Indexed OCR Text

Pages 261-280

قال يحيى بنُ مَعِين : مارأيتُ رجلًا يُحدِّث للهِ إلا وكيعاً
والقَعنبي(١).
قال الحافظ أبو عمرو أحمدُ بنُ محمد الحِيري : سمعتُ أبي يقولُ :
قلتُ للقَعْنَبِيِّ : مالكَ لا تَروي عن شُعبةَ غيرَ هذا الحديث ؟ قال : كان
شُعبةُ يَستثقلني، فلا يُحدِّثني. يعني حديث: ((إذا لم تَسْتَحْي فَاصْنَعْ ما
شِئْتَ )) .
والحديثُ يقعُ عالياً في جُزءِ الغِطْرِيف(٢) لابنِ البُخاري .
قال عبدُ الله الخُريبي - وكان كبير القدر -: حدثني القَعْنَبِيُّ، عن
مالكٍ ، وهو واللهِ عندي خيرٌ من مالك(٣).
قال عَمرو بن علي الفلَّس : كان القَعْنِيُّ مُجابَ الدعوة(٤).
وقال عُثمان بن سعيد : سمعتُ عليّ بن المديني وذكرَ أصحابَ
مالك ، فقيل له : مَعْنٌ ثم القَعْنَبِي ، قال : لا بل القَعْنَبِيُّ ثم مَعن (٥).
ويُروى عن أبي سَبْرَة المَديني قال : قلتُ للقَعْنبي : حدَّثتَ ولم تكن
(١) ((تهذيب الكمال)) لوحة ٧٤٢ .
(٢) سماع القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري المتوفى سنة
٤٥٠ هـ، وقد أخطأ صاحب (( كشف الظنون)) فكناه بأبي بكر ، والغطريف هو أبو أحمد محمد
ابن أحمد بن الحسين بن القاسم بن السَّريّ بن الغطريف الجرجاني الرِّباطي الحافظ ، توفي في
رجب عن سنّ عالية ، روى عن أبي خليفة ، وعبد الله بن ناجية ، وابن خزيمة وطبقتهم . وكان
صواماً قواماً متقناً. انظر ((العبر)) ٥/٣، ٦ وفيات سنة ٣٧٧ هـ، و(( تذكرة الحفاظ))
٩٧١/٣، ٩٧٢.
(٣) ((تهذيب الكمال)) لوحة ٧٤٢، و((ترتيب المدارك)) ٣٩٩/١.
(٤) ((العقد الثمين)) ٢٨٥/٥.
(٥) ((تذكرة الحفاظ)) ٣٨٣/١، ومعن هو ابن عيسى.
٢٦١

تُحدِّثُ! قال : إني أُرِيتُ كانَّ القيامةَ قد قامت ، فصيح بأهلِ العلم ،
فقامُوا، وقمتُ معهم ، فنُودي بي : اجلسْ . فَقُلت : إلهي ألم أكن
أطلُبُ ؟ قال: بلى، ولكنَّهم نَشَروا، وأخْفيتَه. قال : فحدَّثْتُ .
وقال محمدُ بن عبد الوهّاب الفَرَّاء : سمعتُهم بالبصرةِ يقولُون: عبدُ
اللهِ بنُ مَسْلَمة من الأبدال(١) .
وقال إسماعيلُ القاضي : كان القَعنبيُّ من المجتهدين في العبادة .
وقال الإِمامُ ابنُ خُزيمة : سمعتُ نصرَ بن مرزوق يقولُ : أثبتُ
الناسِ في ((الموطأ)) القَعنبيُّ، وعبدُ الله بنُ يوسف بعده(٢).
قال إسماعيلُ القاضي : كان القَعنبيُّ لا يَرضى قراءَة حبيب ، فما زال
حتى قرأ لنفسه ((المُوَطّأ)) على مالك(٣).
قال محمدُ بن سعدٍ الكاتبُ : كان القَعْنبيُّ عابداً فاضلاً ، قرأ على
مالكٍ كُتُبَهِ (٤) .
قال أبو بكر الشِّيرازِيُّ في كتاب ((الألقاب)) له : سمعتُ أبا إسحاق
المُسْتَملي ، سمعتُ أحمدَ بن مُنير البلْخِي ، سَمعتُ حَمْدان بنّ سَهلٍ
البلخيّ الفقيهَ يقولُ : ما رأيتُ أحداً إذا رُؤيَ ذُكِرَ اللهُ تعالى إلا القَعْنِيَّ
(١) ((العقد الثمين)) ٢٨٥/٥.
(٢) الخبر في ((تذكرة الحفاظ)) ٣٨٤/١، وعبد الله بن يوسف سترد ترجمته في الصفحة
٣٥٧ من هذا الجزء .
(٣) أورده المؤلف في ((تذكرة الحفاظ)) ٣٨٤/١، وحبيب هذا هو حبيب بن أبي
حبيب، كاتب مالك، ضعيف، ترجمة المؤلف في ((ميزان الاعتدال)) ٤٥٢/١، وله ترجمة
في (( ترتيب المدارك)) ٣٧٨/١.
(٤) ((طبقات ابن سعد)) ٣٠٢/٧.
٢٦٢

رحمه الله ، فإنَّه كانَ إذا مرَّ بمجلسٍ يقولُون: لا إله إلا الله . وقيل: كان
يُسمَّى الراهبَ لعبادته وفضلِه .
وروى عبدُ الله بنُ أحمد بن الهيثم، عن جدِّه قال: كُنّا إذا أتينا
القَعْنَبِي، خرج إلينا كأنَّه مُشرِفٌ على جهنّم(١).
قال محمدُ بن عبد الله الزُّهيري ، عن الحُنَيني قال: كُنا عند
مالكٍ ، فقدم ابنُ قَعْنبٍ من سَفرٍ ، فقال مالكٌ : قوموا بنا إلى خيرِ أهل
الأرض (٢).
وقال أبو عبد الله الحاكم: قال الدَّار قطنيُّ: يُقَدِّمُ في ((الموطأ))
معنُ بن عيسى ، وابنُ وَهب ، والقَعْنبِيُّ ، ثم قال : وأبو مُصعبٍ ثقةٌ في
(((الْمُوَطَّأ)).
وقد رُويت حكايةٌ في سَماعِ القَعْنبي لذاكَ الحديثِ من شُعبةَ لا تَصُ
وأنه هجمَ عليه بيتَه ، فوجده يبولُ في بَلُوعَةٍ ، فقال : حدِّثْنِي ، فلامَه ،
وعنَّفه ، وقال : تَهُجُمُ على داري ، ثم تقولُ: حدِّثْني وأنا على هذه
الحالة ؟ ! قال : إني أخشى الفَوتَ ، فروى له الحديثَ في قِلَّةِ الحياء ،
وحلفَ أن لا يُحدِّثَه بسواه .
وفي الجُملةِ لم يُدرِكِ القَعْنَبِيُّ شُعبَة إلا في آخرِ أيامه ، فلم يُكثر
عنه . وقد حدَّثه أفلحُ عن القاسم بن محمد ، وأفلحُ أكبرُ من شُعبة قليلاً .
وقد سمعتُ ((الموطّا)) بحلب وبَعْلَبَكَّ من رواية القَعْنَبِي (٣) عن مالك.
(١) ((وفيات الأعيان)) ٤٠/٣، و((ترتيب المدارك)) ٣٩٩/١.
(٢) ((ترتيب المدارك)) ٣٩٨/١، و(تهذيب الكمال)) لوحة ٧٤٢.
(٣) لم يطبع (( الموطأ)) بروايته ، ويغلب على ظني أن في مكتبة الحرم المكيِّ نسخة
منه .
٢٦٣

