Indexed OCR Text

Pages 81-100

قال يحيى القَطّان: مما نقله البيهقي في (( المدخل)) له : ما رأيتُ
أعقل - أو قال أفقه - من الشافعي، وأنا أدعو اللَّه له أَخُصُّه به(١).
وقال الحاكمُ : حدثنا الزُّبِيرُ بن عبد الواحد ، حدثني العباسُ بنُ
الفضل بأرْسُوف(٢)، حدثنا محمدُ بن عوف، سمعتُ أحمدَ بن حنبل
يقول : الشافعيُّ فيلسوفُ في أربعة أشياء : في اللغةِ ، واختلافِ الناس ،
والمعاني ، والفقه(٣).
قال إبراهيمُ الحربيُّ ، سألتُ أحمدَ عن الشافعي ، فقال : حديثٌ
صحيح ، ورأيٌ صحيح ، وسألتُهُ عن مالك ... وذكر القصة (٤).
أحمد بن محمد بن عُبيدة : حدثنا يونسُ بنُ عبد الأعلى قال : كان
الشافعيُّ إذا أخذَ في التفسير كأنَّه شَهِدَ التنزيل (٥).
قال البيهقيُّ فيما أجاز لنا ابنُ عَلَّن وفاطمةُ بنتُ عساكر ، عن منصور
قال البيهقي في ((المناقب)) ٤٣/١: والشافعي رحمه الله من صليبة بني عبد المطلب بن
عبد مناف من قبل آبائه ، وهو من بني هاشم بن عبد مناف من جهة جداته اللاتي كن لآبائه .
قال الإِمام أحمد: وفي تخصيص النبي وَّر وآله بني هاشم وبني المطلب بإعطائهم سهم
ذي القربى وقوله: ((إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)) فضيلة أخرى ، وهي أنه حرم الله
عليهم الصدقة، وعوّضهم منها هذا السهم من الخُمس، وقال: ((إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا
لآل محمد )) فدلّ بذلك على أنَّ آله الذين أمرَ بالصلاة عليهم معه هم الذين حرم الله عليهم
الصدقة ، وعوضهم منها هذا السهم من الخمس .
(١) تقدم الخبر في الصفحة ٢٠ تعليق رقم (٢).
(٢) في ((الأنساب)) بضم الهمزة، وفي ((معجم البلدان)) بفتحها : مدينة على ساحل
بحر الشام بين قيسارية ويافا ، كان بها خلقٌ من المُرابطين .
(٣) ((مناقب)) البيهقي ٤١/٢، و((تاريخ ابن عساكر)) ٢/٤١٥/١٤.
(٤) تقدم الخبر في الصفحة (٤٧) ت (٤) .
(٥) ((مناقب)) البيهقي ٢٨٤/١، و((مناقب)) الرازي: ٧٠، و((توالي
التأسيس)) : ٥٨ .
سير ٦/١٠
٨١

الفُراوي(١) ، أخبرنا أبو المعالي الفارسيُّ ، أخبرنا أبو بكر البيهقيُّ ، أخبرنا
أبو عبد الرحمن السُّلَمي ، حدثنا محمدُ بنُ العبّاسِ العُصْمِي (٢) ، حدثنا
أبو إسحاق بن ياسين الهروى، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الأنصاري، سمعتُ
المَرَّوذِيّ يقولُ : قال أحمدُ بن حنبل : إذا سُئِلتُ عن مسألةٍ لا أعرفُ فيها
خَبَراً ، قلتُ فيها بقولِ الشافعيِّ ، لأَنَّه إمامٌ قُرَشيٍّ، وقد رُوِيَ عن النبيِّ
وَلِّ أنه قال: ((عالمُ قُرَيْشٍ يَمْلُأُ الأرضَ علماً)) إلى أن قال أحمدُ: وإنِّي
لأدعو للشافعيِّ منذُ أربعين سنةً في صلاتي(٣).
روى أبو داود الطيالسيُّ وإسحاقُ بن إسرائيل ، حدثنا. جعفرُ بن
سُليمان ، عن أبي الجارود النَّضْرِ بنِ حُميد(٤) ، [عن أبي الجارود] عن أبي
الأحوص، عن عبدِ الله، قال رسولُ الله ◌َ﴿: ((لا تَسُبُّوا قُريشاً فإنَّ عالِمَها
يملُّ الأرضُ علماً))(٥).
قلت : النَّضْرُ، قال فيه أبو حاتم : متروك الحديث(٦).
(١) بضم الفاء نسبة إلى فُراوة: بُليدة مما يلي خوارزم.
(٢) نسبة إلى عُصْم، وهو جد محمد بن العباس هذا .
(٣) ((مناقب) البيهقي ٥٤/١، و((توالي التأسيس)): ٤٨، و((الحلية)) ٦٥/٩،
و((تاريخ بغداد)) ٦٠/٢، ٦١، و((مناقب)) الرازي : ١٢٦.
(٤) في المطبوع من ((مسند)) الطيالسي و((الحلية)): النضر بن معبد وفي ((تاريخ
بغداد )) : النضر بن سعيد وكلاهما تحريف .
(٥) هو في ((مسند الطيالسي)) ١٩٩/٢، و((حلية الأولياء)) ٦٥/٩، و((تاريخ بغداد)»
٦٠/٢، ٦١، و((مناقب البيهقي)) ٢٦/١، وعندهم السُّنَّد: عن النضر بن حميد، عن
الجارود ، عن أبي الأحوص . مع أن البخاري يقول كما سيأتي : روى عن أبي الجارود .
(٦) كما في ((الجرح والتعديل)) ٤٧٦/٨، ٤٧٧، وأورده المؤلف في ((الميزان))
٢٥٦/٤، فقال: النضر بن حميد أبو الجارود ، عن أبي إسحاق ، قال أبو حاتم : متروك
الحديث ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وهو النضر بن حميد الكندي ، قال البخاري:
حدث عن أبي الجارود وثابت ، ثم أورد الحديث من طريق جعفر بن سليمان . وأورده
السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) ص ٢٨١ ، وقال: الجارود مجهول، والراوي عنه مختلف
فيه .
٨٢

