Indexed OCR Text
Pages 201-220
يَزِينُكَ إِمَّ غابَ عَنْكَ فَإِنْ دَنا رَأَيْتَ لَهُ وَجْهاً يَسُرُّكَ مُقْبِلا مِنَ الأَدَبِ المَجْهُولِ كَهْفَا وَمَعْقِلا يُعَلِّمُ هَذا الخَلْقَ مَا شَذَّ عَنْهُمُ مَضيماً لِأهْلِ الحَقِّ لَا يَسْأَمُ الْبَلَا وَيَحْسُنُ فِي ذَاتِ الإِلَهِ إِذَا رَأَى بَصِيرٍ بِأَمْرِ الله يَسْمُو عَلَى العُلا(١) وإخْوانُهُ الأَدْنَوْن كُلُّ مُوَقَّقٍ وبإسنادي إلى أبي إسماعيل الأنصاري : أخبرنا إسماعيلُ بنُ إبراهيم ، أخبرنا نصر بن أبي نصر الطوسي ، سمعتُ عليَّ بنَ أحمد بن خُشَيْش ، سمعتُ أبا الحديد الصوفي بمصر، عن أبيه ، عن المزني ، يقول : أحمدُ بنُ حنبل يوم المِحنة، أبو بكر يومَ الردة ، وعُمر يومَ السقيفة ، وعثمان يوم الدار ، وعلي يومَ صِفين . قال أحمدُ بنُ محمد الرُّشْدِيني : سمعتُ أحمد بنَ صالح المصري ، يقولُ : ما رأيتُ بالعراق مثل هذيْن: أحمد بن حنبل ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، رجلين جامعين لم أر مثلهما بالعراق . وروى أحمدُ بنُ سلمة النيسابوري، عن ابن وارةً ، قال : أحمدُ بنُ حنبل ببغداد ، وأحمدُ بنُ صالح بمصر، وأبو جعفر النُّفَيْلِي بحَرَّان ، وابنُ نُمَيْر بالكوفة ، هؤلاء أركانُ الدين . وقال عليُّ بنُ الجنيد الرازي : سمعتُ أبا جعفر النَّفَيْلِي ، يقول : كان أحمدُ بنُ حنبل من أعلام الدين . وعن محمد بنٍ مُصعب العابد ، قال : لسوطُ ضُرِبَه أحمدُ بنُ حنبل في الله أكبرُ من أيامٍ بِشر بن الحارث . قلتُ : بشر عظيم القدر كأحمد ، ولا ندري وزن الأعمال ، إنما الله يعلمُ ذلك . (١) لم أجد هذه الأبيات فيما وقعت عليه من مصادر . ٢٠١ قال أبو عبد الرحمن النَّهاوَنْدِي : سمعتُ يعقوب الفَسَوِي، يقول : كتبتُ عن ألف شيخ ، حُجَّتِي فيما بيني وبين الله رجلان: أحمد بن حنبل ، وأحمدُ بنُ صالح . وبالإِسناد إلى الأنصاري شيخ الإِسلام : أخبرنا أبو يعقوب ، أخبرنا منصورُ بنُ عبد الله الذُّهْلي ، حدثنا محمدُ بنُ الحسن بن علي البخاري ,، سمعتُ محمدَ بنَ إبراهيم البوشَنْجِي ، وذكر أحمدَ بنَ حنبل ، فقال : هو عندي أفضلُ وأفقهُ من سفيان الثوري ، وذلك أن سفيان لم يُمتَحَن بمثل ما امتُحن به أحمد ، ولا عِلْمُ سفيان ومن يُقدَّم من فقهاء الأمصار كعلم أحمد بنِ حنبل ، لأَنَّه كان أجمعَ لها ، وأبصرَ بأغاليطهم وصَدُوقِهم وكذوبِهم . قال : ولقد بلغني عن بشر بن الحارث أنه قالَ : قامَ أحمدُ مَقام الأنبياء . وأحمدُ عندنا امْتُحِنَ بالسراء والضراء ، فكان فيهما معتصماً بالله . قال أبو يحيى الناقد : كُنَّا عندَ إبراهيم بنِ عرعرة ، فذكروا يعلى بنَ عاصم ، فقال رجلٌ : أحمد بن حنبل يُضَعِّفُه . فقال رجلٌ : وما يَضُرُّه إذا كان ثقة ؟ فقال ابنُ عرعرة : والله لو تكلم أحمدُ في علقمةَ والأسود لضَرَّهما . وقال الخُنَيْنِي : سمعتُ إسماعيل بنَ الخليل، يقولُ : لو كانَ أحمدُ بنُ حنبل في بني إسرائيل لكان آيةً . وعن علي بنٍ شعيب ، قال : عندنا المثل الكائن في بني إسرائيل ، من أنَّ أحدهم كان يُوضَعِ المِنْشَارُ على مِفْرِق رأسه ، ما يَصْرِفُه ذلك عن دينه . ولولا أَنَّ أحمد قامَ بهذا الشأن ، لكانَ عاراً علينا أن قوماً سُبكوا ، فلم يخرجْ منهم أحد . قال ابنُ سَلْم : سمعتُ محمد بنَ نصر المروزي ، يقولُ : صِرتُ إلى ٢٠٢ دار أحمدَ بنِ حنبل مِراراً ، وسألته عن مسائل ، فقيل له : أكان أكثرَ حديثاً أم إسحاق ؟ قال : بل أحمدُ أكثرُ حديثاً وأورع. أحمدُ فاقَ أهل زمانه . قلتُ : كان أحمدُ عظيم الشأن ، رأساً في الحديث ، وفي الفقه ، وفي الثَّالُّه . أثنى عليه خلقٌ من خُصومه ، فما الظنُّ بإخوانِه وأقرانِه ؟ !! وكان مَهيباً في ذاتِ الله . حتى لقالَ أَبُو عُبيد : ما هِبتُ أحداً في مسألة ، ما هبتُ أحمدَ بنَ حنبل . وقال إبراهيمُ الحَرْبِي: عالمُ وَقْتِه سعيدُ بنُ المسيِّب في زمانه ، وسفيانُ الثوري في زمانه ، وأحمدُ بنُ حنبل في زمانه . قرأتُ على إسحاق الأسدي : أخبَرَكم ابنُ خليل ، أخبرنا اللبان ، عن أبي علي الحداد ، أخبرنا أبو نُعيم ، أخبرنا أبو بكر بنُ مالك ، حدثنا محمد ابن يونس ، حدثني سليمان الشَّاذَكوني ، قال : يُشَبَّ عليّ بنُ المديني بأحمد ابن حنبل ؟ أيهات !! ما أشبه السُّك باللُّك(١). لقد حضرتُ من وَرَعِهِ شيئاً بمكة :: أَنَّهُ أَرْهَنَ سطلًا عند فاهِيٍّ (٢) ، فأخذ منه شيئاً ليقوّتَه . فجاء ، فأعطاه فِكاكه ، فَأَخرِجَ إليه سطلين ، فقال : انظر أَيُّهما سَطْلُك ؟ فقال : لا أدري أَنْتَ في حِلٍّ مِنه، وما أعْطَيتُك، ولم يأخذه . قال الفاميُّ : والله إنه لَسَطْلُه، وإنما أردتُ أن أمتحِنَه فيه . وبه إلى أبي نعيم : حدثنا سليمان بنُ أحمد ، حدثنا الأَبَّار : سمعتُ محمد بنَ يحيى النيسابوري ، حين بلغه وفاةُ أحمد ، يقول : ينبغي لكل أهل دار ببغداد أن يُقيموا عليه النِّياحة في دورهم . (١) أي بائع الفوم ، أي الحِمَّص . (٢) السُّكُّ : ضرب من الطيب ، واللكُّ: بالفتح صبغ أحمر يُصبغ به ، وبالضم : ثقله أو عصارته . ٢٠٣ قلتُ : تكلم الذُّهْلِيُّ بمقتضى الحُزْن لا بمقتضى الشرع(١). قال أحمدُ بنُ القاسم المقرىء : سمعتُ الحُسين الكرابيسي، يقول : مَثَلُ الذين يذكرون أحمدَ بنَ حنبل مَثَلُ قَوْمٍ يجيؤون إلى أبي قُبَيْس (٢) يريدون أن يَهْدِمُوه بنعالهم . الطبراني : حدثنا إدريسُ بنُ عبد الكريم المقرىء ، قال : رأيتُ علماءنا مثل الهيثمِ بنِ خارجة ، ومصعبٍ الزُّبيري ، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شَيْبَة ، وأخيه ، وعبد الأعلى بن حماد ، وابن أبي الشوارب ، وعليٍّ بن المديني ، والقواريري ، وأبي خيثمة ؛ وأبي معْمر ، والوَركاني، وأحمد بن محمد بن أيوب ، ومحمد بنٍ بكّار ، وعمرو الناقد ، ويحيى بن أيوب المَقَابري ، وسُريج بن يونس ، وخلف بن هشام ، وأبي الربيع الزهراني ، فيمن لا أُحصيهم، يُعظِّمون أحمدَ ويُجِلُّونَه ويُوَقُِّونَه ويُبَجِّلُونَه ويَقْصِدُونه للسلام عليه . قال أبو علي بنُ شاذان : قال لي محمد بنُ عبد الله الشافعي : لمّا ماتَ سعيدُ بنُ أحمد بن حنبل ، جاء إبراهيمُ الحَربيُّ إلى عبد الله بن أحمد ، فقام إليه عبدُ الله ، فقال : تقوم إلي ؟ قال : والله لورآك أبي ، لقام إليك ، فقال إبراهيم : والله لو رأى ابنُ عُيينة أباك ، لقام إليه . (١) لأن الشرع قد نهى عن النياحة ، وعدها من صنيع الجاهلية ، فقد أخرج مسلم في (((صحيحه)) رقم (٦٧) من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله، وَل 98: (( اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت)). وأخرج البخاري ١٣٠/٣، ومسلم (٩٢٧) من حديث ابن مسعود، قال: قال رسول الله و الر: ((ليس منا من ضربَ الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية)). وأخرج مسلم (٩٣٤) من طريق أبي مالك الأشعري ، قال: قال رسول الله، *: (( النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة ، وعليها سربال من قطران، ودرّعٌ من جَرَب ». (٢) جبل مشرف على مسجد مكة . ٢٠٤ قال محمدُ بنُ أيوب العُكْبَرِي : سمعتُ إبراهيم الحَرْبي ، يقول : التابعون كلهم ، وآخرهم أحمدُ بنُ حنبل - وهو عندي أجلُّهم - يقولونَ: من حَلَفَ بالطلاق أن لا يفعلَ شيئاً ثم فَعَلَه ناسياً، كُلُّهُم يُلزِمونَه الطلاق . وعن الأثرم قال : ناظرتُ رجلاً ، فقال: من قال بهذه المسألة ؟ قلت : من ليس في شرق ولا غرب مثله ، قال: مَنْ ؟ قلتُ : أحمدُ بنُ حنبل . وقد أثنى على أبي عبد الله جماعةٌ من أولياء الله ، وتبرکوا به . روی ذلك أبو الفرج بنُ الجوزي ، وشيخُ الإِسلام ، ولم يصِحَّ سندُ بعض ذلك . أخبرنا إسماعيل بنُ عُمَيرة، أخبرنا ابنُ قُدامة، أخبرنا أبو طالب ابن خُضَير، أخبرنا أبو طالب اليوسُفي، أخبرنا أبو إسحاق البَرْمكي، أخبرنا عليُّ بنُ عبد العزيز، أخبرنا عبد الرحمن بنُ أبي حاتم ، حدثنا أبو زُرعة ، وقيلَ له : اختيارُ أحمدَ وإسحاق أَحَبُّ إليك أم قولُ الشافعي ؟ قال : بل اخْتِيَار أحمدَ فإسحاق . ما أعلم في أصحابنا أسود الرأس أَفْقَهَ من أحمدَ بنِ حنبل ، وما رأيتُ أحداً أجمع منه . في فضله وَالُهِه وشمائله : وبه قال ابنُ أبي حاتم : حدثنا صالح بنُ أحمد ، قال دخلتُ على أبي يوماً أيام الواثق - والله يعلم على أيِّ حالٍ نحنُ - وقد خرجَ لصلاةِ العصر ، وكان له لِبْدُ يجلِسُ عليه، قد أتى عليه سِنُون كثيرةٌ حتى بَلِيَ ، وإذا تحتّه كتاب كاغَدِ(١) فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنتَ فيه من الضِّيق ، وما عليك من الدَّيْن ، وقد وجَّهْتُ إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان ، وما هي من صدقة ولا زكاة ، وإنما هو شيء وَرِثْتُه من أبي . فِقرأتُ الكتاب ، ووضعتُه . (١) أي قرطاس ، وهو فارسي معرب. ٢٠٥ فلما دخل ، قلت : يا أبةٍ ، ما هذا الكتاب ؟ فاحمرَّ وجْهُه ، وقال : رفَعْتُه منك. ثم قال: تَذْهب لجوابه(١) ؟ فكتب إلى الرجل : وصلَ كتابُكَ إليَّ، ونحنُ في عافية . فأما الدَّيْن ، فإنَّه لرجل لا يُرهِقُنا ، وأما عيالنا ، ففي نِعمة الله . فذهبتُ بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتابَ الرجل ، فلما كان بعدَ حين ، ورد كتابُ الرجل مثلَ ذلك ، فردَّ عليه بمثل ما ردًّ . فلما مضت سنة أو نحوها ، ذكرناها ، فقال : لو كُنا قبلناها ، كانت قد ذهبت . وشهدتُ ابن الجَرَوِيِّ ، وقد جاء بعدَ المغرب ، فقال لأبي : أنا رجل مشهور ، وقد أَتَيْتُكَ في هذا الوقت ، وعندي شيء قد اعتددتُه لك ، وهو ميراثٌ ، فَأَحِبُّ أن تَقبلَه . فلم يزل به . فلما أكثر عليه ، قام ودخل . قال صالح : فَأَخْبِرْتُ عن ابن الجروي أنه قال : قلتُ له : يا أبا عبد الله ، هي ثلاثةُ آلاف دينار . فقام وتركني . قال صالح : ووجَّه رجل من الصين بكَاغَدٍ صيني إلى جماعة من المحدثين ، ووجه بِقِمَطْرٍ إلى أبي، فردَّه، وولد لي مولودٌ فأهدى صديق لي شيئاً . ثم أتى على ذلك أشهر ، وأراد الخروجَ إلى البصرة ، فقال لي : تُكلِّم أبا عبد الله يكتُب لي إلى المشايخ بالبصرة ، فكلمتُه فقال : لولا أنه أهدى إليك ، كنت أکتُب له . وبه قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمدُ بن سِنان ، قال : بلغني أن أحمد ابن حنبل رَهن نعلَه عند خباز باليمن ، وأكرى نفسه من جمَّالين عند خروجه ، وعرض عليه عبدُ الرزاق دراهِمَ صالحة ، فلم يقبلْها . وبعث ابنُ طاهر حين مات أحمد بأكفانٍ وحَنوط ، فأبى صالح أن (١) في ((المناقب)) لابن الجوزي: ٢٣٢: (( بجوابه))، بالباء . ٢٠٦ يقبَلَه ، وقال : إن أبي قد أعدَّ كفنه وحَنوطه ، وردّه ، فراجعه ، فقال : إن أمير المؤمنين أعفى أبا عبد الله مما يكره ، وهذا مما يكره ، فلستُ أقبلُه . وبه: حدثنا صالح ، قال : قال أبي : جاءني يحيى بن يحيى - قال أبي : وما أُخرجَتْ خُراسان بعد ابن المبارك رجلاً يُشبه يحيى بن يحيى - فجاءني ابنُه، فقال: إن أبي أوصى بِمَبْطَنَة له لك ، وقال: يذْكرني بها . فقلتُ : جىء بها . فجاء برُزمة ثياب ، فقلتُ له : اذهب رحمك الله ، يعني : ولم يقبلها . قلت : وقيل : إنه أخذ منها ثوباً واحداً . وبه قال : حدثنا صالح قال: قلتُ لأبي : إن أحمد الدورقي أُعْطِي ألف دينار. فقال: يا بُني، ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [ طه: ١٣١ ] وبه: حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن أبي الحَواري ، حدثني عُبيد القارِي ، قال : دخل على أحمد عمُّه ، فقال : يا ابنَ أخي ، أيش هذا الغمُّ ؟ وأيش هذا الحزن ؟ فرفع رأسه ، وقال: ياعم ، طُوبى لمن أخمل الله ذكره . وبه: سمعتُ أبي يقول : كان أحمد إذا رأيته ، تعلم أنه لا يُظهر النسك ، رأيتُ عليه نعلاً لا يُشبهِ نِعال القراء ، له رأس كبير معقّد ، وشِراكُه مُسْبَل، ورأيتُ عليه إزاراً وجبة بُرد مخططة. أي: لم يكن بزيِّ القُراء. وبه : حدثنا صالح: قال لي أبي : جاءني أمس رجل كنتُ أُحبُّ أن تراه، بَيْنا أنا قاعد في نحر الظهيرة ، إذا برجل سلّم بالباب ، فكأن قلبي ارتاح ، ففتحتُ ، فإذا أنا برجل عليه فَروة ، وعلى رأسِه خِرقة ، ما تحت فَّرْوِهِ قميص ، ولا معه ركوة ولا جِراب ولا عُكاز، قد لوَّحتْه الشمس . فقلت : ٢٠٧ ادخل ، فدخل الدَّهليز ، فقلتُ : من أين أقبلتَ ؟ قال : من ناحية المشرق أُريد الساحلَ ، ولولا مكانُك ما دخلتُ هذا البلد ، نويتُ السَّلامَ عليك . قلت : على هذه الحال ؟ قال : نعم . ما الزهد في الدنيا ؟ قلت : قِصَرُ الأمل ، قال : فجعلتُ أعجب منه ، فقلتُ في نفسي . ما عندي ذهب ولا فضة . فدخلتُ البيت ، فأخذتُ أربعة أرغِفة ، فخرجتُ إليه ، فقال : أُوَ يَسُرُكُ أن أقبل ذلك يا أبا عبد الله ؟ قلتُ : نعم . فأخذها ، فوضعها تحت حِضْنِهِ، وقال : أرجو أن تَكْفيَني إلى الرَّقة. أُستودِعُك الله . فكان يذكره كثيراً . وبه: كتب إليَّ عبد الله بن أحمد ، سمعتُ أبي ، وذكر الدنيا ، فقال : قليلُها يُجْزىء ، وكثيرُها لا يُجْزىء ، وقال أبي : وقد ذكر عنده الفقر - فقال : الفقر مع الخير . وبه حدثنا صالح ، قال : أمسَكَ أبي عن مكاتبة ابن راهويه ، لما أَدخَل كتابه إلى عبد الله بن طاهر وقرأه . وبه قال : ذكر عبدُ الله بن أبي عمر البكري ، سمعتُ عبد الملك بن عبد الحميد الميموني ، قال : ما أعلم أني رأيتُ أحداً أنظفَ بدناً ، ولا أشدَّ تعاهداً لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ، ولا أنْقى ثوباً بشدة بياضٍ ، من أحمد بن حنبل رضي الله عنه . كان ثيابُه بين الثوبين ، تَسْوَى مَلْحَفَتُه خمسة عشر درهماً ، وكان ثوب قميصه يُؤخذ بالدينار ونحوه ، لم يكن له دقة تُنكر ، ولا غِلظ ينكر، وكان مَلْحَفَتُه مهذبة . وبه حدثنا صالح ، قال : ربما رأيتُ أبي يأخذ الكِسَر ، ينفُضُ الغبار عنها ، ويُصيُِّها في قصعة ، ويَصُبُّ عليها ماءً ثم يأكُلُها بالملح . وما رأيتُه اشترى رُمَّاناً ولا سفرجلًا ولا شيئاً من الفاكهة ، إلا أن تكونَ بطيخة فيأكلها ٢٠٨ بخبز وعِنباً وتمراً . وقال لي : كانت والدتُك في الظلام تَغْزِلُ غزلاً دقيقاً ، فتبيع الأستار بدرهمين أقلَّ أو أكثر، فكان ذلك قوتنا ، وكنا إذا اشترينا الشيء ، نستُره عنه كيلا يراه ، فُيُوبخنا ، وكان ربما خُبِزَ له ، فيجعل في فَخَّارة عدساً وشحماً وتمرات شِهريز(١) ، فَيجيءِ الصِّبيان ، فيصوِّتُ ببعضهم ، فيدفعه إليهم ، فيضحكون ولا يأكلون . وكان يأتَدِمُ بالخلِّ كثيراً . قال : وقال أبي : إذا لم يكن عندي قطعة ، أُفْرَحُ . وكان إذا توضأ لا يدع من يستقي له ، وربما اعتللت فيأخذ قدحاً فيه ماء ، فيقرأُ فيه ، ثم يقول : اشربْ منه ، واغسل وجهَكَ ويديك . وكانت له قَلَنْسُوَةٌ خاطها بيده ، فيها قُطن ، فإذا قام بالليل لبسها . وكان ربما أخذ القَدُوم ، وخرج إلى دار السكان ، يعمل الشيءَ بيده . واعتل فتعالج . وكان ربما خرج إلى البقال ، فيشتري الجُرْزَةَ الحطَب والشيء ، فيحملُه بيده . وكان يَتْنَوَّر في البيت . فقال لي في يوم شتوي: أريدُ أدخلُ الحمام بعد المغرب ، فقل لصاحب الحمام . ثم بعث إليَّ: إني قد أضربت عن الدخول. وتَنَّوَّرَ في البيت . وكنت أسمعه كثيراً يقول : اللَّهم سلِّم سلِّم . وبه حدثنا أحمد بن سنان ، قال : بُعث إلی أحمد بن حنبل حيث كان (١) بالضم والكسر، وبالسين المهملة أو بالشين المعجمة : نوع من التمر . ٢٠٩ سير ١٤/١١ عندنا أيام يزيد جَوْزٌ ونبقٌ(١) كثيرٌ(٢)، فقبل، وقال لي: كُلْ هذا. قال عبد الله بن أحمد : حدثنا أبي ، وذُكر عنده الشافعي رحمه الله ، فقال : ما استفَاد منا أكثرَ مما استفدنا منه . ثم قال عبد الله : كل شيء في كتاب الشافعي حدثنا الثقة فهو عن أبي . الخلال : حدثنا المروذي ، قال : قدم رجل من الزهادِ ، فأدخلتُه على أحمد ، وعليه فَرْوٌ خَلَقٌ ، وخُرَيْقَة على رأسه وهو حافٍ في برد شديد ، فسلَّم ، وقال: يا أبا عبد الله، قد جئتُ من موضع بعيد ، وما أردتُ إلا السلامَ عليك، وأريدُ عَبَّادان، وأريد إن أنا رجعتُ ، أسلِّمُ عليك . فقال: إن قُدِّر. فقام الرجل وسلَّم ، وأبو عبد الله قاعد ، فما رأيت أحداً قام من عند أبي عبد الله ، حتى يقوم هو إلا هذا الرجل . فقال لي أبو عبد الله : ما ترى ما أشبهه بالأبدال ، أو قال : إني لأذكُر به الأبدال . وأخرجَ إليه أبو عبد الله أربعة أرغِفَة مشطورة بكامَخ(٣) ، وقال: لو كان عندنا شيء ، لواسيناك. وأخبرنا المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعي لك ! قال : أخافُ أن يكونَ هُذا استدراجاً بأي شيء هذا؟ وقلتُ له : قدم رجل من طَرَسُوس ، فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إِذا هدأ الليل ، رفعوا أصواتهم بالدعاء ، ادعوا لأبي عبد الله ، وكنا نَمُدُّ المنجنيق ، ونرمي عن أبي عبد الله . ولقد رُمي عنه بحجر ، والعِلج على الحصن متترس بَدَرَقة فذهب برأسه وبالدَّرَقَةِ . قال: فتغير وجه أبي عبد الله ، وقال : ليته لا يكون استدراجاً. قلتُ : كلا . (١) النَّبْق: هو ثمر السِّذر. (٢) في الأصل: ((ونبقاً كثيراً))، وهو خطأ . (٣) بفتح الميم : نوع من الأدْم ، معرب . ٢١٠ وعن رجل قال : عندنا بخراسان يظنُّون أن أحمد لا يُشبه البشر ، يظُّون أنه من الملائكة . وقال آخر : نظرةٌ عندنا مِن أحمد تعدِلُ عِبادة سنة . قلت : هذا غلوٌ لا ينبغي ، لكن الباعث له حبُّ ولي الله في الله . قال المرُّوذيُّ : رأيتُ طبيباً نصرانياً خرج مِن عند أحمد ومعه راهب ، فقال : إنه سألني أنْ يجيء معي ليرى أبا عبد الله . وأدخلتُ نصرانياً على أبي عبد الله ، فقال له : إني لأشتهي أن أراك منذ سنين . ما بقاؤك صلاحٌ للإِسلام وحدَهم ، بل للخلق جميعاً ، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رضي بك . فقلتُ لأبي عبد الله : اني لأرجو أن يكون يُدعى لك في جميع الأمصار . فقال: يا أبا بكر إذا عرف الرجلُ نفسَه ، فما ينفعُه كلامُ الناس . قال عبد الله بن أحمد : خرج أبي إلى طَرَسوس ماشياً ، وحج حجتين أو ثلاثاً ماشياً، وكان أصبر الناس على الوحدة ، وبِشْرٌ لم يكن يصبر على الوحدة . كان يخرُج إلى ذا وإلى ذا . قال عباس الدُّوري : حدثنا علي بن أبي فَزَارَةٍ(١) جارُنا ، قال : كانت أمي مقعدةً من نحو عشرين سنة . فقالت لي يوماً : اذهب إلى أحمد بن حنبل ، فَسَلْهُ أن يدعوَ لي ، فأتيتُ ، فدققت عليه وهو في دِهليزه ، فقال : من هذا ؟ قلتُ : رجل سألتني أمي وهي مُقعدةٌ أن أسألك الدعاء . فسمعت كلامه كلام رجل مغضَب . فقال: نحن أحوجُ أن تدعوَ اللَّه لنا، فولَيْت منصرفاً . فخرجتْ عجوز، فقالت: قد تركته يدعو لها . فجئتُ إلى بيتنا (١) كذا في الأصل، وعلى هامشة ((حَزارَة ))خ. ٢١١ ودقَقْتُ الباب ، فخرجت أمي على رجليها تمشي . هذه الواقعة نقلها ثقتان عن عباس . قال عبدُ الله بن أحمد : كان أبي يُصلي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة . فَلما مرض مِن تلك الأسواط ، أضعفَتْه، فكان يُصلي كُلَّ يوم وليلة مئة وخمسين ركعة . وعن أبي إسماعيل الترمذي : قال : جاء رجل بعشرة آلاف من ربح تجارته إلى أحمد فردها .وقيل : إن صیرفیاً بذل لأحمد خمس مئة دينار ، فلم يقبل . ومن آدابه : قال عبد الله بن أحمد: رأيتُ أبي يأخذ شعرة مِن شعر النبي، وَّر، فيضعُها على فيه يُقبِّلُها . وأحسِب أني رأيتُه يضعها على عينه ، ويغمِسُها في الماء ويشربه يستشفي به . ورأيته أخذ قَصْعة النبيِّ، وَ ﴿ فغسلها في حُبّ الماء ، ثم شرب فيها ورأيتُه يَشْرَبُ من ماء زمزم يستشفي به ، ويمسح به يديه ووجهه . قلت : أين المتنطِّع المنكِرُ على أحمد ، وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمَسُ رُمَّانة منبر النبي، وَّهِ، ويَمَسُ الحجرة النبوية، فقال : لا أرى بذلك بأساً . أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع . قال أحمد بن سعيد الدارمي : كتب إليَّ أحمد بن حنبل : لأبي جعفر ، أكرمه الله ، من أحمد بن حنبل . قال عُبيد الله بن عبد الرحمن الزهري : حدثنا أبي ، قال : مَضى عمي أحمد بن سعد إلى أحمد بن حنبل ، فسلم عليه . فلما رآه ، وثب قائماً وأكرمه . ٢١٢ وقال المرُّوذي : قال لي أحمد : ما كتبتُ حديثاً إلا وقد عملتُ به ، حتى مرَّ بي أن النبي، وََّ، احْتَجَمَ وَأَعْطَى أَبَا طَيْبَةَ دِيناراً، (١) فأعطيتُ الحَجَّام ديناراً حين احتجمتُ . وعن المُرُّوذِي : كان أبو عبد الله لا يدخل الحمام ، ويتنوَّرُ في البيت ، وأصلحتُ له غير مَرة النُّورة ، واشتريتُ له چِلداً لِيده يُدخل يده فيه ، ويتنّر . وقال حنبل : رأيتُ أبا عبد الله إذا أراد القيام ، قال لجلسائه : إذا ـيِثُم . وقال المرُّوذي : رأيتُ أبا عبد الله قد ألقى لِخَتٍَّ درهمين في الطَّسْتِ . وقال عبد الله : ما رأيتُ أبي حدث مِن غير كتاب إلا بأقل من مئة حديث . وسمعتُ أبي يقول : قال الشافعي: يا أبا عبدِ الله: إذا صح عندكم الحديثُ ، فأخبرونا حتى نرجع إليه أنْتُم أعلمُ بالأخبار الصحاح منا ، فإذا كان خبر صحيح ، فأعلمني حتى أذهبَ إليه ، كوفياً كان أو بصرياً أو شامياً . قلتُ : لم يحتج إلى أن يقول حجازيً ، فإنه كان بصيراً بحديث (١) أخرج مالك في ((الموطأ)) ٩٧٤/٢ في الاستئذان : باب ما جاء في الحجامة