وهو أكبرُ شيخٍ لمسلمٍ ، سمعَ منه في أيَّام الموسم في ذي الحجة
سنة عشرين ، ولم يُكثِرْ عنه .
ومات القَعْنَبِيُّ في المُحَرَّم سنةً إحدى وعشرين ومئتين .
قال محمدُ بنُ عمر بن لُبابة الأندلسيُّ : حدثنا مالكُ بنُ علي
القُرشي ، حدثنا القَعْنَبِيُّ ، قال : دخلتُ على مالكٍ ، فوجدتُه باكياً ،
فقلتُ : يا أبا عبد الله ، ما الذي يُبكيكَ؟ قال: يا ابنَ قَعْنَب على ما فَرَطَ
مِنِّي ، ليتَنِي جُلِدتُ بكلِّ كلمةٍ تكلَّمتُ بها في هذا الأمرِ بسَوطٍ ، ولم يكن
فَرَطَ مني ما فرطَ من هذا الرأي ، وهذه المسائلُ قد كان لي سَعَةٌ فيما سُبِقْتُ
إليه .
أخبرنا عبدُ الرحمن بن محمد وجماعةٌ إجازةً قالوا : أخبرنا عمرُ بنُ
محمد ، أخبرنا هبةُ الله بنُ الحُصين ، أخبرنا محمدُ بنُ محمد ، أخبرنا أبو
بكر الشافعي ، حدثنا مُعاذُ بنُ المُثنى ، حدثنا القَعْنَبِي ، حدثنا أَقْلَحِ بنُ
حُميد، عن القاسِم، عن عائشةَ قالت: ((طَيِّبْتُ رسول اللهِّهْ لِحُرْمِهِ
حين أَحرم، ولِحِلِّهِ حين أَحلَّ قبلَ أن يَطُوفَ بالْبَيْت)).
هذا حديثٌ حسنٌ عالٍ ، أخرجه مسلمٌ (١) عن القَعْنبي ، وهو من
أعلى شيءٍ في ((صحيحه)).
(١) برقم (١١٨٩) (٣٢) ورواه مالك في ((الموطأ)) ٣٢٨/١ في الحج: باب ما جاء في
الطيب في الحج ومن طريقه البخاري ٣١٥/٣، في الحج : باب الطيب عند الإحرام ومسلم
(١١٨٩) (٣٣)، والنسائي ١٣٧/٥، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، وأخرجه
البخاري ٤٦٤/٣ و٣٠٨/١٠، من طريقين عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه، عن عائشة .
٢٦٤

٦٩ - [ إسماعيل بن مَسْلمة ]* (ق)
ومات أبو بشر إسماعيلُ بنُ مَسْلمة أخو القعنبي قبلَه في سنة سبعَ
عشرةَ بمصر .
روى عن : شُعبة ، وَوُهيب، والحمَّادَين.
وعنه : أبو زُرعة ، وأبو حاتِم ، وأبو يزيد القَراطيسي ، ويحيى بن
عثمان بن صالح ، وخلق .
قال أبو حاتم : صدوق(١) .
ولهما إخوة وهم : يَحيى ، وعبد الملك ، وعبد العزيز . وليسوا
بالمشهورين .
٧٠ - عارِم * *(ع)
محمدُ بنُ الفضلِ ، الحافظُ الثَّبْتُ الإِمامُ ، أبو النُّعمان السَّدُوسي
البصري .
ولد سنةَ نَيِّفٍ وأربعين ومئة .
* الجرح والتعديل ٢٠١/٢، تهذيب الكمال لوحة ١١٢، تذهيب التهذيب ١/
١/٦٧، الكاشف ١٢٩/١، ميزان الاعتدال ٢٥١/١، تهذيب التهذيب ٣٣٥/١، خلاصة
تذهيب الكمال : ٣٦ .
(١) ((الجرح والتعديل)) ٢٠١/٢.
* * طبقات ابن سعد ٣٠٥/٧، طبقات خليفة ت (١٩٤٧ )، تاريخ خليفة : ٤٧٨ ،
التاريخ الصغير ٣٥١/٢، التاريخ الكبير ٢٠٨/١، المعارف: ٥٢٢، الضعفاء للعقيلي لوحة
٣٩٤، ٣٩٥، الجرح والتعديل ٥٨/٨، الأنساب ٥٩/٧، المعجم المشتمل: ٢٦٨،
تهذيب الكمال لوحة ١٢٥٧، تذكرة الحفاظ ٤١٠/١، العبر ٣٩٢/١، ٣٩٣، ميزان
الاعتدال ٧/٤ - ٩، تهذيب التهذيب ٤٠٢/٩، طبقات الحفاظ: ١٧٠، خلاصة تذهيب
الكمال : ٣٥٦، شذرات الذهب ٥٥/٢ .
٢٦٥

