Indexed OCR Text

Pages 121-140

٤ ٤
٤ ٤
ابن الحسن، أنبأنا عبد الله بن علي الدقاق، أخبرنا علي بن محمد، أنبأنا
محمد(١) بن عمرو، حدثنا سعدان بن نصر، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن
عامر بن سعد، عن أبيه قال ((مرضتُ عام الفتح مرضاً أَشفيتُ منه، فأتاني
رسولُ الله، وَ﴿، يعودُني، فقلتُ: يا رسول الله! إِنَّ لي مالاً كثيراً، وليس
يرثني إِلا ابنةُ، أَفأوصي بما لي كله؟ قال: لا، قلتُ: فالشطر، قال: لا،
قلتُ: فالثلث، قال: والثلث كثير، إِنك أَن تَتْرُكَ ورثك أَغنياءَ خيرٌ من أن
تتركهم عالةً يتكففون الناسَ، لعلك تؤخَّرُ على جميع أصحابك، وإِنك لن
تنفق نفقةً تريدُ بها وجهَ الله، إِلا أُجرتَ فيها، حتى اللقمة ترفعها إِلى في
امرأتك، قلت: يا رسول الله إِني أرهب أن أموت بأرض هاجرتُ منها، قال:
لعلك أن تبقى حتى ينتفعَ بك أقوامٌ ويُضرَّبك آخرون، اللهم أُمْضٍ لأصحابي
هجرتهم، ولا تَرُدَّهُمْ على أعقابهم، لكن البائسُ سعدُ بن خَوْلَةَ)) يَرْئي له أنه
مات بمكة(٢).
--
متفق عليه من طرق عن الزهري .
(١) سقطت من المطبوع ((أنبأنا محمد)).
(٢) أخرجه أحمد ١٧٩/١، ومالك في الوصية برقم (٤): باب الوصية في الثلث لا تتعدى.
والبخاري (١٢٩٥) في الجنائز: باب رثاء النبي ◌َّ سعد بن خولة، و(٣٩٣٦) في مناقب الأنصار
و(٦٣٧٣) في الدعوات: باب الدعاء برفع الوباء والوجع، و(٦٧٣٣) في الفرائض، باب: ميراث
البنات. ومسلم (١٦٢٨) في الوصية: باب الوصية بالثلث. وأبو داود (٢٨٦٤) في الوصايا: باب ما
جاء فيما لا يجوز للموصي في ماله، والترمذي (٢١١٧) في الوصايا: باب ما جاء في الوصية
بالثلث، وابن ماجه (٢٧٠٨) في الوصايا: باب الوصية بالثلث.
وأخرجه البخاري (٢٧٤٢) في الوصايا: باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس،
و(٥٣٥٤) في النفقات: باب فضل النفقة، من طريق سفيان، عن سعد بن إبراهيم، به.
وقوله: ((يرني له أنه مات بمكة)) هو من كلام الزهري. انظر ((الفتح)) ١٦٥/٣ سلفية.
١٢١

وعن علي بن زيد: عن الحسن قال: لما كان الهَيْجُ في الناس، جعل رجل
يسألُ عن أَفاضل الصحابة، فكان لا يسأل أحداً إِلا دلَّه على سعد بن مالك.
وروى عمر بن الحكم: عن عَوانة قال: دخل سعدٌ على معاوية، فلم يسلم
عليه بالإِمرة، فقال معاوية: لو شئتَ أَنْ تقولَ غيرَها لقلتَ، قال: فنحن
المؤمنون ولم نُؤْمِّرك، فإِنك معجبٌ بما أَنتَ فيه، والله ما يسرُّني أَني على
الذي أَنتَ عليه وأني هرقت محجمة دم.
قلتُ: اعتزل سعدٌ الفتنة، فلا حضر الجملَ ولا صِفُين ولا التحكيم، ولقد
كان أهلًا للإمامة، كبير الشأن، رضي الله عنه.
روى نعيم بن حماد، حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين أنَّ
سعد بن أبي وقاص طاف على تسع جوار في ليلة، ثم استيقظت العاشرة لما
أيقظها، فنام هو، فاستحيتْ أَن تُوقظه.
حماد بن سلمة: عن سِمَاك، عن مصعب بن سعد أنه قال: كان رأس أَبي
في حجري، وهو يقضي. فبكيتُ، فرفع رأسه إِليَّ، فقال: أَيْ بُنِيُّ(١) ما
يبكيك؟ قلتُ: لمكانك وما أرى بك. قال: لا تبك فإِن الله لا يعذبني أبداً.
وإني من أهل الجنة(٢).
قلتُ: صدق والله، فهنيئاً له.
الليث، عن عقيل، عن الزهري أنّ سعد بن أبي وقاص لما احتُضِر، دعا
بِخْلَق جبة صوف، فقال: كفنوني فيها، فإِني لقيتُ المشركين فيها يوم بدر،
(١) تصحفت في المطبوع إلى ((شيء)).
(٢) ابن سعد ١٠٤/١/٣.
١٢٢

