Indexed OCR Text

Pages 301-320

سمعنا بهذا قط . فإنْ كان ولا بدَّ والكذب ، فعلى غيرنا . فقال : أنت يحيى
ابنُ معين؟ قال : نعم . قال : لم أزل أسمع أن يحى بن معين أحمق ، ما
علمتُ إلا الساعة . كأَنْ ليس في الدنيا يحيى بنُ معين ، وأحمدُ بنُ حنبل
غيرَكما ! ! كتبتُ عن سبعةَ عشر أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين غيركما .
فوضع أحمدُ كُمَّه على وجهه ، وقال : دَعْهُ يقوم ، فقامَ كالمستُهزىء بهما .
هذه الحكاية اشتهرت على ألسنة الجماعة ، وهي باطلة . أظن البلدي
وضعها ، ويعرف بالمعصوب . رواها عنه أيضاً أبو حاتم بن حبان(١) فارتفعت
عنه الجَهالة .
ذكر المَرُّوذِي عن أحمد ، أنه بقي بسامراء ثمانية أيام ، لم يشربْ إلا
أقلَّ من رُبُع سَويق .
أحمد بن بُندار الشَّعار: حدثنا أبو يحيى بنُ الرازي ، سمعتُ علي بنَ
سعيد الرازي ، قال : صرنا مع أحمد بن حنبل إلى باب المُتوكل ، فلما
أدخلوه من باب الخاصَّة ، قال : انصرفوا ، عافاكم الله . فما مرض منا أحدٌ
بعد ذلك اليوم .
الكُدَيْمي : حدثنا علي بنُ المديني ، قال لي أحمدُ بنُ حنبل : إني
لأشتهي أن أصحبك إلى مكة . وما يمنعني إلا خوف أن أَملَّك أو تَمَلَّني .
فلما ودعتُه، قلتُ: أوصني، قال: اجعل التقوى زادك، وانصب الآخرةَ أمامك.
قال أبو حاتم : أولُ ما لقيتُ أحمد سنةَ ثلاث عشرةَ ومئتين ، فإذا قد
أخرج معه إلى الصلاة ((كتاب الأشرِبَة))(٢)، و((كتاب الإِيمان)) فصلَّى، ولم
(١) في ((المجروحين)) ١ /٨٥ .
(٢) وهو مطبوع في بغداد سنة ١٣٩٦ هـ . بتحقيق الأستاذ السيد صبحي جاسم البدري.
٣٠١

يسأله أحدٌ، فردَّهُ إلى بيته . وأتيتُه يوماً آخر ، فإذا قد أخرج الكتابين ،
فظننتُ أنه يحتسب في إخراج ذلك ، لأن كتابَ الإِيمان أصلُ الدين ، وكتابَ
الأشربة صَرْفُ النَّاس عن الشر. فإنَّ كل الشر من السُّكْر .
وقال صالح : أَهدى إلى أبي رجلٌ وُلِد له مولود خِوانَ(١) فالوذج ،
فكافأه بسُكَّر بدراهم صالحة .
وقال ابن وَارَةَ : أتيتُ أحمد ، فأخرج إليَّ قَدَحاً فيه سويق ، وقال :
اشربه .
أنبؤونا عن محمد بن إسماعيل ، عن يحيى بنِ مندَة الحافظ
أخبرنا أبو الوليد الدَّرْبَنْدِي سنةَ أربعين وأربع مئة ، أخبرنا أبو بكر محمدُ بنُ عُبيد
الله بن الأسود بدمشق، أخبرنا عبدُ الله بن محمد بن جعفر النّهاوندي ، حدثنا
أبو بكر محمد بن إبراهيم بن زُوران لفظاً ، حدثنا أحمدُ بن جعفر
الإِصْطَخْري(٢)، قال: قال أبو عبد الله أحمدُ بنُ حنبل : هذا مذاهبُ أهل
العلم والأثَر ، فمن خالفَ شيئاً من ذلك أو عاب قائِلهَا ، فهو مُبتدع. وكان
قولُهم : إنَّ الايمانَ قول وعمل ونية ، وتمسكٌ بالسنة ، والإِيمانُ يزيدُ
وينقصُ ، ومن زعم أَنَّ الإِيمانَ قولٌ ، والأعمالَ شرائع ، فهو جهميّ ، ومن
لم ير الاستثناء في الإِيمان، فهو مُرجىء، والزنى والسرقةُ وقتلُ النفس،
والشركُ كلها بقضاءٍ وقَدَرٍ من غير أَنْ يكونَ لأحدٍ على الله حُجة . إلى أن
قال : والجنةُ والنارُ خُلِقَتًا، ثم خلق الخَلقُ لهما لا تفنيَان ، ولا يفنى ما فيهما
أبداً . إلى أن قال : والله تعالى على العرش ، والكرسيُّ موضعُ قدميه . إلى
(١) أي ما يؤكل عليه الطعام ، معرب .
(٢) هذه هي الرسالة التي أشار المؤلف إلى بطلانها في ص: ٢٨٦، وهي مذكورة في
طبقات الحنابلة ٢٤/١، ٣١.
٣٠٢

