمد بن كرام ، المتوفى سنة (٢٥٥ هـ). وقد بدأ
صفاتياً ، ثم غلا في إثبات الصفات ، حتى انتهى فيها - فيما يؤثر عنه - إلى التشبيه والتجسيم .
وقد قال المؤلف في ((ميزانه)) : ومِن بدع الكرامية قولهم في المعبود تعالى : إنه جسم لا
كالأجسام .
وللدكتورة سهيل مختار كتاب مطبوع في الكرامية وفلسفتهم يجدر الاطلاع عليه . وانظر
ترجمة محمد بن كرام في ((ميزان الاعتدال)): ٢١/٤ -٢٢، و((لسان الميزان)»: ٣٥٣/٥ -
٣٥٦.
(٣) هو: الشيخ يوسف قِز أو غلي ، أبو المظفر، المعروف بسبط ابن الجوزي . المتوفى
سنة ( ٦٥٤هـ) .
(٤) كيف يسوغ نسبة هذا الرأي إليه ، وفي كتابه الذي ألفه في الرد على الجهمية والمشبهة
ما ينفيه عنه ؟! فقد جاء فيه ، (ص: ٢٤٣ ) ، ما نصه : وعدل القول في هذه الأخبار ان نؤمن
بما صح منها بنقل الثقات لها ، فنؤمن بالرؤية ، والتجلي ، وأنه يعجب ، وينزل إلى السماء ،
وأنه على العرش استوى ، وبالنفس واليدين ، من غير ان نقول في ذلك بكيفية أو بحد ، أو أن
نقيس على ما جاء مما لم يأت ، فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غداً إن
شاء الله .
٢٩٨

وقال مسعود السِّجْزِي : سمعتُ أبا عبد الله الحاكم يقول : أجمعتِ
الََّمَّةُ على أنَّ القُتَبِي كَذَّاب .
قلت : هَذِهِ مُجَازَفَةٌ وقِلَّةُ وَرَعِ، فما علمتُ أَحَداً اتَّهَمِه بالكَذِبِ قبلَ
هذه القولة ، بل قال الخطيب: إنَّه ثِقة (١).
وقد أنبأني أحمد بن سَلامة ، عن حمَّد الحَرَّاني أينه سَمِع السِّلَفي يُنْكِر
على الحاكم في قوله : لا تجوزُ الرِّوايةُ عن ابن قُتَيْبَة . ويقولُ : ابنُ قُتَيْبَة من
الثِّقات ، وأَهْلِ السُّنَّة. ثم قال: لكن الحاكم قَصده لأجل المذْهَب .
قلتُ: عَهْدِي بالحاكم يَمِيْل إلى الكَرَّامية، ثُم ما رأيتُ لأبي محمَّد في
كِتاب ((مُشْكل الحديث)) ما يخالفُ طَرِيقة المُثْبِتَة والحَنَابِلَة ، ومن أن أخبار
الصِّفَات تُمَرُّ ولا تُتَوَّل ، فالله أعلم .
وكان ابنُه أحمد(٢) حُفَظَةً، فَحَفِظَ مُصَنَّفات أبيه، وحدَّث بها بمصر لمًّا
وَلَي قضاءَها من حِفْظِهِ ، واجتَمَع لِسَمَاعها الخَلْقُ سَنَّةَ نَيِّفٍ وعِشرين وثلاثٍ
مئة ، وكانَ يقول : إنَّ والدَه أبا محمّد لقَّنَه إِيَّها.
وما أحَسَن قولَ نُعَيْم بن حمَّاد، الَّذِي سَمِعْناه بأَصَحِّ إِسْنادٍ عن محمَّد
ابن إسماعيل التِّرْمِذِي، أنَّه سَمِعَه يقول: مَنْ شَبَّه الله بخلْقِه، فَقَدْ كَفَر ، ومَنْ
أنكر ما وَصَف الله به نَفسَه، فقد كَفَر ، وليسَ ما وَصَف به نَفْسَه ولا رَسُولَه
تشبيهاً .
١
قلتُ : أرادَ أن الصِّفَاتِ تابعةٌ للمَوْصُوف ، فإذا كانَ الموصوفُ
تعالى: ﴿لَيْسِ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، في ذاته المقدَّسَة ، فكذلك
(١) تقدم قول الخطيب هذا قبل قليل .
(٢) انظر ترجمته في ((وفيات الأعيان)) ٤٣/٣، نهاية ترجمة أبيه .
٢٩٩

صِفَّاته لا مِثل لها ، إذ لا فَرْقَ بين القَول في الذَّاتِ والقَولِ في الصِّفات ،
وهذا هو مَذْهب السَّلّف .
قال أبو الحُسَيْن أحمد بن جَعْفَر بن المنادي: ماتَ أبو مُحَمَّد بن قُتَيِّبَة
فُجَاءَةً، صَاحِ صَيْحَة سُمِعَتْ مِنْ بُعْد، ثُم أَغمِيَ عَليه، وكانَ أَكَلَ هَرِيْسَةً ،
فَأَصَابِ حَرَارَةً، فَبَقي إلى الظُّهْر، ثم اضطَرَبَ ساعة، ثم هَدَأَ، فما زالَ
يَتَشَهَّدُ إلى السَّحَر ، وماتَ - سامحه الله - وذلك في شهر رجب ، سَنة سِتِّ
وسبعين ومثتين .
والرَّجُل ليس بصاحب حَديث، وإنَّما هو من كبار العلماء
المَشْهُورين ، عنده فُونٌ جَمَّةٌ ، وعُلُومٌ مُهِمَّةٌ .
قرأتُ على مُسْنِد حَلب أبي سَعيد سُنْقُر بن عبد الله(١): أخبرنا عبد
اللَّطيف بن يوسُف، أخبرنا أحمد بن المُبَارك المُرَقَّعَاتي ، أخبرنا جَدِّي لُأِمِّي
ثابتُ بن بُنْدَار ، أخبرنا عبد الله بن إسحاق اللَّبَّان ، في سَنة ثمانٍ وعشرين
وأربعٍ مئة ، أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن إسْحاق الحافظ ، أخبرنا الهيثم بن
كُلَيب ببخارى سَنة (٣٣٤)، حدثنا أبو محمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيِّبَة ،
حدَّثني الزِّيادِي، حدَّثني عيسى بن يونس، عن الأَعْمَش ، عن أبي
إسْحاق ، عن عبد خير، قال : قال علي بن أبي طالب : ما كنتُ أَرَى أَنَّ
أعلى القَدَم أَحَقُّ مِن باطِنِها، حتَّى رأيتُ رَسُول الله - وَ - يَمْسَحُ على
قَدَمَيْه(٢) .
(١) انظر ترجمته في ((مشيخة)) المؤلف: خ: ق : ٥٥.
(٢) ورجاله ثقات والزيادي: هو محمد بن زياد بن عبيد الله - وأخرجه أحمد ٩٥/١ من
طريق وكيع عن الأعمش بهذا الإسناد وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ١١٤/١ من
طريق إسحاق بن إسماعيل حدثنا سفيان، عن ابن عبد خير، عن أبيه، قال: رأيت علياً توضأ =
٣٠٠