وأجرة. الحجام ، والبخاري ٢٧٢/٤ في البيوع : باب ذكر الحجام ، وباب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم ، وفي الإِجازة : باب ضريبة العبد ، وتعاهد ضرائب الإِماء ، وباب من كلم موالي العبد أن يخففوا من خراجه ، وفي الطب : باب الحجامة من الداء، ومسلم (١٥٧٧ ) في المساقاة : باب حل أجرة الحجامة ، كلهم من طرقٍ عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال: حَجمَ رسولَ اللهِ، وَ#، أبو طَيْبة، فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه . وأخرجه الدارمي ٢٧٢/٢، والترمذي (١٢٧٨)، وأبو داود (٣٤٢٤) ، وأحمد ١٠٠/٣ و١٧٤ و١٨٢ . وفي بعض هذه الروايات : فأمر له بصاع من طعام . وفي بعضها : بصاعٍ من شعير. وفي بعضها : بصاعين من طعام . ولم يَرِدْ فيها أنه أعطاه ديناراً . وسيأتي الحديث عند المصنف في ص : ٣٠٧ . ٢١٣ ، الحجاز ، ولا قال مصرياً ، فإن غيرهما كان أقعد بحديث مصر منهما .. الطبراني : حدثنا موسى بن هارون : سمعتُ ابن راهويه ، يقول : لِمَّا خرج أحمدُ إلى عبد الرزاق ، انقطعت به النفقةُ ، فأکری نفسه من بعض الجمالين إلى أن وافى صنعاء ، وعرض عليه أصحابه المواساة فلم يأخذ . قال عبدُ الله بن أحمد : حدثني إسماعيل بن أبي الحارث ، قال : مرَّ بنا أحمد ، فقلنا الإِنسان : اتبعه ، وانظر أين يذهب . فقال : جاء إلى حَنَّكِ المرْوَزِي فما كان إلا ساعة حتى خرج . فقلتُ لحنَّك بَعْدُ : جاءك أبو عبد الله ؟ قال : هو صديق لي ، واستقرض مني مئتي درهم ، فجاءني بها، فقلتُ : ما نويتُ أخْذَها، فقال: وأنا ما نويتُ إلا أن أَرُدَّها إليك . أبو نُعَيم : حدثنا الطبراني ، حدثنا محمد بن موسى البَرْبري ، قال : حُمل إلى الحسن الجَرَوي ميراثه من مصر مئة ألف دينار ، فأتى أحمد بثلاثة آلاف دينار ، فما قبلها . أبو نعيم : حدثنا الحسين بن محمد ، حدثنا شاكر بن جعفر ، سمعت أحمد بن محمد التَّسْتَري، يقول : ذكروا أن أحمد بن حنبل أتى عليه ثلاثةُ أيام ما طَعِمَ فيها ، فبعث إلى صديق له ، فاقترض منه دقيقاً، فجهّزوه بسرعة ، فقال : كيف ذا؟ قالوا : تَنُّور صالح مُسْجَر، فَخَبَزْنَا فيه ، فقال : ارفعوا ، وأَمَرَ بسدٍّ بابٍ بينَه وبين صالح . قلت : لكونه أخذ جائزةَ المتوكل . قال يحيى بن معين : ما رأيتُ مثل أحمد ، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه من الخير . قال عبد الله بن أحمد : كان أبي يقرأ كُلَّ يوم سُبعاً ، وكان ينام نومةً ٢١٤ خفيفة بعد العشاء ، ثم يقوم إلى الصباح يُصلي ويدعو . وقال صالح : كان أبي إذا دعا له رجل ، قال : ليس يُحرز الرجل المؤمن إلا حفرته ، الأعمالُ بخواتيمها. وقال أبي في مرضه : أُخرجْ كتاب عبد الله بن إدريس ، فقال : اقرأ عليَّ حديث ليث : إن طاووساً كان يكره الأنين في المرض . فما سمعتُ لأبي أنيناً حتى مات(١) . وسمعه ابنُه عبد الله يقول : تمنيتُ الموت ، وهذا أمر أشدُّ عليَّ من ذلك ، ذاك فتنة الضَّرْبِ والحبس ، كنت أحملُه ، وهذه فتنة الدنيا . قال أحمد الدَّورقي : لما قدم أحمد بن حنبل من عند عبد الرزاق ، رأيتُ به شحوباً بمكة . وقد تبين عليه النصبُ والتعبُ ، فكلمتُه ، فقال : هَيِّن فيما استفدنا مِن عبد الرزاق . قال عبد الله : قال أبي : ما كتبنا عن عبد الرزاق مِن حفظه إلا المجلس الأول، وذلك أنا دخلنا بالليل ، فأملى علينا سبعينَ حديثاً. وقد جالس مَعْمَراً تسعَ سنين . وكان يكتُب عنه كُلَّ ما يقول . قال عبدُ الله : مَن سَمِع من عبد الرزاق بعد المئتين ، فسماعه ضعيف . قال موسى بن هارون : سئل أحمد: أين نطلُب البدلاء ؟ فسكت ثم قال : إنْ لم يكن مِن أصحاب الحديث فلا أدري . قال المَرُّوذِي : كان أبو عبد الله إذا ذكر الموت ، خَنَقْه العَبرة . وكان يقول : الخوف يمنعُنِي أَكْلَ الطعام والشراب ، وإذا ذكرتُ الموت ، هان علي كل أمر الدنيا . إنما هو طعامٌ دونَ طعام ، ولباسٌ دون لباس . وإنها أيامٌ (١) ولا يصح هذا عن النبي وَلة. ٢١٥ : قلائل . ما أعدِل بالفقر شيئاً . ولو وجدتُ السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر . وقال : أريد أن أكون في شِعْب بمكة حتى لا أُعرف ، قد بُليتُ بالشهرة ، إني أتمنى الموت صباحاً ومساءً . قال المرُّوذي: وذكر لأحمد أن رجلاً يريد لقاءه ، فقال : أليس قد كره بعضُهم اللقاء يتزيَّن لي وأتزيَّن له(١) . وقال : لقد استرحتُ ، ما جاءني الفرجُ إلا منذ حلفت أن لا أحدِّث ، وليتناتُتْرَكُ، الطريقُ ما كان عليه بِشرُ بن الحارث. فقلتُ له : إن فلاناً، قال : لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها ، قال : زَهِدَ في الناس . فقال: ومَن أنا حتى أزهد في الناس ؟ الناسُ يريدون أن يزهدوا فيَّ . وسمعتُه يكره للرجل النوم بعد العصر، يخاف على عقله(٢). وقال : لا يُفْلِحُ من تعاطى الكلام ، ولا يخلو مِن أَنْ يَتَجَهَّم(٣) (١) اللقاء الذي لم يرغب فيه الإِمام أحمد هو الذي يراد منه ذيوع الصيت والتكلف . أما لقاء الناس لتعليمهم ما جهلوا من أمر دينهم ، وإسداء النصح لهم ، وصلة أرحامهم ، وزيارتهم في المناسبات المشروعة ، فهو مما يرتضيه ويرغب فيه ، لأن ذلك مما يحمَده الشرع ويحث عليه . فقد روى الإمام أحمد ٢ /٤٣، وابن ماجة (٤٠٣٢)، والترمذي ( ٢٥٠٧ ) بسند قوي من حديث ابن عمر مرفوعاً: ((المؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ، ولا يصبر على أذاهم)). (٢) لم يثبت هذا في نص يعول عليه . (٣) يقول شيخ الإسلام : الجهمية ثلاث درجات : فشرها الغالية الذين ينفون أسماء الله وصفاته . وإن سموه بشيءٍ من أسمائه الحسنى ، قالوا : هو مجاز . فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ، ولا عالم ، ولا قادر ، ولا سميع ، ولا بصير ، ولا متكلم ، ولا يتكلم . والدرجة الثانية من التجهم هو تجهم المعتزلة ونحوهم ، الذين يقرون بأسماء الله تعالى في الجملة ، لكن ينفون صفاته . وهم أيضاً لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة ، بل يجعلون كثيراً منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون . والدرجة الثالثة هم الصفاتية المثبتون المخالفون= ٢١٦ وسئل عن القراءة بالألحان ، فقال : هذه بدعة لا تُسمع . ومِن سيرته : قال الخلال : قلت لزهير بن صالح : هل رأيتَ جدَّك ؟ قال : نعم . مات وأنا في عشر سنين، كنا ندخُل إليه في كل يوم جُمُعَةٍ أنا وأخواتي ، وكان بيننا وبينَه باب، وكان يكتُب لكل واحد منا حَبَّتَيْنِ حبِّتَينٍ من فضة في رُقعة إلى فامي يُعامِلُه . وربما مررتُ به وهو قاعد في الشمس ، وظهره مكشوفٌ فيه أثر الضرب بيِّن ، وكان لي أخ أصغر مني اسمُه علي ، فأراد أبي أن يَخْتِنه ، فاتخذ له طعاماً كثيراً ، ودعا قوماً ، فوجَّه إليه جدِّي: بلغني ما أحدثْتَه لهذا ، وأنك أسرفْتَ ، فابدأ بالفقراء والضعفاء . فلما أنْ كان من الغد، حضر الحَجّام ، وحضر أهلُنا ، جاء جدي حتى جلس عند الصبي ، وأخرج صُريرةً ، فدفعها إلى الحجام ، وقام فنظر الحَجَّام في الصُريرة ، فإذا درهم واحد . وكنا قد رفعنا كثيراً من الفُرُش ، وكان الصبيُّ على مصطبة مرتفعة من الثياب الملونة ، فلم يُنكِر ذلك . وقدِم علينا من خُراسان ابنُ خالة جَدِّي ، فنزل على أبي ، فدخلتُ معه إلى جدي ، فجاءت الجاريةُ بطبقٍ خِلافٍ ، وعليه خُبز وبقل وملح ، وبغُضارة ، فوضعتْها بين أيدينا ، فيها مَصْلِيَّة فيها لحم وصلق كثير ، فأكل معنا ، وسأل ابن خالته عمن بقي من أهله بخُراسان في خلال الأكل ، فربما = للجهمية ، لكن فيهم نوع من التجهم ، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته ، الخبرية وغير الخبرية ، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها . والإِمام أحمد ينعت اللفظية بالتجهم ، أي الذين يقولون : لفظنا بالقرآن مخلوق . قال ابن جرير : وسمعت جماعة من أصحابنا ، لا أحفظ أسماءهم ، يحكون عن أحمد أنه كان يقول : من قال : لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي . والسلف كانوا يسمون كل مَنْ نفى الصفات ، ويقول: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرى في الآخرة جهمياً. انظر ((تاريخ الجهمية)) ص : ٥٣ وما بعدها للقاسمي . ٢١٧ ستعجم عليه ، فيُکلمه جدِّي بالفارسية ، ويضعُ اللحم بين يديه وبين يدي . ثم أخذ طبقاً إلى جنبه ، فوُضع فيه تمر وجوز ، وجعل يأكُل ويُناوِلُ الرجل . قال الميموني : كثيراً ما كنتُ أسأل أبا عبدِ الله عن