أن قال : وللعرش حَمَلَة . ومن زعم أن ألفاظَنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة ،
والقرآن كلام الله ، فهو جهمي . ومن لم يكفِّره ، فهو مثلُه . وكلَّم الله موسى
تكليماً من فيه . إلى أن ذكر أشياء من هذا الأنموذج المنكر ، والأشياء التي -
والله - ما قالها الإمام . فقاتل الله واضعها . ومِن أسمج ما فيها قولُه: ومن
زعمَ أنه لا يَرى التقليدَ ، ولا يُقلِّد دينَه أحداً ، فهذا قولُ فاسقٍ عدٍ لله . فانظر
إلى جهل المحدثين كيف يروون هذه الخُرافة ، ويسكتُون عنها(١).
الدارقطني : حدثنا جعفرٌ الخُلْدِيُّ(٢) ، أخبرنا العباسُ بنُ يوسف ،
حدثني عمي محمدُ بنُ إسماعيل بن العلاء ، حدثني أبي ، قال : دعاني رزقُ
الله بن الكَلْوَذَانِ، فقدَّم إلينا طعاماً كثيراً ، وفينا أحمدُ ، وابنُ معين ، وأبو
خيثمة ، فَقُدمتْ لوزينَج أنفق عليها ثمانينَ درهماً . فقال أبو خيثمة : هذا
إسراف . فقال أحمدُ بنُ حنبل : لو أَنَّ الدنيا في مقدار لقمة ، ثم أخذها
مسلم ، فوضعها في فم أخيه لما كان مُسرفاً . فقال له يحيى : صدقت .
وهذه حكاية منكرة .
قال حنبل بنُ إسحاق : سألتُ أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى عن
النبي ◌ََّ: ((إِنَّ الله يَنْزِلُ إِلى سَمَاءِ الدُّنيا))(٣) ، فقال: نؤمنُ بها ، ونُصدِّق
(١) رحم الله المؤلف ، وجزاه عن الإِسلام خيراً، فهو كما وصفه تلميذه الصلاح الصفدي
...
١٦٣/٢ بأنه لم يكن عنده جمود المحدثين ، ولا كودنة النقلة ، بل هو فقيه ، له دربة بأقوال
الناس ، ومذاهب الأئمة من السلف ، وأرباب المقالات فهو لا يكاد يمر على حديث أو خبر في
سنده ضعف أو في متنه نكارة حتى يعلق عليه ، ويبين ما فيه بأسلوب علمي متزن .
(٢) هو جعفر بن محمد بن نصير بن القاسم الخواص الخُلْدِي ، أبو محمد ، أحد المشايخ
الصوفية ، صاحب الأحوال والمجاهدات والكرامات الظاهرة . توفي في رمضان ٣٤٨ هـ . انظر
ترجمته ونسبته في ((الأنساب.)) للسمعاني ١٦١/٥، ١٦٢.
(٣) أخرجه البخاري ٢٥/٣ في التهجد : باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ، ومسلم
(٧٥٨) في صلاة المسافرين : باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل ، من طريق مالك ، =
٣٠٣

بها ، ولا نَرُدُّ شيئاً منها ، إذا كانَتْ أسانيدَ صحاحاً، ولا نَردُّ على رسول الله
وَ*، قولَه، ونعلمُ أُنَّ ما جاء به حق .
الخلَّل : حدثنا عبد الله بنُ أحمد ، قال : رأيتُ كثيراً من العلماء
والفقهاء والمحدثين، وبني هاشم وقريش والأنصار، يُقَبِّلُون أبي ، بعضُهم
يدَه، وبعضُهم رأْسَه، ويُعظّمُونه تعظيماً لم أَرَهُمْ يفعلون ذلك بأحدٍ من
الفقهاء غيره . ولم أَرَهُ يَشتهي ذلك . ورأيتُ الهيثمَ بنَ خارجة ،
والقواريري ، وأبا معمر ، وعليَّ بن المديني، وبشاراً الخفاف ، وعبدَ الله بنّ
عون الخَرَّاز(١) ، وابنَ أبي الشوارب ، وإبراهيمَ الهَرَوي، ومحمد بن بكار ،
ويحيى بنَ أيوب ، وسُريج بن يونس ، وأبا خيثمة ، ويحيى بنَ معين ، وابن
أبي شيبة ، وعبد الأعلى النِّرْسي ، وخلف بن هشام ، وجماعة لا أحصيهم ،
یُعظّمونه ويُوقّرونه .
الخلَّل: أخبرنا المَرُّوذِي، سمعتُ عبدَ الوهّاب الوراق ، يقولُ : أبو
عبد الله إمامُنا ، وهو من الراسخين في العلم ، إذا وقفتُ غداً بين يدي الله ،
فسألني بمن اقتديتَ، أيّ شيءً أقول ؟ وأيُّ شيءٍ ذهب على أبي عبد الله من
أمر الإِسلام ؟ !
وعن أبي جعفر محمد بنِ عبد الرحمن الصيرفي ، قال : نظرتُ فرأيتُ
أَنَّ أحمد أفضلُ من سفيان ، ثم قال : أحمدُ لم يُخلِّف شيئاً ، وكان يُقَدِّمُ
عثمان ، وكان لا يَشربُ(٢) .
= عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة أن سول الله، وَصَار، قال:
((ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ، فيقول : من يدعوني
فأستجيب له ، ومن يسألني فأعطيه ، ومن يستغفرني فأغفر له)) ..
(١) بمعجمة ثم مهملة، وآخره زاي، كما في ((تقريب التهذيب)) ٤٣٩/١.
(٢) أي الشراب الذي يراه أهل الكوفة مباحاً .
٣٠٤

قال صالح بنُ علي الحلبي : سمعتُ أبا هَمَّام ، يقول : ما رأى أحمد
مثل نفسه .
قال الخلَّل: بُلينا بقومٍ جهال، يَظُنُّون أَنَّهم علماء . فإذا ذكرنا
فضائلَ أبي عبد الله ، يُخْرِجُهم الحَسدُ ، إلى أن قال بعضُهم فيما أخبرني ثقة
عنه : أحمدُ بنُ حنبل نَبِيُّهم .
قال الخلال : حدثنا سليمان بنُ الأشعث ، قال : رأيتُ في المنام سنةً
ثمان وعشرين ومئتين ، كأني في مسجد الجامع ، فأقبل رجلٌ شبه الخَصِيِّ
من ناحية المقصورة، وهو يقولُ: قال رسول الله وَلِّ: اقْتَدُوا بِاللَّذَينِ مِنْ
بَعْدِي، أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلَ وَفُلان(١).
قال أبو داود : لا أحفظُ اسمه ، فجعلتُ أقول في نفسي : هذا حديث
غريب . ففسرْتُه على رجل ، فقال : الخَصِيُّ في المنام ملك .
قال الخلَّل: أخبرنا المَرُّوذِي، سمعتُ أبا عبد الله، يقولُ: الخوفُ
منعني أكل الطعام والشراب ، فما اشتهيتُه، وما أبالي أن لا يَراني أحدٌ ولا
أراه ، وإني لأشتهي أن أرى عبد الوهاب . قل لعبد الوهاب : أُخمل ذكرك ،
فإني قد بُليتُ بالشُّهرة .
الخلال : أخبرنا أحمدُ بنُ محمد بن يزيد الوراق ، سمعتُ أحمدَ بنَ
حنبل ، يقولُ : ما شبّهْتُ الشبابَ إلا بشيءٍ كان في كُمِّ فسقط .
(١) الذي قاله رسول الله، وَ﴿، في حياته: ((اقتدوا باللذين من بعدي، أبو بكر وعمر))
وهو حديث صحيح أخرجه أحمد ٣٨٢/٥ و ٣٨٥ و ٤٠٢، والترمذي ( ٣٦٦٣)، وابن ماجة
(٩٧) عن حذيفة بن اليمان ؛ وإسناده حسن، وصححه الحاكم ٧٥/٣ ، ووافقه الذهبي
المؤلف ، وأخرجه أحمد ٣٩٩/٥ من طريق آخر لا بأس به ، وصححه ابن حبان ( ٢١٩٣ ) ، وله
شاهد من حديث ابن مسعود عند الترمذي (٣٨٠٧)، والحاكم ٧٥/٣.
٣٠٥
سير ٢٠/١١

