Indexed OCR Text

Pages 541-560

روى عنه : ابنُهُ ، وأحمدُ بن عمر الوكيعي ، والحسنُ بن علي
الحلواني ، ومحمدُ بن عاصم الثقفي ، وعبَّاسٌ الدُّوريُّ، وأحمدُ بن عبد
الحميد الحارثي ، والحسنُ بن علي بن عفان ، وآخرون كثير .
وكان من عُلماء الحديث ، وثّقه يحيى بنُ معين(١) .
وقال النِّسَائي : ليس بالقوي .
وقال أبو داود : كان داعيةً إلى الإِرجاء .
قال هارون : مات سنةً اثنتين ومئتين .
١٧٢ - النّظّام *
شيخُ المعتزلة ، صاحبُ التصانيف ، أبو إسحاق إبراهيمُ بن سَيَّار مولى
آلِ الحارِثِ بن عَبّاد الضُّبَعي البصريُّ المتكلم .
تكلّم في القدر ، وانفرد بمسائل ، وهو شيخُ الجاحظ .
وكان يقولُ : إنَّ اللهَ لا يَقْدِرُ على الظلم ولا الشر، ولو كان قادراً ؛ لكُنّا
لا نأَمَن وَقْعَ ذلك ، وإنَّ الناسَ يقدِرُون على الظلم، وصرَّحَ بأن اللهَ لا يقدِرُ
على إخراج أحدٍ من جهنم ، وأنه ليس يقدِرُ على أصلح مما خَلَق .
قلتُ : القرآنُ والعقلُ الصحيح يُكَذِّبان هؤلاء ، ويزجُرانِهِم عن القول
(١) ((التاريخ)) لابن معين ٣٤٢/٢ .
* اختلاف الحديث لابن قتيبة: ص ١٧ وما بعدها ، طبقات المعتزلة : ٤٩ - ٥٢، أمالي
المرتضى ١٨٧/١ - ١٨٩، فهرست ابن النديم : ٢٠٥، ٢٠٦، تاريخ بغداد ٩٧/٦، ٩٨،
الملل والنحل ٥٣/١، ٥٩، اللباب ٣١٦/٣، الوافي بالوفيات ١٤/٦ - ١٩، خطط المقريزي
٣٤٦/١، لسان الميزان ٦٧/١، النجوم الزاهرة ٢٣٤/٢، سفينة البحار ٥٩٧/٢، الفرق بين
الفرق: ١١٣، ١٣٦، معجم المصنفين ١٥٨/٣ - ١٦١.
٥٤١

بلا علم، ولم يكن النّظَّامُ ممن نَفَعَه العلمُ والفهمُ ، وقد كفَّره جماعة .
وقال بعضُهُم : كان النّظَامُ على دينِ البَرَاهمة المُنكرين للنبوةِ والبعث،
ويُخفي ذلك .
وله نظمٌ رائقٌ ، وترسُّلٌ فائق ، وتصانيفُ جَمَّةٌ ، منها : كتاب
((الطفرة)) وكتاب ((الجواهر والأعراض))، وكتاب ((حركات أهل الجنة))،
وكتاب ((الوعيد))، وكتاب ((النبوة))، وأشياء كثيرة لا توجد(١).
ورد أنه سقطَ من غُرْفَةٍ وهو سكران، فماتَ ، في خلافةِ المعتصم أو
الواثق ، سنةَ بضعٍ وعشرين ومثتين .
وكان في هذا الوقت العلامةُ المتكلمُ أحدُ مشايخ الجهمية إبراهيمُ(٢)
ابن الحافظ إسماعيل ابن عُلَيَّة البصري .
١٧٣ - [أبو الهذيل العلاف] *
ورأسُ المعتزلةِ أبو الهُذيل ، محمدُ بن الهُذيل البصريُّ العَلَّف،
صاحبُ التصانيف ، الذي زعم أنَّ نَعيمَ الجنةِ وعذابَ النار ينتهي بحيثُ إن
حركاتِ أهلِ الجنة تسكنُ ، حتى لا ينطقون بكلمة ، وأنكر الصفاتِ
المُقَدَّسَة حتى العلم والقدرة ، وقال: هما اللهُ ، وأنَّ لما يَقْدِرُ اللهُ عليه نهايةٌ
وآخراً ، وأنَّ للقدرة نهايةً لو خرجت إلى الفعلِ ، فإن خرجتْ لم تقدِرْ على
(١) ذكر كتبه ابن النديم في ((الفهرست)) ص ٢٠٦ .
(٢) انظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٢٠/٦ - ٢٣ و((النجوم الزاهرة)) ٢ / ٢٢٨.
* مروج الذهب ٢٩٨/٢، طبقات المعتزلة: ٤٤ - ٤٩، أمالي المرتضى ١٧٨/١ -
١٨٣، الفهرست لابن النديم: ٢٠٣، ٢٠٤، تاريخ بغداد ٣٦٦/٣، وفيات الأعيان
٤ /٢٦٥ - ٢٦٧، العبر ٤٢٢/١، نكت الهميان: ٢٧٧، لسان الميزان ٤١٣/٥، ٤١٤،
النجوم الزاهرة ٢٤٨/٢، روضات الجنات: ١٥٨، شذرات الذهب ٨٥/٢.
٥٤٢