قال أبو بكر بن زياد النَّيْسَابُوريُّ : سمعتُ الربيعَ يقولُ : كان
الشافعيُّ يَخْتِمُ القرآنَ في كُلِّ رمضان ستين خَتْمةً ، وفي كل شهرٍ ثلاثين
ختْمَةً . وكان يُحَدِّثُ وطَسْتٌ تحته ، فقال يوماً : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ لك فيه
رضىٍ، فَزِدْ(١) ، فبعثُّ إليه إدريسُ بن يحيى المَعَافري - يعني زاهد
مصر - : لستَ من رجالِ البلاء ، فسلِ الله العافية .
الزَّبير بنُ عبد الواحد : حدثنا محمدُ بن عَقِيلِ الفِرْيَابِيُّ قال : قال
المُزَنِيُّ أو الرَّبيع : كنا يوماً عند الشافعيِّ، إذ جاء شيخٌ عليه ثيابُ صوفٍ ،
وفي يدِهِ عُكَّازَةٌ ، فقام الشافعيُّ، وسَوَّى عليه ثيابَهُ ، وسلَّم الشيخُ ،
وجلَسَ ، وأخذ الشافعيُّ ينظُرُ إلى الشيخِ هيبةً له ، إذ قال الشيخُ : أَسأَلُ ؟
قال : سَلْ، قال : ما الحجةُ في دينِ الله ؟ قال : كتابُ الله . قال :
وماذا؟ قال: سُنةُ رسولِ اللهِوَ. قال: وماذا؟ قال: اتَّفَاقُ الْأُمَّة.
قال : مِن أينَ قلتَ : اتفاق الأمة ؟ فتدبّر الشافعيُّ ساعةً ، فقال الشيخُ : قد
أَجِّتُكَ ثلاثاً ، فإن جئتَ بحُجَّةٍ من كتاب الله ، وإلا تُبْ إلى الله تعالى ،
فتغيَّر لونُ الشافعي ، ثم إنه ذهبَ ، فلم يخرُجْ إلى اليوم الثالث بين الظُّهْرِ
والعصرِ، وقد انتفخَ وجهُهُ ويداهُ ورجلاهُ وهو مِسْقَامٌ ، فجلسَ ، فلم يكنْ
(١) في ثبوت هذا عن الشافعي وقفة، فإنه مما لا يخفى عليه أن النبي وَّ* كان يستعيذ
من البلاء ، ويسأل الله العافية، ففي البخاري ١٢٥/١١، ومسلم (٢٧٠٧) من حديث أبي
هريرة : كأن رسول الله وَلَ يتعوَّذ من جهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة
الأعداء . وفي ((صحيح مسلم)) (٢٧٣٩) من حديث ابن عمر: كان من دعاء النبي ◌َّد :
((اللهم إني أعوذُ بك من زوال نعمتك، ومن تحوُّل عافيتك ، ومن فجاءة نقمتك ، ومن جميع
سخطك وغضبك )) وصح عنه ټ﴾ من حديث ابن عمر فيما رواه أبو داود ( ٥٠٧٣ ) أنه كان يدعو
حين يصبح ويمسي بهذه الدعوات: ((اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي ، وأهلي
ومالي ، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي ، اللهم احفظني من بين يدي ، ومن خلفي ، وعن
يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)) والنص في ((الحلية ))
١٣٥/٩. وفيه بعد قوله: ((فسل الله العافية)) أنّ الشافعيّ بعث إليه، فقال: ادعُ الله لي بالعافية.
٨٣

بأسرعَ من أن جاءَ الشيخُ ، فسلَّم ، وجلسَ ، فقال : حاجتي ؟ فقال
الشافعيُّ: نعم ، أعوذُ بالله من الشيطَانِ الرجيم ، قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ
يُشَاقِقِ الرَّسُوْلَ مِنْ بَعْدِمَا تَبَيِّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيْلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا
تَوَّلَّى ... ) الآية [النساء: ١١٥]، قال: فلا يُصْلِيهِ على خلافٍ
المؤمنين إلا وهو فَرْضٌ ، فقال : صدقْتَ ، وقامَ فذهَبَ . فقال الشافعيُّ :
قرأتُ القرآن في كلِّ يومٍ وليلة ثلاثَ مرات ، حتى وقفتُ عليه (١).
أنبِئتُ بهذه القصةِ عن منصور الفُرَاوي ، أخبرنا محمدُ بن إسماعيل
الفارسي ، أخبرنا أبو بكر البَيْهَقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظُ ، حدثنا
الزُّبير .. فذكرها .
(١) وجه الاستدلال بالآية أنه تعالى توعَّد على مُتابعة غير سبيل المؤمنين ، ولو لم يكن
ذلك محرماً لما توعد الله عليه ، ولما حسن الجمع بينه وبين ما حرم من مشاقّة الرسول عليه
السلام في التوُّد ، كما لا يحسن الجمع في التوعد بين الكفر وأكل الخبز المباح ، ومخالفة ما
أجمع عليه المسلمون اتباع لغير سبيل المؤمنين بالعمل بإجماعهم واجباً .
وأُجيب بأنا لا نسلم أن المراد بسبيل المؤمنين في الآية هو إجماعهم لاحتمال أن يكون
المراد سبيلهم في متابعة الرسول و 18 ، أو في مناصرته ، أو في الاقتداء به ، أو فيما صاروا به
مؤمنين ، وهو الإيمان به ، ومع الاحتمال لا يتمُّ الاستدلال .
وقال إمامُ الحرمين في كتابه ((البرهان)) فيما نقله عنه صاحب ((سلم الوصول)) ٨٦٩/٣ :
الظاهر أنَّ الربَّ سبحانه وتعالى أراد بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى صلوات الله وسلامه
عليه ، والحيدَ عن سنن الحق ، وترتيب المعنى : ومن يشاقق الرسول ، ويتبع غير سبيل
المؤمنين المقتدين به ، نوله ما تولى . فإن سلم ظهور ذلك ، فذلك ، وإلا فهو وجه في
التأويل لائح ، ومسلك للإنكار واضح ، فلا يبقى للتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل ، ولا
يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القطع ، وليس على المعترض إلا أن يظهر وجهاً في
الإِمكان ، ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف. وقال الغزالي في ((المستصفى))
١٧٥/١: والذي نراه أن الآية ليست نصاً في الغرض، بل الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل
الرسول ويشاقه ، ويتبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ، ودفع الأعداء عنه ، نوله ما
تولى . فكأنه لم يكتف بترك المشاقة حتى تنضم متابعة سبيل المؤمنين في نصرته والذب عنه ،
والانقياد له فيما يأمر وينهى . وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم ، فإن لم يكن ظاهراً ، فهو
محتمل .
٨٤

قال الزَّعْفَرانِيُّ : قدم علينا الشافعيُّ بغدادَ في سنةِ خمسٍ
: وتسعين ، فأقامَ عندنا أشهراً، ثم خرج . وكان يَخضِبُ بالحِنَّاءِ، وكان
خفيفَ العارضين .
وقال أحمدُ بنُ سِنان : رأيتُهُ أحمرَ الرأسِ واللحيةِ - يعني أنه
اختضب(١) - .
قال الطبراني : سمعتُ أبا يزيد القراطيسيَّ يقولُ : حضرتُ جِنَازَةَ
ابنِ وَهْبٍ ، وحضرتُ مجلسَ الشافعي .
أبو نُعيم في ((الحلية)): حدثنا عُبيد بن خَلَفِ البَزّار، حدثني
إسحاقُ بن عبد الرحمن ، سمعتُ حُسيناً الكرابيسيَّ ، سمعتُ الشافعيِّ
يقولُ : كنتُ امرَأْ أكتبُ الشعر، فآتي البوادي ، فأسمعُ منهم ، فقدمتُ
مكةَ ، فخرجتُ وأنا أتمثَّلُ بشعرٍ لَبيد ، وأضربُ وَحْشِيَّ قَدمي بالسَّوط ،
فضربني رجلٌ من ورائي من الحَجَبة ، فقال : رجلٌ من قريش ثم ابنُ
المُطّلب، رضيَ من دينه ودنياه أن يكون مُعَلّماً، ما الشِّعْرُ إذا استحكمتَ
فيه فعُدتَ معلماً؟ تَفَقَّهْ يُعلِكَ(٢) الله. فنفعني الله بكلامه ، فكتبتُ ما شاء
الله من ابن عُينة ، ثم كنتُ أُجالِسُ مُسْلَمَ بن خالد، ثم قدمتُ على
مالكٍ ، فلما عرضتُ عليه إلى كتاب السِّيَر، قال لي : تَفَقَّهْ تَعْلُ (٣) يا ابن
أَخي ، فجئتُ إلى مُصعبٍ بن عبد الله، فكلمتُهُ أن يُكَلَّمَ لي بعضَ أهلنا ،
فَيُعْطِيَني شيئاً ، فإنَّه كان بي من الفقرِ والفاقةِ ما الله به عليمٌ ، فقال لي
(١) ((آداب الشافعي)): ٧٩، و((حلية الأولياء)) ٦٨/٩، و(تهذيب الأسماء
واللغات)) ٦٤/١، و((توالي التأسيس)) : ٦٩.
(٢) في ((الحلية)): يعلمك . وهو خطأ .
(٣) في الأصل: ((تعلو)).
٨٥