قال إسحاق بنُ هانىء: ماتَ أبو عبد الله ، وما خلَّف إلا ستَّ قطعٍ في
خِرْقةٍ قدر دانقين .
قال المَرُّوذِي : قال أحمدُ : كنتُ أبكِّر في الحديث لم يكن لي فيه
تلك النية في بعض ما كنتُ فيه .
وقال عبدُ الله : سمعتُ أبي ، يقول : ربَّما أردتُ الْبُكور في
الحديث ، فتأخذُ أُمي بثوبي ، وتقول : حتى يُؤْذِّنَ المؤذن . وكنتُ ربما
بكرتُ إلى مجلس أبي بكر بن عياش .
وقال عباس الدوري : سمعتُ أحمد يقول : أول ما طلبْتُ اختلفتُ
إلى أبي يوسف القاضي .
قال عبد الله : كَتَبَ أبي عن أبي يوسف ومحمد الكُتُبَ ، وكان
يحفظُها ، فقال لي مُهَنَّى : كنتُ أسأله فيقول : ليس ذا في كُتبهم ، فأرجع
إليهم ، فيقولونَ : صاحبُك أعلمُ منا بالكتب .
المُرُوذي: سمعتُ أبا عبد الله ، يقولُ : ما خرجتُ إلى الشام إلا بعد
ما وُلد لي صالح ، أظنُّ كان ابنَ ست سنين حين خرجْتُ . قلتُ : ما أظن
خرجتَ بعدها؟ قال: لا. قلتُ: فكم أقمتَ باليمن ؟ قال : ذَهابي
ومجيئي عشرةُ أشهر خرجنا من مكةً في صفر ، ووافينا الموسمَ ، قلتُ :
كتبتَ عن هشام بن يوسف ؟ قال : لا . مات قبلنا .
عبد الله بن أحمد : حدثني أبي ، حدثنا يزيدُ بنُ مسلم الهمداني ، أنه
ابنُ خمس وثلاثين ومئة سنة: قدم محمد بنُ يوسف أخو الحجاج ، وأنا ابنُ
خمس سنين في سنة ثلاث وسبعين .
قال المَرُّوذِي : قال أبو عبد الله : فأتينا شيخاً خارجاً من صنعاء ، كان
٣٠٦

عنده . عن وَهْب بن مُنَبِّه، كان يقالُ: له أربعون ومئة سنة .
قال عبدُ الله : سمعتُ أبي يقول : رأيتُ موسى بنَ عبد الله بنَ حَسَن بن
حَسَن ، وكان رجلاً صالحاً .
وسمعتُ أبي يقول : حدثنا يوسف بنُ يعقوب بن الماجِشون ، وما
لقيتُ في المحدثين أسنَّ منه .
۔
وعن أبي عبد الله ، قال : أتيتُ يوسف بنَ الماجشون ، وكان عنده
قريب من مئتي حديث ، ولم أر معْناً القَزَّاز .
المُرُوذِي : سمعتُ أبا عبد الله ، يقولُ : ما كتبْتُ عن أحدٍ أكثر من
وكيع ، وسمعتُ من عبد السلام بن حرب ثلاثين حديثاً .
قال عبدُ الله بن أحمد : سألتُ أبي عن أبي صيفيّ(١)، يُحدِّث عن
مجاهد ، قال : قد كتبْنا عنه ، عن مجاهد ، وعن المقْبُري ، وعن الحكم :
ليس بشيء(٢). ولم أسمع من عيسى بن يونس ، ورأيت سُليمان المُقرىء
بالكوفة ، وغلامٌ يقرأ عليه بالتحقيق والهمز(٣).
وعن أبي عبد الله قال : كانَ إسماعيلُ بنُ مجالد هنا أدركتُه ، ولم
أسمعْ منه ، ورأيتُ الأشجعي .
(١) هو بشير بن ميمون الخراساني ثم الواسطي. قال البخاري : متهم بالوضع . وقال
الدار قطني وغيره : متروك الحديث . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه غير محفوظ . وقال ابن
معين : اجتمعوا على طرح حديثه . وقال النسائي مرة : ضعيف ، ومرة متروك .
(٢) لفظ المؤلف في ((الميزان)): وقال أحمد : كتبنا عنه عن مجاهد ، ثم قدم علينا بعد ،
فحدثنا عن الحكم بن عتيبة : ليس بشيء .
(٣) التحقيق والهمز شيء واحد ، فيكون العطف من باب عطف الشيء على نفسه .
٣٠٧

وأتيت خَلَف بنَ خَليفة ، فتكلم فلم أفهمْ عنه . كان يَرعد من
الكِبر .
وكتبتُ عن أبي نُعَيم في سنة خمس وثمانين .
وكتبت عن ابن مهدي نحو عشرة آلاف .
وكتبنا حديثَ غُنْدَر على الوجه ، وأعطانا الكتب ، فكنا ننسخُ منها .
قال عبدُ الله : سمعتُ أبي ، يقول: سمعتُ من عبَّد بن عبَّاد سنةً
ثمانين ومئة ، ومن الطّفاوي سنةً إحدى .
وعن أحمد ، قال : كتبتُ عن مُبَشِّر الحلبي خمسةً أحاديث بمسجد
حلب ، كنا خرجْنا إلى طَرَسُوس على أرجلنا .
وقال : قد أكثرتُ عن عمر بن هارون ، ولا أروي عنه شيئاً .
عبد الله بن أحمدٍ ، حدثني أبي : سمعتُ إسحاقَ بنَ راهويه يذكر
عن عيسى بن يونس .
الخلَّل : أخبرنا عِصمة، حدثنا حنبل ، سمعتُ أحمد ، يقول :
سمعتُ من إبراهيم بنِ سعْد سنةَ ثنتين وثمانين .
وقال عبدُ الله بنُ أحمد : قال أبي : شهِدْتُ إبراهيم بن سعد وجاءهُ
رجلٌ من مدينة أبي جعفر ، فقال : يا أبا إسحاق(١): حدثْني. فقال : كيف
أُحَدِّثُكَ وهذا هاهنا ؟ - يَعنيني - فاستحييتُ فقمُت .
وسمعتُ أبي ، يقولُ : حدَّثْنا أمُّ عمر ابنةُ حسان ، عن أبيها ، قال :
دخلتُ المسجد ، فإذا علي بن أبي طالب على المنبر ، وهو يقول : إنما مثلي
(١) هي كنية إبراهيم بن سعد .
٣٠٨
٠٠