خلقِ ذرةٍ أصلاً . وهذا كفرٌ وإلحاد .
وقيل : إنَّ المأمونَ قال لحاجبِهِ : مَنْ بالباب ؟ قال : أبو الهُذيل، وعبد
الله بنُ أبان الخارجي ، وهشامُ بن الكلبي ، فقال: ما بقي من رؤوس جهنم
إلا من حضر(١) .
ولم يكن أبو الهُذَيل بالتَّقِيِّ، حتى لنُقِل أنه سَكِرَ مرَّةً عند صديقه ،
فراوَدَ غلاماً له، فرمَاه بِتَورٍ، فدخل في رَقَتِهِ، وصار كالطّوقِ، فاحتاجَ
إلى حدّادٍ يَفُكُّه(٢).
وكان أخذَ الاعتزالَ عن عثمان بنِ خالدٍ الطويل تلميذٍ واصلٍ بن عطاء
الغزال .
وطالَ عُمر أبي الهُذَيل ، وجاوز التسعين ، وانقلَعَ في سنةٍ سبعٍ
وعشرين ومئتين ، ويعال : بقي إلى سنة خمس وثلاثين .
أخذ عنه عليُّ بن ياسين وغيرُهُ من المعتزلة .
١٧٤ - [هشام بن الحكم ] *
وكان في هذا الحين المتكلمُ البارعُ هشامُ بن الحكم الكوفيُّ الرافضيُّ
المشبِّه المُعثر، وله نظرٌ وجَدَل ، وتواليفُ كثيرة .
(١) ((تاريخ بغداد)) ٣٦٩/٣.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٣٦٩/٣. والتَّورُ: إِناءٌ يُشْربُ فيه .
* مروج الذهب ٤٤٣/٥، ٤٤٤ و٣٧٠/٦ و٢٣٢/٧، ٢٣٦، الفهرست: ٢٢٣،
٢٢٤، أمالي المرتضى ١٧٦/١، سمط اللآلي: ٨٥٥، لسان الميزان ١٩٤/٦، فهرست
الطوسي : ١٧٤، سفينة البحار للقمي ٧١٩/٢، منهج المقال: ٣٥٩، معرفة أخبار الرجال
للكشي : ١٦٥ .
٥٤٣

قال ابنُ حزم : جمهورُ مُتكلُّمي الرافِضَةِ كهشام بن الحكم ، وتلميذِه
أبي عليِّ الصَّكّاك وغيرِ هما يقولون: بأنّ علم الله مُحْدَثٌ، وأنه لم يعلم شيئاً
في الأزل ، فأحدثَ لنفسِهِ علماً .
قال : وقال هشامُ بنُ الحكم في مُنَاظرته لأبي الهُذَيل : إن رَبّه طولُهُ
سبعة أشبارٍ بشبرِ نفسه .
قال: وكان داودُ الجواربي مِن كبارٍ مُتَكلِّميهم يزعمُ أنَّ ربَّهُ لحمٌ ودمٌ
على صورةٍ الآدمي .
قال : ولا يختلفون في رد الشمس لعلي مرتين . ومن قولٍ كُلُّهم : إِنَّ
القرآنَ مُبَدَّلٌ زيد فيه ونُقصَ منه إلا الشريفَ المُرتَضَى وصاحِبيه .
قال النديم : هو من أصحاب جعفر الصادق ، هذّب المذهب ، وفتق
الكلام في الإِمامة ، وكان حاذقاً حاضر الجواب. ثم سرد أسماء كتبه ، منها
في الرد على المعتزلة ، وفي التوحيد ، وغير ذلك(١).
١٧٥ - [ ضرار بن عمرو] *
نعم ومن رؤوس المعتزلة ضِرارُ بنُ عمرو، شيخُ الضُّرارية .
فمِن نحلته قال : يمكنُ أن يكونَ جميعُ الأمَّة في الباطن كُفّاراً لجوازِ
ذلك على كل فردٍ منهم . ويقولُ : الأجسامُ إنما هي أعراضٌ مُجتمعة ، وإنَّ
(١) ((الفهرست)) ص ٢٢٣، ٢٢٤ . وكان هذا النص في الأصل مثبتاً في ترجمة هشام بن
عمرو التي سترد قريباً ، فنقلناه إلى هنا ، لأن النديم إنما ذكره في ترجمة هشام هذا ، وليس في
ترجمة هشام بن عمرو .
· الضعفاء للعقيلي لوحة ١٩٣، الفهرست لابن النديم: ٢١٤، ٢١٥، ميزان الاعتدال
٢٣٨/٢، ٢٣٩، لسان الميزان ٢٠٣/٣، فضل الاعتزال: ٣٩١، الفرق بين الفرق: ٢٠١.
٥٤٤

النارَ لا حرَّ فيها ، ولا في الثلج برد ، ولا في العسل حلاوة ، وإنما يُخلقُ ذلك
عند الذَّوقِ واللَّمسِ .
وقال المرُوذِيُّ : قال أحمدُ بن حنبل : شهدتُ على ضِرَارِ بنِ عَمروٍ
عند سعيدِ بنِ عبد الرحمن ، فأمرَ بضربٍ عُنُقِهِ ، فهربَ .
وقال حنبلٌ : دخلتُ على ضِرَارٍ ببغداد ، وكان مُشَوَّماً وبه فالجّ ، وكان
مُعتزلياً ، فأنكر الجنة والنارَ ، وقال: اختُلِفَ فيهما: هل خُلقتا بعدُ أم لا؟
فوثَبَ عليه أصحابُ الحديث ، وضربوه .
وقال أحمدُ بن حنبل : إنكارُ وجودِهِمَا كُفْرَ، قال تعالى: ﴿النَّارُ
يُعْرَضُونَ عليها غُدُوّاً وعَشِيّاً﴾. [غافر: ٤٦].
قال أحمد : فهربَ . قالوا : أخفاه يحيى بنُ خالد حتى مات .
قلتُ : فهذا يدلُّ على موتِهِ في زمنٍ الرشيد .
فأمّا حكايةُ جُنيد ، فيكون حكاها عن أحمد .
وأيضاً فإنَّ حفصاً الفرد الذي كفَّره الشافعيُّ في مناظرته مِن تَلامذةِ ضِرار .
قال ابنُ حزم : كان ضِرَارٌ يُنْكِرُ عَذَابَ القبر .
وقال أبو همَّام السِّكُوني : شَهد قومٌ على ضرارٍ بأنَّه زنديقٌ ، فقال
سعيدٌ : قد أبحتُ دَمَه ، فَمَن شاء فليقتله. قال : فعزلوا سعيداً من القضاءِ ،
فمرَّ شريكٌ القاضي ، ورجلٌ يُنادي : مَن أصاب ضِراراً ، فلهُ عشرةُ
آلاف . فقال شَرِيكُ: الساعةَ خَلَّقْتُه عند يحيى البرمكي - أراد شريكٌ أن
يُعلِمِ أنَّهم يُنادون عليه وهو عندهم - .
قلتُ : لِمِثلِ هذا تكلّم الناسُ في دين البرامكة ، وضِرَارٌ أكبرُ من
٥٤٥
سیر ٣٥/١٠