الشيء ، فيقول : لَبَيْكَ لبيك . وعن المُرُّوذي ، قال : لم أر الفقيرَ في مجلس أعزَّ منه في مجلس أحمد . کان مائلا إلیهم ، مقصراً عن أهل الدنيا، وكان فیه حِلم ، ولم یکن بالعجول ، وكان كثير التواضع تَعْلوه السكينةُ والوقارُ، وإذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يُسأل ، وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر . قال عبد الله: رأيتُ أبي حرَّج على النمل أن يُخْرَجوا مِن داره، فرأيتُ النمل قد خرجن بعدُ نملاً سُوداً، فلم أرهم بعد ذلك . ومن كرمه : الخلال : حدثنا عبد الله بن أحمد ، قال : قال أبو سعيد بن أبي حنيفة المؤدِّب : كنتُ آتي أباك فيدفعُ إليَّ الثلاثة دراهم وأقلَّ وأكثر ويقعُد معي ، فَيَتّحدث ، وربما أعطاني الشيء، ويقول : أعطيتُك نصف ما عندنا . فجئتُ يوماً ، فأطلْتُ القعود أنا وهو . قال : ثم خرج ومعه تحت کسائه أربعةُ أرغِفَة . فقال: هذا نصفُ ما عندنا . فقلتُ : هي أحبُّ إليَّ من أربعة آلاف . مِن غيرك . قال المرُّوذي : رأيتُ أبا عبد الله ، وجاءه بعضُ قرابته فأعطاه درهمين . وأتاه رجل فبعث إلى البقَّال ، فأعطاه نِصفَ درهم . وعن يحيى بن هلال ، قال : جئتُ أحمد فأعطاني أربعة دراهم . ٢١٨ وقال هارون المستملي : لقيتُ أحمد بن حنبل ، فقلتُ : ما عندنا شيء . فأعطاني خمسةً دراهم ، وقال : ما عندنا غيرُها . قال المرُّوذي : رأيتُ أبا عبد الله قد وهب لرجل قميصَه ، وقال : ربما واسى من قُوتِه . وكان إذا جاءه أمر يهمُّه مِن أمر الدنيا ، لم يُفطر وواصل . وجاءه أبو سعيد الضرير ، وكان قال قصيدة في ابنٍ أبي دُوّاد، فشكى إلى أبي عبد الله ، فقال: يا أبا سعيد، ما عندنا إلا هذا الجَذّع. فجيء بحمَّال ، قال فبِعْتُه بتسعة دراهم ودانِقين . وكان أبو عبد الله شديد الحياء ، كريم الأخلاق ، يُعجبه السخاءُ . قال المرُّوذي : سمعت أبا الفوارس ساكن أبي عبد الله ، يقول : قال لي أبو عبد الله : يا محمد ، ألقى الصبيُّ المِقراضَ في البئر، فنزلتُ فأخرجتُه . فكتب لي إلى البقَّال : أعطه نصفَ درهم . قلتُ : هذا لا يَسْوَى قيراط . والله لا أخذتُه . قال : فلما كان بعدُ ، دعاني ، فقال : كم عليك من الكِراء ؟ فقلتُ : ثلاثة أشهر . قال : أنَت في حِلَّ . ثم قال أبوبكر الخلال : فاعتبروا يا أولي الألباب والعلم ، هل تجدون أحداً بلغكم عنه هذه الأخلاق ؟ !! حدثنا عليُّ بن سهل بن المغيرة ، قال: كنا عند عفان مع أحمد بن حنبل وأصحابهم ، وصنع لهم عفان حَمَلاً وفالوذج ، فجعل أحمد يأكل مِن كل شيء قدَّموا إلا الفالوذَج . فسألتُه ، فقال : كان يُقال : هو أُرفعُ الطعامِ فلا يأكلُه . وفي حكاية أخرى : فأكل لقمة فالوذج . وعن ابن صُبْح ، قال : حضرتُ أبا عبد الله على طعام ، فجاؤوا بأُرُز، فقال أبو عبد الله : نعم الطعام ، إنْ أُكل في أول الطّعام أشبع ، وإن ٢١٩ أُكِلَ في آخره هضم . ونقل عن أبي عبد الله إجابةُ غيرِ دعوة . قال حمدان بن علي : لم يكن لباسُ أحمد بذاك ، إلا أنه قُطن نظيف . وقال الفضلُ بن زياد : رأيتُ على أبي عبد الله في الشتاء قميصين وجُبّة ملونة بينهما ، وربما لبس قميصاً وفزواً ثقيلاً . ورأيتُه عليه عِمامة فوق القَلنسوة ، وكساء ثقيلاً . فسمعتُ أبا عمران الوَرْكاني ، يقولُ له يوماً يا أبا عبد الله ، هذا اللباس كُلُّه ؟ فضحك، ثم قال : أنا رقيق في البرد ، وربما لبس القلنسوة بغير عمامة . قال الفضلُ بن زياد : رأيتُ على أبي عبد الله في الصيف قميصاً وسراويل ورداء ، وكان كثيراً ما يَتَّشحُ فوق القميص . الخلال : أخبرنا الميموني: ما رأيتُ أبا عبد الله عليه طَيلسان قطُّ ، ولا رداء ، إنما هو إزارٌ صغير . وقال أبو داود : كنت أرى أزرار أبي عبد الله محلولة . ورأيتُ عليهِ من النعال ومِن الخفاف غير زوج، فما رأيتُ فيه مُخَضَّراً ولا شيئاً(١) له قِبَالان(٢) . وقال أبو داود : رأيتُ على أبي عبد الله نعلين حمراوين لهما قبال واحد . الخلال : حدثنا محمد بن الحسین ، أن أبا بكر المروذي حدثهم في آداب أبي عبد الله ، قال : كان أبو عبد الله لا يجهلُ ، وإن جُهِلَ عليه حَلُم (١) في الأصل ((ولا شيء)). (٢) مثنى قِبَال، وهو الزمام ، أو ما كان قُدَّامَ عقد الشراك. ٢٢٠