وإِنما خبأتها لهذا اليوم (١).
ابن سعد: أنبأنا محمد بن عمر، حدثنا فروة بن زُيِيْد(٢) عن عائشة بنت
سعد قالت: أرسل أبي إِلى مروان بزكاته خمسة آلاف، وترك يوم مات مثتي
ألفٍ وخمسين ألفاً (٣).
قال الزبير بن بكار: كان سعد قد اعتزل في آخر عمره، في قصر بناه بطرف
حمراء الأسد (٤).
وعن أم سلمة أنها قالت: لما مات سَعْد، وجيء بسريره، فأدخل عليها،
جعلت تبكي وتقول: بقية أصحاب رسول الله، السليم .
النعمان بن راشد: عن الزهري، عن عامر بن سعد قال: كان سعد آخر
المهاجرين وفاة (٥).
قال المدائني، وأبو عبيدة، وجماعةٌ: توفي سنة خمس وخمسين.
(١) أخرجه الحاكم ٤٩٦/٣، والطبراني في ((الكبير)) (٣١٦). وذكره الهيثمي في ((المجمع))
٢٥/٣ وقال: ورجاله ثقات إلا أن الزهريّ لم يدرك سعداً.
(٢) هوٍ فروة بن زُبَيْد، روى عن أبيه، عن جده، عن ابن عمر، وروى عن عائشة بنت سعد.
روى عنه أبو بكر الحنفي، ومحمد بن عمر انظر ((الجرح والتعديل)) ٨٣٨٧، و((الإكمال)) لابن
ماكولا ١٧١/٤. وقد تصحف في المطبوع إلى ((رسد)»، وفي الطبقات لابن سعد ١٠٥/١٣ إِلى
(زبير)). والخبر في الطبقات كما أشرنا.
(٣) زاد في المطبوع لفظ(درهم)». ولا ندري ما الذي سوغ له ذلك.
(٤) موضع على ثمانية أميال من المدينة، عن يسار الطريق إِذا أردت ذا الحليفة. وإِليها انتهى
رسول الله، (18، في مطاردة المشركين يوم أحد. انظر ((زاد المعاد)) لابن القيم ٢٤٢/٣ نشر مؤسسة
الرسالة.
(٥) أخرجه الحاكم ٤٩٦/٣.
١٢٣

وروى نوح بن يزيد(١) عن إبراهيم بن سعد أن سعداً مات وهو ابن اثنتين
وثمانين سنة، في سنة ست وخمسين، وقيل : سنة سبع.
وقال أبو نعيم المُلَائي: سنة ثمان وخمسين. وتبعه قَعْنَب بن المحرز. والأول
i
هو الصحيح .
وقع له في ((مسند بَقِّي بن مخلد)) مئتان وسبعون حديثاً. فمن ذلك في
الصحيح ثمانية وثلاثون حديثاً.
٦ - سعيد بن زيد * (ع)
ابن عمرو بن نُفَيْل بن عبد العُزَّى بن رياح بن قُرْط بن رَزَاح بن عدي بن
كَعْب بن لؤي بن غالب، أبو الأعور القرشي العدويُّ.
أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن السابقين الأوَّلين البدريين، ومن
الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه(٢).
شهد المشاهد مع رسول الله، وَلّر، وشهد حصار دمشق وفتحها، فولاً،
(١) تحرفت في المطبوع إلى ((زيد)).
(*) مسند أحمد: ١٨٧/١، طبقات ابن سعد: ٢٧٥/١٣ - ٢٨١، نسب قريش: ٤٣٣، طبقات
خليفة: ١٢٧/٢٢، تاريخ خليفة: ٢١٨، التاريخ الصغير: ١٠١/١، المعارف: ٢٤٥ - ٢٤٦،
٢٩٢، الجرح والتعديل: ٢١/٤، مشاهير علماء الأمصار: ت: ١١، الاستيعاب: ١٨٦/٤ -١٩٤،
حلية الأولياء: ٩٥/١ - ٩٧ ابن عساكر: ٢/١١٥٨٧، أسد الغابة: ٣٨٧/٢ - ٣٨٩، تهذيب الأسماء
واللغات: ٢١٧/١ - ٢١٨، تهذيب الكمال: ٤٩١، دول الإسلام: ٣٨/١، تاريخ الإِسلام:
٢٨٥/١، العقد الثمين: ٥٥٩/٤ - ٥٦٤، تهذيب التهذيب: ٣٤/٤، الإصابة: ١٨٨/٤ - ١٨٩،
خلاصة تذهيب الكمال: ١٣٨، شذرات الذهب: ٥٧/١، تهذيب تاريخ ابن عساكر: ١٢٩/٦-
١٣١.
-
(٢) في ((الاستيعاب)) لابن عبد البر ١٨٨/٤، و((الإصابة)) ١٨٨/٤.
١٢٤

