Indexed OCR Text

Pages 1-20

شِيرَا عَلَامِ التَّلَاءُ
تصنيف
الإمام شمس الدين محمدبن أحمد بن عثمان الذهبيّ
المتوفى
٧٤٨ هـ - ١٣٧٤هـ
الجُزُءُ الثّانِي عَشِرَ
أشرف عَلى تحقيق الكِتَابُ وَخَّجَ أحَادِيثَّه
شعيب الأرنؤوط
حَقّقَ هُذَا الجُزء
صالح الشّر
مؤسسة الرسالة

جميع الحقوق محفوظَة
الطبعة الأولى
١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة
هاتف: ٣١٩٠٣٩ - ٢٤١٦٩٢ ص.ب: ٧٤٦٠ برقياً: بيوشران
الطباعة والنشر والتورمبيع

شِيَ خْلَ مِ النَُّلاءِ
١٢

-0
13
>
.3

١ - يَحيى بنُ أَكْثَم * (ت)
ابن محمد بن قَطَن ، قاضي القضاة ، الفقيهُ العلَّمةُ، أبو محمد ،
التميمي المَرْوزي ، ثم البغداديُّ .
وُلِدَ في خلافة المهدي .
وسَمِع من : عبدِ العزيز بنِ أبي حازم ، وابنِ المبارك ، وعبد العزيز
الدَّراوَرْدِيِّ، وجريرٍ بن عبد الحميد ، وسفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ، والفضلِ
السِّيناني(١)، وعبد الله بن إِدريس ، وعدةٍ . وله رحلةً ومعرفة .
التاريخ الكبير ٨ / ٢٦٣، أخبار القضاة لوكيع ٢ / ١٦١، الجرح والتعديل
٩ / ١٢٩، مروج الذهب للمسعودي ٤ / ٢١ وما بعدها، الأغاني ٢٠ / ٢٥٥، تاريخ بغداد
١٤ / ١٩١، ٢٠٤، طبقات الحنابلة ١ / ٤١٠، ٤١٣، الكامل لابن الأثير : أخباره متناثرة
في الجزء السابع منه، وفيات الأعيان ٦ / ١٤٧، ١٦٥، تهذيب الكمال : ١٤٨٦ ،
١٤٨٨، تذهيب التهذيب ٤ / ١٤٧ / ٢، ١٤٩ / ١، ميزان الاعتدال ٤ / ٣٦١، ٣٦٢،
العبر ١ / ٤٣٩، البداية والنهاية ١٠ / ٣١٩، تهذيب التهذيب ١١ / ١٧٩، ١٨٣، النجوم
الزاهرة ٢ / ٣١٦، ٣١٧، حياة الحيوان للدميري ٢ / ٣،٢، طبقات المفسرين ٢ / ٣٦٢،
خلاصة تذهيب الكمال: ٤٢١، مرآة الجنان ٢ / ١٣٥، شذرات الذهب
٢ / ٩١ و١٠١، ١٠٢، الجواهر المضية ٢ / ٢١٠.
(١) بكسر السين : نسبة إلى سِينان، وهي قرية من قرى مرو. والفضل السيناني: هو
الفضل بن موسى ، أبو عبد الله . وهو مترجم في الجزء التاسع ، الترجمة رقم (٣٥).

حدَّث عنه: الترمذيُّ، وأبو حاتم ، والبخاريُّ خارج ((صحيحه))،
وإسماعيلُ القاضي ، وإِبراهيمُ بن محمد بن مَتَّوَيْهِ ، وأبو العباس السَّرَّاج ،
وعبدُ الله بن محمود المَرْوزي ، وآخرون .
وكان من أئمة الاجتهاد، وله تصانيف، منها كتاب ((التنبيه)).
قال الحاكم: مَن نظر في ((التنبيه)) له، عَرَف تَقَدُّمَه في العلوم(١).
وقال طلحة الشاهد(٢): كان واسعَ العلم بالفقه ، كثيرَ الأدب ، حَسَنَ
العارضة(٣)، قائماً بكل مُعْضِلة . غلب على المأمون ، حتى لم يتقدمه
عنده أحدٌ مع براعة المأمون في العلم . وكانت الوزراء لا تُبْرِمُ شيئاً حتى
تُراجِعَ يحيى (٤).
قال الخطيب : ولاه المأمونُ قضاءً بغداد ، وهو من وَلَدِ أكثمَ بنِ
صَيْفِيٍّ .
قال عبدُ الله بن أحمد : سمع من ابنِ المبارك صغيراً ، فصنع أبوه
طعاماً ، ودعا الناسَ ، وقال : اشهَدوا أَنَّ ابني سمع من عبد الله(٥).
قال أبو داود السِّنْجِيُّ(٦): سمعتُ يحيى يقول: كنتُ عند سُفيان ،
(١)(( تاريخ بغداد)) ١٩٧/١٤، و(تهذيب الكمال)» : ١٤٨٧.
(٢) هو طلحة بن محمد بن جعفر .
(٣) كذا في ((تاريخ بغداد))، و((وفيات الأعيان)). أما في تهذيب الكمال فهي :
المعارضة .
(٤)( تاريخ بغداد)) ١٩٧/١٤، و((تهذيب الكمال)). ١٤٨٧، و((وفيات الأعيان))
١٤٨/٦ .
(٥)( تاريخ بغداد)) ١٩٢/١٤، و(تهذيب الكمال)) ١٤٨٧.
(٦) بكسر السين المهملة ، وسكون النون، وفي آخرها جيم: نسبة إلى سنج ، وهي =
٦