هؤلاء المُتَعْاصرين ، وله تصانيفُ كثيرة تُؤْذِنُ بذكائه ، وكثرةِ اطّلاعه على
الملل والنَّحل .
ومنهم المتكلم البارع :
١٧٦ - أبو المعتمر مُعَمَّر بن عمرو *
وقيل : ابن عبّاد ، البصريُّ السلميُّ مولاهم العطار ، المُعتزلي.
وكان يقولُ : في العالمِ أشياءُ موجودةٌ لا نهايَةً لها ، ولا لها عند اللهِ
عددٌ ولا مقدار . فهذا ضلال، يردُّه قولُهُ تعالى: ﴿وأَحْصىْ كُلَّ شَيْءٍ
عَدَدَا﴾ [الجن: ٢٨] وقال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].
ولذلك قامت عليه المعتزلةُ بالبصرةِ ، ففرَّ إلى بغداد ، واختفى عند إبراهيم
ابن السندي .
وكان يزعمُ أنَّ اللهَ لم يخلق لوناً ، ولا طُولاً، ولا عَرضاً، ولا عُمقاً،
ولا رائحةً ، ولا حُسناً ، ولا قُبحاً ، ولا سَمعاً ولا بصراً ، بل ذلكَ فِعلُ
الأجسامِ بطِبَاعِهَا، فَعُورِضَ بقولِهِ تعالى: ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةِ﴾،
[الملك: ٢]، فقال: المرادُ خلقُ الإِماتَةِ والإِحْيَاءِ، وقال: النفسُ ليست
جِسماً ولا عَرَضاً، ولا تُلَاصِقُ شيئاً، ولا تُبَايِنُهُ، ولا تسكن .
وكان بينَه وبينَ النَّظَّام مناظراتٌ ومُنازعات ، وله تصانيفُ في الكلام .
وهلكَ فيما وَرَّخه محمدُ بن إسحاق النديم سنة خمس عشرة ومثتين .
ومنهم :
* طبقات المعتزلة : ٥٤ - ٥٦، الفهرست لابن النديم: ٢٠٧.
٥٤٦

١٧٧ - هشام بن عَمرو *
أبو محمد الفُوَطي ، المعتزلي ، الكوفي ، مولى بني شيبان .
صاحبُ ذكاءٍ وجدالٍ وبدعةٍ ووبال .
أخذ عنه عَبَّاد بنُ سلمان وغيره .
ونهى عن قول: ((حسبُنا الله وَنِعْمَ الوكيلُ)) وقال: لا يُعَذِّبُ اللهُ كافراً
بالنار ، ولا يُحيي أرضاً بمطر ، ولا يهدي ولا يُضِلُّ، ويقول : يُعَذِّبُون في
النَّار لا بها ، ويحبي الأرض عندَ المطرِ لا به ، وأنَّ معنى: نعم الوكيلُ، أي
المُتَوَكَّل عليه .
قال المُبرد : قال رجلٌ لهشام الفُوَطي : كم تَعدُّ مِن السنين ؟ قال : من
واحدٍ إلى أكثرَ من ألف . قال : لم أُرِدْ هذا، كم لَكَ من السِّن ؟ قال : اثنان
وثلاثون سِنّاً . قال : كم لكَ مِن السِّنِين؟ قال: ما هي لي ، كُلُّها لله .
قال : فما سِنُّك ؟ قال : عظم . قال : فابنُ كم أنتَ؟ قال: ابنُ أُمِّ وَأَبٍ .
قال : فكم أتى عليكَ ؟ قال : لو أتى عليَّ شيءٌ، لقتلني ، قال: ويحك ،
فكيفَ أقولُ ؟ قال : قل : كم مضى مِن عُمُرك .
قلت : هذا غايةُ ما عند هؤلاء المُتقعِّرين من العلمِ ، عباراتٌ
وشقاشِقُ لا يعبأَ اللهُ بها ، يُحَرِّفُونَ بها الكَلِمَ عن مواضعه قديماً وحديثاً ،
فَنَعوذُ باللهِ من الكلامِ وأهلِهِ .
ومنهم :
: طبقات المعتزلة : ٦١ ، الفهرست لابن النديم : ٢١٤ .
٥٤٧