ومثل عثمان كما قال الله: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلُّ﴾(١) [ الأعراف:
٤٣] و [ الحجر: ٤٧ ] .
الخلال : أخبرنا أبو بكر بن صدقة ، سمعتُ محمد بن عبد الرحمن
الصيرفي ، قال : أتيتُ أحمد بن حنبل أنا وعبدُ الله بن سعيد الجمال ،
وذاك في آخر سنة مئتين . فقال أبو عبد الله للجمال: يا أبا محمد ، إنَّ أقواماً
يسألوني أن أُحَدِّثَ ، فهل ترى ذاك ؟ فسكتَ . فقلتُ : أنا أُجيبك . قال :
تَكَلَّم. قلتُ : أَرى لكَ إن كنتَ تشتهي أن تُحدَّثَ، فلا تُحدِّثْ، وإن كُنْتَ
تشتهي أن لا تُحَدِّثَ فحدِّثْ . فكأنَّه استحسنَه .
عبد الله بن أحمد : سمعتُ نوح بن حبيب القُومَسي ، يقولُ : رأيتُ
أحمد بنَ حنبل في مسجد الخَيْف سنةَ ثمان وتسعين ، وابنُ عُيَيَنْةَ حيٌّ ، وهو
يُفتي فتوى واسعة ، فسلَّمتُ عليه .
قال عبدُ الله : سمعتُ أبي سنة (٢٣٧ ) يقول : قد استخرتُ الله أنْ لا
أحدِّث حديثاً على تمامه أبداً. ثم قال: إن الله يقولُ: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا
أَوْفُوا بِالعُقُود﴾ [المائدة: ١]، وإني أعاهدُ اللّه أن لا أُحدِّثَ بحديثٍ على
تمامه أبداً . ثم قال : ولا لك ، وإن كنت تشتهي .فقلتُ له بعد ذلك بأشهر :
أليسَ يُروى عن شريك ، عن يزيد بنِ أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث ،
عن ابن عباس ، قال: ((العَهْدُ يَمين))(٢)؟ قال: نعم . ثم سكتَ ، فظننتُ
(١) جاء في تفسير الطبري ٣٦/١٤، ٣٧ من طرق متعددة أن الغِلَّ: العداوة . وفيه : :
حدثنا الحسن ، قال : حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي ، قال : حدثنا السكن بن المغيرة ،
قال : حدثنا معاوية بن راشد ، قال : قال علي : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله :.
﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غِلّ اخواناً، على سرر متقابلين ﴾.
(٢) إسناده ضعيف ، وشريك هو ابن عبد اللّه القاضي، ويزيد بن أبي زياد هو الهاشمي ،
وكلاهما ضعيف .
٣٠٩

أنه سيُكَفِّر . فلما كان بعد أيام قلتُ له في ذلك ، فلم ينشطْ لِلْكَفَّارة ، ثم لم
أسمعْهُ يُحدِّثُ بحديثٍ على تمامه .
قال المرُّوذِي : سمعتُ أبا عبد الله في العسكر ، يقولُ لولده : قال الله
تعالى: ﴿أُوْقُوا بِالعُقُودِ﴾ [ المائدة: ١] أتدرون ما العقود؟ إنما هو
العهود، واني أعاهدُ الله جلَّ وعزَّ، ثم قال: واللّهِ، والله، والله، وعليَّ
عهدُ الله (١) وميثاقه أن لاحدثتُ بحديث لقريب ولا لبعيد حديثاً تاماً ، حتى
ألقَى اللّه ، ثم التَفَتَ إلى ولده ، وقال : وإنْ كانْ هذا يشتهي منه ما يَشتهي ،
ثم بَلَغَهُ عن رجل من الدولة وهو ابنُ أكثم ، أنه قال : قد أردتُ أن يأمرَهُ
الخليفةُ أن يكفِّر عن يمينه ، ويُحدِّث. فسمعتُ أبا عبد الله يقولُ لرجلٍ من
قبل صاحب الكلام : لو ضربتَ ظهري بالسياط ، ما حدثت .
ومن تواضعه :
الخلال: حدثنا محمدُ بنُ المنذر، حدثنا أحمدُ بنُ الحسن
الترمذي ، قال : رأيتُ أبا عبد الله يشتري الخُبْزَ من السوق ، ويحملُه في
الزَّنْبيل، ورأيتُه يشتري الباقلاء غير مرة ، ويجعلُه في خِرقة ، فيحملُه آخذاً
بيد عبد الله ابنه .
الخلَّل: أخبرنا المَرُّوذي، سمعتُ أبا عبد الله، يقولُ: أراد ذاك
(١) قال الراغب : العهد: هو حفظ الشيء ومراعاته ، ومن ثم قيل للوثيقة عهدة . ويطلق
عهد الله: على ما فطر عليه عباده من الإِيمان به عند أخذ الميثاق ، ويراد به أيضاً ما أمر به في
الكتاب والسنة مؤكداً، وما التزمه المرء من قبل نفسه كالنذر. قال الحافظ في ((الفتح :
٤٧٤/١١: وللعهد معان أخرى غير هذه كالأمان والوفاء والوصية واليمين ورعاية الحرمة والمعرفة
واللقاء عن قرب والزمان والذمة ، وبعضها قد يتداخل ، والله أعلم . ونقل عن ابن المنذر أن من
حلف بالعهد ، فحنث ، لزمه الكفارة ، سواء نوى أم لا عند مالك والأوزاعي والكوفيين ، وبه قال
الحسن والشعبي وطاووس وغيرهم ، وبه قال أحمد . وقال عطاء والشافعي وإسحاق وأبو عبيد : لا
تكون يميناً إلا إنْ نوى .
٣١٠