فقال : بُلِيتُ بمجالستكم بعد ما كنتُ أُجالس مَن جالس الصحابةَ ، فمن
أعظمُ مني مصيبةً ؟ قلتُ : يا أبا محمد ، الذين بَقُوا حتى جالسوك بعد
الصحابة ، أعظمُ منك مُصيبةً(١).
وروى أحمدُ بن أبي الحَواري ، عن يحيى ، عن سفيان ، قال : لو
لم يكن من بليّتِي إِلا أني حين كبِرتُ صار جلسائي الصبيان ، بعدما كنتُ
أُجالِسُ من جالس الصحابة . قلتُ : أعظمُ منكَ مُصيبةً مَنْ جَالَسَكَ في
صِغَرِك بعدما جالس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال :
فسكت(٢).
قال عليّ بن خَشْرَم : أخبرني يحيى قال : صِرتُ إِلى حفصٍ بن
غياث، فتعَشِّيْنا عنده ، فَتَى بِعُسِّ(٣)، فشرِب ، وناول أبا بكر بن أبي
شيبة ، فشرب وناولني . قال : فقلت : أَيُسْكِرُ كَثِيرُه ؟ قال : إِي والله ،
وقليله . فتركْتُه(٤).
وروى أبو حازم القاضي ، عن أبيه ، قال : وَلِيَ يحيى بنُ أكثم قضاءَ
=. قرية كبيرة من قرى مرو ((الأنساب )) ١٦٥/٧ وأبو داود هو سليمان بن معبد بن كوسجان . مات
في ذي الحجة سنة سبع وخمسين ومثتين .
(١) ((تاريخ بغداد) ١٤/ ١٩٢
(٢)(( تاريخ بغداد)) ١٩٣/١٤، و((تهذيب الكمال)): ١٤٨٧ و((طبقات الحنابلة)) ٤١١/١.
وتتمة الخبر في هذه المصادر : وتمثل بشعر أبي نواس :
لِرَام
جَنْبَيْك
خَلٌ
وامْضِ
مِنْ
مُتْ بِداءِالصَّمْتِ خَيْرٌ لكَ
عَنْهُ
دَاءٍ
بِسَلام
الكلام
(٣) العُسْ، بضم العين، وتشديد السين المهملة: القدح الضخم، ويقال في جمعه :
أعساس .
(٤)« تاريخ بغداد)) ١٩٣/١٤، و((تهذيب الكمال)»: ١٤٨٧. وانظر في نوع الشراب
الذي كان يجيزه أهل الكوفة، والأدلة التي يحتجون بها ((نصب الراية)) ٣٠٢/٤، ٣٠٤.
٧

البصرة وله عشرون سنة ، فاستصغروه . وقيل : كم سِنُّ القاضي ؟. قال :
أنا أكبرُ من عَتَّبٍ بن أَسِيد الذي ولَّهُ رسولُ اللهِ وَ ◌َّ على مكة ، وأكبرُ من
معاذٍ حين وجَّهَ به رسولُ الله قاضياً على اليمن ، وأكبرُ من کعبٍ بن سُور
الذي وَجَّه به عُمَرُ قاضياً على البصرة(١) .
قال الفضل الشَّعْراني : سمعتُ يحيى بن أكثم يقولُ : القرآن كلامُ
الله، فمن قال : مخلوق يُستتاب، فإِن تاب، وإلا ضُرِبت عُنُقُه(٢) .
وعن يحيى قال : ما سُرِرتُ بشيءٍ سُروري بقول المستملي : مَن
ذكرتَ رضي الله عنكَ(٣).
وذُكِرَ لأحمدَ بن حنبل ما يُرمى به يحيى ، فقال : سبحان الله مَن
يقول هذا(٤)؟!
قلتُ : قد وَلِع الناسُ بيحيى لِتَوَلُّعِه بالصور حباً أو مُزاحاً .
الصُّولي : سمعتُ إِسماعيلَ القاضي يُعظّمُ شأنَ يحيى بنِ أكثم ،
وذكر له يومَ قِيَامِهِ في وجهِ المأمون ، لما أباح مُتْعَةَ النساء ، فما زال به حتى
ردَّهُ إِلى الحق ، ونصَّ له الحديث في تحريمها(٥)، فقيل لإِسماعيل : فما
(١) ( تاريخ بغداد)) ١٩٩/١٤، و((وفيات الأعيان)) ١٤٩/٦، و((طبقات الحنابلة)).
٤١٢/١، ((والنجوم الزاهرة)) ٣١٧/٢.
(٢) (( تاريخ بغداد)١٤٤ / ١٩٨، و((طبقات الحنابلة)) ٤١٢/١.
(٣) ((تهذيب الكمال)) ١٤٨٧.
(٤) ((طبقات الحنابلة)) ٤١٢/١، و((تهذيب الكمال)): ١٤٨٦. وتتمة الخبر فيهما:
وأنكر ذلك أحمد إنكاراً شديداً. وجاء فيهما أيضاً : سئل أحمد بن حنبل عن يحيى بن أكثم ،
فقال : ما عرفناه ببدعة . فبلغتْ يحيى ، فقال : صدَق أبو عبد الله ، ما عرفني ببدعة قط .
(٥) وهو ما أخرجه مسلم (١٤٠٦) في النكاح : باب نكاح المتعة من طرق عن الربيع
ابن سَبْرَةَ الجهني، عن أبيه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني في فتح مكة - =
٨