ما
مُصعبٌ : أتيتُ فلاناً، فكلمتهُ ، فقال : أَتُكَلِّمني في رجلٍ كان منا ،
فخالفنا ؟ قال : فأعطاني مئةً دينار؟ ثم قال لي مصعب : إنَّ الرشيدَ كتب
إِلَيَّ أَنْ أَصيرَ إلى اليمن قاضياً، فتخرُجُ معنا، لعلَّ الله أن يُعَوِّضَكَ،
فخرجتُ معه، وجالسنا الناس ، فكتبَ مُطَرِّفُ بنُ مازن إلى الرشيد : إِنْ
أردتَ اليمنَ لا يفسُدُ عليك ولا يخرُجُ من يدكَ، فَأُخْرِجْ عنه محمدَ بنَ
إدريس ، وذكر أقواماً من الطالبيين، فبعثَ إلى حمَّادِ البربري ، فأُوثقْتُ
بالحديد ، حتى قدمنا على هارون الرَّقَّةَ ، فأُدخِلتُ عليه ... وذكر اجتماعَه
بعدُ بمحمد بن الحسن ، ومناظرتَه له (١).
قال الحُميديُّ: عن الشافعيِّ قال : كان منزلُنا بمكةَ في شِعْبٍ
الخَيْفِ ، فكنتُ أَنْظُرُ إلى العظم يلوحُ ، فأكتُب فيه الحديثَ أو المسألَةَ ،
وكانت لنا جَرَّةٌ قديمةٌ ، فإذا امتلأ العظمُ طرحتُهُ في الجَرَّةِ(٢).
قال عمرو بنُ عثمان المكِّي ، عن الزَّعْفَراني ، عن يحيى بن مَعِين ،
سمعتُ يحيى بنَ سعيد يقول : أنا أدعو الله للشافعيِّ في صلاتي منذُ أربعٍ
سنين (٣).
قال ابنُ ماجة القَزْوِيني : جاء يحيى بنُ مَعِين إلى أحمدَ بنِ حنبل ،
فبينا هو عنده ؛ إذ مرَّ الشافعيُّ على بغلتِهِ ، فوثبَ أحمدُ يُسَلِّمُ عليه ،
وتبعه ، فأبطَأَ ، ويحيى جالِسُ ، فلما جاء ، قال يحيى : يا أبا عبد الله ،
(١) ((حلية الأولياء)) ٧٠/٩
(٢) ((آداب الشافعي)): ٢٤، و((حلية الأولياء)) ٧٣/٩، و((توالي التأسيس)»: ٥٠،
و ((مناقب)) الرازي: ٩، و((الانتقاء)»: ٧٠.
(٣) ((مناقب)) البيهقي ٢٤٤/٢، وانظر الصفحة (٢٠) تعليق رقم (٢) و (٣)
والصفحة (٤٤) تعليق رقم (٣) .
٨٦
٠٫٠

كم هذا؟ فقال : دْ عنك هذا؟ إن أردتَ الفقهَ، فالزمْ ذنبَ البغلة(١).
قال أحمدُ بنُ العباس النَّسَائي : سمعتُ أحمدَ بن حنبل مالا أُحصيه
وهو يقول : قال أبو عبد الله الشافعيُّ. ثم قال: ما رأيتُ أحداً أتبعَ للأثرِ
من الشافعي (٢).
أبو حاتم : حدثنا يونس ، سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: ناظرتُ يوماً محمدَ
ابن الحسن ، فاشتدَّ مُناظرتي له ، فجعلتْ أوداجُهُ [ تنتفخ، وأزرارهُ ] تنقطعُ
زِرّاً زِراً (٣).
وعن الشافعي قال : سُمِّيتُ ببغداد ناصِرَ الحديث (٤) .
وقال يونس : سمعتُ الشافعيَّ يقولُ : ما فاتني أحدٌ كان أشدَّ عليّ
من الليث ، وابنِ أبي ذئب، والليثُ أتبعُ للأثَرِ من مالك(٥) .
(١) انظر ((مناقب)) البيهقي ٢٥٢/٢.
(٢) ((تاريخ ابن عساكر)) ٢/٤١٥/١٤.
(٣) ((آداب الشافعي)): ١٦٠، و((حلية الأولياء)) ١٠٤/٩، و((تاريخ بغداد))
١٧٧/٢، و((الانتقاء)): ٢٥، وفي ((بلوغ الأماني)) ٢٧، ٣٢ تعليق على هذا الخبر
يحسن الرجوع إليه . وليقارن هذا الخبر بما ثبت عن الشافعي : ما رأيت أحداً يسأل عن مسألة فيها
نظر إلا رأيت الكراهية في وجهه إلا محمد بن الحسن .
(٤) تقدم الخبر في الصفحة ٤٧ ت (١).
(٥) ((آداب الشافعي)): ٢٩، و((حلية الأولياء)) ٧٤/٩، و١٠٩، و((تاريخ بغداد))
٣٠٠/٢، ٣٠١، وعلق أبو حاتم على الخبر بقوله : ما ظننتُ أنه أدركهما حتى يأسف عليهما .
وتعقبه ابن حجر في (( التوالي))، فقال : أما الليث ، فأدركه ، فإنه حين اجتمع بمالك ، وقرأ
عليه في ((الموطأ)) كان موجوداً لكن بمصر ، وأسف أن لا يكون له إذ ذاك معرفة بقدر الليث ،
فكان يرحل إليه ، أو كان يعرفه ، لكن لم يكن له قدرة على الرحلة إليه ، وأسف على فوته ،
وأما ابن أبي ذئب ، فمات والشافعي ابن تسع سنين بالمدينة ، والشافعي إذ ذاك صغير ، ولا
يلزم من ذلك أن لا يصح منه الأسف على فوت لقيه ، بمعنى أنه أسف أن لا يكون له إدراك
زمانه .
٨٧