١٧٨ - أبو موسى عيسى بن صَبيح *
المُلَقَّب بالمرداز ، البصريُّ ، من كبارِ المُعتزلة أربابِ التصانيف
الغزيرة .
أخذ عن بشرٍ بن المُعتمر ، وتزهَّد، وتعبَّدَ ، وتفرَّد بمسائلَ ممقوتة ،
وزعم أنَّ الربَّ يقدِرُ على الظُّلم والكذب ، ولكن لا يفعَلُه . وقال بكفرٍ من
قال : القرآنُ قديمٌ ، وبكفرٍ من قال : أفعالُنا مخلوقة ، وقال برؤيةِ الله ،
وكفّر مَن أنكرها ، حتى إنَّ رجلاً قال له : فالجنةُ التي عرضها السماواتُ
والأرضُ لا يدخُلها إلا أنتَ وثلاثة ؟ ! فسكتَ .
ذكره قاضي حماة شهابُ الدين إبراهيم في كتاب ((الفِرَق))، وأنه مات
سنة ست وعشرين ومئتين .
ومنهم :
١٧٩ - الوليد بن أبان **
الكرابيسيُّ المُتكلمُ ، أحدُ الأئمة .
قال المحدِّثُ أحمدُ بن سِنان القطّان: كان خالي، فلما حَضَرَتْه الوفاةُ
قال لبنيه: هل تعلمون أحداً أعلَمَ بالكلامِ منّي؟ قالوا : لا . قال :
فتّهِموني ؟ قالوا : لا . قال : فإني أوصيكم بما عليه أصحابُ الحديثِ ،
فإني رأيتُ الحقَّ معهم، لستُ أعني الرؤساء منهم، ولكن هؤلاء
المُمَزقين .
ومنهم :
* طبقات المعتزلة: ٧٠، ٧١، الفهرست لابن النديم : ٢٠٦ وفيهما : المردار .
** تاريخ بغداد ٤٤١/١٣، النجوم الزاهرة ٢١٠/٢.
٥٤٨

١٨٠ - جعفر بن مبشر *
الثقفيُّ المتكلم ، أبو محمد البغدادي ، الفقيه البليغ .
كان مع بدعتِهِ يُوصَفُ بزُهدٍ وتألُّه وعفة ، وله تصانيفُ جمَّة ، وتبحُّرٌ في
العلوم .
صَنَّف كتاب ((الأشربة))، وكتاباً في ((السُّنَن)) وكتاب ((الاجتهاد ))،
وكتاب ((تنزيه الأنبياء))، وكتاب (( الحُجَّة على أهلِ البدع))، وكتاب
((الإجماع ما هو))، وكتاب ((الرد على المشبهة والجهمية والرافضة))، و
((الردّ على أرباب القياس))، وكتاب ((الآثار)) الكبير، وأشياء مفيدة.
ذكره محمدُ بن إسحاق النديم ، وأنه توفي سنة أربع وثلاثين
ومئتين(١) .
وله أخٌ متكلم مُعتزلي ، يقال له : حُبيش بن مبشر ، دون جعفر في
العلم .
ومنهم العلامة :
١٨١ - أبو الفضل جعفر بن حرب **
الهَمَذَاني المعتزلي العابد ، كان من نُسّاك القوم ، وله تصانيف .
يقال : إنه حضر عند الواثق للمُناظرة ، ثم حضرتِ الصلاةُ ، فتقدَّم
* طبقات المعتزلة: ٧٦، ٧٧، الفهرست لابن النديم : ٢٠٨، تاريخ بغداد
١٦٢/٧، لسان الميزان ١٢١/٢، أعيان الشيعة ١٠٥/١٦، ١٠٦، تذكرة طاهر الجزائري
١/١٣.
(١) ((الفهرست)): ٢٠٨.
** مروج الذهب للمسعودي ٢٣١/٧، طبقات المعتزلة : ٧٣ - ٧٦ ، الفهرست لابن
النديم : ٢١٣، تاريخ بغداد ١٦٢/٧، ١٦٣، لسان الميزان ١١٣/٢.
٥٤٩

الواثِقُ، فصَلَّى بهم ، وتَنَخَّى جَعفرٌ ، فنزعَ خُفُّه ، وصَلَّى وحدَه ، وكان قريباً
من يحيى بنٍ كامل ، فجعلت دموعُ ابنٍ كامل تسيلُ خوفاً على جعفرٍ من
القتل ، فكاشر عنها الوائِقُ ، فلما خرجوا ، قال له ابنُ أبي دُواد : إن هذا
السَّبُعَ لا يحتمِلُكَ على ما صنعتَ، فإن عزمتَ عليه ، فلا تحضُر المجلسَ ،
قال : لا أُريد الحضور. فلما كان المجلس الآتي ، تأمَّلَهم الواثِقُ ، قال :
أين الشيخُ الصالح؟ قال ابنُ أبي دُواد: إنَّ به السِّلَّ، ويحتاجُ أن يضطجع .
قال : فذاكَ(١) .
قال محمدٌ النديم : وتوفي سنةً ستٍّ وثلاثين ومئتين عن نحو ستين
سنة(٢) .
وله كتاب ((متشابه القرآن))، وكتاب ((الاستقصاء))، وكتاب (( الرد
على أصحاب الطبائع))، وكتاب ((الأصول)).
وله من التلامذة :
١٨٢ - الإسكافي *
وهو العلامةُ أبو جعفر محمدُ بن عبد الله السمرقندي ثم الإِسكافي
المتكلم .
وكان أعجوبةً في الذكاءِ ، وسعَةِ المعرفة ، مع الدينِ والتَّصَوّنِ
والنزاهة .
(١) ((الفهرست)) ص ٢١٣، و((طبقات المعتزلة)) ص ٧٣، ٧٤.
(٢) ((الفهرست)) ص ٢١٣ .
* طبقات المعتزلة : ص ٧٨، الفهرست لابن النديم : ٢١٣، الأنساب ٢٤٥/١
و٢٤٦ .
٥٥٠