كان يقال ؟ قال : معاذَ الله أن تزول عدالةُ مِثْلِهِ بكذبٍ باغٍ أو حاسد . ثم
قال : وكانت كتبُه في الفقه أجلَّ كُتُبٍ ، تركها الناسُ لطولِها(١).
قال أبو العَيْناء : سُئل رجلٌ من البُلَغاء عن يحيى بنٍ أكثم ، وأحمدَ
ابنِ أبِي دُوَاد : أيُّهما أَنْبَلُ ؟ قال : كان أحمدُ يَجِدُّ مع جاريته وبيته ، وكان
یحیی يهزِلُ مع عدوه وخصمه(٢).
قال أبو حاتم الرازي : فيه نظر(٣).
وقال جعفرُ بن أبي عثمان ، عن ابنٍ مَعين : كان يكذِب .
وقال ابنُ راهويه: ذاكَ الدَّجَّالُ يُحدث عن ابنِ المبارك .
وقال علي بن الجُنَيد : يَسْرِق الحديث(٤).
وقال صالحٌ جَزَرَة : حدَّث عن ابن إدريس بأحاديثَ لم يسمعها .
وقال أبو الفتح الأزْدِيُّ : روى عن الثقات عجائب .
فقال رسول الله : ((يا أيها الناس إني قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد
= حرم ذلك إلى يوم القيامة ، فمن كان عنده منهن شيء ، فليخل سبيله ، ولا تأخذوا مما اتيتموهن
شيئاً)). وانظر ((زاد المعاد)) ٤٥٩/٣، ٤٦٤.
(١) يراجع الخبر في ((تاريخ بغداد)) ٢٠٠/١٤، و((تهذيب الكمال)): ١٤٨٦،
١٤٨٧، و((وفيات الأعيان)) ١٤٩/٦، ١٥١، و((طبقات الحنابلة)) ٤١٣/١.
(٢)( تاريخ بغداد)) ١٩٨/١٤، و((وفيات الأعيان)) ١٤٨/٦.
(٣) (( الجرح والتعديل)) ١٢٩/٩.
(٤) ( الجرح والتعديل)) ١٢٩/٩. وقال السخاوي في ((شرح الألفية)): ١٦٠: سرقة
الحديث أن يكون محدثٌ ينفرد بحديث ، فيجيء السارق ويدَّعي أنه سمعه أيضاً من شيخ ذاك
المحدِّث. أو يكون الحديث عُرِف براوٍ ، فيضيفه لراو غيره ممن شاركه في طبقته . قال الذهبي :
وليس كذلك مَن يسرق الأجزاء والكتب ، فإنها أنحس بكثير من سرقة الرواة . وقال الذهبي
رحمه الله في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٠٤/١١: قال أبو أحمد العسال : سمعت فضلك يقول :
دخلتُ على ابن حميد وهو يُرَكّبُ الأسانيد على المتون . قلتُ : آفته هذا الفعل ، وإلا فما
أعتقد فيه أنه يضع متناً . وهذا معنى قولهم : يسرق الحديث .
٩

قلت : ما هو ممن يكذب ، كلا . وكان عَبَتُه بالمُرْدِ أيام الشبيبة ،
فلما شاخَ أقبلَ على شأنه ، وبقيت الشناعةُ ، وكان أعورَ .
قال أبو العيناء(١): وقفَ له الأَضِرَّاء(٢)، فطالبوه ، فقال: ليس لكم
عند أمير المؤمنين شيء . فقالوا : لا تفعل يا أبا سعيد ، فصاح : الحبس
الحبسَ ، فَحُبِسوا، فلما كان الليل ضَجَّوًا . فقال المأمونُ : ما هذا؟
قيل : الأَضِرَّاء . فقال له : ولِمَ حبستَهم ؟ أَعَلَى أن كَنَّوْكَ ؟ قال : بل
حبستُهم على التعريض بشيخٍ لائطٍ في الحَرْبِيّة(٣).
قال فَضْلَك الرازي : مضيتُ أنا وداود الأصبهاني إِلى يحيى بن
أكثم ، ومعنا عشرةُ مسائلَ ، فأجاب في خمسةٍ منها أحسنَ جواب . ودخل
غلامٌ مَلِيحٌ ، فلما رآه اضطرب ، فلم يقدر يَجيُ ولا يذهبُ في مسألةٍ .
فقال داود: قُمْ، اختُلِط الرجل(٤) .
(١) هو محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر الهاشمي ولاءً. المتوفى سنة ٢٨٣ هـ. وسترد
ترجمته في الجزء الثالث عشر ترجمة رقم (١٤٢).
(٢) الأضرّاء : جمع ضرير، وهو من فقد بصره .
(٣) الخبر في ((تاريخ بغداد)) ١٩٤/١٤، ١٩٥ بتوسع. ولفظه بإسناده إلى أبي
العيناء ، قال : تولى يحيى بن أكثم ديوان الصدقات على الأضراء ، فلم يعطهم شيئاً ، فطلبوه
وطالبوه ، فلم يعطهم ، فاجتمعوا . فلما انصرف من جامع الرصافة من مجلس القضاء ، سألوه
وطالبوه ، فقال: ليس لكم عند أمير المؤمنين شيء ... الخبر. والحربية : محلة كبيرة مشهورة
ببغداد عند باب حرب، قرب مقبرة بشر الحافي وأحمد بن حنبل ، وغيرهما ، تنسب الى حرب بن
عبد الله البلخي ، أحد قواد أبي جعفر المنصور ، وقد تصحفت في تاريخ بغداد الى (الخريبة) .
(٤)(( تهذيب الكمال)): ١٤٨٦. وقد أورد الخطيب البغدادي ١٩٧/١٤ وابن خلكان
١٥٢/٦ بعض الأخبار التي تَذْكُّر ما كان يُتَّهم به يحيى بن أكثم من الهنات المنسوبة إليه كاللواطة
وغيرها. وما إخال أن هذه الأخبار تصح عن قاضٍ كبير كيحيى بن أكثم الذي كان إماماً من أئمة
الاجتهاد ، مما دفع الخليفة المأمون - وهو من هو علماً ومعرفة - لان يُوليه قضاء بغداد. ولاسيما
أن هذه الأخبار وردت عمَّن لا يحتج بهم ... وقد قال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية » -
١٠