عليها أبو عبيدة بن الجرّاح، فهو أول من عمل نيابة دمشق من هذه الأمة (١)
وله أحاديث يسيرة. فله حديثان في الصحيحين. وانفرد البخاري له
بحدیث(٢).
روى عنه ابن عُمر، وأَبو الطُّفيل، وعمرو بن حُريث، وزرُّ بن حبيش، وأبو
عثمان النهدي، وعُروةُ بن الزبير، وعبد الله بن ظالم، وأبو سلمة بن عبد
الرحمن، وطائفة.
قرأت على أحمد بن عبد الحميد، أخبركم الإِمام أبو محمد بن قدامة سنة
ثمان عشرة وست مئة ، أخبرتنا شُهدة بنت أحمد الكاتبة، بقراءتي، أنبأنا طراد
ابن محمد الزينبيُّ، أنبأنا ابن رزقويه، أنبأنا أبو جعفر محمد بن يحيى الطائي،
سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، حدثنا علي بن حرب، حدثنا سفيان، عن عبد
الملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد بن عمرو، عن النبي
وَه قال: ((الكَمْأَةُ مِنَ المنِّ الذي أنزلَ الله على بني إسرائيل، وماؤها شفاءٌ
للعين)).
أخرجه البخاري (٣) من طريق ابن عُيينة فوقع لنا بدلاً عالياً.
(١) في ((الاستيعاب)) لابن عبد البر ١٨٨/٤، و((الإصابة)) ١٨٨/٤.
(٢) سترد هذه الأحاديث خلال الترجمة.
(٣) أخرجه أحمد ١٨٧/١، ١٨٨، والبخاري (٤٤٧٨) في التفسير: باب وظللنا عليكم
الغمام، و(٤٦٣٩) فيه: باب (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ... )، و(٥٧٠٨) في الطب:
باب المن شفاء للعين، ومسلم (٢٠٤٩) في الأشربة: باب فضل الكمأة ومداواة العين بها،
والترمذي (٢٠٦٧) في الطب: باب ما جاء في الكمأة والعجوة.
١٢٥

قرأت على علي بن عيسى التغلبي، أخبركم محمد بن إبراهيم الصوفي
سنة عشرين وست مئة، أنبأنا أبو طاهر السِّلفي، أنبأنا عبد الله الثقفي، أنبأنا
أحمد بن الحسن، أنبأنا حاجب بن أحمد، حدثنا عبد الرحيم، هو ابن منيب،
حدثنا سفيان، عن الزهري، عن طلحة عن سعيد بن زيد يبلغ به النبي ◌َثّر
قال: ((مَنْ ظَلَمَ مِن الأرضِ شِبْراً طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أرضين. ومَنْ قُتِلَ دونَ مالِهِ فَهُو
شھیدٌ))(١).
هذا حديث صالح الإِسناد، لكنه فيه انقطاع، لأن طلحة بن عبد الله بن
عوف لم يسمعه من سعيد. رواه مالك، ويونس، وجماعة، عن الزهري
فأدخلوا بين طلحة وسعيد: عبد الرحمن بنَ عمرو بن سهل (٢) الأنصاري.
أخرجه البخاري عن أبي اليمان، عن شُعيب، عن الزهري.
كان والده زيد(٣) بن عمرو ممن فرّ إِلى الله من عبادة الأصنام، وساح في
أرض الشام يتطلّب الدين القيّم، فرأى النصارى واليهود، فكره دينهم،
(١) أخرجه أحمد ١٨٧/١، والنسائي ١١٥٨، في تحريم الدم: باب من قتل دون ماله، وأبو
داود (٤٧٧٢) في السنة: باب في قتال اللصوص، وابن ماجه (٢٥٨٠) في الحدود: باب من قتل
دون ماله فهو شهيد، من طريق طلحة بن عبد الله بن عوف، عن سعيد بن زيد، عن النبي، 14َ .
وأخرجه أحمد ١٨٨/١ والترمذي (١٤٢١) في الديات: باب فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، من
طريق معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن عبد الرحمن بن عمر بن سهل،
عن سعيد بن زيد، عن النبي ...
وأخرجه البخاري (٢٤٥٢) في المظالم: باب إِثم من ظلم شيئاً من الأرض من طريق أبي.
اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن سهل، عن سعيد.
عن النبي، وهو عنده أيضاً برقم (٣١٩٨) في بدء الخلق: باب ما جاء في سبع أرضين، من طريق
أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن سعيد بن زيد.
(٢) تحرفت في المطبوع إِلى ((سهيل)).
(٣) انظر ((تاريخ الإِسلام)) للمؤلف ٥٢/١ وما بعدها.
١٢٦