وكان في صِبَاهُ خيّاطَاً، وكان يُحبُّ الفضيلةَ، فيأمرُه أبواه بلزوم
المعيشة ، فضمَّه جعفرُ بن حربٍ إليه ، وكان يبعثُ إلى أُمِّه في الشهر بعشرين
درهماً بدلاً من كسبه(١).
فبرَعْ في الكلام ، وبقي المعتصِمُ مُعْجَباً به كثيراً ، فأدناه، وأجزلَ
عطاءَه، وكان إذا ناظر، أصغى إليه، وسكت الحاضرون، ثم ينظُرُ
المُعْتَصِمُ إليهم ، ويقول : مَن يذهبُ عن هذا الكلام والبيان ! ويقول : يا
محمد ، اعْرِضْ هذا المذهبَ على الموالي ، فمن أبى ، فعرِّفْني خبره ،
لأنكل به (٢) .
ذكر له النديمُ مصنَّفاتٍ عدة، منها (( نقض كتاب حسين النجار))،
وكتاب ((الرد على من أنكر خلق القرآن))، وكتاب ((تفضيل علي)).
وكان يتشيَّع .
مات سنة أربعين ومئتين .
فلما بلغ محمدَ بنَ عيسى برغوث موتَه ، سجدَ ، فمات بعده بأشهر .
ومنهم العلامةُ :
١٨٣ - أبو سهل عباد بن سلمان *
البصريُّ المعتزلي من أصحاب هشام الفُوَطِي .
يُخالف المعتزلةَ في أشياء اخترعها لنفسه .
(١) ((الفهرست)) ص ٢١٣، و((طبقات المعتزلة)): ٧٨.
(٢) ((الفهرست)) ص ٢١٣ .
* طبقات المعتزلة : ٧٧ ، الفهرست لابن النديم : ٢١٥ .
٥٥١

وكان أبو علي الجُبَّائِي يَصِفُهُ بالحِذق في الكلامِ ، ويقول : لولا
جُنُونه .
وله كتابُ ((إنكار أن يخلق الناسُ أفعالَهم))، وكتاب (( تثبيت دلالة
الأعراض))، وكتاب (( إثبات الجزء الذي لا يتجزّأ)).
ومنهم العلامة :
١٨٤ - أبو موسى عيسى بن الهيثم *
الصوفيُّ من كبارِ المُعتزلة ، يُخالِفُهم في أشياء .
وعنه أخذَ ابنُ الراوندي المُلحد(١)، وله تواليف .
توفي سنة خمس وأربعين ومئتين .
ومنهم العلامة :
١٨٥ - أبو يعقوب يوسف بن عُبيد الله **
الشَّحَام البصريُّ ، صاحبُ أبي الهُذيل العلاف.
مؤلف كتاب ((الاستطاعة على المجبرة))، وكتاب ((الإِرادة))،
وكتاب ((كان ويكون))، وكتاب ((دلالة الأعراض))، وغير ذلك.
وعنه أخذ أبو علي الجُبّائي .
* طبقات المعتزلة : ص ٧٨، ٧٩، الفهرست لابن النديم : ٢١٦.
(١) انظر ترجمته في: ((المنتظم)) لابن الجوزي ٩٩/٦ -١٠٥، ((الفهرست)): ٢١٦،
٢١٧، ((البداية والنهاية)) ٣٤٦/١٠، ٣٤٧، ((العبر))١١٦/٢، ((لسان الميزان ٣٢٣/١،
٣٢٤، ((شذرات الذهب)) ٢٣٥/٢، ٢٣٦.
* طبقات المعتزلة : ٧١ ، ٧٢ .
٠
٥٥٢

وكان مشرفَ ديوانِ الخَرَاجِ في دولةٍ الواثق .
ومنهم :
١٨٦ - أبو مخالد أحمد بن الحسين *
الضريرُ الفقيهُ المتكلم المعتزلي ، أحدُ الأذكياء .
صنَّف في خلقِ القرآن ، وكان ذا زهدٍ وورعٍ ، ويُسمى الداعية .
أُرِّخ وفاتَه ابنُ كاملٍ في سنة ثمان وستين ومثتين .
وكان الناس يَغْشَوْنَ مجلِسَه .
أخذ عن جعفرِ بن مُبشر ، وله مناظرةٌ مع داود الظاهري بحضرةِ المُوفَّق
في خبرِ الواحد ، ولما ناظَرَ داودَ ، قطَعَه ، فقال داودُ : أصلح الله الأمير ، قد
أهلك أبو مُخالدٍ الناسَ . فقال المُوفقُ : قد قطعك بنفسِ قولك هذا ، لأنَّ
الله عندَكَ هو الذي أهلك الناسَ ، فكيف يهلكهم أبو مخالد ؟ ! فأفحم
داود .
ومن قدمائهم : الأستاذ أبو جعفر :
١٨٧ - محمد بن النعمان
**
الأحول ، عراقيٌّ شيعي جلد ، يُلقِّبه الشيعةُ بمؤمن الطاق .
يُعَدُّ من أصحاب جعفَرٍ بن محمد .
صنَّف كتاب ((الإمامة))، وكتاب ((الردّ على المعتزلة))، وكتاب
* طبقات المعتزلة: ٨٥ ، نكت الهميان : ٩٦، وكنيته فيهما : أبو مجالد بالجيم.
** الفهرست لابن النديم : ٢٢٤ .
٥٥٣

((طلحة وعائشة))، وكتاب ((المعرفة))، وكتاب ((في أيام هارون الرشيد)).
ومنهم النجار الأستاذ أبو عبد الله :
١٨٨ - الحسين بن محمد *
ابنِ عبد الله النجار، أحدُ كبار المتكلمين .
وقيل : كان يعملُ الموازين .
وله مناظرةٌ مع النَّظَّام ، فأغضبَ النظّام ، فرفَسَه ، فيقال : مات منها
بعد تعلُّل .
ذكر النديمُ أسماءَ تصانيفِ النجار، منها ((إثبات الرسل ))، وكتاب
((القضاء والقدر))، وكتاب ((اللطف والتأييد))، وكتاب ((الإِرادة
الموجبة)) ، وأشياء كثيرة .
ومنهم :
١٨٩ - برغوث **
وهو رأسُ البدعة ، أبو عبد الله محمدُ بن عيسى الجهمي.
أحدُ مَن كان يُناظِرُ الإِمامُ أحمدَ وقتَ المحنة .
صنَّفَ كتاب ((الاستطاعة))، وكتاب ((المقالات))، وكتاب
((الاجتهاد))، وكتاب ((الرد على جعفر بن حرب))، وكتاب ((المضاهاة)).
قيل : توفي سنة أربعين ومئتين . وقيل : سنة إحدى وأربعين .
ومنهم :
الفهرست : ٢٢٩ .
** لم نقف له على ترجمة في المصادر التي وقعت لنا .
٥٥٤