قال أبو العيناء : کنا في مجلس أبي عاصم ، فنازع أبو بكر بنُ یحیی
ابن أكثم غلاماً، فقال أبو عاصم : مَهْيَم (١)؟ قيل: أبو بكر يُنازِعُ غلاماً،
فقال : إِن يَسْرِق ، فقد سرقَ أبّ له من قبل(٢) .
وقد هُجي بأبياتٍ مفرقة لم أَسُقْها .
قال الخطيب : لما استُخلف المتوكلُ صيَّر يحيى في مرتبةِ ابنِ أبي
دُواد ، وخلع عليه خمسَ خِلَعٍ".
وقال نِفْطويه : لما عُزِلَ يحيى من القضاء بجعفر الهاشمي جاءه
كاتِبُه ، فقال : سلِّمِ الديوان . فقال : شاهدان عدلان على أمير المؤمنين
بذلك ، فلم يلتفت إليه ، وأُخذ منه قهراً. وأمر المتوكل بقض أملا٠ه،
وحُوِّل إِلى بغداد ، وأُلزِمَ بيته .
قال الكوكبي : حدثنا مُحْرِزُ بن أحمد الكاتبُ ، حدثنا محمدُ بن
مسلم السَّعْدِيُّ قال : دخلتُ على يحيى بنِ أكثمَ ، فقال : افتح هذا
القِمَطْر . ففتح، فإذا فيه شيءٌ رأسُه رأسُ إِنسانٍ ، ومِن سُرَّتِهِ إِلى أسفَل
خِلْقَةُ زاغٍ (٤)، وفي ظهره سِلْعَةٌ - يعني : حَدْبَة - وفي صدره كذلك .
= ٣١٦/١٠: كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السنة ، وعلماء الناس، ومن المعظمين للفقه
والحديث واتباع الأثر .
(١) قال أبو عبيد القاسم بن سلام في ((غريب الحديث)) ١٩٠/٢، ١٩١: مَهْيَم:
كأنها كلمة يمانية ، معناها : ما أمرُك ، أو ما هذا الذي أرى منك ، ونحو هذا من الكلام . فهي
كلمة استفهام عن الحال أو الشأن . وفي حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي
* رأى عليه وضَراً من صُفرةٍ، فقال: مَهْيَم ؟ قال: تزوجت امرأةٌ من الأنصار على نواةٍ من
ذهب. قال: ((أوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ)).
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١٩٧/١٤، و((وفيات الأعيان)) ١٥٣/٦.
(٣)( تاريخ بغداد)) ٢٠٠/١٤، ٢٠١.
(٤) قال الدميري : الزّاغ : نوع من أنواع الغربان، يقال له : الزَّرْعي، وغراب =
١١

فَكَبِّرْتُ وهَلِّلْتُ وَجَزِعْتُ، ويحيى يضحك(١)، فقال لي بلسان طَلْقٍ :
أنا ابنُ اللَّيْثِ واللَّْوَه
أنا الزَّاغُ أبو عَجْوَة
نَ والنَّشْوَةَ والقَهْوَهِ
أُحِبُّ الرَّحَ والرَّيْحا
ولا تُحْذَرُ لي سَطْوَهِ(٢)
فلا عَرْبَدَتِي تُخْشَى
ثم قال : يا كهل ، أنشِدني شعراً غزِلاً، فأنشدْتُه :
أَغَرَّكِ أَنْ أَذْنَبْتِ ثُمَّ تتابَعَتْ ذُنوبٌ، فَلَمْ أَهْجُرْكِ ثُمَّ أَتوبُ
= الزَّرع، وهو غراب أسود صغير، وقد يكون محمر المنقار والرجلين . ويقال له أيضاً : غراب
الزيتون ، لأنه يأكله . وهو لطيف الشكل ، حسن المنظر ، صغير نحو الحمامة ، برأسه غبرة
وميل الى البياض ، ولا يأكل الجِيّف . وجمعه : زِيغان .
(١) ((النجوم الزاهرة)) ٣١٦/٢، و«حياة الحيوان الكبرى)» للدميري ٢/٢ وجاء فيه بعد
قوله : ويحيى يضحك : فقلتُ له : ما هذا، أصلحك الله ؟ فقال لي : سل عنه منه . فقلتُ
له : ما أنتَ ؟ فنهض وأنشد بلسان فصيح : ... الأبيات.
.(٢)، الأبيات في ((النجوم الزاهرة)) ٣١٧/٢، و((حياة الحيوان الكبرى)) ٢/٢ . ورواية
الشطر الأول من البيت الثالث فيه : فلا عَذْوَى يدِي تخشى . وجاء بعدها الأبيات التالية :
فُ يَومَ العرسِ والدّعوه
وَلَي أشْياءُ تُسْتَظَرَ
رِ لا تَسْتُرُها الفَرْوَه
فمِنها سِلْعَةٌ فِي الظُّهْـ
فلو كان لها عُرْوهِ
وأما السَّلْعَةُ الأخرى
سٍ فيها أنها رَكْوَه
لما شَكَّ جَمِيعُ النَّا
وجاء في ((حياة الحيوان الكبرى)) أن هذا الخبر قد رواه أبو طاهر السِّلفي على غير هذا
الطريق . وهو ما أخبر به موسى الرضى ، قال : قال أبو الحسن علي بن محمد : دخلتُ على
أحمد بن أبي دُوَاد ، وعن يمينه قمطر ... الخبر. وأما الأبيات فهي :
حَليفُ الخَمْرِ والقهوه
أنا الزَّاغُ أبو عِجْوَه
◌ُ يَوْمَ القِصْفِ في الدّعوه
ولي أشياء لا تنكّـ
ـرٍ لا تُسترها الفرْوَه
فمنها سِلعةٌ في الظهـ
رٍ لَوْ كان لها عُرْوَه
ومنها سِلعَةٌ في الصَّدْ
س حقّاً أنها ركْوَه
لما شَكَّ جميع النُّا
١٢