وسمع : حَمَّدَ بنَ سَلَمة ، وجريرَ بنَ حازم ، وثابتَ بنَ يزيد
الأحول ، وداودَ بن أبي الفُرات ، ومَهْدِيَّ بنَ ميمون ، وعُمارةَ بن زاذان ،
وأبا هلال محمدَ بنَ سُليم ، ومحمدَ بنَ راشد المكحولي ، وقَزَعَة بن
سُويد، ووُهيباً، وعبدَ الوارث، وأبا عَوَانة ، وعبدَ الواحد بنّ زياد ،
وخلقاً .
وعنه : البخاريُّ، وأحمدُ بن حنبل، وعَبْدُ بن حُميد، ومحمدُ بن
يحيى ، وسُليمانُ بن سيف، والكُديمي ، ويعقوبُ الفَسَويُّ، وابنُ وارة ،
وأبو الأحوص العُكْبَرِي، وأبو مسلم الكَجِّي ، وخلق كثير .
قال الذُّهليُّ : حدثنا محمدُ بن الفضل عارٍم، وكان بعيداً من
العَرَامة(١) .
وقال ابنُ وارةً : حدثنا عارمٌ الصدوقُ المأمونُ(٢).
وقال أبو علي الزُّرَيْقي: حدثنا عارمٌ قبل أن يَختلط(٣).
وقال البخاريُّ: تغيَّر في آخرِ عُمره(٤).
وقال ابنُ أبي حاتِم: سمعت أبي يقولُ: إذا حدَّثْكَ عارمٌ ، فَاخْتِم
عليه ، عارِمٌ لا يتأخّر عن عفّان، وكان سُليمانُ بنُ حرب يُقَدِّم عارماً على
نفسه إذا خالفَه في شيءٍ ، ويرجِعُ إلى ما يقولُ عارِمٌ ، وهو أثبتُ أصحاب
حَمَّادِ بنِ زيد بعد عبدِ الرحمن بنِ مَهْدي . وقال : عارِمٌ أحبُّ إليَّ من أبي
سَلَمة(٥) .
(١) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٢٥٨، والعرامة: الشدة والقوة والشراسة.
(٢) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٢٥٨.
(٣) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٢٥٨.
(٤) ((التاريخ الكبير)) ٢٠٨/١.
(٥) ((الجرح والتعديل)) ٥٨/٨.
٢٦٦
.

ثم قال : اختلطَ عارِمٌ في آخر عُمرِهِ ، وزال عقلُه ، فمن سمعَ منه
قبل الاختلاط ، فسَمَاعُه صحيحٌ . وكتبتُ عنه سنةَ أربعَ عشرةَ ، ولم أسمع
منه بعد ما اختلط ، فمن سَمِعَ منه قبلَ سنةٍ عشرين ومئتين ، فسماعُهُ
جيّد . قال: وأبو زُرعَة لقيه سنة اثنتين وعشرين(١).
وسُئل أبو حاتم عن عارٍم ، فقال: ثقة(٢).
وروى الحسينُ بنُ عبد الله الذَّرَّاع، عن أبي داود قال : بلغَنا أنَّ
عارماً أُنكر سنَّةَ ثلاث عشرةَ ، ثم راجَعَهُ عقلُه، واستحكم به الاختلاطُ سنةً
ستُّ عشرة ومئتين(٣).
مات عارِمٌ سنةَ أربعٍ وعشرين في صفر .
أبو عُبيد، عن أبي داود قال : كنتُ عند عارِمٍ ، فحدَّثَ عن حَمَّادٍ ،
عن هشامٍ ، عن أبيه، أنَّ ماعزاً سأل النبيَّ وَّ عن الصَّومِ في السفر،
فقلتُ له: ((حمزة الأسلمي)) بدل ((ماعز))، فقال: يا بُنيَّ، ماعِزٌ لا
يشقى به جليسُه . يعني أنَّ عارماً قال هذا وقد زالَ عقلُه(٤).
قلتُ : فَرَّج عنا الدار قطنيُّ في شأنٍ عارِمٍ ، فقال: تغيَّر بأُخَرة ، وما
ظَهَر له بعد اختلاطه حديثٌ مُنكر ، وهو ثِقَة .
فانظر قَولَ أميرِ المؤمنين في الحديثِ أبي الحسن ، فأينَ هذا من
قولِ ذاك الخَسَّافِ المُتَفاصِح أبي حاتم بن حِبّان في عارِم ، فقال : اختلطَ
(١) ((الجرح والتعديل)) ٥٩/٨.
(٢) (( الجرح والتعديل)) ٥٨/٨.
(٣) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٢٥٨.
(٤) ((تهذيب الكمال)) لوحة ١٢٥٨ .
٢٦٧

في آخر عُمرِه ، وتغيَّر ، حتى كان لا يَدري ما يُحدِّثُ به ، فوقعَ في حديثهِ .
المناكيرُ الكثيرةُ ، فيجبُ التََّكُبُ عن حديثه فيما رواهُ المُتأخِّرون ، فإذا لم
يُعلَم هذا من هذا تُرِكَ الكُلُّ، ولا يُحتجُّ بشيءٍ منها(١) .
قلتُ : فأينَ ما زعمتَ من المناكيرِ الكثيرةِ ؟ فلم يَذكُر منها حديثاً .
بلى له عن حمّاد، عن حُميدٍ الطويل، عن أنسٍ، عن النبيِّ وَّ: ((اتقوا
النارَ وَلَو بِشِقٌّ تَمْرَة » وقد كانَ حدَّثَ به من قبلُ عن الحسن بدل أنس مرسلاً
وهو أَشْبَه(٢) . وكذا رواهُ عَفّان وغيرُه عن حمَّد .
قال أبو بكر الشافعي : سمعتُ إبراهيم الحَرْبيَّ يقولُ: جئتُ عارِماً ،
فطرحَ لي حصيراً على الباب ، وخرجٌ ، وقال : مرحباً أَيْشٍ كان خبرك ؟ ما
رأيتُكَ منذُ مدَّة . وما كنتُ جئتُه قَبلَها. ثم قال لي : قال ابنُ المبارك :
أيُّها الطَّالِبُ عِلْماً إِيتِ حَمَّادَ بن زَيْدْ
فَاسْتَفِدْ حِلْماً وعِلْماً ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَبْدْ
والقيدُ بقيْد، وجعل يُشِيرُ بيدهِ على أصبعِهِ مراراً، فعلمتُ أنَّه اختلط(٣).
وقال العُقيلي : سماعُ عليٍّ بنِ عبد العزيز البغوي من عارِمٍ سنةَ سبعَ
عشرة ومئتين (٤) .
(١) كتاب ((المجروحين والضعفاء)) ٢٩٤/٢ - ٢٩٥، و((ميزان الاعتدال)) ٨/٤.
(٢) الحديث في ((مسند البزار)) (٩٣٤) من طريق محمد بن بشار، عن محمد بن
الفضل ، عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد ، وقال : لا نعلم رواه هكذا إلا محمد بن الفضل .
قلت : لكن الحديث صح من وجه آخر، فقد أخرجه البخاري ٢٢٥/٣، ومسلم (١٠١٦)
(٦٧) من حديث عدي بن حاتم، وأحمد ٧٩/٦، والبزار (٩٣٦) عن عائشة ، والبزار
(٩٣٧) عن أبي هريرة، والطبراني في ((الكبير)) عن ابن عباس وعن أبي أمامة. انظر ((مجمع
الزوائد )» ١٠٦/٣ .
(٣) ((الضعفاء)) للعقيلي: لوحة ٣٩٥، و((ميزان الاعتدال)) ٨/٤
(٤) ((الضعفاء)) للعقيلي: لوحة ٣٩٤ .
٢٦٨