أخبرنا أحمَدُ بن سَلَامة إجازةً ، عن مسعودٍ الجمَّال ، أخبرنا أبو علي
الحدّاد ، أخبرنا أبو نُعيم ، حدثنا محمدُ بنُ عبد الرحمن بن سهل ، حدثني
حسانُ بن أَبَان القاضي بمصر ، حدثني جامعُ بن القاسم البلْخي ، حدثني
أبو بكر محمدُ بنُ يزيد بن حكيم المُسْتَملي قال : رأيتُ الشافعيَّ في
المسجد الحرام ، وقد جُعِلتْ له طَنَافِسُ ، فجلَسَ عليها ، فأتاه رجلٌ من
أهلِ خُراسان ، فقال : يا أبا عبد الله ، ما تقولُ في أكلِ فَرْخِ الزُّنْبُور ؟
فقال : حرام . فقال : حرام ؟ ! قال : نعم مِنْ كتاب الله ، وسنةٍ رسول
الله، والمعقول ، أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿ومَا آتَاكُمُ
الرَّسُوْلُ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوْا ﴾ [ الحشر: ٧] وحدثنا سفيانُ ، عن
زائدةَ ، عن عبد الملك بن عُمير، عن مولىَّ لِرِبْعِي، عن حُذيفة ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَّ قال: ((اقْتَدُوا بِاللَّذَيْن مِن بَعدي أبي بَكْرٍ وَعُمَر))، هذا
الكتاب والسنة . وحدَّثونا عن إسرائيل ، قال أبو بكر المُسْتَملي : حدثنا أبو
أحمد ، عن إسرائيل ، عن إبراهيم بن عبد الأعلى ، عن سُويد بن غَفَلَة ،
أَنَّ عُمر أَمَرَ بقْلِ الزُّنْبُورِ، وفي المعقول أَنَّ ما أُمِرَ بقتله فحرامٌ أكلُه(١) .
وقال أبو نُعيم : حدثنا الحسنُ بنُ سعيد ، حدثنا زكريا الساجِيُّ ،
سمعتُ الْبُويطي ، سمعتُ الشافعيَّ يقولُ : إنما خلق الله الخلقَ بكُنْ ، فإذا
كانت ((كُنْ)) مخلوقةً فَكأنَّ مخلوقاً خُلِقَ بمخلوق(٢).
(١) ((حلية الأولياء)) ١٠٩/٩، ١١٠، و((مناقب)) البيهقي ٣٦٢/١، ٣٦٣،
و((مناقب)) الرازي: ١٢٥، ١٢٦. وحديث ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر))
حديث صحيح أخرجه أحمد ٣٨٢/٥ و ٣٨٥ و ٤٠٢ ، والترمذي ( ٣٦٦٣)، وابن ماجه (٩٧)
عن حذيفة بن اليمان ، وحسنه الترمذي ، وصححه الحاكم ٧٥/٣ ، ووافقه الذهبي ، وأخرجه
أحمد ٣٩٩/٥ من طريق آخر لا بأس به ، وصححه ابن حبان (٢١٩٣)، وله شاهد من حديث
ابن مسعود عند الترمذي ( ٣٨٠٧)، والحاكم ٧٥/٣ .
(٢) ((حلية الأولياء)) ١١١/٩.
٨٨

الربيع : سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: لم أرَ أحداً أَشْهَدَ بالزُّور من
الرافضة(١) .
وقال : لا يبلغُ في هذا الشأنِ رجلٌ حتى يُضِرَّ به الفقر، ويُؤْثِرُهُ على
كل شيء .
وقال يونسُ بن عبد الأعلى : سمعتُ الشافعيَّ يقولُ : يا يونس ،
الانقباضُ عن الناس مَكْسَبَةٌ للعداوَةِ ، والانبساطُ إليهم مَجْلَبَةٌ لِقُرناءٍ
السوء، فكُن بين المنقبض والمنبسط(٢).
وقال لي : رضى الناسِ غايةٌ لا تُدرَكُ ، وليس إلى السلامة منهم
سبيلٌ، فعليكَ بما ينفعُكَ فالزَمْهُ(٣).
وعن الشافعي: العلمُ ما نفعَ ، ليس العلم ما حُفِظ (٤)
٠
وعنه : اللبيبُ العاقلُ هو الفَطِنُ المُتغافِلِ (٥) .
وعنه : لو أعلم أنَّ الماءَ الباردَ يَنْقُصُ مروءَتي ما شربتُه(٦)
٠
(١) ((آداب الشافعي)): ١٨٧، ١٨٩، و((حلية الأولياء)) ١١٤/٩،
و((الانتقاء)) : ٧٩ .
(٢) ((حلية الأولياء)) ١٢٢/٩، و((مناقب)) البيهقي ١٩٠/٢، و((تهذيب الأسماء
واللغات)) ٥٧/١، و((الآداب الشرعية)) ٤٧٧/٣، و((مناقب)) الرازي: ١٢٢، و((توالي
التأسيس)) : ٧٢ .
(٣) تقدم في الصفحة (٤٢) ت (١).
(٤) ((حلية الأولياء)) ١٢٣/٩، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ٥٤/١.
(٥) ((حلية الأولياء)) ١٢٣/٩، و((مناقب)) البيهقي ١٩٨/٢، و((مناقب)) الرازي:
١٢٣، و((تهذيب الأسماء)) ٥٦/١.
(٦) (مناقب)) البيهقي ١٨٧/٢، و((مناقب)) الرازي: ٢٢٢، و((توالي التأسيس)):
٧٥ .
٨٩

-٠
أبو نُعيم : حدثنا ابنُ المُقرىء ، سمعتُ يوسفَ بن محمد بن يوسف
المَرْوَزي يقولُ : عن عُمر بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، عن
أبيه ، سمعتُ الشافعيَّ يقول : بينما أنا أدورُ في طلبِ العلم ، ودخلتُ
اليمنَ ، فقيل لي : بها إنسانٌ من وسطِها إلى أسفل بَدَتُ امرأةٍ ، ومن وسطها
إلى فوق بدنانِ مُفترقان بأربعِ أَيدٍ ورأسين ووَجهين ، فأحببتُ أن أَنْظُرَ
إليها ، فلم أُستَحِلَّ حتى خَطبتُها من أبيها ، فدخلتُ ، فإذا هي كما ذُكِر
لي، فَلَعَهدي بِهما، وهما يتقاتلان، ويتلاطَمَان، ويَصْطَلِحان،
ويأكُلان ، ثم إنِّي نزلتُ عنها، وغبتُ عن تِلك البلد ، - أحسِبهُ قال :
سَنتين - ثم عُدتُ، فقيل لي: أحسن الله عزاءَك في الجَسدِ الواحِد ،
تُوفِّي، فَعُمِدَ إِليه، فَرُبِطَ مِن أسفَل بحَبلٍ ، وتُرِك حتى ذَّبُل ، فقُطِع
ودُفِنَ ، قال الشافعيُّ : فَلَعَهدي بالجَسَد الواحِدِ في السوق ذاهِباً وجائياً أَو
نحوه(١) .
هذه حكايةٌ عجيبةٌ مُنْكَرة ، وفي إسنادها من يُجهل .
وعن الشافعي قال :. ما نقَصَ من أثمان السُّودِ إلا لِضَعفِ عِقُولهم ،
وإلا هُو لونٌ مِن الألوان(٢).
إبراهيم بن محمد بن الحسن الأصبَهاني : حدثنا الربيعُ ، قال : كان
الشافعيُّ يختِمُ في رمضانَ ستينَ ختمة (٣).
(١) ((حلية الأولياء)) ١٢٧/٩، ١٢٨ من طريق محمد بن إبراهيم، قال: سمعت يونس
ابن محمد بن موسى المروزي يقول : سمعت عمر بن الربيع يقول : عن عمر بن محمد بن عبد
الله بن عبد الحكم عن أبيه .
(٢) ((مناقب)) البيهقي ٢٠٦/٢، و((حلية الأولياء)) ١٢٩/٩.
(٣) تقدم في الصفحة (٣٦) ت (١)، وهدي النبي ◌َّ هو الواجب الاتباع، فإنه لم
يأذن لعبد الله بن عمرو بن العاص أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، وقال: ((لم يفقه من قرأ
٠
٩٠
٠