وَقَدْ يُصْدَمُ الإِنْسانُ وَهْوُ حَبيبُ(١)
وَأَكْتَرْتٍ حَتَّى قُلْتِ : لَيْسَ بِصارِمِي
فصاح : زاغ زاغ زاغ ، فطار، ثم سقط في القِمَظْرِ . فقلتُ : أعزّ
اللهُ القاضي ، وعاشقٌ أيضاً ؟! فضحك . فقلتُ : ما هذا؟ قال : هو ما
تَرَى. وجَّه به صاحبُ اليمن إلى أمير المؤمنين ، وما رآه بعد .
قال سعيد بن عُفَّيْر : حدثنا يعقوبُ بن الحارث ، عن شبيب بن شَيْبَة
ابن الحارث ، قال: قدِمت الشِّحْرَ (٢) على رئيسها(٣)، فتذاكرنا
النَّسْنَاسَ (٤). فقال: صيدوا لنا منها . فلما أن رحتُ إِليه، إِذا بِنَسْنَاسٍ مع
الأعوان ، فقال : أنا بالله وبك(٥)! فقلتُ: خلُّوه ، فخلَّوْه ، فخرج يعدو ،
وإِنما يرعون النباتَ . فلما حضر الغَداءُ قال : استعِدُّوا للصيد ، فإِنا
خارجون . فلما كان السحر سمعنا قائلاً يقول : أبا محمد ، إِنَّ الصبحَ قد
(١) البيتان في ((النجوم الزاهرة)) ٣١٧/٢. وجاء في ((حياة الحيوان الكبرى)) ٣/٢ في
هذا الخبر في الطريق الثانية : ... ثم قال: أنشدني شيئاً في الغزل ، فأنشدته :
مِن الإظلام أطلس غَيْهبانِ
ولَيْلٍ فِي جوَانِهِ فُضُول
ترقْرق بين أجفانِ الغَوانّي
كأنَّ نُجُومِه دمْعُ حبيسٌ
(٢) بكسر أوله ، وسكون ثانيه : صقع بين عدن وعمان .
(٣) في ((معجم البلدان)»: على رجل من مهرة ، له رياسة وخطر .
(٤) جاء في ((حياة الحيوان الكبرى)) ٣٥٢/٢، ٣٥٣: قال في ((المحكم)): هو خلقٌ
في صورة الناس مشتق منهم لضعف خلقهم. وقال في ((الصحاح)) : هو جنس من الخلق ،
يثب أحدُهم على رِجْلٍ واحدة .... وفي ((المجالسة)) للدينوري ، عن ابن قتيبة ، عن عبد
الرحمن بن عبد الله ، أنه قال : قال ابن إسحاق : النَّسْناس خَلقٌ باليمن ، لأحدهم عين ويد
ورجل يقفز بها . وأهل اليمن يصطادونهم ...
(٥) الصواب في هذا وأمثاله أن يقال: أنا بالله، ثم بك، ففي (المسند ٣٨٤/٥٤
و٣٩٤، و٣٩٨، وسند أبي داود (٤٩٨٠) من حديث حذيفة بن اليمان مرفوعاً ((لا تقولوا ما شاء
الله وشاء فلان، ولكن قولوا : ما شاء الله، ثم شاء فلان)) وإسناده صحيح ، وله شاهد من
حديث ابن عباس عند أحمد ٢١٤/١ و٢٢٤، ٢٨٣، وآخر من حديث الطفيل بن سَخبرة عند
أحمد ٧٢/٥ .
١٣

أَسْفَر ، وهذا الليلُ قد أدبر، والقانص(١) قد حَضَر . فعليك بالوَزَر.
فقال(٢): كُلِي ولا تُراعي ، فقالوا : يا أبا محمد ، فهربَ وله وجهُ كوجهٍ
الإِنسان، وشَعَراتٌ بيضٌ في ذَقنه، ومِثْلُ اليدِ في صدره ، ومِثْلُ الرجل
بين ورِكيه ، فَأَلَظَّ(٣) به كَلْبان ، وهو يقول :
أَلْفَيْتُماني خَضِلاً عِناني
إِنَّكما [ حين ](٤) تُجارياني
حَتى تَموتا أَوْ تُفارِقاني(٥)
لَوْبي شبابٌ ما مَلَكْتُماني
قال : فأخذاه .
قال : ويزعمون أنهم ذبحوا منها نَسناساً ، فقال قائل : سُبحانَ الله ،
مَا أَحْمَرَ دَمَه(٦)! قال : يقولُ نَسناس من شجرة : كان يأكل
السُّمَّاق (٧) ، فقالوا: نَسناسٌ، فأخذوه، وقالوا: لوسكَتَ ، ما عُلم به .
(١) في ((معجم البلدان)): والقنيص
(٢) في ((معجم البلدان)) بعد ((فقال)): آخر .
(٣) يقال: لَظَّ بالمكان، وأَلَظَّ به، أي أقام به ولَزِمه، ومنه حديث النبي ◌َّ (( ألِظُوا
في الدُّعاء: بـ ياذا الجلال والإكرام)) أخرجه الترمذي عن أنس واحمد والحاكم عن ربيعة بن
عامر ، وابن أبي شيبة عن أنس ، والحاكم عن أبي هريرة . أي : الزّموا هذا ، واثبتوا عليه .
(٤) سقطت من الأصل، واستدركت من ((معجم البلدان)).
(٥) البيتان في ((معجم البلدان)) ٣٢٧/٣، وروايته فيهما: ((تحارباني)) بدل
((تجارياني))، وتخلياني بدل «تفارقاني)). وجاء فيه قبلهما:
دَهْرِي مِنَ الهُمُومِ والأحْزَان
الوَيْل لي مِمَّا بِهِ دَهَاني
واسْتَمِعا قولي وَصَدِّقاني
قِفَا قليلاً أيُّها الكَلبانِ
(٦) كذا الأصل، والجادة أن يقال: ما أشد حمرة دمه، قال المبرد في ((المقتضب))
٤ /١٨١ . وكذلك ما كان من الألوان والعيوب نحو الأعور والأحمر، لا يقال: ما أحمره ، ولا ما
أعوره ...
(٧) هو نوع من النبات ، من فصيلة البطميات ، ينبت في الجبال والمرتفعات ، له ثمر
حامض ، عناقيد فيها حبَّ صغار، وهو شديد الحمرة .
١٤