الذي بخراسان وماتَ بالثغر، أن يُحدِّث هاهنا بشيء ، وكان يزيدُ بنُ هارون
حياً ، فكتب إليه : إنَّ يزيدَ حَيٍّ ، وإن قال : لا ، فهو لا إلى يوم القيامة ،
فلم يُظهر شيئاً حتى مات يزيد .
الميموني : قال لي أبو عُبيد : يا أبا الحسن، قد جَالَسْتُ أبا يوسف
ومحمداً ، وأحسِبُه ذكر يحيى بن سعيد ، ما هِبتُ أحداً ما هبتُ أحمدَ بنَ
حنبل .
من جهاده :
قال عبدُ الله بن محمود بن الفرج : سمعتُ عبدَ الله بنَ أحمد ، يقول :
خرج أبي إلى طَرَسُوس ، ورَابَطَ بها ، وغزا . ثم قال أبي : رأيتُ العِلم بها
يموت .
وعن أحمد ، أنه قال لرجل : عليك بالثّغْر ، عليك بِقَزوين ، وكانت
ثغراً .
باب
ابن عدي : حدثنا عبدُ المؤمن بن أحمد الجرجاني ، سمعتُ عمَّار بنَ
رجاء، سمعتُ أحمد بن حنبل ، يقول : طلبُ إسناد العُلُوِّ من السُّنَّة(١).
(١) طلب علو الإِسناد سنة عن الأئمة السالفين ولهذا تداعت رغبات كثير من الأئمة
النقاد ، والجهابذة الحفاظ إلى الرحلة إلى أقطار البلاد طلباً لعلو الإِسناد . ومتى كان الإِسناد
عالياً، كان أبعد من الخطأ والعلة. وأشرف أنواعه ما كان قريباً إلى رسول الله، وَله، بإسناد صحيح
نظيف خال من الضعف ، بخلاف ما إذا كان فيه ضعف ، فلا التفات إليه ، ولا سيما إن كان فيه
بعض الكذابين المتأخرين ممن ادعى سماعاً من الصحابة . قال الذهبي المؤلف ، فيما نقله عنه
السيوطي في ((التدريب)) ص : ١٨٤ : متى رأيت المحدث يفرح بعوالي هؤلاء فاعلم أنه
عامي .
٣١١

الخلَّل: حدثنا المَرُّوذِي : قلتُ لأبي عبد الله : قال لي رجلٌ : من
هنا إلى بلاد الترك يَدعونَ لك ، فكيف تؤدي شكر ما أنعم الله عليك ، وما
بث لك في الناس ؟ فقال : أسألُ الله أن لا يجعلَنَا مُرائين .
أخبرنا عبدُ الحافظ بنُ بدران ، ويوسفُ بنُ أحمد ، قالا : أخبرناموسى
ابنُ عبد القادر، أخبرناسعيدُ بنُ البناء ، أخبرنا علي بنُ البُسْرِي ، أخبرنا أبو
طاهر المخلِّص ، حدثنا عبدُ الله البغوي ، قال : سمعتُ أحمد بنّ حنبل في
سنة ثمان وعشرين ومئتين في أولها ، وقد حدَّثَ حديث معاوية عن النبي ،
:機
((إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّ بَلاءُ وفِتْنَةٌ))(١) فأعِدُّوا للبلاء صبراً، فجعل
يقول : اللهمَّ رضِّنا، اللهمَّ رضِّنا .
أخبرنا المسلَّم بنُ علَّن وغيره كتابة أَنَّ أبا اليُمن الكِنْديَّ أخبرهم ،
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا أبو بكر الخطيب ، حدثنا محمد بنُ الفرج
البزاز، حدثنا عبدُ الله بن إبراهيم بن ماسي ، حدثنا جعفر بنُ شُعيب
الشاشي ، حدثني محمدُ بنُ يوسف الشاشي ، حدثني إبراهيم بن أمية ،
سمعتُ طاهر بن خلف ، سمعتُ المهتدي بالله محمد بنّ الواثق ، يقول:
(١) أخرجه ابن ماجة ( ٤٠٣٥ ) من طريق غياث بن جعفر الرحبي ، أنبأنا الوليد بن مسلم ،
سمعت ابن جابر يقول : سمعت أبا عبد ربه يقول : سمعت معاوية يقول: سمعت النبي ، وَّر،
يقول: ((لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة)). وإسناده صحيح، كما قال البوصيري في ((الزوائد))
ورقة : ٢٥٢، وصححه ابن حبان (١٨٢٨)، وأخرجه أحمد في ((المسند)) ٩٤/٤ من طريق
ابن المبارك ، عن ابن جابر ، واسمه عبد الرحمن بن يزيد ، قال : حدثني أبو عبد ربه ، قال :
سمعت معاوية ، يقول على هذا المنبر: سمعت رسول الله، وَ *، يقول: ((إن ما بقي من الدنيا
بلاء وفتنة . وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء ، إذا طاب أعلاه ، طاب أسفله ، وإذا خبث
أعلاه، خبث أسفله)). وهذا سند صحيح أيضاً .
٣١٢

كان أبي إذا أراد أن يَقْتُلَ أحداً، أحضرنا ، فأُتي بشيخ مخضوب
مُقِيِّد، فقال أبي : ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه ، يعني : ابن أبي
دُوَاد ، قال : فَأُدخِلَ الشيخُ، فقال: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين،
فقال: لا سلَّم الله عليك. فقال: يا أميرَ المؤمنين ، بئسَ ما
أَدَّبَك مؤدبُك، قال الله تعالى: ﴿وإذا حُبِّتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنها
أَوْ رُدُّوها﴾ [ النساء: ٨٦]. فقال ابنُ أبي دُوَاد: الرجلُ متكلم.
قال له : كَلِّمْه ، فقال : يا شيخُ ، ما تقولُ في القرآن ؟ قال : لم يُنصِفْني ،
ولي السؤال. قال : سل ، قال : ما تقولُ في القرآن ؟ قال : مخلوقٌ . قال
الشيخُ: هذا شيْءٌ عَلِمَهُ النبيُّ، وَه، وأبو بكر، وعمر، والخلفاء
الراشدون ، أم شيءٌ لم يعلموه ؟ قال : شيءٌ لم يعلموه . فقال : سُبحان
الله! شيء لم يَعْلَمْهُ النبيُّ، وََّ، علمتَه أنت؟ فخجل . فقال : أُقلني ،
قال : المسألةُ بحالها . قال: نعم عَلِمُوه ، فقال: علموه ، ولم يَدْعُوا النَّاس
إليه ، قال : نعم . قال : أفلا وسعكَ ما وَسِعَهم ؟ قال : فقام أبي ، فدخل
مجلساً ، واستلقى، وهو يقول: شيءٌ لم يَعْلِمْهُ النبيُّ، وَه، ولا أبو بكر
وعمر وعثمان وعلي ولا الخلفاء الراشدون ، عَلِمْتَه أنت ! سبحان الله ! شيءٌ
عَلِمُوه، ولم يدعوا النَّاس إليه ، أفلا وَسِعَك ما وسعهم ؟! ثم أمر برفع
قيوده ، وأن يعطَى أربع مئة دينار ، ويُؤْذَنَ له في الرجوع ، وسقَطَ من عينه ابنُ
أبي دُوَاد ولم يمتحن بعدها أحداً .
٠ ٠
هذه قصة مليحة ، وإن كان في طريقها من يُجهل ولها شاهد .
وبإسنادنا إلى الخطيب : أخبرنا ابنُ رزقويه ، أخبرنا أحمدُ بن سِنْدي
الحداد ، أخبرنا أحمدُ بن المُمْتَنِعِ ، أخبرنا صالحُ بنُ علي الهاشمي ، قال :
حضرتُ المهتدي بالله ، وجلسَ لينظُر في أمور المظلومين ، فنظرتُ في
٣١٣

