Indexed OCR Text
Pages 361-380
الكريم الشافعي في كتابه مِن مروَ، قال: أخبرنا سعيد بن حسين الرِّيونْدِي سنة أربع وأربعين وخمس مئة، أخبرنا الفضلُ بن المحبِّ ، وأخبرنا أحمد عن عبد الرحيم ، أخبرنا هبة الرحمان بن عبد الواحد، أخبرنا جَدِّي أبو القاسم القُشَيري، قالا: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد القَنْطِي، أخبرنا محمد ابن إسحاق السَّرَّاج ، حدثنا إسحاقُ بن إبراهيم،، حدثنا المُعْتَمِرُ ، سمعتُ أبي يُحدث عن أبي مِجْلَز، عن أنس، رضي الله عنه، قال: ((قَنَتَ رَسولُ الله، وَ﴾، شَهْرَاً بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوان، ويقول: عُصيّةُ عَصَتِ الله وَرَسُولَهُ)). أخرجه مسلم(١) عن إسحاق ، فوافقناه بعلو درجة. أخبرنا عبد الله بن يحيى المُفيد في كتابه ، أخبرنا إبراهيمُ بن بركات ، أخبرنا عليُّ بن الحسن الحافظ ، أخبرنا أبو القاسم النسيب ، أخبرنا أبو بكر الخطيب ، أخبرنا عليُّ بن أحمد الرَّزاز، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحكم ، حدثنا أحمد بن علي الأَبَّار، حدثنا الوليدُ بن شُجاع، حدثني بقيةُ ، عن إسحاق بن راهويه ، أخبرنا المعتَمِرُ ، عن ابن فَضَاء ، عن أبيه ، عن علقمة ابن عبد الله، عن أبيه، قال: ((نَهَى رَسُولُ الله، وَهِ، عَنْ كَسْرِ سِكَّةٍ المُسْلِمِين الجائِزَةِ بَيْنَهُم))(٢) أخبرنا أحمد بن هبة الله ، عن زينب بنت عبد الرحمن ،أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم سنة إحدى وثلاثين وخمس مئة، أخبرنا عبد الغافر بن (١) رقم (٦٧٧) (٢٩٩) في المساجد : باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة . (٢) إسناده ضعيف لضعف محمد بن فضاء وجهالة أبيه، وأخرجه أحمد في ((المسند)) ٤١٩/٣، وأبو داود (٣٤٤٩)، وابن ماجة (٢٢٦٣) كلهم من طريق المعتمر بن سليمان ، عن محمد بن فضاء ، عن أبيه ، عن علقمة بن عبد الله ،عن أبيه ،عبد الله المزني ، رضي الله عنه . والسِّكَّة : أراد بها الدراهم والدنانير المضروبة . والجائزة بينهم ، أي : النافعة في معاملاتهم . ٣٦١ محمد الفارسي سنة ثمان وأربعين وأربع مئة ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني سنة اثنتين وسبعين وثلاث مئة، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين الماسرْچِسِيُّ ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، أخبرنا عیسی بن یونس، عن الأعمش، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله، وَلَه، قاعداً تحت نخلة، فهاجَتْ ريحٌ، فقام فَزِعاً. فقيل له ، فقال: ((إنِّي تَخَوَّقْتُ السَّاعَةَ))(١) إِسناده ثقات لكن الأعمش مدلِّس مع أنه قد رأى أنس بن مالك ، وحکی عنه . أخبرنا أبو المعالي الأَبْقُوهِي ، أخبرنا أبو الفرج بن عبد السلام ، أخبرنا أبو الفضل الأرْمَوي ، وأبو غالب بن الداية ، وأبو عبد الله الطرائفي ، أخبرنا محمد بن أحمد، أخبرنا عبيد الله الزهري، أخبرنا جعفر الفِریابي، حدثنا إسحاق بن راهويه ، أخبرنا النضر بن شُمَيل ، أخبرنا أبو مَعْشر ، عن سعيد هُو المَقْبُري، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ََّ، قال: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنافِقٌ: إذا حَدَّثَ كَذَّبَ ، وَإِذا وَعَدَ أُخْلَفَ، وَإِذا ائْتُمِن خَانَ )) قال رَجُلٌ : يا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَت اثْنَتَانٍ، وَبَقِيَتَ واحِدَةٌ؟ قال: ((فإنَّ عَلَيْهِ شُعْبَةً مِنْ نِفاقٍ ، ما بَقِيَ فيهِ مِنْهُنَّ شَيْءٌ))(٢) . هذا حديث حسن الإِسناد ، وأبو معشر نجيح السِّندي صدوق في نفسه ، وما هو بالحجة . و [أُمَّ ] المتن ، فقد رواه جماعة عن أبي هريرة . (١) رجاله ثقات ، كما قال المؤلف ، لكن الأعمش لم يسمع من أنس، وإن كان رآه . (٢) أخرجه الفريابي في ((صفة النفاق وذم المنافقين )) الصفحة: ٤٨، ٤٩ عام ، أو: ١، ٢ خاص. وأبو معشر، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السُّنْدِي ، ضعيف . لكن الحديث ثابت عن أبي هريرة من غير طريقه ، فقد أخرجه البخاري ٨٣/١، ٨٤ في الإِيمان : باب علامات المنافق ، من طريق أبي الربيع، سليمان بن داود العتكي ، ومسلم ( ٥٩) في الإِيمان : باب خصال المنافق ، من طريق يحيى بن أيوب ، كلاهماعن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني ، عن نافع بن مالك بن أبي عامر ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . ٣٦٢ وفيه دليل على أن النفاق يتبعَّض ويتشَّعب ، كما أن الإِيمان ذو شُعَب ويزيد ويَنْقُصُ ، فالكامل الإِيمان من اتّصف بفعل الخيرات، وترك المنكرات وله قُرَب ماحية لذنوبه ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وجِلَتْ قلوبُهم﴾ [الأنفال: ٢] إلى قوله: ﴿أُوْلِئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنون حَقاً﴾ [الأنفال: ٤] وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى قوله : ﴿أُوْلِئِكَ هُمُ الوارِثُونَ الَّذِينِ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠ و١١] ودون هؤلاء خلقٌ من المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً ، ودُونهم عُصاة المسلمين ، ففيهم إيمانٌ ينجون به مِن خلود عذاب الله تعالى وبالشفاعة . ألا تسمَعُ إلى الحديث المتواتر (( أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنَ إيمانٍ))(١) وكذلك شُعَبُ النفاق مِن الكذب والخيانة والفجور والغَدر والرِّياء، وطلب العلمِ ليُقال، وحُبِّ الرئاسة والمشيخة، ومُوادّة الفجار والنصارى. فمن ارتكبها كُلُّها، وكان في قلبه غِل النبيّ ◌َِّه، أو حَرَج من قضاياه ، أو يصوم رمضان غيرَ محتسب ، أو يُجَوِّز أنَّ دينَ النصارى أو اليهود دينٌّ مليح ، ويميل إليهم . فهذا لا تَرْتَبْ في أنه كاملُ النفاق ، وأنه في الدَّرك الأسفل من النار، وصفاتُه الممقوتة عديدةٌ في الكتاب والسنة مِن قيامه إلى الصلاة كسلان ، وأدائِه الزكاة وهو كاره ، وإنْ عامل الناس فبالمكر والخديعة ، قد اتَّخَذَ إسلامه جُنَّةً، نعوذُ بالله من النفاق ، فقد خافه سادةُ الصحابة على نفوسهم . فإنْ كان فيه شُعبة مِن نفاق الأعمال ، فلهُ قسط من المقت حتى يدعها ، ويتوبَ منها ، أما من كان في قلبه شكَّ من الإِيمان بالله ورسوله ، (١) أخرجه من حديث أنس ، البخاري ٩٥/١، ٩٦ في الإِيمان : باب زيادة الإِيمان ونقصانه ، و٣٩٥/١٣ في التوحيد : باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم ، ومسلم (١٩٣) (٣٢٥) و(٣٢٦) في الإِيمان : باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها . ٣٦٣ فهذا ليس بُمسلم وهو من أصحاب النار ؛ كما أن من في قلبه جزم بالإِيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه وبالمعاد ، وإن اقتحم الكبائر ، فإنه ليس بكافر ، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] وهذه مسألة كبيرة جليلة، قد صنَّف فيها العلماءُ كتباً، وجمع فيها الإِمام أبو العباس(١) شيخنا مجلداً حافلاً قد اختصرته . نسألُ الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا حتی نُوافِيه به . قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي، سمعت إسحاق بن راهويه يحدث عن عيسى بن يونس ، قال : لو أردتُ أبا بكر بن أبي مريم على أن يجمع لي فلاناً وفلاناً لفّعَلَ ، يعني : يقول : عن راشد بن سعد ، وحبيب ابن عُبيد، وضمرة ، ثم قال عبد الله : ما روى أبي عن إسحاق سوى هذا . قال موسى بنُ هارون : قلتُ لإِسحاق : من أكبرُ أنتَ أو أحمد بن حنبل ؟ قال : هو أكبرُ مني في السن وغيره . ثم قال موسى : كان مولدُ إسحاق سنة ست وستين ومئة فيما يرى موسى . قلت : قد قدَّمنا أن مولده قبل هذا بمُدة ، فموسى لم يُحرِّر ذلك . قال محمد بن رافع : قال لي إسحاق : كتب عني يحيى بنُ آدم ألفي حدیث . قال حاشد بن إسماعيل : سمعتُ وهبَ بن جرير ، يقول : جزى الله إسحاق بن راهويه، وَصَدَقَةَ بنَ الفضل ، ويَعْمَر عن الإِسلام خيراً، أحيوا السُّنةَ بالمشرِق . (١) يقصد ابن تيمية، وكتابه الذي أشار إليه هو ((منهاج السُّنَّة))، ومختصره الذي اختصره المؤلف أسماه: ((المنتقى من منهاج الاعتدال)). وقد طبع بتحقيق محب الدين الخطيب . ٣٦٤ قلتُ : يعمر : هو ابن بشر . قال أبو حاتم البُستي في مقدمة كتاب ((الضعفاء))(١): أخبرنا محمد بن عمر بن محمد الهَمَذاني ، حدثنا أبو يحيى المُستملي ، حدثنا أبو جعفر الجَوْزَجاني ، حدثني أبو عبد الله البصري ، قال : أتيتُ إسحاق بنراهويه، فسألتُهُ شيئاً ، فقال : صنع الله لك . قلت : لم أسألك صُنع الله ، إنما سألتك صَدَقَة ، فقال: لَطَفَ الله لك، قلت : لم أسألك لُطَف الله ، إنما سألتُّك صدقة . فغضب وقال : الصدقة لا تَحِلُّ لك . قلت : ولِمَ؟ قال: لأن جريراً حدثنا عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال رسول الله، وَ﴿: ((لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ، ولَ لِذِي مِرَّة سَوِيّ))(٢) فقلت : تَرَفَّقْ ، يرحمك الله ، فمعي حديث في كراهية العمل . قال إسحاق : وما هو؟ قلتُ : حدثني أبو عبد الله الصادقُ الناطْق ، عن أفشين ، عن إيتاخ ، عن سِيماء الصغير، عن عُجيف بن عنبسة ، عن زُغْلُمُج بن أمير المؤمنين ، أنه قال : العمل شؤم ، وتركه خير ، تقعد تَمَنَّى خيرٌ من أن تعمل تعنى(٣) . فضحك إسحاق ، وذهب غضبه . وقال : زدنا. فقلت : وحدثنا (١) انظر ((الضعفاء)) لأبي حاتم ٧٨/١ وقد جاء فيه الخبر مصحفاً، فيصحح من هنا . (٢) أخرجه الترمذي (٦٥٢) في الزكاة : باب ما جاء في من لا تحل له الصدقة ، والطيالسي ١٧٧/١، وأبو داود (١٦٣٤) في الزكاة: باب مَن يُعطَى من الصدقة ، وحد الغنى ، وعبد الرزاق (٧١٥٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم، قال : «لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مِرَّةٍ سوي ))، وسنده قوي . وله شاهد من حديث أبي هريرة عند النسائي ٩٩/٥، وابن ماجة (١٨٣٩)، ولا بأس في سنده في الشواهد. والمِرَّة : القوة ، وأصلها من شِدَّة فتل الحبل ، يقال : أمررت الحبل ، إذا أحكمت فتله . والسوي : الصحيح الأعضاء ، الذي ليس به عاهة . (٣) في ((المجروحين والضعفاء)) لأبي حاتم البستي ٨٧/١: ((قال إسحاق: وما هو؟ قلت : حدثني ابن عبد الله الصادق الناطق ، عن أقتبير ، عن بتناخ ، عن سيماء الصغير ، عن عجيف بن عنبسة ، عن زعلمج بن أمير المؤمنين أنه قال : العمل شؤم ، وتركه خير، تقعد تهنى خير من أن تعمل تقنى )) . ٣٦٥ : الصادق الناطق بإسناده عن عُجيف ، قال : قعد زغْلُمُج في جلسائه ، فقال : أخبروني بأعقل الناس ، فأخبر كُلُّ واحد بما عنده ، فقال : لم تُصيبوا . بل أعقل الناس الذي لا يعمل ، لأن من العمل [يجيء](١) التعب ، ومن التعب يجيء المرضُ ، ومن المرض يجيء الموتُ ، ومن عمل ، فقد أعان على نفسه. والله يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فقال: زدنا من حديثك . فقال: وحدثني [أبو عبد الله](٢) الصادق الناطق بإسناده عن زُغْلُمُج ، قال : من أطعم أخاه شِواءً(٣) ، غفر الله له عدد النوى ، ومن أطعم أخاه هريسة ، غفر له مثل الكنيسة ، ومن أطعم أخاه جنب (٤)، غفر الله له كل ذنب . فضحك إسحاق ، وأمر له بدرهمين ورغيفين . أوردها ابن حبان ، ولم يُضعفها . قال أحمد بن سلمة : سمعتُ إسحاق يقول : قال لي الأميرُ عبدُ الله بن طاهر : لمَ قيل لك : ابن راهَوَيْه ؟ وما معنى هذا ؟ وهل تكره أن يُقال لك ذلك ؟ قال : اعلم أيها الأميرُ أن أبي وُلد في طريق مكة ، فقالت المراوزة : راهويه ، لأنه وُلد في الطريق ، وكان أبي يكره هذا . وأما أنا ، فلا أكرهه . قال الحاكم : أخبرني الحسن بن خالد بن محمد الصائغ ، حدثنا نصرُ ابن زكريا ، سمعتُ إسحاق بن إبراهيم ، يقول : سألني يحيى بنُ معين، عن حديث الفضل بن موسى ... ، حديث ابن عباس: ((كان النّبِيُّ، وَلِّر: يَلْحَظُ في الصَّلاةِ، وَلَا يَلْوِي عُنُقَه خَلْفَ ظَهْرِهِ)) (٥). (١) و(٢) الزيادتان من ((الضعفاء)) لابن حبان ٨٧/١ . (٣) في ((الضعفاء)): ((تمرأ)). (٤) كذا الأصل، والوجه ((جنباً)) وحذفت الألف لمراعاة ((ذنب)) والجنب : شق الشاة ، وفي ((الضعفاء)) ٨٨/١: جنباً . (٥) أخرجه أحمد ٢٧٥/١ و٣٠٦، والنسائي ٩/٣ في السهو: باب الرخصة في الالتفات = ٣٦٦ قال : فحدثتُه به ، فقال له رجل : يا أبا زكريا ، رواه وكيع بخلاف هذا . فقال : اسكُت إذا حدثك أبو يعقوب أميرُ المؤمنين فتشكُّ فيه ؟ وعن محمد بن يحيى الصَّفَّار، قال : لو كان الحسن البصريُّ في الأحياء ، لاحتاج إلى إسحاق في أشياء كثيرة . وقال الحاكم : سمعتُ يحيى بن محمد العنبري ، سمعتُ محمد بن أحمد بن بالَوَيه ، سمعتُ إسحاق ، يقول : دخلتُ على ابن طاهر ، وإذا عنده إبراهيمُ بنُ أبي صالح ، فقال له : يا إبراهيم، ما تقولُ في غسيل الثياب ؟ قال : فريضة ، قال : مِن أين تقول ؟ قال من قوله تعالى : ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [ المدثر: ٤] فكأن عبد الله بن طاهر استحسنه . فقلت : أعزَّ الله الأمير ، كذبَ هذا . أخبرنا وكيع ، حدثنا إسرائيل ، عن سماك، عن عكرمة ، عن ابن عباس: ﴿وثيابَكَ فَطَّهِر﴾ قال: قلبَكَ فَنَقِّه(١). وأخبرنا روح ، حدثنا ابن أبي عروبة ، عن قتادة: ﴿وَثِيابِكَ فَطَهِّر ﴾ [ المدثر: ٤] قال : عملَك فَأَصْلِحه . ثم ذكر إسحاق قول ابن عباس: ((مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ، فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (٢). فقال ابن طاهر : يا = في الصلاة ، والترمذي ( ٥٨٧ ) في الصلاة : باب ما ذكر في الالتفات ، من طرق عن الفضل بن موسى ، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس . وهذا إسناد صحيح ، وصححه الحاكم ٢٣٦/١، ووافقه الذهبي المؤلف . (١) اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية ، فقال بعضهم : معنى ذلك : لا تلبس ثيابك على معصية . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أصلح عملك . وقال آخرون : بل معنى ذلك : اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة. انظر ((تفسير الطبري)) ١٤٤/٢٩، ١٤٧. (٢) أخرجه الطبري في ((تفسيره)) ٣٥/١ من طريق محمد بن حميد، عن الحكم بن بشير ، عن عمرو بن قيس المُلائي ، عن عبد الأعلى بن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . ومحمد ابن حميد ضعيف، وكذا عبد الأعلى وهو ابن عامر التغلبي . وقد رواه ابن جرير ٣٤/١، = ٣٦٧ إبراهيم ، إياك أن تَنطِق في القرآن بغير علم . قال قائل : ما دلّت الآية على واحد من الأقوال المذكورة ، بل هي نصّ في غسل النجاسة من الثوب ، فَنَعُوذ بالله من تحريف كتابه . قال الحاكم : حدثنا أبو زكريا العنبريُّ ، حدثنا أحمد بن سلمة ، سمعتُ إسحاق ، يقول : قال لي عبد الله بن طاهر : بلغني أنك شربتَ البَلَاذُر(١) للحفظ ؟ قلتُ : ما همَمْتُ بذلك، ولكن أخبرني معتمِر بن سليمان ، قال : أخبرناعثمان بن ساج ، عن خُصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : خذ مثقالاً من كَنْدَر، ومثقالاً من سكر ، فدقَّهما ثم اقتحِمْهما على الريق ، فإنه جيد للنسيان والبول . فدعا عبد الله بقرطاس فكتبه . وسمعتُ العنبريَّ ، سمعت أبي ، سمعت عبد الله بن محمد الفراء قال : دخلت على يحيى بن يحيى ، فسألته عن إسحاق ، فقال : لَيومٌ من إسحاق أحبُّ إلي من عمري . وقال محمد بن عبد الوهّاب الفراء : رحم الله إسحاق ، ما كان أفقَهه وأعلَمه . = والترمذي (٢٩٥١)، وأحمد في ((المسند)) (٢٠٦٩)، كلهم من طريق عبد الأعلى ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ، عن النبي، وَّر، وقد قال الإِمام أحمد في عبد الأعلى هذا : ضعيف الحديث ، ربما رفع الحديث ، وربما وقفه . وقال أبو حاتم : ليس بالقوي . وقال النسائي : ليس بالقوي ويكتب حديثه . وقال ابن عدي®. يحدث بأشياء لا يتابع عليها . وقال ابن سعد : كان ضعيفاً في الحديث . وقال ابن معين : ليس بذاك القوي، وتحسين الترمذي لحديثه هذا من تساهله . وأخرجه أيضاً ابن جرير ٣٥/١ موقوفاً ، عن ابن عباس ، من طريق محمد بن حميد ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن ليث بن أبي سليم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس . وسنده ضعيف لضعف محمد بن حميد وليث بن أبي سليم . (١) البَلاذُر : هو ثمرةُ شجرةٍ ، في داخله شيء شبيه بالدم ، وهذا هو المستعمل منه . جيد لفساد الذهن، وجميع الأعراض الحادثة في الدماغ من البرودة والرطوبة ((المعتمد في الأدوية المفردة)» : ٣١ . ٣٦٨ قال داود بن الحُسين البَيْهَقِيُّ : سمعتُ إسحاق الحنظلي ، وسُئِلَ عن الجماعة : أفريضةٌ هي ؟ قال: نعم(١). عبدُ الله بن أبيِّ الخوارزميُّ : سمعتُ إسحاق الحنظلي ، يقول : أخرجتْ خُراسان ثلاثة لا نَظِيرَلهم في البدعة والكذب : جهم ، وعمربن صُبيح ، ومقاتِل . محمد بن صالح بن هانىء : سمعتُ إبراهيم بن محمد الصيدلاني ، يقول : كنتُ في مجلس إسحاق ، فسأله سَلَمة بن شَبِيب عمن يُحدث بالأجر؟ قال : لَا تَكتبْ عنه . أخبرناحَكّام بن سَلْم ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، قال : مكتوبٌ في الكتب : عَلِّمْ مَجَّاناً كما عُلِّمت مجاناً . بخط أبي عمرو المستملي : سمعتُ أبا أحمد محمد بن عبد الوهّاب ، سمعتُ إسحاق بن إبراهيم، وسُئِلَ عن رجل ترك ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، فقال: من ترك ((ب))، أوْ (س)) أو ((م)) منها، فصلاتُه فاسدة ، لأن الحمدَ سبعُ آيات . وقال ابنُ المبارك : من تركها ،فقد ترك مئة وثلاث عشرة آية من کِتاب الله تعالى . قال الحاكم : إسحاقُ بن راهويه إمامُ عصره في الحفظ والفتوى ، سكن نَيْسَابور ، ومات بها . وقيل : إن أصله مَرْوَزي ، خرج إلى العراق في (١) وقد ذهب إلى فرضيتها عيناً في جميع الصلوات عطاء ، والأوزاعي ، والحنابلة ، وأبو ثور، وابن خزيمة ، وابن حبان، وداود، وأهل الظاهر. ونقل الطحطاوي في ((حاشيته)) على ((مراقي الفلاح))، الصفحة: ١٨٧، عن صاحب ((البدائع))، أن عامة مشايخ الحنفية على وجوب صلاة الجماعة، وبه جزم في ((التحفة)) وغيرها . وذكر عن جامع الفقه أنه أعدل الأقوال وأقواها. وقد استوفى الإمام ابن القيم أدلة الفرضية في كتابه النفيس: ((الصلاة))، فراجعه . ٣٦٩ سير ٢٤/١١ سنة أربع وثمانين ، وهو ابنُ ثلاث وعشرين سنة . قال محمد بن نعيم : سمعتُ إسحاق الحنظلي ، يقول : أُدْخُلُ الحمامَ ، وأنا شيخ ، وأُخْرُج وأنا شاب . قال الحاكم : أضحابُ إسحاق عندنا على ثلاث طبقات : فالأولى محمد بن يحيى ، وإبراهيمُ بن عبد الله السَّعدي ، ومحمد بن عبد الوهّاب العبدي ، وأحمد بن يوسف السُّلمي، وإسحاق بن إبراهيم العَفْصِي ، وعلي ابن الحسن الدَّارْبْجِرْدِي. وحامد بن أبي حامد المقرىء ، وخُشنام بن الصديق ، وعبد الله بن محمد الفراء ، ويحيى بن الذُّهلي . الطبقة الثانية : مسلم بن الحجّاج ، وسرد جماعة . الطابقة الثالثة : خاتمتهم أبو العباس السَّرَّاج . قال حَرب الكرماني : قلتُ لإِسحاق: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّ هُوَ رابِعُهُمْ ﴾ [ المجادلة: ٧ ] كيف تقول فيه ؟ قال : حيثما كنتَ ، فهو أقربُ إليك من حبل الوريد ، وهو بائن من خلقه ، وأبينُ شيء في ذلك قوله : الرَّحْمْن ◌َعَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. وقال أبوبكر المُّوذي ، حدثنا محمد بن الصَّبَّاح النيسابوري ، حدثنا أبوداود سليمان بن داود الخَفَّف ، قال : قال إسحاق بن راهويه : إجماع أهل العلم أنه تعالى على العرش استوى ، ويعلَمُ كُلَّ شيء في أسفل الأرض السابعة . قال نُعيم بن حماد : إذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق بن راهويه ، فاتهمه في دينه . وقال أحمد بن حفص السعدي ، شيخ ابن عدي : سمعت أحمد بن . ٣٧٠ ٠ حنبل ، يقول : لم يَعْبُرِ الجسر إلى خُراسان مثل إسحاق ، وإن كان يُخالفنا في أشياء ، فإن الناس لم يزل يُخالِفُ بعضُهم بعضاً (١). وقال محمد بن أسلم الطّوسي ، حين مات إسحاق : ما أعلمُ أحداً كان أخشى لله من إسحاق ، يقولُ الله تعالى: ﴿إنما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَماءُ﴾ (٢) [فاطر: ٢٨]. قال: وكان أعلمَ الناس . ولو كان سفيانُ الثوري في الحياة ، لاحتاج إلى إسحاق . وقال أحمد بن سعيد الرِّباطي: لو كان الثوري والحمَّادان في الحياة ، لاحتاجُوا إلى إسحاق في أشياء كثيرة . قال أبو محمد الدارمي : ساد إسحاق أهلَ المشرق والمغرب بصِدقه . قال محمد بن إسحاق السراج : أنشد رجل على قبر إسحاق ، فقال : (١) وهكذا يكون عظماء الرجال في اتساع صدورهم ، وتقدير جهود غيرهم ، والإِشادة بفضلهم . فان اختلاف الأئمة المجتهدين في فهم نصوص الكتاب والسنة وما تدل عليه ظاهرة طبيعية في شريعة الإِسلام ، لأن أكثر نصوصه ظنية الدلالة ، وهذا الاختلاف مما أراده الله تعالى ورضيه ، فهو رحمة وتوسعة ومجال للتنافس والإبداع. ولقد كان من أثره هذا التراث الضخم الذي تحفل به المكاتب الإِسلامية من المؤلفات المتنوعة . واختلافهم في القرآن إنما هو في بعض ما استنبط منه من أحكام نتيجة للخلاف في فهمه ، لخفاءٍ في دلالته بسبب من الأسباب ، كالاشتراك في لفظه ، والتخصيص في عامه ، أو التقييد في مطلقه ، أو ورود نسخ عليه ، أو غير ذلك من الأسباب المبينة في مظانها . واختلافهم في السنة لا يقتصر على اختلافهم فيما تدل عليه الأحاديث وما يراد منها ، كما هو الحال في آي القرآن ، بل يتجاوز ذلك ، فيختلفون في الحكم على الحديث صحة وضعفاً ، فيرى بعضهم صحيحاً ما يراه الآخر ضعيفاً ، إلى غير ذلك من أسباب الاختلاف الكثيرة التي بينها العلماء في مؤلفاتهم . وأما الآيات التي وردت في ذم الخلاف ، والنهي عنه ، والتحذير منه ، فالمراد منه الخلاف المذموم الذي ينجم عنه التعصب والحقد وطعن الخصم في عرضه ودينه والافتئات عليه بما هو منه بريء . (٢) قال ابن كثير في تفسير هذه الآية : أي إنما يخشاه حق خشيته العلماءُ العارفون به ، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوفِ بصفات الكمال ، المنْعُوت بالأسماء. الحسنى ، كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل ، كانت الخشية له أعظم وأكثر)). انظر . تفسير الآية بتوسع في ((تفسير ابن كثير والبغوي» ٦٠/٧ . ٣٧١ بإسْقائِهِ قَبْراً وَفي لَحْدِهِ بَحْرُ(١) وَكَيْفِ احْتِمالي للسّحابِ صنیعَهُ قال السُّرَّاج : أخبرني عبد الله بن محمد ، سمعتُ أبا عبد الله البخاري ، يقول : قال علي بن حُجر : لم يُخَلَّفْ إسحاق يومَ فارق مثله بخراسان علماً وفقهاً . بَيَّض الله وَجْهَهُ وَوَقَاهُ فَزَعاً يَوْمَ القَمْطَرِيرٍ وَهَوْلَه وَأَثَابَ الفِرْدَوْسَ مَنْ قال آمِينِ وَأَعْطاه يَوْمَ يَلْقَاهُ سُؤْلَه(٢) قال أبو نُعيم الحافظ : كان إسحاقُ قرينَ أحمد ، وكان للآثار مُثيراً ، ولأهل الزيغ مُبيراً(٣) . قال حنبل : سمعتُ أبا عبد الله ، وسُئل عن إسحاق بن راهويه ، فقال : مِثلُ إسحاق يُسأل عنه ؟! إسحاق عندنا إمام . وعن الإِمام أحمد أيضاً ، قال : لا أَعْرِفُ لإِسحاق في الدنيا نظيراً . قال النَّسائِيُّ: ابن راهويه أحدُ الأئمة ، ثقة مأمون . سمعتُ سعيد ابن ذؤيب ، يقول : ما أعلمُ على وجه الأرض مثلَ إسحاق .. وقال إمامُ الأئمة ابن خُزيمة : والله لو كان إسحاقُ في التابعين ، لأقُّوا له بحفظه وعلمه وفقهه . علي بن خَشرم : حدثنا ابن فضل ، عن ابن شُبْرُمَة ، عن الشعبي ، (١) أورد البيت أبو نعيم في ((الحلية)) ٢٣٤/٩. (٢) البيتان في ((حلية الأولياء)) ٢٣٤/٩. (٣) أي مهلكاً. ومنه الحديث المخرج في مسلم: ((يخرج من ثقيف كذاب ومبير)). ٣٧٢ قال : ما كتبتُ سوداءَ في بيضاء إلى يومي هذا ، ولا حدثني رجل بحديث قطّ إلا حفظتُه . قال علي : فحدَّثْتُ بهذا إسحاق بن راهويه ، فقال : تعجّبُ من هذا؟ قلت: نعم . قال : ما كنت أسمع شيئاً إلا حَفِظْتُه، وكأني أنظر إلى سبعين ألف حديث - أو قال : أكثر - في كتبي . قال أبو داود الخَفَّاف : سمعتُ إسحاق بن راهويه ، يقول : لكأني أنظر إلى مئة ألف حديث في كتبي ، وثلاثين ألفاً أَسْرُدُها . قال: وأَمْلَى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديثٍ من حفظه ، ثم قرأها علينا ، فما زاد حرفاً ، ولا نقص حرفاً . هذه الحكاية رواها الحافظ ابن عدي ، عن يحيى بن زكريا بن حَيَّوَيه ، سمع أبا داود فذكرها . فهذا والله الحفظ . وعن إسحاق بن راهويه ، قال : ما سمعتُ شيئاً إلا وحفظتُه ، ولا حفظتُ شيئاً قطُّ فنسيتُه . أبو يزيد محمد بن يحيى : سمعت إسحاق ، يقول : أحفظُ سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي . وقال أحمد بن سلمة : سمعت أبا حاتم الرازي ، يقول : ذكرتُ لأبي زُرعة حِفْظَ إسحاق بن راهويه ، فقال أبو زرعة : ما رُئي أحفظ من إسحاق ، ثم قال أبو حاتم : والعجب من إتقانه ، وسلامته مِن الغلط مع ما رُزِقَ من الحفظ . فقلت لأبي حاتم : إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه . قال : وهذا أعجب ، فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهونُ من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها . وقال إبراهيم بن أبي طالب الحافظ : فاتني عن إسحاق مجلسٌ مِن. مُسنده ، وكان يُمِلُّه حفظاً ، فترددتُ إليه مِراراً ليُعيده ، فتعذّر فقصدته يوماً ٣٧٣ لأسأله إعادته ، وقد حمَلْتُ إليه حنطة من الرُّستاق، فقال لي : تقومُ عندي وتكتبُ وزن هذه الحنطة ، فإذا فرغْتَ ، أعدتُ لك . ففعلتُ ذلك ، فسألني :عن أول حديث من المجلس ، ثم اتكأ على عُضادة الباب ، فأعاد المجلس حفظاً. وكان قد أملى ((المسند)) كُلَّه حفظاً. قال البرقاني : قرأنا على أبي بكر أحمد بن إبراهيم الخوارزمي بها ، حدثكم عبد الله بن أبيِّ القاضي ، سمعتُ إسحاق بن راهويه ، يقول : تاب رجل من الزندقة ، وكان يبكي ، ويقول : كيف تُقبَل توبتي ، وقد زَوَّرْتُ أربعة آلاف حديث تدور في أيدي الناس ؟ قال أبو عبد الله بن الأخرم : سمعتُ محمد بن إسحاق بن راهويه ، يقول : دخلت على أحمد بن حنبل ، فقال : أَنْتَ ابنُ أبي يعقوب ؟ قلتُ: بلى . قال : أما إنَّك لولزمته، كان أكثرَ لفائدتك، فإنك لم تَرَ مثلَه . قال قتيبةُ بنُ سعيد : الحفاظ بخراسان : إسحاق بن راهويه ، ثم عبد الله الدارمي ، ثم محمد بن إسماعيل . وقال أحمد بن يوسف السُّلَمي : سمعتُ يحيى بن يحيى ، يقول : قالت لي امرأتي : كيف تُقدِّم إسحاق بين يديك ، وأنت أكبرُ منه ؟ قلت : إسحاق أكثرُ علماً مني ، وأنا أسنُّ منه . قال عبد الله بن أحمد بن شَبُّويه : سمعتُ أحمد بن حنبل ، يقول : إسحاقُ لم تلق مثله . وعن فضل بن عبد الله الحِمْيَري ، قال : سألتُ أحمد بن حنبل عن إسحاق ، فقال : لم نر مثله ، والحُسين بن عيسى البسطامي فَقيه ، وأما إسماعيل بن سعيد الشالِنْجي ، ففقيه عالم ، وأما أبو عبد الله العطار ، ٣٧٤ فبصير بالعربية والنحو ، وأما محمد بن أسلم ، فلو أمْكَنَني زيارته لزرتُه . قال أحمد بن سلمة : قلتُ لأبي حاتم : أَقْبلتَ على قول أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ؟ فقال: لا أعلمُ في دهر ولا عصر مثلَ هذين الرجلينِ . قال داود بن الحُسين البيهقي : سمعت إسحاق الحنظلي ، يقول : دخلتُ على عبد الله بن طاهر الأمير ، وفي كُمِّي تمر آكُلُه ، فنظر إليَّ ، وقال : يا أبا يعقوب ، إن لم يكن تَرْكُكَ للرياء من الرياء ، فما في الدنيا أقلّ رياء منك . وهذه أبيات لأحمد بن سعيد الرِّباطي : قُرْبِي إلى الله دَعَاني إلى حبِّ أبي يَعْقُوبَ إِسْحاقٍ لَمْ يَجْعَلِ القُرآنَ خَلْقاً كَمَا قَدْ قَالَهُ زِنديقُ فُسَّاقِ يا حُجَّةَ الله على خَلْقِه فِي سُنَّةِ المَاضِينَ لِلبَاقِي أَبُوكَ إبراهيمُ مَحْضُ النُّقى سَبَّقُ مَجْدٍ وابنُ سَبَّاقِ(١) قال أحمد بن كامل : أخبرنا أبو يحيى الشعراني ، أن إسحاق توفي سنة ثمان وثلاثين ، وأنه رحمه الله ، كان يَخضِب بالحِناء . وقال : ما رأيتُ بيده كتاباً قطُّ ، وما كان يحدث إلا حفظاً. وقال : كنتُ إذا ذاكرتُ إسحاق العلم ، وجدتُه فيه بحراً فَرْداً . فإذا جئت إلى أمر الدنيا رأيتُه لا رأي له . قلتُ : قد كان مع حفظه إماماً في التفسير ، رأساً في الفقه ، من أئمة الاجتهاد . (١) الأبيات في ((حلية الأولياء)) ٢٣٤/٩، وفي ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٨٧/٢، ٨٨ . ٣٧٥ قال أحمد بن سلمة : سمعت إسحاق الحنظلي ، رضي الله عنه ، يقول : ليس بين أهلِ العلم اختلافٌ أن القرآن كلامُ الله ليس بمخلوق ، وكيف يكون شيء خرج من الرب ، عز وجل ، مخلوقاً ؟! قال أبو العباس السَّراج : سمعتُ إسحاق الحنظلي ، يقول : دخلتُ على طاهر بن عبد الله بن طاهر ، وعنده منصور بن طلحة ، فقال لي منصور : يا أبا يعقوب ، تقول : إن الله ينزِلُ كل ليلة ؟ قلتُ : نُؤْمنُ به. إذا أنت لا تؤمن أن لك في السماء رباً ، لا تحتاج أن تسألني عن هذا . فقال له طاهر الأمير : ألم أنْهك عن هذا الشيخ ؟ قال أبو داود السِّجستاني : سمعتُ ابن راهويه ، يقول : من قال : لا أقول مخلوق ، ولا غير مخلوق ، فهو جَهمي . وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين ، قال له : كفرتُ برب ینزل مِن سماءٍ إلى سماء . فقال : آمنتُ برب يفعل ما يشاء . قلتُ: هذه الصفات من الاستواء والإِتيان والنزول ، قد صحَّت بها النصوصُ ، ونقلها الخلفُ عن السلف ، ولم يتعَّرضوا لها برةٍ ولا تأويل ، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقِهم(١) على أنها لا تُشبه نعوت المخلوقين ، وأنَّ الله ليس كمثله شيءً، ولا تَنبغي المناظرة ، ولا التنازع فيها ، فإن في ذلك محاولةً للرد على الله ورسوله ، أو حَوْماً على التكييف أو التعطيل . (١) أي اجتماعهم. يقال: أصفقوا على الأمر، اذا اجتمعوا عليه ، وأصفقوا على الرجل ، كذلك . قال زهير بن أبي سلمى : رأيت بني آل امرىء القيس أصفقوا علينا وقالوا : إننا نحن أكثر وفي حديث عائشة، رضوان الله عليها: ((فأصفقت له نسوان مكة)) ، أي اجتمعوا إليه. ٣٧٦ قال أبو عبد الله الحاكم : إسحاق ، وابنُ المبارك ، ومحمد بن یحیی هؤلاء دَفنوا كتبهم . قلتُ : هذا فعله عِدة من الأئمة ، وهو دالَّ أنهم لا يرون نقل العلم وجادة(١) ، فإن الخط قد يتصحَّفُ على الناقل ، وقد يُمكن أن يُزاد في الخط حرف فَيُغير المعنى ، ونحو ذلك . وأما اليومُ فقد اتسع الخرقُ ، وقلَّ تحصيلُ العلم مِن أفواه الرجال ، بل ومِن الكتب غيرِ المغلوطة ، وبعضُ النقلة للمسائل قد لا يُحسن أن يتهجّى . قال الدُّولابي : قال محمد بن إسحاق بن راهويه : وُلِدَ أبي في سنة ثلاث وستين ومئة . وتوفي ليلةَ نصف شعبان سنة ثمان وثلاثين ومئتين . قال : وفيه يقول الشاعر : يا هدَّةً ما هُدِدْنَا لَيْلَةَ الأَحَدِ فِي نِصْفِ شَعْبانَ لا تُنسى(٢) بَدَ الأَبَدِ وقال أبو عبد الله البخاري : تُوفي ليلة نصف شعبان ، وله سبع وسبعون سنة . ثم قال الخطيب عَقِيَب هذا : فهذا يدل على أن مولده في سنة إحدى وستين ومئة . فائدة لا فائدة فيها، نحکیها لِنُلِیشها. قال أبو عبيد محمد بن علي الآجري صاحب كتاب (( مسائل أبي داود)) - وما علمت أحداً لينه -: سمعتُ أبا داود السِّجستاني ، يقول : إسحاق بن راهويه تغيَّر قبل موته بخمسة أشهر . وسمعتُ منه في تلك الأيام ، فرميت به . قلت : فهذه حكاية منكرة . وفي الجملة فكل أحد يتعلل قبل موته (١) تقدم تعريف الوجادة في الصفحة : ٣٢٩ ت (١). (٢) الأصل ((أبد)) وأسقط الألف لضرورة الشعر، وهو في ((طبقات الشافعية)) ٨٨/٢، وروايته فيه: ((مَدَى الأبد » بالميم . ٣٧٧ غالباً ، ويمرض ، فيبقى أيام مَرضه متغيرَ القوة الحافظة ، ويموت إلى رحمة الله على تغيُّرِهِ ، ثم قبل موته بيسير يختلِطُ ذهنه، ويتلاشى علمه ، فإذا قضى ، زال بالموتِ حفظُه . فكان ماذا؟ أفبمثل هذا يُلَيَّن عالِمٌ قطُّ ؟! كلا ، والله ، ولا سيما مثل هذا الجبل في حفظه وإتقانه . نعم ما علمنا استغربوا مِن حديث ابن راهويه على سَعة علمه سوى حديث واحد ، وهو حديثُه عن سفيان بن عيينة، عن الزُّهري ، عن عُبيد الله ابن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن ميمونة في الفأرة التي وقعت في سَمن،فزاد إسحاقُ في المتن من دون سائر أصحاب سفيان هذه الكلمة (( وإِنْ كانَ ذَائِباً ، فَلا تَقْرَبوه))(١) . ولعلَّ الخطأ فيه مِن بعض المتأخرين ، أو من راويه عن إسحاق . (١) أخرجه البخاري ٥٧٦/٩ في الذبائح والصيد: باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب ، والترمذي (١٧٩٩) في الأطعمة : باب ما جاء في الفأرة تموت في السمن، وأبو داود (٣٨٤١) في الأطعمة: باب في الفأرة تقع في السمن ، والنسائي ١٧٨/٧ من طريق سفيان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، أنه سمع ابن عباس يحدثه عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن، فماتت، فسئل النبي، وَّر، عنها، فقال: ((ألقوها وما حولها، وكلوه)) .. ووقع في ((مسند)) إسحاق بن راهويه، ومن طريقه أخرجه ابن حبان (١٣٦٤)، بلفظ: ((إن كان جامداً، ألقى ما حولها ، وأكله . وإن كان مائعاً، لم يقربه)). وأخرجه بهذا التفصيل عبد الرزاق في ((المصنف)) رقم (٢٧٨)، وأبو داود (٣٨٤٢)، وأحمد ٢٣٢/٢، ٢٣٣، و٢٦٥ و ٤٩٠ من طريق