قال إبراهيم بن محمد الشافعي : ما رأيتُ أحداً أحسنَ صلاةً من
الشافعيِّ، وذاك أنَّه أخذَ من مُسلِمٍ بن خالد، وأخذَ مُسلمٌ من ابنِ جُريج ،
وأخذ ابنُ جُريج من عطاء ، وأخذ عطاءٌ من ابنِ الزّبير ، وأخذ ابنُ الزُّبير من
أبي بكر الصديق، وأخذ أبو بكرٍ من النبيِّ ◌َِّ .
وعن الشافعي قال : رأيتُ باليمن بناتِ تسعٍ يَحِضْنَ كثيراً (١).
قال محمدُ بن عبد الله بن عبد الحكم : سمعتُ الشافعيَّ يقولُ :
يقولون : ماءُ العراق ، وما في الدنيا مثلُ ماءِ مصر للرجال، لقد قدمتُ
مصر ، وأنا مثلُ الخَصِيِّ ما أَتَحَرَّك، قال : فما بَرِحَ من مصر حتى وُلِدَ
له(٢) .
محمد بن إبراهيم بن جَنَّاد : حدثنا الحسنُ بنُ عبد العزيز
الجَرَوي (٣)، سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: خَلَّفْتُ ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة ،
يُسَمُّونَه التغيير يَشْغَلُونَ به عن القُرآن (٤).
عن الشافعي : ما أفلح سمينٌ قطُّ إلا أن يكونَ محمد بن الحسن ،
القرآن في أقل من ثلاث)) أخرجه أبو داود (١٣٩٤)، والترمذي (٢٩٥٠ ) من حديث عبد الله
ابن عمرو، وإسناده صحيح .
(١) (آداب الشافعي)): ٤٩، و((حلية الأولياء)) ١٣٧/٩.
(٢) ((مناقب)) البيهقي ١١٩/٢ .
(٣) نسبة إلى جري بن عوف: بطن من جذام كما في ((الأنساب)) ٢٣٨/٣، وثقه أبو
حاتم ، وقال الدارقطني : لم ير مثله فضلاً وزهداً .
(٤) ((آداب الشافعي)): ٣١٠، و(حلية الأولياء)) ١٤٦/٩، و((مناقب)) البيهقي
٢٨٣/١، و((تلبيس إبليس)): ٢٣٠، وإسناد الخبر صحيح. قال الأزهري في ((تهذيب
اللغة)) ١٢٢/٨: وقد يسمى ما يقرأ بالتطريب من الشعر في ذكر الله تعالى تغبيراً، كأنهم إذا
"تناشدوها بالألحان ، طربوا فرقصوا وأرهجوا ، فسموا مُغَبِّرة بهذا المعنى، ثم نقل كلام الشافعي.
وقال أبو إسحاق النحوي : سمي هؤلاء مغبرين لتزهيدهم الناس في الفانية الماضية ،
وترغيبهم في الغابرة ، وهي الآخرة الباقية .
٩١

قيل : ولم ؟ قال : لأنَّ العاقلَ لا يعدو من إحدى خَلَّتَيْن، إما يغتُمُّ لآخرِهِ
أو لدنياه، والشحم مع الغَمِّ لا ينعقِدُ(١).
أخبرنا إسماعيلُ بن عبد الرحمن بن عمرو المُعَدَّل في سنة اثنتين
وتسعين وبعدها ، أخبرنا الحسنُ بنُ علي بن الحسين الأسدي ، أخبرنا
جدي أبو القاسم الحسينُ بن الحسن ، أخبرنا أبو القاسم عليُّ بن محمد
الفقيه ، أخبرنا محمدُ بن الفَضْل بنِ نَظيف الفَرَّاء بمصر سنةً تسعَ عشرةَ
وأربعِ مئة ، حدثنا أحمدُ بن محمد بن الحُسين الصابوني سنةَ ثمان وأربعين
وثلاث مئة ، حدثنا المُزَني، حدثنا الشافعي ، عن مالك ، عن نافع ، عن
عبدِ الله، أنَّ رسولَ اللهِوََّ ((نهى عن الوصال))، فقيل: إنِكَ تُواصِلُ
فقال: ((لستُ مثلَكُم إِنِّي أُطعَمُ وَأُسْقَىْ))(٢).
قلتُ : كلامُ الأقرانِ إذا تبرهنَ لنا أنَّه بهوئِّ وعَصَبِيَّة ، لا يُلتَفتُ إليه ،
بل يُطوى ولا يُروى ، كما تقرَّر عن الكفِّ عن كثيرٍ مما شَجَرَ بين الصحابةِ
وقتالِهم رضي اللهُ عنهم أجمعين ، وما زال يَمُرُّ بنا ذلك في الدواوين
والكتب والأجزاء ، ولكن أكثر ذلك منقطعٌ وضعيفٌ ، وبعضُه كَذِبٌ ، وهذا
فيما بأيدينا وبينَ عُلمائِنا، فينبغي ظَيُّه وإخفاؤُه، بل إعدامُهُ لتَصفُوَ
القلوبُ ، وتوفّرَ على حُبِّ الصحابة ، والترضِّي عنهم ، وكتمانُ ذلك
مُتَعَيِّنٌ عن العامة وآحادِ العُلماء ، وقد يُرخِّصُ في مطالعةِ ذلك خلوةٌ للعالم
المُنصِفِ العَرِيِّ من الهوىُ، بشرطِ أن يستغفِرَ لهم ، كما علمنا اللهُ تعالى
(١) ((مناقب البيهقي)) ١٢٠/٢.
. (٢) إسناده صحيح، وهو في ((الموطأ)) ٣٠٠/١، والبخاري ١١٩/٤ في الصوم: باب
بركة السحور ، و١٧٧ : باب الوصال ، ومسلم (١١٠٢) في الصوم : باب النهي عن الوصال
في الصوم، و((سنن)) أبي داود (٢٣٦٠)، و((المسند)) ١٠٢/٢ و١٢٨ و١٤٣.
٩٢