فقال آخر من شجرة : أنا صُمَّيْميتُ فقالوا : نَسناس خذوه . قال : وبنو
مَهْرة يصطادونها ، ويأكلونها . قال : وكان بنو أُميم بن لاوَذ بن سام بن
نوح(١)، سَكَنوا زُنَّار أرضِ رملٍ كثيرةٍ النخلِ ، ويُسمَع فيها حِسُ الجنِّ
حتى كثروا ، فعصَوْا ، فعاقبهم اللهُ ، فأهلكهم ، وبقي منهم بقايا للعرب
تقع عليهم . وللرجلِ والمرأةِ منهم يدّ أوْ رجل في شِقِّ واحد ، يقال لهم :
النَّسناسُ .
قلت : هذا كقول بعضهم : ذهب الناسُ ، وبقي النَّسْنَاسُ . يُشْبِهِونَ
الناسَ ، وليسوا بِناسٍ . ولعلَّ هؤلاء تولَّدوا من قِرَدَةٍ وناس . فسبحانَ
القادر .
وقد روي أنَّ يحيى بن أكثم (٢)، رُئِي في النوم ، وأنه غُفِر له ،
وأُدْخِل الجنة .
قال السَّرَّاجِ(٣) في ((تاريخه)): مات بالرِّبَذَة (٤) مُنصَرَفَه من الحج يومَ
الجمعة في ذي الحجة سنة اثنتين وأربعين ومئتين .
قال ابنُ أخته : بلغَ ثلاثاً وثمانين سنة .
(١) في ((حياة الحيوان الكبرى)) ٠٠:٣٥٣/٢. يقال: إنهم من نسل إرم بن سام
أخي عاد وثمود ...
(٢) الأكَثْمَ : العظيم البطن ، والشبعان أيضاً . يقال بالثاء المثلثة ، والتاء المثناة من
فوقها ، معناهما واحد .
(٣) هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله، أبو العباس السراج النيسابوري ، مولى
ثقيف متوفى سنة ٣١٣ هـ ، وسترد ترجمته في الجزء الرابع عشر من هذا الكتاب الترجمة رقم
( ٢١٦ )
(٤) بفتح أوله وثانيه ، وذال معجمة مفتوحة أيضاً، وبعدها هاء ساكنة : قرية من قرى
المدينة على طريق الحُجَّاجِ ، ينزلونها عند عبورهم عليها . وفيها قبر الصحابي الجليل أبي ذر
الغفاري جندب بن جنادة .
١٥

ودُعابةُ يحيى مع المُرْدِ أمْرٌ مشهور، وبعضُ ذلك لا يَثْبُت . وكان
ذلك قبل أن يَشيخ . عفا الله عنه وعنا .
٢ - ابنُ السِّكِّيت *
شيخُ العربية ، أبو يوسف ، يعقوبُ بن إسحاق بن السُّكِّيت(١)،
البغداديُّ النحوي المؤدِّب، مؤلف كتاب (( إِصلاح المنطق )) ، ديّنّ خيِّر ،
حُجَّةٌ في العربية .
أخذ عن : أبي عَمرو الشَّيْيانِيِّ ، وطائفةٍ .
روى عنه : أبو عِكْرِمة الضَّبِّيُّ، وأحمدُ بن فرح المُفَسِّر ، وجماعةٌ .
وكان أبوه مُؤدِّباً، فتعلَّم يعقوبُ ، وبرع في النحو واللغة ، وأدَّب
أولادَ الأميرِ محمدِ بنِ عبد الله بن طاهر(٢)، ثم ارتفع محلُّه، وأدَّب وَلَدَ
المتوكل .
وله من التصانيف نحوٌ من عشرين كتاباً(٣).
طبقات النحويين واللغويين: ٢٠٢، ٢٠٤، الفهرست : ٧٩ ، تاريخ بغداد
١٤ / ٢٧٣، ٢٧٤، نزهة الألباء : ١٢٢، معجم الأدباء ٢٠ / ٥٠، ٥٢، وفيات الأعيان
٦ /٣٩٥، ٤٠٢، العبر ١ / ٤٤٣، البداية والنهاية ١ / ٣٤٦، النجوم الزاهرة ٢ / ٣١٧،
٣١٨، بغية الوعاة ٢ / ٣٤٩، شذرات الذهب ٢ / ١٠٦، نزهة الألباء: ١٧٨، ١٨٠،
إيضاح المكنون ١ / ٩٤ و٢ / ١٣ و٢٦١ و٢٦٢ الكامل لابن الأثير ٥ / ٣٠، تاريخ أبي
الفداء ٢ / ٤٠، تلخيص ابن مكتوم: ٢٧٧، مرآة الجنان ٢ / ١٤٧، ١٤٩، مراتب
النحويين : ٩٥، ٩٦، المزهر ٢ / ٤١٢ .
(١) قال ابن خلكان: السَّكَّيت ، بكسر السين المهملة ، والكاف المشددة ، وبعدها
ياء مثناة من تحتها ، ثم تاء مثناة من فوقها ، وعرف بذلك ، لأنه كان كثير السكوت ، طويل
الصمت. وكل ما كان على وزن ((فِعِّيل)) أو ((فِعْلِيل)) فإنه مكسور الأول.
(٢) راجع ((وفيات الأعيان)) ٣٩٨/٦.
(٣) من هذه الكتب: ((إصلاح المنطق))، و((القلب والإبدال))، و((معاني الشعر =
١٦