قال سُليمانُ بن حرب : إذا ذكرتَ أبا النُّعمان ، فاذكر أيُّوب وابنَ
عون(١) .
قال العُقَيلي : قال لي جَدِّي : ما رأيتُ بالبصرة شيخاً أحسنَ صلاةً
من عارِم ، كانوا يقولون : أخذَ الصلاةَ عن حمّاد بن زيد ، عن أيُّوب ،
قال : وكان عارمٌ أخشعَ من رأيتُ رحمه الله(٢) .
قلتُ : لم يأخُذْ عنه أبو داود لتغيّره ، والذي ينبغي أَنَّ مَنْ خلَّطَ في .
كلامه كتخليطِ السكران أَنْ لا يُحملَ عنه البتة ، وأنَّ مَنْ تَغَيّر لكثرة النسيان
أن لا يُؤخَذ عنه .
أخبرنا عبدُ الرحمن بن محمد الفقيه في كتابه ، أخبرنا عمرُ بن
محمد ، أخبرنا هبةُ الله بن محمد ، أخبرنا ابنُ غَيْلان ، أخبرنا أبو بكر
الشافعي ، أخبرنا إسماعيلُ بن إسحاق ، حدثنا عارِم ، حدثنا سعيدُ بن
زيد، عن عليّ بن الحكم، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد قال: (( نُهي
أن يشربَ الرجلُ وهو قائم ، وأن يلتقِم فَمَ السِّقاءِ فيشربَ منه)).
هذا حديثٌ صالحُ الإِسناد(٣) ، وعليُّ بنُ الحكم روى له البخاريُّ ،
ووُثِّق .
قال محمدُ بن المُنذر شَكّر ، عن بعض شيوخه قال : كنتُ عند عبد
الرزّاق ، وبقيتْ علي بقيَّةِ، وأردتُ السَّفَر، فقلتُ له ، فانتَهَرني ، فُرُحتُ
(١) انظر ((ميزان الاعتدال)) ٩/٤.
(٢) ((الضعفاء)) لوحة ٣٩٥.
(٣) وهو كما قال، وفي الباب عن أنس وأبي هريرة عند مسلم (٢٠٢٤) (١١٣) و
(٢٠٢٦)، وعن أبي سعيد الخدري عند البخاري ٧٨/١٠، ومسلم (٢٠٢٣)، وأبي داود
(٣٧٢٠)، والترمذي (١٨٩١)، وعن أبي هريرة عند البخاري ٧٨/١٠، ٧٩ .
٢٦٩

مغموماً، فنمتُ، فرأيتُ النبيِّينَ﴿، فقال: ما لي أراكَ مغموماً؟ قلتُ:
يا رسولَ اللَّه ، سألتُ عبد الرزّاق أن يقرأ عليَّ، فَزَبَرني، فقال: إِنْ أردتَ
أن تكتُبَ العلمَ الله ، فاكتبْ عن القَعْنَبِي ، ومحمدِ بنِ الفضل السَّدُوسي ،
وعبدِ الله بنِ رجاء الغُدَاني ، ومحمد بن يوسف الفِرْيابي . فأصبحتُ ،
وحكيتُ الرؤيا، فقال عبدُ الرزاق: شكوتَني إلى رسول اللهِ وَّ! هاتٍ
حتى أقرأ عليك ، قلتُ : لا والله ، ثم لحقتُ بأولئك، فكتبتُ عنهم .
٧١ - عَبْدَان *
الامامُ الحافظُ ، مُحدِّثِ مَرْو، أبو عبد الرحمن عبدُ الله بنُ عثمان بنِ
جَبَلَة بن أبي رَوّاد ميمون - أو أيمن - الأزديُّ العَتكيُّ مولاهم المَرْوَزي ،
أخو المحدِّث عبدِ العزيز شاذان ، وهما سِبطا شيخِ مكّةَ عبدِ العزيز بنِ أبي
رَوَّاد(١).
وُلد سنة نيف وأربعين ومئة .
وسمع من : شعبةً حديثاً واحداً، وسمعَ من أبيه عن شُعبة شيئاً
كثيراً، ومن أبي حمزةَ محمدِ بن ميمون السُّكَّري ، ومالكِ بن أنس ،
وعيسى بنِ عُبيد، وعبدِ الله بن المُبارك، وحَمَّادِ بنِ زيد، ويزيدَ بن
زُرَيع، وخلقٍ كثيرٍ بخُراسان والعراق والحجاز .
* التاريخ الصغير ٣٤٥/٢، ٣٤٦، الجرح والتعديل ١١٣/٥، المعجم المشتمل:
١٥٧، تهذيب الكمال لوحة ٧٠٩، تذكرة الحفاظ ٤٠١/١، الكاشف ١٠٨/٢، العبر
٣٨٢/١، تذهيب التهذيب ١/١٦٥/٢، دول الإسلام ١٣٤/١، تهذيب التهذيب
٣١٣/٥، ٣١٤، طبقات الحفاظ: ١٧٣، ١٧٤، خلاصة تذهيب الكمال : ٢٠٦، شذرات
الذهب ٤٩/٢ .
(١) تقدمت ترجمته في الجزء السابع من هذا الكتاب ص ١٨٤ .
٢٧٠

حدث عنه : البخاريُّ كثيراً، وروى مسلمٌ وأبو داود والترمذيُّ
والنِّسَائِيُّ بواسطةٍ ، وأحمدُ بن شَبُّويه ، وأحمدُ بن سَيَّار، ومحمدُ بن علي
ابن الحسن بن شقيق ، والعباسُ بن مُصعب ، وأبو المُوَجَّه محمدُ بن
عمرو، والقاسمُ بن محمد بن الحارث المَرْوَزي ، وأبو علي محمدُ بن
بحيى السكّري ، ومحمدُ بن يحيى الذُّهْلِي، وعُبيدُ الله بن واصل ،
ويعقوبُ الفَسَوي ، ومحمدُ بن عَمرو قَشْمَرْد، وخلقٌ سواهم .
وكان ثقةً مُجوداً .
قال أحمدُ بن عَبْدَة الأمُلي(١) : تصدَّقَ عَبْدانُ في حياته بألفِ ألفٍ
درهم ، وكَتَب كُتُبَ ابنِ المُبارك بقلمٍ واحد(٢).
قال : وقال عَبْدانُ : ما سألني أحدٌ حاجةً إلا قمتُ له بنفسي ، فإن
تمّ وإلا قمتُ له بمالي ، فإن تمَّ وإلا استعنتُ بالإِخوان ، فإن تمَّ وإلا استعنتُ
بالسلطان(٣).
وعن أحمَد بنِ حنبل : ما بقيَ إلا الرحلةُ إلى عَبْدَان بِخُراسان (٤).
قال أبو عبد الله الحاكم : هو إمامُ بلدِهِ في الحديث ، سَمِعَ من شُعبة
أحاديثَ دون العَشَرة ، ولم يُعقِب ، ورثه أخوه ، وقد ولّه ابنُ طاهر قضاءَ
الجُوزْجَان(٥) ، ثم استعفى فأَعفي .
قلتُ : وكذا قال العبَّسُ بن مصعب إنه سمع من شُعبةً دون العشرة .
(١) نسبة إلى ((آمُل)) وهي بليدة غربي جيحون على طريق بخارى. انظر ((الأنساب))
١٠٦/١، ١٠٧، و ((معجم البلدان)) ٥٨/١.
(٢) (( تهذيب الكمال)) لوحة ٧٠٩ .
(٣) ((تهذيب الكمال)) لوحة ٧٠٩ .
(٤) ((تهذيب الكمال)) لوحة ٧٠٩.
(٥) هي كورة واسعة من كُوَر خراسان بين مروالرُّوذ وبلخ انظر ((معجم البلدان))
١٨٢/٢.
٢٧١