القصص تُقرأ عليه من أولها إلى آخرها، فيأمرُ بالتوقيع فيها ، وتُحَرَّر ، وتُدفع
إلى صاحبها، فيسرُّني ذلك ، فجعلتُ أنظرُ إليه ففطِن ، ونظر إليَّ ،
فغضضْتُ عنه ، حتى كان ذلك مني ومنه مراراً . فقال : يا صالحُ ، قلتُ :
لبيك يا أمير المؤمنين ، ووثبْتُ . فقال: في نفسك شيء تُريد أن تقولَه ؟!
قلتُ : نعم . فقال : عُدْ إلى موضعك . فلما قام ، خلا بي، وقال : يا
صالحُ ، تقولُ لي ما دار في نفسِك أو أقولُ أنا ؟ قلتُ : يا أمير المؤمنين ، ما
تأمر ؟ قال : أقول : إنه دارَ في نفسِك أَنَّك استحسنْتَ ما رأيتَ منا، فقلت :
أيُّ خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق - فورد عليَّ أمر عظيم - ثم
قلتَ : يا نفسُ ، هل تموتين قبل أجلك ؟ فقلتُ : ما دار في نفسي إلا ما
قلتَ . فأطرَق ملياً ، ثم قال : ويحك ! اسمع ، فوالله لتسمعنَّ الحقَ ،
فَسُرِّيَ عني ، فقلتُ : يا سيدي ، ومَنْ أولى بقول الحق منك، وأنت خليفةُ.
ربِّ العالمين . قال : ما زلتُ أقول : إن القرآنَ مخلوقٌ صدراً من أيام
الواثق - قلتُ: كان صغيراً أيام الواثق . والحكايةُ فمنكرة - ثم قال: حتَّى
أقدم أحمدُ بنُ أبي دُوَاد علينا شيخاً من أذَنَه ، فأُدخل على الواثق مقيداً ،
فرأيتُه استحيا منه ، ورقَّ له ، وقَرَّبَه ، فسلَّم ودعا ، فقال : يا شيخ ، ناظر ابن
أبي دُوَاد. فقال : يا أمير المؤمنين ، نَصَّبوا ابنَ أبي دُوَاد ، ويضعُف عن
المناظرة . فغضب الواثقُ ، وقال : أيضعفُ عن مناظرتك أنت ؟ فقال : يا
أمير المؤمنين ، هَوِّنْ عليك ، فاتْذَنْ لي في مناظرته ، فإنْ رأيتَ أَنْ تحفظَ عليّ
وعليه . قال : أفعلُ . فقال الشيخُ : يا أحمد، أخبرْني عن مقالتِكَ هذه هي
مقالةٌ واجبةٌ داخلٌ في عقد الدين ، فلا يكونُ الدينُ كاملاً حتى تقال فيه؟
قال: نَعَم. قال: فأخبرني عن رسول الله، وَلَ حين بُعث، هل ستر شيئاً
مما أمره الله به من أمر دينهم؟ قال: لا، قال: فدعا الأمة إلى مقالتك هذه؟
فسكْتَ ، فالتفتَ الشيخُ إلى الواثق ، وقال : يا أميرَ المؤمنين ، واحدة. قال:
٣١٤

نعم . فقال الشيخُ : فأخبرني عن اللّه حين قال: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لِكُمْ
دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، هل كان الصادق في
إكمال دينه ، أَو أنتَ الصادقُ في نقصانه حتى يُقال بمقالتك هذه ؟ فسكتَ .
فقال : أجب ، فلم يُجب . فقال : يا أمير المؤمنين ، اثنتان . ثم قال : يا
أحمدُ ، أخبرْني عن مقالتك، أَعَلِمِها رسولُ اللّه، وَلَّ، أم لا ؟ قال :
عَلِمَها . قال : فدعا الناس إليها ؟ فسكتَ. فقال: يا أمير المؤمنين، ثلاث .
ثم قال : يا أحمد ، فاتَّسع لرسول الله أن يعلَمَها وأمسك عنها كما زعمت ،
ولم يُطالب أُمَّتَه بها ؟ قال : نعم . قال : واتسع ذلك لأبي بكر وعمر ؟ قال :
نعم . فأعرض الشيخ ، وقال : يا أمير المؤمنين ، قد قدَّمتُ أنّه يضعُف عن
المناظرة . إنْ لم يَتَّسعْ لنا الإِمساكُ عنها ، فلا وَسَّعَ الله على من لم يَتَسعْ له ما
اتّسعَ لهم .
فقال الواثق : نعم ، اقطعوا قَيْدَ الشَّيخ . فلما قُطع، ضَرَبَ بيده إلى
القيد ليأخُذه ، فجاذبه الحداد عليه . فقال الواثق : لِمَ أخذْتَه ؟ قال : لأَنِّي
نويتُ أن أُوصي أَنْ يُجعل في كفني حتى أُخاصم به هذا الظالم غداً .
وبكى ، فبكى الواثق وبكيْنا . ثم سأله الوائقُ أن يجعله في حِلٍّ ، فقال :
لقد جعلتُك في حِلٍّ وسعة من أول يوم إكراماً لرسول الله، وَّر، لكونك من
أهله . فقال له : أَقِمْ قِبَلَنَا فننتفع بك ، وتَنتفع بنا ، قال: إنَّ رَدَّك إياي إلى
موضعي أنفعُ لك ، أصيرُ إلى أهلي وولدي ، فأكفُّ دعاءَهُم عليك ، فقد
خلَّفْتُهم على ذلك ، قال : فتقبلُ مِنَّ صِلَّةً؟ قال : لا تَحِلُّ لي ، أنا عنها
غَنِيُّ .
. قال المهتدي : فرجَعتُ عن هذه المقالة ، وأظنُّ أن أبي رجع عنها منذ
ذلك الوقت .
٣١٥