حيثُ يقول: ﴿وَالذِيْنَ جاؤُ وا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ ربَّنا اغفِر لنا ولإِخوانِنا الذين
سبقونا بالإِيمانِ ولا تجعل في قلوبنا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [ الحشر:
١٠] فالقومُ لهم سوابق ، وأعمالٌ مُكفِّرَةٌ لِما وقع منهم، وجهادٌ مَحَاءٌ ،
وعِبادةٌ مُمَخِّصةٌ ، ولسنا ممن يغلو في أحدٍ منهم، ولا ندَّعي فيهم
العِصمَة ، نقطعُ بأَنَّ بعضَهم أفضلُ من بعض ، ونقطعُ بأنَّ أبا بكر وعمر
أفضلُ الأمة ، ثم تتمة العشرةِ المشهود لهم بالجنة ، وحمزة وجعفر ومعاذ
وزيد، وأمهات المؤمنين ، وبنات نبيِّنَا وَّر، وأهل بدر مع كونهم على
مراتب ، ثم الأفضلُ بعدهم مثلُ أبي الدرداء وسلمان الفارسي وابنٍ عُمر
وسائِر أهل بَيْعَةِ الرضوانِ الذين رضي اللهُ عنهم بنصِّ آية سورة الفتح(١)،
ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبد الله بن
عمرو، وهذه الحَلْبَة، ثم سائر مَن صحبَ رسولَ اللهِوَِّ وجاهدَ معه ، أو
حجَّ معه ، أو سمعَ منه ، رضي اللهُ عنهم أجمعين وعن جميعِ صواحبِ
رسولِ الله ◌َّ المهاجراتِ والمدنيات وأُمِّ الفضل وأمَّ هانىء الهاشميةِ وسائر
الصحابيات . فأمّا ما تنقُله الرافضةُ وأهلُ البِدَعِ في كُتُبِهم من ذلك ، فلا
نُعَرِّجُ عليه ، ولا كرامةَ ، فأكثرهُ باطلٌ وَكَذِبٌ وافتراءٌ ، فدأبُ الروافضِ روايةٌ
الأباطيل، أو رَدُّ ما في الصحاحِ والمسانيدِ، ومتى إفاقَةٌ مَن بِهِ سَكَران ؟!
ثم قد تكلّم خلقٌ من التابعين بعضُهم في بعض ، وتحاربوا ، وجرت
أمورٌ لا يُمكنُ شرحُها ، فلا فائدة في بثِّها ، ووقع في كُتب التواريخ وكتبٍ
الجرح والتعديل أمورٌ عجيبةٌ ، والعاقِلُ خصمُ نفسِه، ومِن حُسْنِ إسلامِ
(١) وهي الآية رقم (١٨)، ونصُّها: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يُبايعونك تحت
الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾. وكانت عدة الذين شهدوا
هذه البيعة ألفاً وخمس مئة كما في ((الصحيحين))، وانظر ((زاد المعاد)) ٢٨٧/٣.
٩٣

المَرْءِ تركُهُ ما لا يَعْنِيهِ، ولحوم العلماء مسمومةٌ ، وما نُقِلَ من ذلك لتبيين
غلطِ العالمِ ، وكثرةِ وهمهِ ، أو نقصِ حفظه ، فليس مِن هذا النمط ، بل
لتوضيحِ الحديث الصحيحِ من الحسن ، والحسنِ من الضعيف .
وإمامُنا ، فبحمدِ الله ثبتٌ في الحديث ، حافظً لما وعى ، عديمُ
الغَلَط ، موصوف بالإِتقانِ ، متينُ الديانة ، فمن نالَ منه بجهلٍ وهوىِّ
مِمِّن عُلِمَ أنه مُنافِسٌ له ، فقد ظلمَ نفسَه، ومَقَتَّنْهُ العلماءُ ، ولاحَ لكلِّ
حافظٍ تحامله ، وجرِّ الناسُ برجلِهِ ، ومَن أثنى عليه ، واعترفَ بإِمامته
وإتقانه ، وهم أهلُ العَقْدِ والحَلِّ قديماً وحديثاً ، فقد أصابُوا ، وأجملُوا ،
وهُدُوا ، ووُفِّقُوا .
وأما أئمتنا اليوم وحُكّامُنا ، فإذا أَعْدَموا ما وُجِدَ من قَدْحٍ بهوىِ ، فقد
يُقال : أُحسَنوا ووُفِّقوا، وطاعتُهم في ذلك مفترضةٌ لما قَدْ رَأُوهُ من حسمٍ
مادَّةِ الباطل والشر .
وبكل حالٍ فالجُھَّالُ والضُّلَالُ قد تكلموا في خيارِ الصحابة . وفي
الحديثِ الثابت: ((لا أحدَ أصبرُ على أذىًّ يسمعُه من الله، إنهم ليدعُون
له ولداً، وإنه ليرزُقُهم ويُعافيهم))(١).
وقد كنتُ وقفتُ على بعضِ كلام المغاربة في الإِمامِ رحمه اللهُ ،
فكانت فائدتي من ذلك تضعيفَ حالٍ من تعرَّضَ إلى الإِمام ، ولله
الحمد .
(١) أخرجه البخاري ١٠ / ٤٢٦ في الأدب: باب الصبر في الأذى، ومسلم (٢٨٠٤) في
صفات المنافقين : باب لا أحد أصبر على أذى من الله عز وجل من طرق عن الأعمش ، عن سعيد بن
جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى الأشعري ... وهو في ((المسند)) ٤ / ٣٩٥،
و٤٠١ و٤٠٥.
٩٤

ولا ريب أنَّ الإِمامَ لما سكنَ مصر، وخالَف أقرانه من المالكية ،
ووَهِّى بعضَ فُروعِهم بدلائلِ السُّنَّة، وخالفَ شيخَه في مسائلَ ، تألَّموا
منه، ونالُوا منه، وجرتْ بينهم وحشةٌ ، غفر اللهُ لِلكلِّ، وقد اعترفَ الإِمامُ
سُحْنُون ، وقال : لم يكُنْ في الشافعي بدعةٌ . فصدقَ والله ، فرحمَ اللَّهُ
الشافعيِّ، وأين مثلُ الشافعي والله! في صِدقِه، وشَرَفِه ، ونُبْلِه ، وسَعَةٍ
علمِه ، وفَرْطِ ذكائِهِ ، ونَصرِه للحقِّ ، وكثرَةِ مناقِبه ، رَحِمه اللهُ تعالى .
قال الحافظُ أبو بكر الخطيب في مسألةِ الاحتجاجِ بالإِمامِ الشافعي ،
فيما قرأتُ على أبي الفضل بن عساكر ، عن عبدِ المُعِزِّ بن محمد ، أخبرنا
يوسفُ بن أُّوب الزاهد ، أخبرنا الخطيبُ قال : سألني بعضُ إخواننا بيانَ
عِلَّةِ تركِ البخاريِّ الروايةَ عن الشافعيِّ في ((الجامع ))؟ وذكَرَ أنَّ بعضَ من
يذهبُ إلى رأيِ أبي حنيفةً ضعَّفَ أحاديثَ الشافعي ، واعترضَ بإعراضٍ
البخاريِّ عن روايتِه ، ولولا ما أخذ اللهُ على العلماءِ فيما يَعْلَمُونه لَيُبَيُِّنَّهُ
للناس ؛ لكانَ أولى الأشياء الإِعراض عن اعتراضِ الجُمَّال ، وتركهم
يَعْمَهُون، وذَكَرَ لي مَنْ يُشار إليه خُلُوٌّ كتابٍ مسلمٍ وغيرِهِ من حديثٍ
الشافعي ، فأجبتُه بما فتح اللهُ لي، ومثلُ الشافعيِّ مَن حُسِدَ ، وإلى سَتْرِ
معالمه قُصِدَ ، ويأبى اللهُ إلا أنْ يُتِمَّ نوره ، ويُظهِرَ مِن كل حقِّ مستورَهُ،
وكيف لا يُغْبَط من حاز الكمالَ، بما جمع اللهُ له من الخلالِ اللواتي لا
يُنكِرِها إلا ظاهرُ الجهلِ، أو ذاهبُ العقلِ .. ثم أخذَ الخطيبُ يُعدد علومَ
الإِمامِ ومناقِبَه، وتعظيمَ الأئمة له ، وقال :
أبىُ اللهُ إلّ رفعَهُ وعُلُوّه
وليسَ لما يُعْلِيهِ ذُو العرشِ واضِعُ
إلى أن قال: والبخاريُّ هذب ما في «جامعه»، غيرَ أنَّه عَدَلَ عن كثيرٍ من
الأصولِ إيثاراً للإِيجاز، قال إبراهيمُ بنُ مَعْقِل : سمعتُ البُخاريٍّ يقولُ :
٩٥