قال أبو سَعْد(١) السمعانيُّ: دخلتُ بَرُوجِرْد(٢) ، فقعدتُ أنسخُ في
جُزءٍ بجامعِها ، وإلى جانبي شيخٌ . فقال: ما تكتُبُ؟ فتبرَّمتُ بسُؤالِهِ،
وقلتُ : الحديث . قال : حديث من ؟ قلتُ : من روايةِ أهلِ مَرْو. قال:
مَن تعرِفُ من علماءِ الحديثِ بَمَرو؟ قلتُ : عَبْدَان وصَدَقَة بن الفضل وابن
مُنير . فقال : وما اسمُ عَبْدان؟ قلتُ : عبدُ الله بنُ عثمان ؛ ثم نظرتُ إليه
بعينِ الأَدَبِ معه ، فقال : ولمَ لُقِّب عَبْدَان ؟ فقلتُ : يُفيدُنا الشيخ . قال :
وجودُ عَبْدٍ في اسمه وفي كُنيته ، فلُقِّب بهما على التثنية . فقلتُ: عمِّن
يأثّرُه الشيخُ؟ قال: عن شيخِنا محمدِ بنِ طاهر المَقْدِسي (٣).
قلتُ : تُوفِّي عَبْدَان في شعبان سنة إحدى وعشرين ومئتين ، عن
ستٍّ وسبعين سنة .
٧٢ - المأمون *
الخليفة ، أبو العَبَّاس ، عبدُ الله بنُ هارون الرَّشيدِ بن محمد المهدي
(١) في الأصل: ((أبو سعيد)) وهو تحريف.
(٢) هي بلدة بين همذان والكَرْج كانت منزلاً لوزير آل أبي دُلّف. انظر ((معجم البلدان))
٤٠٤/١ .
(٣) الخبر في (( التحبير في المعجم الكبير)) ٢٤٨/٢ للسمعاني، و ((معجم البلدان))
٤٠٤/١، ٤٠٥ وفيه : ثم بعد ذلك كتبت عنه أحاديث من أجزاء انتخبتُها عليه . وهذا الشيخ
الذي لقيه هو الحافظ أبو الفضل محمد بن هبة الله بن العلاء البّرُوجِرْدي وسيُترجم في الجزء
العشرين .
* المعارف لابن قتيبة: ٣٨٧، الأخبار الطوال: ٤٠٠، تاريخ اليعقوبي ١٧٢/٣،
الطبري ٤٧٨/٨، مروج الذهب للمسعودي ٢٤٧/٢ - ٢٦٩، البدء والتاريخ ١١٢/٦،
الفهرست : ١٢٩، تاريخ بغداد ١٨٣/١٠، الكامل لابن الأثير ٢٨٢/٦، النبراس لابن دحية
٤٦ - ٦٣، العبر (انظر فهرست الجزء الأول)، عيون التواريخ ٨ / لوحة ١٢، البداية والنهاية
٢٤٤/١٠، الذهب المسبوك: ١٨٦، النجوم الزاهرة ٢٢٥/٢، تاريخ الخلفاء : ٣٠٦ -
٣٣٣، تاريخ الخميس ٣٣٤/٢، شذرات الذهب ٣٩/٢، فوات الوفيات ٢٣٥/٢ - ٢٣٩.
٢٧٢

ابن أبي جعفر المنصور العباسي .
وُلد سنةً سبعين ومئة .
وَقرأ العلمَ والأدبَ والأخبارَ والعقليَّاتِ وعُلومَ الأوائل ، وأمرَ بتعريب
كُتِبِهِم، وبالغ، وعمل الرَّصَدَ(١) فوقَ جَبلِ دمشق ، ودعا إلى القولِ
بخلقِ القرآن وبالغ (٢)، نسألُ اللَّهَ السلامة.
وسمع من : هُشَيم، وعُبيد بن العوَّام ، ويوسُف بن عطيّة ، وأبي
مُعاوية ، وطائفة .
روى عنه : ولدُه الفضلُ، ويحيى بن أَكْثَم ، وجعفرُ بن أبي عُثمان
الطَّيالسي ، وعبدُ الله بن طاهر الأمير، ودِعْبِلٌ الشاعر، وأحمدُ بن الحارث
الشِّيعي .
وكان من رجالٍ بني العبّاس حَزماً وعزماً ورأياً وعقلاً وهيبة وحلماً ،
ومحاسنُهُ كثيرةٌ في الجملةِ .
قال ابنُ أبي الدُّنيا : كان أبيضَ ربعةً ، حسنَ الوجه ، تعلوهُ صُفرة ،
قد وخَطَهِ الشَّيبُ ، وكان طويلَ اللحية ، أعينَ ، ضَيِّقَ الجَبين ، على خَدِّه
شامة (٣) .
أتته وفاةُ أبيه وهو بمرو سائراً لغزوٍ ما وراءَ النَّهر، فبايع مَن قِبَلَهُ لأخيه
الأمين ، ثم جرت بينهما أمورٌ وخطوبٌ وبلاءُ وحروبٌ تُشيِّب النواصي ،
(١) الرَّصَد في علم الفلك: اسم لموضع تُعيِّن فيه حركات الكواكب .
(٢) ولم يقتصر على ذلك ، بل حمل الناس على هذا الرأي الخطأ بالقوة والإِكراه .
(٣) ((تاريخ بغداد) ١٨٤/١٠، و((فوات الوفيات)) ٢٣٥/٢، و ((تاريخ الخميس))
٣٣٤/٢. و((النجوم الزاهرة)) ٢٢٥/٢.
٢٧٣
سير ١٨/١٠