. قال أحمدُ بنُ عبد الرحمن الشيرازي الحافظ : هذا الأذَنِيُّ هو أبو عبد
الرحمن عبدُ الله بن محمد بن إسحاق الأَذْرَمِيُّ(١).
قال إبراهيمُ نْفِطويه : حدثني حامدُ بنُ العباس ، عن رجل ، عن
المهتدي : أَنَّ الواثق مات ، وقد تاب عن القول بخلق القرآن .
فصل
عن الحسين بن إسماعيل ، عن أبيه ، قال : كان يجتمعُ في مجلس
أحمدَ زُهاء(٢) خمسة آلاف أو يزيدون نحو خمس مئة يكتبون ، والباقون
يتعلَّمون منه حُسْنَ الأدب والسَّمْت .
ابن بَطَّة : سمع النجاد ، يقول : سمعتُ أبا بكر بن المُطَِّّعي(٣)،
يقول: اختلفتُ إلى أبي عبد الله، ثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ ((المسند))
على أولاده ، فما كتبتُ عنه حديثاً واحداً، إنما كنْتُ أنظرُ إلى هديه
وأخلاقه .
قال حميد بنُ عبد الرحمن الرُّؤاسي: يُقال: لم يكن أَحَدٌ من
الصحابة أشبه هدياً وسمتاً ودلا من ابن مسعود بالنبي، ومَّله، وكان أشبه
(١) في الأصل: ((الآذرمي)) بمد الهمزة ، وهو خطأ . والصواب ما أثبتناه من كتب
الأنساب والضبط. وهي نسبة إلى ((أُذْرَمَةَ))، قرية من قرى نَصيبين. والأذرمي هذا من شيوخ
النسائي وأبي داود وثقه أبو حاتم والنسائي، وقال مسلمة في كتاب ((الصلة)): لا بأس به ، وانظر
((التهذيب)) ٤/٦، ٥.
(٢) جاء في اللسان : زُهاء الشيء وزِهاؤه: قَدْرُه، يقال: هم زُهاء مئة وزِهاء مئة ، أي :.
قدرها . وهم قوم ذوو زُهاء ، أي: ذوو عدد كثير ... من زَهَوْت القوم: إذا حَزَرْتهم . وفي
الأصل زيادة لفظ (( على )) بين زهاء وخمسة آلاف .
(٣) بضم الميم وفتح الطاء المشددة وكسر الواو وفي آخرها عين مهملة ، هذه النسبة إلى
المُطَوِّعة ، وهم جماعة فرغوا أنفسهم للغزو ومرابطة الثغور ، وقصدوا جهاد العدو في بلادهم ، لا
إذا قصد العدو بلاد الإسلام .
....
٣١٦

الناس به علقمةُ ، وكان أشبَهَ الناس بعلقمة إبراهيمُ ، وكان أشبههم بإبراهيم
منصورُ بنُ المعتمر ، وأشبه الناس به سفيانُ الثوري ، وأشبه الناس به وكيعُ ،
وأشبه الناس بوكيع فيما قاله محمدُ بنُ يونس الجَمَّال أحمدُ بنُ حنبل .
عبد الله بن محمد الوراق : كنتُ في مجلس أحمدَ بنِ حنبل ، فقال :
من أين أقبلتُم ؟ قلنا: من مجلسٍ أبي كريب ، فقال: اكتُبُوا عنه ، فإنَّه شيخٌ
صالح، فقلنا: إنه يطعُنُ عليك . قال : فأيُّ شيءٍ حيلتي ، شيخٌ صالح قد
بُلِي بي .
قال عبدُ الله بنُ أحمد: سمعتُ أبي سُئل: لِمَ لَمْ تسمعْ من إبراهيم بن
سعد كثيراً، وقد نَزَلَ في جوارك بدار عُمَارَةٍ(١)؟ فقال : حضرنا مجلسه مرةً
فحدَّثَنا . فلما كان المجلسُ الثاني ، رأى شباباً تَقَدَّمُوا بين يدي الشيوخ ،
فغضب ، وقال : والله لاحدثتُ سنةً . فماتَ ولم يُحدِّث .
:
الخلَّل: أخبرني محمدُ بنُ الحُسين، أخبرنا المَرُوذِي، قال: قال
جارُنا فلان : دخلتُ على إسحاق بن إبراهيم الأمير ، وفلان وفلان ، ذكر
سلاطين ، ما رأيتُ أهيبَ من أحمدَ بنٍ حنبل ، صرتُ إليه أُكلِّمُه في شيء ،
فوقعتْ عليَّ الرِّعْدَة من هيبته. ثم قال المُرُّوذِي: ولقد طرقَهُ الكلبيُّ
- صاحبُ خبر السرِّ- ليلاً. فمن هيبته لم يَقْرَعُوا، ودقُّوا بابَ عمِّه.
وعن الميموني ، قال : ما رأيتُ أنقى ثوباً ، ولا أشدَّ بياضاً من أحمد .
ابن المنادي ، عن جده أبي جعفر ، قال : كان أحمدُ من أحيى
النَّاس، وأكرمهم ، وأحسنهم عشرة . وأدباً ، كثير الإِطراق ، لا يُسمعُ منه
(١) دار عُمَارَة: في موضعين من بغداد، إحداهما في شارع المُخَرِّم من الجانب الشرقي ،
والأخرى في الجانب الغربي ، وقد كانت قبل أن تبنى بغداد بستاناً لبعض ملوك الفرس .
٣١٧

إلا المذاكرة للحديث ، وذِكرُ الصالحينَ في وقَارٍ وسكوٍ ، ولفظ حسن .
وإذا لقيه إنسانٌ ، بَشَّ به ، وأقبلَ عليه . وكان يتواضعُ للشُّيوخ شديداً ،
وكانوا يُعظِّمونَه ، وكان يفعل بيحيى بنِ معين ما لم أَرَهُ يعملُ بغيره من التواضُع
والتكريم والتبجيل . كان يحيى أكبرَ منه بسبع سنين .
الخُطَيِيُّ(١)، حدثنا عبدُ الله بنُ أحمد، قال : كان أبي إذا أتى البيت
من المسجد ، ضَرَبَ برجله حتى يَسمعُوا صوتَ نَعْلِهِ ، وربَّما تنحنح ليعلموا
به .
الخلَّل: حدثنا محمدُ بنُ علي، حدثنا مُهنَّى ، قال : رأيتُ أبا عبد
الله مراتٍ يُقَبَّل وجهه ورأسه ، ولا يقولُ شيئاً ولا يمتنع ، ورأيتُ سليمان بنَ
داود الهاشمي يُقَبَّل رأسه وجبهته ، لا يمتنع من ذلك ولا يكرهه .
وقال عَبْدوس العطار : وجهتُ بابني مع الجارية يُسلِّم على أبي عبد
الله، فرحَّبَ به وأجلسه في حجره ، وساءَلَهُ، واتَّخذ له خبيصاً ، وقال
للجارية : كُلِي معه ، وجَعَلَ يبسطه .
وقال الميمونيُّ : كان أبو عبد الله حَسَنَ الخُلُق ، دائِمَ البشر، يحتمِل
الأذى من الجار .
علوان بن الحسين : سمعتُ عبدَ الله بن أحمد ، قال : سُئِل أبي : لِمَ
لا تصحبُ النَّاس ؟ قال : لوحشة الفراق .
(١) بضم الخاء المعجمة ، وفتح الطاء المهملة ، وفي آخرها الباء الموحدة ، هذه النسبة
لأبي محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل الخُطَبي ، من أهل بغداد . قال السمعاني : ظني أن
هذه النسبة إلى الخطب وإنشائها ، وإنما ذكر هذا لفصاحته . كان فاضلاً فهماً عارفاً بأيام الناس
وأخبار الخلفاء . كانت ولادته في المحرم سنة ٢٦٩ هـ، ومات في جمادى الآخرة سنة ٣٥٠.
انظر ترجمته في ((أنساب)) السمعاني ١٦٢/٥، ١٦٣. ٠
٣١٨