١٩٠ - أبو عبد الرحمن الشافعي *
المتكلم ، من كبار الأذكياء ، ومن أعيان تلامذة أبي عبد الله الشافعي
الإِمام .
اسمه أحمدُ بن يحيى بن عبد العزيز، نُسب إلى شيخه .
قال الحافظ أبو بكر : كان يقولُ : من فاتته صلاةٌ عن وقتها عمداً ، فإنه
لا يُمكِنُهُ أن يَقضِيَها أصلاً، لأنَّ وقتَهَا شرطٌ، وقد عُدم، كمن فاتّه الوقوفُ
بعرفة لا يُمْكِنُهُ أن يَقضِيَه(١) .
قلتُ : جمهورُ الأُمّة على أنه لا بدَّ من قضائها ، وأن قضاءَها لا ينفي
عنه الإِثمّ إلا بتوبةٍ منه .
أخذ عن أبي عبد الرحمن الشافعي الفقيهُ داودُ الظاهريُّ ، وغيرُه .
وكان حَيًَّ في حدودٍ الثلاثين ومئتين .
ومن رؤوس المعتزلة البغداديين العلامة أبو موسى الفراء ، مات سنة
ست وعشرين ومئتين ، أرخه المسعودي(٢) .
* الفهرست : ٢٦٧، تاريخ بغداد ٢٠٠/٥ .
(١) وإليه ذهب طائفة من السلف والخلف، وقالوا: إن التوبة النصوح تنفعه. وجاء في
((التمهيد)) للإسنوي ص ٢٤٥، ٢٤٦: وممن ذهب إلى أن القضاء لا يجب على من ترك الصلاة
عمداً الشيخ عز الدين بن عبد السلام في ((القواعد))، والتاج الفركاح في ((شرح التنبيه))،
وحُكي وجهاً في المذهب لابن بنت الشافعي. قال الإِسنوي: كذا رأيته في باب سجود السهومن
شرح الوسيط لابن الأستاذ نقلا عن ((التجريد)) لابن كُج عنه. وقد استوفى ابن القيّم البحث في
هذه المسألة وأورد حجج الفريقين القائلين بوجوب القضاء وهم الجمهور، والقائلين بعدم
الوجوب، في كتابه (( الصلاة )) ص ٥٩ - ٩٨ ، فراجعه فإنه نفيس .
(٢) في ((مروج الذهب)) ٧/ ٢٣٣.
٥٥٥

ومنهم ابنُ كيسان الأصمُ ، قديمٌ تخرَّج به إبراهيمُ ابن عُلَيَّةٍ في
الكلام .
ومنهم جعفر بن حرب(١)، وجعفر بن مبشر(٢)، وأبو غفار، وحُسين
النجار (٣)، والرقاش، وأبو سعيد بن كُلاب، وقاسم بن الخليل الدمشقي(٤)
صاحب التفسير ، وثمامة بن أشرس النميري (٥)، وأشباههم ممن كان
ذكاؤُهم وبالاً عليهم ، ثم بينهم من الاختلافِ والخُبَاطِ أَمرٌ لا يخفى على
أهلِ التقوى ، فلا عقولُهم اجتمعت ، ولا اعتْنَوا بالآثارِ النبوية ، كما اعتنى
أئمةُ الهدى، ﴿فأيُّ الفريقين أحقُّ بالأمن ﴾ [الأنعام: ٨١] .
١٩١ - إبراهيم بن مَهْدي *
المِصِّيصي ، بغداديٌّ، صاحبُ حديث ، مُرابط .
روى عن: حَمَّادِ بنِ زيد، وحَمَّادٍ الْأَبَحِّ، وأبي المَلِيحِ الرَّقِّي،
وإبراهيمَ بنِ سعد ، وعِدة .
وعنه : أبو داود ، وأحمدُ بن حنبل ، وابنُ أبي الدنيا ، ويعقوبُ بنُ
شيبة ، وعبّاسُ الدُّوري ، وعبدُ الكريم الدَّير عاقولي ، وآخرون .
وثّقه أبو حاتم(٦) .
(١) تقدمت ترجمته في الصفحة ٥٤٩ .
(٣) تقدمت ترجمته في الصفحة ٥٥٤ .
(٢) تقدمت ترجمته في الصفحة ٥٤٩.
(٤) انظر ((الفهرست)) ص ٢٠٦.
(٥) تقدمت ترجمته في الصفحة ٢٠٣ .
* التاريخ الكبير ١/ ٣٣١، الجرح والتعديل ٢ / ١٣٨، ١٣٩، تاريخ بغداد ٦/
١٧٨، تهذيب الكمال لوحة ٦٧، تذهيب التهذيب ١/ ٤٣/ ٢، ميزان الاعتدال ١ / ٦٨،
المغني في الضعفاء ١/ ٢٧، الكاشف ١ / ٩٤، تهذيب التهذيب ١ / ١٦٩، خلاصة تذهيب
الكمال: ٢ .
(٦) ((الجرح والتعديل)) ٢ / ١٣٩.
٥٥٦