إلى أَن قُتِل الأمينُ ، وبايع الناسُ المأمونَ في أول سنة ثمان وتسعين
ومئة (١) .
قال الخُطَبي (٢) : كنيتُه أبو العبّاس، فلما استُخلفَ، اكتَنى بأبي
جعفر، واسم أمِّه مراجل، ماتت في نِفاسِها به(٣) .
قال : ودُعيَ له بالخلافةِ في آخر سنةٍ خمسٍ وتسعين ، إلى أن قُتِلَ
الأمينُ ، فاجتمع الناسُ عليه ، فاستعملَ على العراق الحسنَ بنَ سهل ، ثم
بايعَ بالعهدِ لعليٍّ بنِ موسى الرّضى، ونَوَّه بذكره، ونَبَذَ السّواد، وأبدلَهَ
بالخُضرة(٤) فهاجتَ بنو العبّاس ، وخلعوا المأمونَ ، ثم بايَعُوا عمَّه إبراهيمَ
ابنَ المهدي (٥) ولقّبُوه المُبارك ، وعسكروا ، فحاربهم الحسنُ بن سهل ،
فهزموه ، فتحيّز إلى واسط ، ثم سار جيشُ المأمونِ عليهم حُميدُ الطّوسيُّ ،
وعليُّ بن هشام، فالتقوا إبراهيمَ، فهزَموه، فاختفى زماناً (٦) ، وانقطع خبرُه
إلى أن ظُفِرَ به بعد ثمان سنين، فعفا عنه المأمون(٧).
وكان المأمونُ عالماً فصيحاً مُفَوّهاً، وكان يقولُ : معاويةُ بن أبي
(١) انظر ((تاريخ الطبري)) ٤٧٨/٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٢٨٢/٦، و«عيون
التواريخ)) ١١٤/٧، و«البداية والنهاية)) ٢٤٠/١٠.
(٢) نسبةً إلى الخطب وإنشائها. انظر ((الأنساب)) ١٤٧/٥.
(٣) ((تاريخ بغداد)) ١٨٤/١٠، و((تاريخ المسعودي)) ١/٧، و((فوات الوفيات))
٢٣٦/٢، و((النجوم الزاهرة)) ٢٢٥/٢.
(٤) انظر ((تاريخ الطبري)) ٥٥٤/٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٣٢٦/٦، و«عيون
التواريخ)) ٧/ لوحة ١٤٨، و((مروج الذهب)) ٦٠/٧، ٦١.
(٥) ((تاريخ الطبري)) ٥٥٥/٨ و ٥٥٧، و(( الكامل)) لابن الأثير ٣٢٧/٦، و«عيون
التواريخ)) ٧/ لوحة ١٤٩ .
(٦) ((تاريخ الطبري)) ٥٧١/٨ - ٥٧٣، و«الكامل)) ٣٥٤/٦.
(٧) ((تاريخ الطبري)) ٦٠٣/٨ و٦٠٤ - ٦٠٦، و((الكامل)) ٣٩٢/٦ - ٣٩٥، و
((عيون التواريخ ٧/لوحة ٢٣٧ - ٢٤٣.
٢٧٤

سفيان بعَمْرِه، وعبد الملك بحَجَّاجِه، وأنا بنفسي(١). وقد رُويت هذه أنَّ
المنصورَ قالها .
وعن المأمون : أنَّه تلا في رمضان ثلاثاً وثلاثين خَتمةٍ (٢) .
الحسين بن فَهم : حدثنا يحيى بنُ أكثم : قال لي المأمونُ : أُريد أن
أُحدِّثَ . قلتُ : ومَن أولىْ بهذا منكَ؟ قال : ضَعُوا لي مِنبراً، ثم صَعِدَ .
قالَ : فأولُ ما حدَّثنا عن هُشيم ، عن أبي الجهم ، عن الزُّهري ، عن أبي
سَلَمة، عن أبي هُريرة مرفوعاً: ((امُرُؤُ القَيسِ صاحِبُ لواءِ الشَّعَراءِ إلى
النار))(٣). ثم حدَّث بنحوٍ من ثلاثين حديثاً . ونزلَ، فقالَ : كيف رأيتَ أبا
يحيى مجلِسَنا؟ قلتُ: أجلُّ مجلسٍ ، تفقَّه الخاصَّةُ والعامَّةُ . قال : ما
رأيتُ له حلاوةً، إنما المجلسُ لأصحاب الخُلْقَان والمحابر (٤).
أبو العبّاس السَّرَّاج : حدثنا محمدُ بنُ سهل بن عسكر قال : تقدَّمَ
(١) ((تاريخ بغداد) ١٩٠/١٠، و(فوات الوفيات)) ٢٣٦/٢، و«تاريخ
الخلفاء » : ٣٠٦ .
(٢) ((تاريخ بغداد)) ١٩٠/١٠، و((فوات الوفيات)) ٢٣٦/٢.
(٣) إسناده ضعيف لضعف أبي الجهم . قال فيه أبو زرعة الرازي : واٍ . وقال ابن
عدي : شیخ مجهول لا یعرف له اسم، وخبره منکر، ولا أعرف له غيره. وقال ابن حبان: يروي
عن الزهري ما ليس من حديثه ، ولا يجوز الاحتجاج بروايته إذا انفرد . وقال ابن عبد البر : لا
يصح حديثه. انظر ((المجروحين)) ١٥٠/٣، و((الميزان)) ٥١٢/٤. و((لسان الميزان))
٢٨/٧، ٢٩ .
وأخرجه أحمد في ((المسند)) ٢٢٩/٢ من طريق هشيم بهذا الإسناد ، وأورده ابن كثير في
((البداية)) ١١٨/٢ عن المسند، وقال: وقَد روى هذا الحديث عن هشيم جماعة كثيرون ،
منهم بشر بن الحكم ، والحسن بن عرفة ، وعبد الله بن هارون أمير المؤمنين المأمون ، ويحيى
ابن عدي. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١١٩/٨ ونسبه لأحمد والبزار، وقال: وفي إسناده
أبو الجهم شيخ هشيم بن بشير ولم أعرفه ، وبقية رجاله رجال الصحيح .
(٤) ((فوات الوفيات)) ٢٣٦/٢، والخُلْقان: جمع خَلَق، يقال: ثوب خلق، وملحفة
خلقة ، والجمع خُلقان .
٢٧٥