ابن بطة : حدثنا محمد بنُ أيوب ، حدثنا إبراهيمُ الحربي ، سمعتُ
أحمدَ بن حنبل ، يقولُ لأحمد الوكيعي : يا أبا عبد الرحمن : إني لأحبُّك ،
حدثنا يحيى ، عن ثور ، عن حبيب بن عُبيد ، عن المقدام ، قال : قال
النبيُّ، وَه: ((إذا أَحبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ)).(١).
ابن بطّة : حدثنا جعفرُ بنُ محمد القافلاني ، حدثنا إسحاق بن
هانىء ، قال: كُنَّا عند أحمد بن حنبل في منزله ، ومعه المُرُّوني، ومُهنّى ،
فدقَّ داقٌ البابَ ، وقال: المروذي ها هنا؟ فَكَأَنَّ المُرُّوذِي كره أن يُعلمَ
موضعُه ، فوضع مُهنَّى أصبعَه في راحته ، وقال : ليس المروذي ها هنا ، وما
يصنعُ المروذي هاهنا؟ فضحكَ أحمدُ ، ولم يُنْكِر .
في معيشته :
قال ابنُ الجوزي : خلَّفَ له أبوه طرزاً وداراً يسكنُها ، فکان یکري تلك
الطّرز، ويتعقَّفُ بها .
قال ابنُ المنادي : حدثنا جدي ، قال لي أحمدُ بنُ حنبل : أنا أُذْرَع
هذه الدار ، وأخرجُ الزكاة عنها في كل سنة . أذهبُ إلى قول عمر في أرض
السواد (٢) .
(١) إسناده صحيح، وهو في ((المسند)) ١٣٠/٤، وأخرجه أبو داود (٥١٢٤) في
الأدب : باب إخبار الرجل بمحبته إليه ، والترمذي (٢٣٩٣) في الزهد : باب ما جاء في إعلام
الحب، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٤٢)، وصححه ابن حبان (٢٥١٤ )، وقال
الترمذي: حديث حسن صحيح، وسكت عليه الحاكم في ((المستدرك)) ١٧١/٤ والذهبي
المؤلف .
(٢) جاء في كتاب ((الأموال)) لأبي عبيد القاسم بن سلام، ص: ٣٥٩، ٣٦٠ بسنده:
أصفى عمرُ من السواد عشرة أصناف : أرض من قتل في الحرب ، وأرض من هرب من
المسلمين ، وكل أرض لكسرى، وكل أرض لأهل بيته ، وكل مَغيض ماء ( يعني الأماكن =
٣١٩

قال المُرُّوذِي : سمعتُ أبا عبد الله ، يقول : الغَلَّةُ ما يكون قوتنا ،
وإنما أذهبُ فيه إلى أن لنا فيه شيئاً . فقلتُ له : قال رجلٌ: لوترك أبو عبد الله
الغلَّة، وكان يصنعُ له صديقٌ له ، كان أعجبَ إليَّ . فقال : هذه طعمة
سوء . ومن تعوَّد هذا ، لم يصبر عنه . ثم قال : هذا أعجبُ إليَّ من غيره ،
يعني : الغَلَّة . وأنتَ تعلمُ أَنَّها لا تُقِيمنا، وإنما أَخَذَها على الاضطرار .
قال ابنُ الجوزي : ربما احتاج أحمدُ ، فخرج إلى اللَّقاط(١).
قال الخلَّل: حدثني محمدُ بنُ الحُسَين، حدثنا المَرُوذِي، قال:
حدثني أبو جعفر الطَّرَسوسِيُّ ، قال: حدثني الذي نزل عليه أبو عبد الله ،
قال : لمَّا نزل علي ، خرج إلى اللِّقاط . فجاء وقد لقَط شيئاً يسيراً . فقلتُ
له: قد أكلتَ أكثر مما لقطت، فقال: رأيتُ أمراً استَحْيَيْتُ منه، رأيتُهم
يلتقطون ، فيقومُ الرجلُ على أربع ، وكنتُ أزحف .
أحمد بن محمد بن عبد الخالق : حدثنا المُرُّوذِي ، قال أبو عبد الله :
خرجتُ إلى الثَّغر على قدميٍّ ، فالتقطتُ ، لو قد رأيتَ قوماً يُفسدون مَزَارع
الناس ، قال : وكنا نخرج إلى اللقاط .
قلتُ : وربما نسخ بأُجْرة، وربما عمل التِّكَكَ، وأَجَّر نفسه لجمال .
رحمة الله عليه .
= المنخفضة التي يجتمع فيها الماء )، وكل دير بريد. قال: فكان غَلة ما أصفى سبعة آلاف
ألف .... قال أبو عبيد : فهذه كلها أرضون قد جلا عنها أهلها ، فلم يبق بها ساكن ، ولا لها
عامر، فكان حكمها إلى الإِمام ..... فلما قام عثمان ، رأى أن عمارتها أردُّ على المسلمين ،
٠
وأوفر لخراجهم من تعطيلها ، فأعطاها من رأى إعطاءه على أن يعمروها ، كما يعمرها غيرهم ،
.. وقد روي عن عمر التغليظ في مثل ذلك .
ويؤدوا عنها ما يجب للمسلمين عليهم ..
(١) جاء في ((اللسان))، مادة ( لقط ): اللَّقَاط: السُّنْبُل الذي تخطئه المناجل ، ويلتقطه
الناس . واللُّقاط : اسم لذلك الفعل .
٣٢٠