ما أدخلتُ في كتابي ((الجامع )) إلا ما صحَّ ، وتركتُ من الصحاح لحالِ
الطول .
فتركُ البخاريِّ الاحتجاجَ بالشافعي ، إنما هُو لا لمعنىٌ يُوجِبُ
ضعفَه ، لكن غَنِيَ عنه بما هو أعلى منه ، إذْ أقدَمُ شيوخِ الشافعيِّ مالكٌ،
والذَّرَاوَرْدِيُّ ، وداودُ العطار ، وابنُ عُيينة . والبخاريُّ لم يُدركِ الشافعيَّ،
بل لقي مَن هو أسنُّ منه، كعُبيد الله بنِ موسى ، وأبي عاصمٍ مِمَّن رَوَوا
عن التابعين ، وحدَّثَّهُ عن شيوخ الشافعي عدةٌ ، فلم يَرَ أَنْ يروِيَ عن
رجلٍ ، عن الشافعيِّ ، عن مالك .
فإن قيل : فقد روى عن المُسْنَدِي ، عن معاويةً بن عَمرو، عن
الفَزاري ، عن مالكٍ ، فلا شكَّ أنَّ البخاريَّ سمعَ هذا الخبرَ من أصحاب
مالكٍ، وهو في ((المُوَطَّأ)) فهذا ينقضُ عليك؟!
قلنا : إنه لم يروِ حديثاً نازلاً وهو عنده عالٍ ، إلا لمعنىّ ما يَجِدُه في
العالي ، فَأُمَّا أَنْ يُورِدَ النازلَ ، وهو عنده عالٍ، لا لمعنىّ يختصُّ به ، ولا
على وجهِ المُتابعة لبعضِ ما اختُلِفَ فيه ؛ فهذا غيرُ موجودٍ في الكتاب .
وحديثُ الفَزاريِّ فيه بيانُ الخَبر ، وهو معدومٌ في غيرِهِ ، وجوَّهُ الفَزاري
بتصريحِ السماعِ . ثم سردَ الخطيبُ ذلك من طرقٍ عدَّة ، قال : والبخاريُّ
يتّبعُ الألفاظَ بالخبرِ في بعضِ الأحاديثِ ويُراعيها ، وإِنَّا اعتبرنا رواياتٍ
الشافعيِّ التي ضَمِّنها كُتُبَه، فلم نَجِدْ فيها حديثاً واحداً على شرطِ البخاريِّ
أُغْرَبَ به ، ولا تفرَّدَ بمعنىَّ فيه يُشبهُ ما بيَّاه ، ومثلُ ذلك القولِ في تركِ
مسلمٍ إياه ، لإدراكِهِ ما أدركَ البخاريُّ من ذلك ، وأما أبو داود فأخرجَ في
(( سُنَنْه)) للشافعي غيرَ حديث، وأخرج له الترمذيُّ، وابنُ خُزيمة ، وابنُ
أبي حاتم ..
٩٦

ثم سرد الخطيبُ فصلاً في ثناء مشايخه وأقرانه عليه ، ثم سرد أشياءً
في غَمْزِ بعضِ الأئمة ، فأساءَ ما شاءَ - أعني غامِزَهُ - .
وبلغَنا عن الإِمامِ الشافعيِّ ألفاظُ قد لا تثبتُ ، ولكنّها حِكَمُ ، فمنها:
ما أفلحَ مَن طلبَ العلمَ إلا بالقِلَّةِ (١).
وعنه قال : ما كذبتُ قط ، ولا حلفتُ بالله ، ولا تركتُ غُسْلَ
الجُمُعة ، وما شبعتُ منذُ ستَّ عشرةَ سنةً ، إلا شبعةً طرحتُها من
ساعتي(٢) .
وعنه قال: مَن لم تُعِزَّهُ التقوى، فلا عِزَّ له(٣).
وعنه : ما فزِعتُ من الفقرِ قطُّ . طلبُ فُضُولِ الدنيا عقوبةٌ عاقبَ بها
اللهُ أهلَ التوحيد(٤).
وقيل له : مالكَ تُكثر من إمساك العصا ، ولستَ بضعيف ؟ قال :
الأذكُرَ أَنِّي مسافر(٥) .
وقال : مَن لَزِمَ الشهواتِ ، لزمتهُ عبوديَّة أبناءِ الدُّنيا .
وقال : الخيرُ في خمسة : غنى النفسِ ، وكَفِّ الأذى ، وكَسْبٍ
الحلالِ ، والتقوى ، والثقةِ بالله(٦).
(١) ((مناقب)) الرازي: ١٢٩، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/ ٥٤، و((مناقب
الشافعي)) ٢ / ١٤١ .
(٢) تقدم الخبر في الصفحة ٣٦ .
(٣) ((مناقب)) البيهقي ١٦٨/٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١ /٥٤.
(٤) ((مناقب)) البيهقي ٢ / ١٦٩، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١ /٥٤.
(٥) ((مناقب)) البيهقي)) ٢ / ١٧٠، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ١/ ٥٥.
(٦) ((مناقب)) البيهقي ٢ / ١٧٠، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ٥٥/١.
٩٧
سير ٧/١٠