رجلٌ غريبٌ بيدِهِ مِحبَرةٌ إلى المأمون ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ، صاحبُ
حديثٍ مُنْقَطِعٌ به . فقال : ما تحفَظُ في بابٍ كذا وكذا؟ فلم يذكر شيئاً .
فقال : حدثنا هُشیم ، وحدثنا یحیی ، وحدثنا حجاج بن محمد ، حتى ذكر
البابَ ، ثم سألَهُ عن بابٍ آخر، فلم يذكُرْ شَيئاً . فقال : حدثنا فلانٌ ،
وحدثنا فُلانٌ . ثم قال لأصحابه : يطلُبُ أحدُهم الحديثَ ثلاثةَ أيام ، ثم
يقولُ: أنا من أصحابِ الحديث ، أعطُوه ثلاثةَ دراهم(١).
قلتُ : وكان جواداً مُمَدَّحاً مِعطاءً ، وردَ عنه أنَّه فرَّقَ في جلسةٍ ستّةً
وعشرين ألف ألف درهم ، وكان يشربُ نبيذَ الكوفة ، وقيل : بل یشربُ
الخمر(٢) فالله أعلم .
وقيل : إنه أعطى أعرابياً مَدَحَهُ ثلاثينَ ألف دينار .
مسروق بن عبد الرحمن الكِندي : حدثني محمدُ بنُ المُنذر الكِندي
جارٌ لعبدِ الله بن إدريس ، قال : حجَّ الرشيدُ ، فدخل الكوفةَ ، فلم يتخلَّف
إلا ابنُ إدريس وعيسى بنُ يونس ، فبعثَ إليهما الأمينَ والمأمونَ، فحدَّثهما
ابنُ إدريس بمئةٍ حديث ، فقال المأمونُ: يا عمّ أتأذَنُ لي أَن أُعيدَها حفظاً ؟
قال : افعل . فأعادَها، فعجب من حفظه(٣). ومضيا إلى عيسى ،
فحدَّثهما ، فأمرَ له المأمونُ بعشرةِ آلاف درهم ، فأبى ، وقال : ولا شربَة
ماءٍ علی حدیثِ رسول الله پڼ
(١) ((فوات الوفيات)) ٢٣٧/٢، و((تاريخ الخلفاء)) ٣٣١ - ٣٣٢.
(٢) تصدير المصنف هذا الخبر بـ ((قيل)) يشعر بوهائه وعدم صحته ، فليتفطن لهذا الذين
ينقلون الأخبار دونما تمييز ، فيُقَوِّلون المترجم ما لم يقله ، أو ينسبون إليه ما هو بريء منه براءة
الذئب من دم يوسف .
(٣) (( تاريخ الخلفاء)) ص ٣٢٧ .
٢٧٦

روى محمدُ بنُ عَون، عن ابنٍ عُيِينةٍ ، أَنَّ المأمونَ جلَس ، فجاءته
امرأةٌ ، فقالت : ماتَ أخي ، وخلَّفَ ستَّ مئة دينار ، فأعطوني ديناراً
واحداً، وقالوا : هذا ميراتُكِ. فحسَبَ المأمونُ ، وقال : هذا خلَّفَ أربعَ
بنات . قالت نعم. قال : لهنّ(١) أربعُ مئة دينار. قالت : نعم . قال :
وخلّف أمّاً فلها مئةُ دينار، وزوجةٍ لها خمسةٌ وسبعون ديناراً . باللهِ ألكِ اثنا
عَشَرَ أخاً؟ قالت : نعم . قال : لكلِّ واحدٍ ديناران ، ولكِ دينار(٢) .
قال ابنُ الأعرابي : قال لي المأمونُ : خبِرني عن قولِ هندٍ بنتِ
عُتبة :
نَحْنُ بَنَاتِ طَارِق نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ
من هو طارق ؟ فنظرتُ فِي نَسَبِها ، فلم أجدهُ ، فقلتُ : لا أعرِفُ .
قال : إنما أرادت النَّجم : انتسبَتْ إليه لِحُسْنِها(٣). ثم دحا إلي بعَنْبرةٍ،
بعتُها بخمسة آلاف درهم (٤) .
(١) في الأصل : لهما .
(٢) ((فوات الوفيات)) ٢٣٦/٢، و((تاريخ الخلفاء)) ص ٣١٥
(٣) هذا التعليلُ مقبولٌ فيما لو كان الشعر لهند بنت عتبة ، والصحيح أنه ليس لها ، وإنما
تمثلت به يوم أحد تُحرضُ المشركين على قتال النبي و چر، وهو لهند بنت بياضَة بن رياح بن
طارق الإِيادي قالته حين لقيت إيادُ جيش الفرس بالجزيرة ، وكان رئيس إياد يومئذ بياضة بن رياح
ابن طارق الإِيادي، فطارقٌ في الشعر هو جدُّها. و((بنات))يُروى بالرفع والنصب، فمن رفعه
فعلى خبر الابتداء ، ومن نصبه فعلى المدح والتخصيص، ويكون الخبر قولها: ((نمشي)).
وبعد هذا البيت :
والدُّرُ في المخَانِق
المِسْكُ فِي الَفَّارِق
إن تُقبِلُوا نُعانِق
ونفرُشِ النَّمَارِقِ
فراقَ غيرِ وامِق
أو تُدبِرُوا نُفَارِق
انظر ((شرح أبيات مغني اللبيب)) ١٨٨/٦ - ١٩٠ للبغدادي، و((الفاخر)) ص ٢٣، و
((الروض الأنف)) للسهيلي ١٦١/٣.
(٤) ((تاريخ الخلفاء)) ص ٣١٩ .
٢٧٧