قال ابنُ قانع : مات سنة خمس وعشرين ومئتين .
١٩٢ - إبراهيم بنُ المَهْدي *
الأميرُ الكبيرُ، أبو إسحاق ، المُلقَّب بالمبارك ؛ إبراهيمُ بنُ أمير
المؤمنين محمدٍ بن أبي جعفر ، الهاشميُّ العبّاسيُّ الأسود .
ويُعرفُ بالنِّنَّيْن للونِهِ ، وضَخَامته .
كان فصيحاً، بليغاً ، عالماً ، أديباً ، شاعراً ، رأساً في فنِّ الموسيقى .
ويُقال له : ابن شِكْلَةِ(١)، وهي أمُّه .
حدث عن: المُبارك بن فَضَالَة، وحمَّادِ الأَبَحِّ .
روى عنه : ولدُه هبةُ الله، وحُميدُ بن فروة ، وأحمدُ بن الهيثم ،
وغيرهم .
قال عليُّ بن المغيرة الأثرم : حدثنا إبراهيمُ: أنه وليَ إمرةً دمشق أعواماً
لم يُقطَع فيها على أحدٍ طريقٌ ، وحُدثتُ أنَّ الآفةَ في قطعِ الطريقِ من دعامةً
تاريخ خليفة : ٤٥٧ ، ٤٧٠، ٤٧٣، الطبري ٨ / ٥٥٥، ٥٥٧، ٥٦٩، ٥٧٠،
٥٧١، ٦٠٣، ٦٠٤ - ٦٠٧، ٦٦١ وغيرها، مروج الذهب ٧ / ٦٩، الأغاني ١٠ / ٩٥،
١٥٠، الفهرست: ١٢٩، تاريخ بغداد ٦ / ١٤٢، الإكمال ١/ ٥١٨، الأنساب ٣ / ٩٧،
الكامل لابن الأثير ٦ / ٣٤١، ٣٥١، ٣٥٣، ٣٥٤، ٥٠٨، اللباب ١/ ٢٢٦، وفيات
الأعيان ١/ ٣٩، العبر ١/ ٣٨٩، الوافي بالوفيات ٦/ ١١٠، ١١٣، البداية والنهاية ١٠/
٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩، ٢٥٠، ٢٥١ وغيرها، لسان الميزان ١ / ٩٨، النجوم الزاهرة ٢/
٢٤٠، ٢٤١، أشعار أولاد الخلفاء: ١٧ - ٤٩، شذرات الذهب ٢ / ٥٣، تهذيب تاريخ ابن
عساكر ٢ / ٢٢٦ - ٢٨٨.
(١) ضبطها ابن خلكان بفتح الشين وكسرها ، وسكون الكاف ، وبعد اللام هاء .
((وفيات الأعيان)) ١ / ٣٩.
٥٥٧

ونُعمان ويحيى بن أُرميا اليهوديِّ البلقاويّ، وأنَّهم لم يضعوا يَدَهم في يدِ
عاملٍ ، فكاتبْتُهُم . فتاب دعامةُ ، وحلفَ النعمانُ بالأيمانِ انَّه لا يُؤذي مهما
وليتُ ، وطلب ابنُ أُرميا أماناً ليأتي ، ويُناظِرِ، فأجبتُهُ ، فقدم شابٌّ أشعرُ أمعرُ
في أقبيةٍ ديباج ، ومِنْطَقَةٍ ، وسيفٍ مُحَلَّى ، فدخلَ على الخضراءِ ، فسلَّم
دون البساطِ ، فقلتُ: اصْعَدْ. قال: إنَّ للِسَاطِ ذِمَامَاً ، أخافُ أن يُلزمني
جلوسي عليه، وما أدري ما تسُومُني، قُلتُ : أَسْلِمْ، وأطِعْ . قال : أما
الطاعةُ فأرجو، ولا سبيلَ إلى الإِسلام ، فما عندَكَ إن لم أُسْلِمْ ؟ قلتُ : لا بدّ
من جِزيةٍ . قال : أعْفِني . قلتُ : كلّ . قال : فأنا منصرِفٌ على أماني .
فأذِنْتُ له ، وأمرتُهُم أن يُسْقُوا فرسَه، فلما رأى ذلك ، دعا بدايّةِ غُلامه ،
وتركَ فرسَهُ ، وقال : لن آخُذَ شيئاً ارْتَفَقَ منكم ، فأحاربكم عليه . فاستحييتُ
وطلبتُه ، فلما دخل ، قلتُ : الحمدُ لله ، ظفرتُ بك بلا عهدٍ . قال :
وكيف ؟ قلتُ : لأنك انصرَفتَ من عندي ، وقد عُدتَ ، قال : شرطُكَ أن
تصرِفَني إلى مأمني ، فإن كان دارك مأمَني ، فلستُ بخائفٍ ، وإن كان مأمني
أرضي ، فُرُدَّني . فجهدتُ به أن يُؤدِّي جزيةً على أن أهبه في السَّنة ألفي
دينار ، فأبى ، وذهبَ ، فأسعرَ الدنيا شراً، وحُمل مالٌ من مصرَ ، فتعَرَّض
له ، فكتب النعمانُ إليَّ، فأمرتُهُ بمحلزيتِهِ ، فسار النعمانُ ، ووافاه اليهوديُّ
في جماعتِهِ ، فسأله النعمانُ الانصرافَ ، فأبى ، وقال : بارِزْنِي ، وإن
شئتَ، برزتُ وحدي إليك وإلى جندك . فقال النعمانُ : يا يحيى ، ويحك
أنت حَدَثٌ قد بُلِيتَ بالعُجب ، ولو كنتَ من أنفس قريش لما أمكنك معارّةٍ(١)
السلطان ، وهذا الأمير هو أخو الخليفة ، وأنا - وإن افترقنا في الدين - أحبُّ
أن لا يُقتَل على يديَّ فارسٌ، فإن كُنْتَ تُحِبُّ السَّلامَةَ، فابرُزْ إليّ، ولا يُبْتَلَى
(١) في ((تهذيب تاريخ ابن عساكر)): مغازاة .
٥٥٨