وعنه : أنفعُ الذخائِرِ التقوى، وأَضَرُّها العُدوان (١).
وعنه : اجتنابُ المعاصي ، وتَرْكُ ما لا يَعنيك، يُنَوِّرُ القلبَ ، عليك
بالخلوةِ ، وقِلَّةِ الأكلِ، إِيَّاكَ ومُخالطَة السُّفَهاءِ ومَن لا يُنصِفك ، إذا تكلمتَ
فيما لا يَعنيكَ ملكَتْكَ الكلمةُ، ولم تَملكْها(٢).
وعنه : لو أوصى رجلٌ بشيءٍ لأعقلِ الناسِ، صُرِفَ إلى الزُّمَّاد(٣).
وعنه : سياسةُ الناسِ أشدُّ من سياسة الدَوَابِّ (٤).
وعنه : العاقلُ مَن عَقَلَهُ عقلُه عن كلِّ مذمُوم (٥) .
وعنه : للمروءةِ أركان أربعة: حسنُ الخلق، والسخاءُ،
والتواضعُ ، والنُّسُك(٦).
وعنه : لا يكمُلُ الرجلُ إلا بأربعٍ : بالديانة ، والأمانةِ ، والصِّيَانِةِ ،
والرَّزانة(٧) .
وعنه : ليسَ بأخيكَ مَن احتجت إلى مُدَاراته(٨).
(١) ((حلية الأولياء)) ١٢٣/٩، و((مناقب)) البيهقي ٢/ ١٧١.
(٢) انظر ((مناقب)) البيهقي ٢/ ١٧٢، و((مناقب)) الرازي، ١٢٤، ((وتهذيب الأسماء
واللغات)) ٥٥/١ .
(٣) انظر ((مناقب)) البيهقي ١٨٣/٢، ١٨٤، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ٥٥/١.
(٤) ((آداب الشافعي)): ٢٧١، و(مناقب)) البيهقي ١٨٧/٢، و((مناقب)) الرازي
١٢٢، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ٥٥/١، و((توالي التأسيس)) ٧٢.
(٥) ((مناقب)) البيهقي ١٨٧/٢، و((مناقب)) الرازي: ١٢٢، و(تهذيب الأسماء
واللغات)) ٥٥/١ .
(٦) ((مناقب)) البيهقي ١٨٨/٢، و((مناقب)) الرازي: ١٢٢، و(تهذيب الأسماء
واللغات)) ٥٥/١ .
(٧) ((مناقب)) البيهقي ١٨٩/٢، و((مناقب)) الرازي: ١٢٢، و(تهذيب الأسماء
واللغات)) ٥٥/١ .
(٨) ((مناقب)) البيهقي ١٩٤/٢، و((مناقب)) الرازي: ١٢٢، و(تهذيب الأسماء
واللغات)) ٥٥/١ .
٩٨

وعنه : علامةُ الصَّدِيقِ أن يكونَ لصديقٍ صديقه صدِيقاً (١).
وعنه: مَنْ نَمَّ لكَ نَمِّ عليك(٢).
وعنه قال : التواضعُ من أخلاقِ الكِرام ، والتكُّرُ من شِيَمِ اللَّئام ،
التواضُع يُورِثُ المحبة ، والقناعة تُورِث الراحة(٣).
وقال : أرفعُ الناسِ قدراً من لا يَرى قدره، وأكثرهُم فضلاً من لا
يرى فضله (٤) .
وقال : ما ضُحِكَ من خطأِ رجلٍ إلا ثبتَ صوابُه في قلبه(٥) .
لا نُلامُ واللهِ على حُبِّ هذا الإِمامِ ، لأنَّه من رجالِ الكمال في زمانِه
رحمه اللهُ، وإن كُنا نحبُّ غيرَه أكثر .
٢ - الفَضْلُ بنُ سَهْل *
السَّرْخَسيّ الوزير، وأَخو الوزير الحَسنِ بنِ سَهْل. أسلمَ أبوهُما
على يد المَهْدي ، وأسلمَ الفضلُ سنةً تسعين ومئة على يد المأمون .
(١) ((مناقب) البيهقي ١٩٦/٢، و((توالي التأسيس)): ٧٢، و((مناقب)) الرازي:
١٢٣، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ٥٥/١ .
(٢) ((مناقب)) البيهقي ١٩٦/٢، و((توالي التأسيس)): ٧٢، و((مناقب)) الرازي:
١٢٣، و((تهذيب الأسماء واللغات)) ٥٦/١.
(٣) ((مناقب)) البيهقي ٢٠٠/٢، و((مناقب)) الرازي : ١٢٣.
(٤) ((مناقب)) البيهقي ٢٠١/٢، و((مناقب)) الرازي: ١٢٣.
(٥) ((مناقب)) البيهقي ٢١٤/٢، و((مناقب)) الرازي : ١٢٣.
* تاريخ خليفة : ٤٧١، تاريخ الطبري ٤٢٤/٨ و ٥٦٥، مروج الذهب ٥/٤، الوزراء
والكتّاب : انظر فهرسته ، معجم الشعراء للمرزباني : ٣١٣، تاريخ بغداد ٣٣٩/١٢، الكامل
لابن الأثير ٣٤٦/٦، وفيات الأعيان ٤١/٤ - ٤٤، العبر ٣٣٨/١، البداية والنهاية ٢٤٩/١٠،
النجوم الزاهرة ١٧٢/٢، شذرات الذهب ٤/٢.
٩٩

وقيل : لما عزم جَعفرٌ البَرمكيّ على استخدامِ الفَضلِ لِلمأمونِ
وصفَه بحضرةِ الرَّشيد، ونطق الفضلُ، فرآه الرَّشيدُ فَطِناً بليغاً .
وكان يُلقَّبُ ((ذا الرّئاسَتين)) لأنَّه تقلَّد الوزارة والحرب.
وكان شِيعياً مُنَجِّماً ماكراً، أشار بتجهيز طاهِر بن الحُسَين ، وحَسَب
بالرَّملِ بأَنَّه يَظْفَرُ بالأمين . ويُقال: إن من إصاباته الكاذبة أنه حَكَم لنفسه
أنّه يعيشُ ثَمانياً وأربعين سنةً ، ثم يُقْتَلُ بينَ ماءٍ ونارٍ ، فعاشَ كذلك ، وقَتله
خالُ المأمونِ في حَمَّام سَرْخَس في شعبان سنةً اثنتين ومِئتين .
وقد امتّدحَه فحولُ الشُّعراء ، فَمِن ذلكَ لإِبراهيم الصُّولي :
لِفَضْلِ بنِ سَهلٍ يَدْ تَقَاصَرَ فيها المَثَلْ
وسَطْوَتُها لِلأجلْ
فَنَائِلُها لِلِغِنى
وظاهِرُها لِلقُبَلْ (١)
وباطِنُها لِلندنى
وازدادت رفعتُه حتى ثقُل أمرُه على المأمون ، فدسَّ عليه خالَه غالباً
الأسود في جماعة ، فقتلوه(٢)، وبعده بأيام مات أبوه .
وأظهر المأمونُ حُزناً لمصرعه ، وعزّى والدته ، وقال: إن الله أخلفني
عليكِ بدل ابنكِ ، فبكت ، وقالت : كيف لا أحزن على ولدٍ أكسبني وَلداً
مِثْلَكَ . ثم عاشَت وأدْرَكت عُرسَ بنتِ ابنِها بُوران على المأمون(٣)
وكانَ الحسنُ بنُ سهل مِن كبارِ الوزراءِ الممدَّحين .
(١) الأبيات في ((تاريخ بغداد)) ٣٤١/١٢، و((وفيات الأعيان)) ٤٣/٤، و((الطرائف
الأدبية)) : ١٣٦ .
(٢) انظر ((تاريخ الطبري)) ٥٦٥/٨، و((الكامل)) لابن الأثير ٣٤٦/٦.
(٣) وكان ذلك في رمضان سنة ٢١٠ هـ . انظر الطبري ٦٠٦/٨ - ٦٠٩، وابن الأثير
٣٩٥/٦، والبداية ٢٦٥/١٠.
١٠٠