وعن المأمون : مَن أراد أن يكتُب كتاباً سراً ، فليكتُب بلَبنٍ حُلِبَ
لوقتِه، ويُرسِله، فيعمدُ إلى قرطاسٍ، فيُحرِقُه، ويَذُرُّ رمادَه على
الكتابة ، فيُقرأ له .
قال الصُّوليُّ : اقترح المأمونُ في الشُّطْرَنْجِ أشياءَ ، وكان يُحبُّ
اللعبَ بها ، ويكرهُ أن يقولَ: نلعبُ بها، بل نتناقَلُ بها(١).
وعن يحيى بنِ أكثم قال : كان المأمونُ يجلِسُ للمُناظَرَةِ يومَ
الثَّلاثاءِ، فجاء رجلٌ قد شَمَّر ثيابَهُ، ونعلُهُ في يده، فوقفَ على طَرَفٍ
البِساط، وقال : السلامُ عليكم . فردَّ المأمونُ، فقال: أتاذَنُ لي في
الدُّنُوُ؟ قال : ادنُ ، وتكلُّمْ ، قال : أخبرني عن هذا المجلسِ الذي أنتَ
فيه ، جلسْتَهُ باجتماع الأمَّة أم بالغَلَبة والقهرِ ؟ قال : لا بهذا ولا بهذا ، بل
كان يَتَولَّى أمرَ الأُمَّة من عَقَد لي ولأخي ، فلما صارَ الأمرُ إليَّ، علمتُ أنّي
مُحتاجُ إلى اجتماعِ كلمةِ المسلمين على الرِّضى بي، فرأيتُ أَنِّي متى
خَلَّيتُ الأمرَ ، اضطربَ حبلُ الإِسلامِ ، ومَرِجَ عهدهُم، وتنازَعُوا ، وبطلَ
الحجُّ والجهادُ، وانقطعت السُّبُلُ، فقمتُ حياطةً للمسلمين ، إلى أن
يُجمعوا على من يَرِضَونه، فأسلمُ إليه . فقال: السلامُ عليكَ ورحمةُ
الله. وذهَب، فوجَّه المأمونُ مَن يكشِفُ خبرَه ، فرجع ، فقال : مضى إلى
مسجدٍ فيه خمسةَ عشَر رجُلاً في هَيْئِهِ ، فقالوا : لَقِيتَ الرجلَ ؟ قال :
نعم ، وأخبرهم بما جرى ، فقالوا : ما نرى بما قال بأساً ، وافترقوا . فقال
المأمونُ : كُفينا مُؤنةَ هؤلاء بأيسرِ الخَطْبِ(٢).
وقيل : إنَّ المأمونَ استخرجَ كُتُبَ الفلاسفةِ واليونان من جزيرةٍ
(١) ((تاريخ الخلفاء)) ص ٣٢٤.
(٢) ((مروج الذهب)) للمسعودي ٣٩/٧ - ٤٣، و((تاريخ الخلفاء)) ٣٢٧.
٢٧٨

قُبْرُس ، وقدم دمشقَ مرَّتين .
قال أبو معشر المُنَجِّم : كان أمَّاراً بالعدلِ ، محمودَ السِّيرةِ ، ميمونَ
النَّقِيبة، فقيه النفسِ ، يُعَدُّ من كبارِ العُلماءِ(١).
ورُوي عن الرِّشيد ، قال : إني لأعرِفُ في عبد الله ابني حزمَ
المنصور ، ونُسُكَ المَهْدِيِّ، وعزَّةَ الهادي ، ولو أشاءُ أن أَنسُبَه إلى الرابع -
يعني نفسَه - لفعلتُ ، وقد قدمتُ محمداً عليه، وإني لأعلمُ أنه مُنقادٌ إلى
هَواه ، مُبذِّرَ لما حوته يداه ، يُشارِكُ في رأيه الإِماءَ، ولولا أُمُّ جعفرٍ وميلُ
الهاشميين إليه ، لقدَّمتُ عليه عبد الله(٢).
عن المأمون قال : لو عرفَ الناسُ حُبِّي للعفو، لتقرَّبُوا إليَّ
بالجرائم(٣)، وأخافُ أن لا أُوجَر فيه .
وعن يحيى بنِ أكثم : كان المأمونُ يحلُمُ حتى يُغيظَنا، قيل : مرّ
ملّحٌ، فقال : أتظنّون أنَّ هذا ينبُلُ عندي وقد قتل أخاهُ الأمين ؟ !
فسمعها المأمونُ ، فتبسِّم ، وقال : ما الحيلةُ حتى أنْبُلَ في عين هذا السيِّد
الجليل (٤) ؟ .
قيل : أهدى ملكُ الرُّومِ للمأمونِ نفائسَ ، منها مئةُ رطل مِسك ،
ومثةُ حُلَّ سَمُّور. فقال المأمونُ : أضْعِفُوها له لَيَعلَمَ عِزَّ الإِسلام(٥).
(١) ((فوات الوفيات)) ٢٣٧/٢ .
(٢) ((تاريخ الخلفاء)): ٣٠٧ .
(٣) ((فوات الوفيات)) ٢٣٦/٢.
٠
(٤) ((تاريخ بغداد)) ١٨٩/١٠، و((فوات الوفيات)) ٢٣٦/٢، و«عيون التواريخ))
٨/ لوحة ١٥ و((تاريخ الخلفاء)) ٣٢٠.
(٥) ((فوات الوفيات)) ٢٣٧/٢، والسَّمُّور: حيوان يشبه النِّمس، منه أسود لامع وأشقر،
تُسوَّى من جلوده فِرَاءٌ غاليةُ الأثمان .
٢٧٩

وقيل : أُدخل خارِجيٌّ على المأمونِ، فقال: ما حمَلكَ على
الخلافِ؟ قال: قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولِئُكَ هُمُ
الكَافِرُون ﴾ قال : ألكَ علمٌ بأنَّها مُنزلة ؟ قال : نعم . قال : وما دليلُكَ ؟
قال : إجماعُ الأُمَّة . قال : فكما رضيتَ بإجماعهم في التنزيل ، فارضَ
بإجماعِهم في التأويل . قال : صدْقتَ. السلامُ عليكَ يا أميرَ
المؤمنين(١).
الغَلَابِي : حدثنا مَهديُّ بنُ سابق قال : دخل المأمونُ ديوانَ
الخَراج ، فرأىْ غُلاماً جميلاً على أُذُنه قلمٌ ، فأعجبه جمالُه ، فقال : مَن
أنتَ؟ قال: الناشىءُ في دولتِكَ، وخِرِّيجُ أُدْبِك، والمُتَقلِّبُ في نعمتِكَ يا
أميرَ المؤمنين، حسنُ بنُ رجاء ، فقال : يا غُلام بالإِحسانِ في البديهةِ
تفاضلتِ العُقول ، ثم أمرَ برفعِ رُتبته ، وأمرَ له بمئةٍ ألف .
وعن المأمونِ قال : أعياني جوابُ ثلاثةٍ :
صرتُ إلى أُمَّ ذي الرِّياستين الفضلِ بنِ سَهْل أُعزِّبها فيه ، وقلتُ :
لا تَأْسَيْ عليه، فإني ◌ِوَضُهُ لكِ، قالت : يا أمير المؤمنين وكيفَ لا أحزَنُ
على ولدٍ أكسبني مثلَكَ .
قال : وأُتِيتُ بمُتَنِىءٍ ، فقلتُ: مَن أنتَ؟ قال : أنا موسى بنُ
عِمران . قلتُ : ويحكَ ، موسى كانت له آياتٌ ، فاْتِني بها حتى أُومِنَ
بك . قال : إنما أتيتُ بالمعجزاتِ فِرعون ، فإن قلتَ : أنا ربُّكم الأعلى
كما قال ، أتيتُك بالآيات .
وأتى أهلُ الكوفة يشكون عامِلَهم ، فقال خطيُهم: هو شَرُّ عاملٍ ،
(١) ((تاريخ بغداد)) ١٨٦/١٠، و((تاريخ الخلفاء)) ٣١٩ - ٣٢٠.
٢٨٠