روى أبو عمر(١) عن ثعلب ، قال : ما عرفنا لابنِ السِّكِّيت خربة
قط (٢) .
وقيل : إِنه أدَّب مع أبيه الصِّبيان .
وروَى عن الأصمعي ، وأبي عبيدة ، والفَرَّاءِ ، وكتبهُ صحيحةٌ نافعة .
قال ثعلب : لم يكن له نَفَاذٌ في النحو، وكان يَتْشَبَّع .
وقال أحمدُ بن عُبيد : شاورَني يعقوبُ في مُنادمة المتوكل ، فنهيْتُه ،
فحمل قولي على الحسد ، ولم ينته(٣).
وقيل : كان إِليه المُنتهى في اللغة ، وأما التصريفُ فقد سأله المازنيُّ
عن وزن ((نَكْتَلْ))، فقال: ((نَفْعَل))، فَرَدَّه. فقال: ((نَفْتَعِل))، فقال:
أتكونُ أربعةُ أحرفٍ وزنُها خمسةُ أحرف ؟ فوقف يعقوبُ . فبَيِّنَ المازنيُّ أن
وزنه ((نَفْتَلُ)) . فقال الوزير ابنُ الزيات: تأخذُ كلَّ شهرٍ ألفين(٤) ولا تدري
ما وزن ((نَكْتَل))؟ فلما خرجا قال ابنُ السِّكِّيت للمازني : هل تدري ما
صنعتَ بي ؟ فاعتذر(٥) .
= الكبير))، و((معاني الشعر الصغير))، و((النوادر))، و((الامثال)) و((الأضداد)) ... وقد ذكر
ياقوت في ((معجمه)) ٥٢/٢٠ من تواليفه عشرين كتاباً.
(١) هو راوية ثعلب .
(٢) الخبر بلفظه في ((تاريخ بغداد)) ١٤/ ٢٧٣.
(٣) راجع ((وفيات الأعيان)) ٣٩٨/٦ .
(٤) في ((وفيات الأعيان)): ألفي درهم .
(٥) الخبر في ((وفيات الأعيان)) ٣٩٧/٦، ٣٩٨، وفيه أن أبا عثمان المازني اجتمع بابن
السكيت عند محمد بن عبد الملك بن الزيات الوزير ، فقال الوزير للمازني : سلْ أبا يوسف عن
مسألةٍ ... فكره المازني ذلك - لصداقة كانت بينهما - خشية أن يتحرج ابن السكّيت ... ولم
يسأله هذه المسألة إلا بعد أن ألح عليه الوزير . وسيرد الخبر في الصفحة : في ترجمة المازني .
١٧

ولا بن السِّكّيت شِعْرُ جَيِّد(١).
ويُروَى أنَّ المتوكل نظر إِلى ابنيه المعتز والمؤيِّد ، فقال لابن
السِّكِّيت : مَن أَحَبُّ إِليك: هُما ، أو الحسن والحسين(٢)؟ فقال : بل
قْبَرٌ (٣) . فأمر الأتراكَ ، فداسُوا بطنَه ، فمات بعد يوم . وقيل : حُمل مَيْتاً
في بساط . وكان في المتوكل نَصْب (٤)، نسأل الله العفو. مات سنةً أربعٍ
وأربعين ومئتين .
قال ابنُ السِّكَّيت : كتب رجلٌ إِلى صديقٍ له : قد عَرَضْتُ حاجةً
إِليك ، فإِن نجحَتْ فالفاني منها حظّي ، والباقي حظُّك . وإِن تعذَّرَتْ
فالخيرُ مظنونٌ بك ، والعُذر مقدَّمٌ لكَ ، والسلام .
قال ثعلب : أجْمَعوا أنه لم يكن أحدٌ بعد ابنِ الأعرابي أعلمَ باللغة
من ابنِ السِّكِّيت . وكان المتوكلُ قد ألزمه تأديبَ وَلَدِه المعتز ، فلما
حضر ، قال له ابنُ السِّكَّيت : بِمَ تُحبُّ أن تبدأ؟ قال : بالانصراف .
قال : فأقوم . قال المعتز: فأنا أخفُّ منك ، وبادر، فعثر، فسقط
(١) من ذلك ما أورده ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) ٣٩٩/٦، ٤٠٠ :
وضاقَ لَمَا به الصَّدْرُ الرَّحِيبُ
إذا اشْتَمَلتْ عَلَى الْيَأْسِ القُلوبُ
وأَرْسَتْ في أماكنها الخطُوبُ
وأوطنتِ المكارِهُ واستقَرَّتْ
ولا أُغْنى بجِيلَتِهِ الأَرِيبُ
ولم تَرَ لانكشاف الضُّرِّ وَجْهاً
يَمُنُّ به اللطيفُ المُسْتَجِيبُ
أتاكَ على قُنوطِ منكَ غَوْثٌ
فموصولٌ بها فَرَجٌ قَرِيبُ
وكلُّ الحادثاتِ إذا تناهتْ
(٢) الخبر بألفاظ مختلفة في ((وفيات الأعيان)) ٣٩٧/٦، ٣٩٨. وفي ((النجوم الزاهرة))
٣١٨/٢، واللفظ فيه: من أحَبَّ إليك: أنا وولداي المؤيد والمعتز أم عليٍّ والحسن
والحسين؟ فقال : والله إنَّ شعرةٌ من قَنْبَرٍ خادمٍ علي خيرٌ منك ومن ولديك.
(٣) راجع التعليق الرابع .
(٤) أهل النَّصْبِ : هم المتدينون ببغضة علي رضي الله عنه، لأنهم نَصَبُوا له : أي
عادوه .
١٨