معمر، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة . قال الحافظ في ((الفتح)): اختلف عن معمر فيه ، فأخرجه ابن أبي شيبة ، عن عبد الأعلى بغير تفصيل ، ووقع عند النسائي من رواية أبي القاسم ، عن مالك وصف السمن في الحديث بأنه جامد ، وكذا وقع عند أحمد من رواية الأوزاعي ، عن الزهري ، وكذا عند البيهقي من رواية حجاج بن منهال ، عن ابن عيينة ، وكذا أخرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) عن سفيان . والزيادة التي وقعت في رواية إسحاق بن راهويه ، عن سفيان ، تفرد بها عن سفيان دون حفاظ أصحابه مثل أحمد والحميدي ومسدد وغيرهم، وبينوا غلط معمر فيه على الزهري. ونقل ابن تيمية في ((الفتاوى)) ٤٨٨/٢١: ٥٠٢ أن أهل المعرفة بالحديث متفقون على أن معمراً كثير الغلط على الزهري، وقد توسع في التدليل على ذلك. وقال في قوله: (( ... فلا تقربوه)): هو متروك عند= ٣٧٨ ٠٠ نعم وحديثٌ تفرد به جعفر بن محمد الفِريابي ، قال : حدثنا إسحاق ، حدثنا شَبَابة ، عن الليث ، عن عُقيل ، عن ابن شهاب ، عن أنس ، قال : ((كانَ رَسولُ اللهِ، وَ﴿ه، إذا كانَ فِي سَفَرٍ فَزَالَتِ الشَّمْسُ، صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ))، فهذا منكر، والخطأ فيه من جعفر(١) ، فقد رواه مسلم في ((صحيحه))(٢) عن عمرو الناقد، عن شَبَابة، ولفظه: (( إِذا كانَ في سَفَرٍ وَأَرَادَ الجَمْعَ ، أَخَّرَ الظُهْرَ ، حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنهما )). تابعه الحسن بن محمد الزعفراني ، عن شَبَابَة ، وقد اتفقا عليه في ((الصحيحين))(٣) من حديث عُقيل عن ابن شهاب، عن أنس . ولفظه: (( إِذا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلى أَوَّلِ وَقْتِ العَصْرِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما)) ومع حال إسحاق وبراعته في الحفظ ، يمكن أنَّه لِكونه كان لا يُحدث إلا من حفظه ، جرى عليه الوهمُ في حديثين من سبعين ألف حديث . فلو أخطأ منها في ثلاثين حديثاً لما حطَّ ذلك رُتبتَه عن الاحتجاج به أبداً . بل كون إسحاق تُتُبِّع حديثُه ، فلم يُوجد له خطأ قطُّ سوى حديثين ، يدُل على أنه أحفظ أهل زمانه . = عامة السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة ، فإن جمهورهم يجوزون الاستصباح به ، وكثير منهم يجوز بيعه أو تطهيره، وهذا مخالف لقوله: (( ... فلا تقربوه)). وانظر ((شرح العلل ))٧٢١/٢، ٧٢٣ لابن رجب . (١) وقد رد الحافظ في ((الفتح)) قول من أعل الحديث بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة ، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق ، بأنه ليس ذلك بقادح ، فإنهما إمامان حافظان . وجمع التقدیم جاء من غير وجه ، فأخرجه الشافعي ١١٦/١، ١١٧، وأحمد ٣٦٧/١ عن ابن عباس ، وأخرجه أبو داود ( ١٢٠٨) عن معاذ. انظر ((الفتح)) ٤٨٠/٢ . (٢) رقم (٧٠٣) (٤٧) في صلاة المسافرين: باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر . (٣) البخاري ٤٧٩/٢ في التقصير : باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ، ومسلم ( ٧٠٤ ) . ٣٧٩ قال الحافظ أبو عَمرو المستملي : أخبرني علي بن سَلَمة الكرابيسي - وهو من الصالحين - قال : رأيتُ ليلةَ ماتَ إسحاق الحنظلي ، كأن قمراً ارتفع من الأرض إلى السماءِ من سكة إسحاق ، ثم نزل فسقط في الموضع الذي دُفن فيه إسحاق . قال : ولم أشعر بموته . فلما غدوتُ ، إذا بحفار يحفرُ قبر إسحاق في الموضع الذي رأيتُ القمر وقع فيه . قال الحاكم : حدثنا يحيى بن محمد العنبري ، سمعتُ إبراهيمَ بن أبي طالب ، سألتُ أبا قُدامة عن الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عُبيد ، فقال : أما أفقهُهم فالشافعي ، إلا أنه قليلُ الحديث ، وأما أورعُهم فأحمد ، وأما أحفظُهم فإسحاق ، وأما أعلمهم بلغات العرب ، فأبو عُبيد . قال أبو القاسم البَغَوِيُّ : قال لي موسى بن هارون : قلتُ لإِسحاق بن راهويه : مَن أكبرُ أنت أو أحمد ؟ قال : هو أكبرُ مني في السن وغيره . وكان مولد إسحاق في سنة ست وستين فيما يرى موسى ، قد مرتْ هذه المقالة . وقال عثمان بن جعفر اللبَّان : حدثنا علي بن إسحاق بن راهويه ، قال : وُلد أبي من بطن أمه مثقوبَ الأذنين ، فمضى جدي راهويه إلى الفضل ابن موسى فَسَأَله ، فقال : يكون ابنُك رأساً إما في الخير ، وإما في الشر . هذه الحكاية رواها الخطيب في ((تاريخه)) (١) عن الجوهري ، أخبرنا محمد بن العباس الخزاز ، حدثنا عثمان فذكرها . وهذا إسناد جيد ، وحكاية عجيبة . أخبرنا المُسلَّم بن علَّان إجازةً ، أخبرنا الكِندي ، أخبرنا الشيباني ،أخبرنا الخطيب ، أخبرنا محمد بن الحُسين بن الفضل ، أخبرنا عليُّ بن إبراهيم (١) ٢٩٧/١١ . ٣٨٠ ٠