بنا غيرُنا ، فبرز له العصرَ ، فما زالا في مبارزةٍ إلى الليل ، فوقف كلٍّ منهما
على فرسه مُتَّكِئاً على رُمحه ، فنعَسَ النعمانُ ، فطعنه اليهوديُّ، فيقع سِنانُ
رمحه في المِنْطَقَة، فدارت ، وصار السِّنَانُ يدورُ معها ، فاعتنقه النعمانُ ،
وقال : أغدراً يا ابنَ اليهودية ؟! فقال: أو مُحارِبٌ ينام يا ابنَ الَّمَة ؟ ! فاتكأ
عليه النعمانُ ، فسقَطَ فوقَه ، وكان النعمانُ ضخماً، فصار فوقَه ، فذبحَ
اليهوديَّ، وبعثَ إليَّ برأسِهِ، فاطمأنت البلادُ، ثم ولي بعدي عمِّ
سُليمان، فانتهبه أهلُ دمشق ، وسَبّوْا حُرَمَه(١) .
قال الخطيبُ : بُويعَ إبراهيمُ بالخلافَةِ زمن المأمون ، فحارب الحسَنَ
ابنَ سهل ، فهزمه إبراهيمُ ، ثم أقبل لحربه حُميدٌ الطُّوسي ، فَهُزِمَ جَمعُ
إبراهيم، واختفى إبراهيمُ زماناً إلى أن ظفر به المأمونُ ، فعفا عنه(٢).
وفيه يقول دعبل :
وَهَفَا إِلَيْهِ كُلُّ أَطْلَسَ مَائِقٍ
نَفَرَ ابنُ شَكْلَةَ بِالعِرَاقِ وَأَهْلِهَا
فَلْتَصْلُحَنْ مِنْ بَعْدِهِ لمُخَارِقٍ(٣)
إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيْمُ مُضطَّلِعاً بِهَا
وكان مخارق مُغَنِّيَ وقتِهِ .
قال ابنُ ماكولا : ولد إبراهيم سنة ١٦٢ (٤).
قلتُ : فعلى هذا لم يُدرك مُباركَ بنَ فَضَالَة .
قال الخُطَيُّ : بايعوه ببغداد ، ولُقِّبَ بالمبارك - وقيل : المرضيّ - في
(١) ((تهذيب تاريخ ابن عساكر)) ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٢.
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٢ / ١٤٢، ١٤٣.
(٣) البيتان في ((تاريخ بغداد)) ٦/ ١٤٤، و(تهذيب تاريخ ابن عساكر)) ٠٢٧٣/٢ وفيه
((لعب ابنُ شكلة)) بدل ((نفر)) و((وفيات الأعيان)) ١ / ٤٠ .
(٤) ((الإكمال)) ١ / ٥١٨.
٥٥٩

أول سنة اثنتين ومئتين ، فغلبَ على الكوفةِ وبغداد والسواد ، فلما أشرف
المأمونُ على العِراقِ، ضَعُفَ إِبراهيم . قال : وركب إبراهيمُ بأَبَّهةِ الخلافَةِ
إلى المُصَلَّى يومَ النحر، فصَلَّى بالناسِ ، وهو ينظُرُ إلى عسكر المأمون ،
وأطعم النَّاسَ بالقصرِ ، ثم استتر . قال : وظفر المأمونُ به سنةَ عشرٍ ومئتين ،
فعفا عنه، وبقي عزيزاً (١) .
قال أبو مُحلَّم : قال إبراهيمُ بن المهدي حين أُدخِلَ على المأمون:
ذنبي أعظمُ مِن عُذرٍ ، وعفوكَ أعظَمُ مِن أن يتعاظَمَه ذنب(٢) .
وقيل : إنه لما اعتذرَ ، وكان ذلك بعد توتُّبه بثماني سنين ، عفا عنه ،
وقال : ها هنا يا عم ، ها هنا يا عم (٣) .
وقد أخرجَ ابنُ عساكر في ترجمته حديثاً لأحمدَ بنِ الهيثم ، حدثنا
إبراهيمُ بنُ المَهدي، حدثنا حمَّادُ الَّبحُ . والظاهرُ أنَّ هذا المِصِّيصي .
قال إبراهيمُ الحربي : نُودي في سنة ثمانٍ ومئتين أَنَّ أميرَ المؤمنين قد
عفا عن عمِّه إبراهيم ، وكان إبراهيم حسنَ الوجه ، حسنَ الغِناء ، حسنَ
المجلس ، رأيتُهُ على حمارٍ ، فقبَّلَ القواريريُّ فَخِذَهُ(٤) .
وعن منصورٍ بن المهدي قال : كان أخي إبراهيم إذا تنحنح، طَرِبَ مَن
يسمعُهُ، فإذا غنى ، أصغتِ الوحوشُ حتى تضعَ رؤوسَها في حَجره، فإذا
سَكَّتَ ، هربَتْ. وكان إذا غنى ، لم يبق أحدٌ إلا ذهِل .
(١) انظر ((تاريخ بغداد) ٦/ ١٤٢، ١٤٣، و((تهذيب تاريخ ابن عساكر)) ٢/ ٢٧٤،
٢٧٥ .
(٢) ((تاريخ بغداد)) ٦ / ١٤٦، وانظر ((الأغاني)) ١٠ / ١١٦.
(٣) ((تاريخ بغداد)) ٦ / ١٤٥ .
(٤) ((تاريخ بغداد)) ٦ / ١٤٦، و((تهذيب تاريخ ابن عساكر)) ٢/ ٢٧٦.
٥٦٠