وخجل ، فقال يعقوبُ :
وَلَيْسَ يَموتُ الْمَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
يَمُوتُ(١) الفَتِى مِنْ عَثْرَةٍ بلسانِهِ
وَعَثْرَتُهُ بِالرِّجْلِ تبرا عَلَى (٣) مَهْلٍ (٤)
فَعَثْرَتُهُ بالقولِ (٢) تُذْهِبُ رَأْسَهُ
قيل: كتابُ ((إِصلاح المنطق)) كتابٌ بلا خُطبة، وكتاب (( أدب
الكاتب )) خُطبة بلا كتاب (٥).
قال أبو سهل بن زياد : سمعتُ ثعلباً يقول : عدِيُّ بن زيد العِبَادِي
أميرُ المؤمنين في اللغة . وكان يقول : قريباً من ذلك في ابنِ السِّكّيت .
قلت : (( إِصلاح المنطق)) كتابٌ نفيس مشكورٌ في اللغة(٦).
٣ - حُمَيد بنُ زَنْجَوَیه * ( د ، س )
الإِمامُ الحافظُ الكبيرُ ، أبو أحمد ، واسمه حُمَيدُ بن مخلد بن قُتِيبةٍ ،
(١) في ((شذرات الذهب))، و((وفيات الأعيان)): يُصابُ.
(٢) في (( وفيات الأعيان)): في القول .
(٣) في ((وفيات الأعيان)) : في مهل .
(٤) البيتان في ((وفيات الأعيان)) ٣٩٩/٦، و((شذرات الذهب)) ١٠٦/٢، والبيت
الأول في ((تاريخ بغداد)) ١٢٥/٢.
(٥) ذلك لأن عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدَّينوري المتوفى سنة ٢٧٦ هـ قد طول الخطبة
في كتابه ((أدب الكاتب))، وأودعها فوائد جليلة، كما قال ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)»
٤٠٠/٦. وقد سلخ قسماً كبيراً من ((إصلاح المنطق)) دونما إشارة إلى ذلك.
(٦) قال أبو العباس المُبَرِّد: ما رأيت للبغدايينَ كتاباً أحسنَ من كتاب ابن السكيت في
المنطق. وجاء في ((وفيات الأعيان)) ٤٠٠/٦ أن بعض العلماء قال : ما عبر على جسر بغداد
كتاب في اللغة مثل ((إصلاح المنطق)). وقد طبع في مصر سنة ١٩٤٩ وقد رتبه العلامة العكبري
على نسق حروف المعجم، وأسماه ((المشوف المعلم)) ولما يطبع بعد .
* الجرح والتعديل ٣ / ٢٢٣، تاريخ بغداد ٨ / ١٦٠، ١٦٢، طبقات الحنابلة.
١ / ١٥٠، تهذيب الكمال: ٣٤٣، تذهيب التهذيب ١ / ١٨٠ / ٢،١، تذكرة الحفاظ
٢ / ٥٥٠، ٥٥١، العبر ١/٢، البداية والنهاية ١١ / ١٠، تهذيب التهذيب -
١٩

الأزديُّ النَّسائي، صاحبُ كتاب ((الترغيب والترهيب))، وكتاب
(( الأموال )» وغير ذلك.
مولده في حدود سنة ثمانين ومئة .
سمع النَّضْرَ بن شُمیل ، وجعفر بن عون ، ویزید بن هارون ، وسعيد
ابن عامر الضُّبَعِيَّ، ووهبَ بن جرير، ومحمد بن يوسف الفِرْيابِيَّ، وَرَوْحَ
ابن أسلم، ومؤمَّل بن إسماعيل ، وعُبيد الله بن موسى ، وعبدَ اللّه بن صالح
الكاتب ، وخلقاً كثيراً .
حدث عنه : أبو داود ، والنَّسائي في كتابيهما ، وإِبراهيمُ الحربي ،
ومحمدُ بن إسماعيل البخاريُّ ، ومسلمٌ ، ولكن ما وقع له شيءٌ في
(((صحيحيهما))، وأبو العباس السَّرَّاج ، وابنُ صاعد ، ومحمدُ بن جرير ،
ومحمدُ بن خُرَيم المُرِّي ، وعبدُ اللّه بن عَتَّاب بن الزِّفْتِيُّ (١)، ومحمدُ بن
أحمد بن عبد الجبار الرَّيَّاني ، وآخرون .
وكان أحدَ الأئمةِ المُجَوِّدين .
قال النسائي : ثقة(٢).
وقال أبو حاتم البُسْتِيُّ : هو الذي أظهر السنة بنّسَا .
= ٣ / ٤٨، ٤٩، طبقات الحفاظ: ٢٤٥، خلاصة تذهيب الكمال : ٩٥، معجم البلدان
٥ / ٢٨٢، المعجم المشتمل: ١١١، شذرات الذهب ٢ / ١٢٤ .
(١) بكسر الزاي ، وسكون الفاء، وفي آخرها مثناة من فوق: نسبة إلى الزُّفت. والزِّفْت
والزُّفْت لغتان. وعبد الله بن عتاب هذا دمشقي مترجم في ((الأنساب)) للسمعاني ٢٩٠/٦.
(٢) وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل) ٢٢٣/٣: سئل أبي عنه ،
فقال: صدوق. وفي ((تاريخ بغداد)) ١٦١/٨ عن أحمد بن سيار، قال : كان حسن الفقه ،
قد كتب الحديث . وقال الخطيب البغدادي : كان ثقة ثبتاً حجة .
٢٠