وقال: اللهمَّ إني على دين إبراهيم (١) ولكن لم يظفرِ بشريعة إبراهيم عليه
السلام كما ينبغي، ولا رأى من يوقفه عليها، وهو من أهل النجاة، فقد شهد
له النبيِ وَّهِ بأنه ((يُبعث أَمَّةً وحده))(٢) وهو ابن عم الإِمام عمر بن الخطاب،
رأى النبيَّ، وَ﴿، ولم يعش حتى بُعث.
فنقل يونسُ بن بُكير، وهو من أوعية العلم بالسِّير، عن محمد بن إسحاق
قال: قد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وعثمان
ابن الحارث بن أسد، وعبيد [الله] بن جحش، وأميمة ابنة عبد المطلب
حضروا قريشاً عند وثنٍ لهم، كانوا يذبحون عنده لعيدٍ من أعيادهم، فلما
اجتمعوا، خلا أولئك النفر بعضهم إلى بعض، وقالوا: تصادقوا وتكاتموا،
فقال قائلهم: تَعلمُنَّ والله ما قومُكم على شيء، لقد أَخطؤوا دين إبراهيم
وخالفوه، فما وثنٌ يُعبد لا يضرّ ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، قال: فخرجوا
يطلبون ويسيرون في الأرض، يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى
والمٍلل كلِّها يتطلبون الحنيفية، فأما ورقةُ فتنصَّر، واستحكم في النصرانية،
وحصَّل الكتبَ، وعلم علماً كثيراً، ولم يكن فيهم أعدل شأناً من زيد: اعتزل
الأوثان والمللَ إلا دينَ إبراهيم يوحِّد الله تعالى، ولا يأكلُ من ذبائح قومه،
وكان الخطابُ عمّه قد آذاه، فنزح عنه إلى أعلى مكة، فنزل حراء، فوكل به
الخطابُ شباباً سفهاء لاَ يَدَعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلَّ سراً. وكان
الخطاب أخاه أيضاً من أمه، فكان يلومه على فراق دينه. فسار زيد إلى الشام
والجزيرة والموصل يسأل عن الدين(٣).
(١) سقط من مطبوع دار المعارف من قوله: فرأى النصارى ... إلى قوله: على دين إبراهيم.
(٢) سيرد الحديث في الصفحة (١٣٠) وسيخرج هناك.
(٣) الخبر عند ابن هشام ٢٢٢/١، وفي ((الاستيعاب)) ١٨٩/٤، وعند ابن الأثير في ((الكامل))
٤٧/٢- ٤٨.
٠
١٢٧

أخبرنا يوسف بن أحمد بن أبي بكر الحجار، أنبأنا موسى بن عبد القادر،
أَنبأنا سعيد بن أحمد بن(١) البنا، (ح) وأنبأنا أحمد بن المؤيد، أنبأنا الحسن
ابن إسحاق، أخبرنا محمد بن عبيد الله بن الزاغوني. وقرأت على عمر بن
عبد المنعم، في سنة ثلاث وتسعين، عن أبي اليمن الكندي، إِجازة في سنة ثمان
وست مئة، أنبأنا أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المهتدي بالله، قالوا: أَنبأنا
محمد بن محمد الزينبي، أنبأنا محمد بن عمر الوراق، حدثنا عبد الله بن
سليمان، حدثنا عيسى بن حماد، أنبأنا الليث بن سعد، عن هشام بن عروة،
عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيتُ زيدَ بنَ عمرو بن نفيل قائماً
مُسْنِداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش! والله ما فيكم أحدٌ على دين
إبراهيم غيري. وكان يُحيي الموؤودة، يقول للرجل إِذا أراد أن يقتل ابنته: مَهْ!
لا تقتلها. أنا أَكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإِذا ترعرعت، قال لأبيها: إِنْ شئتَ،
دفعتُها إِليك، وإِنْ شئتَ، كفيتك مؤنتها(٢).
هذا حديث صحيح غريب، تفرد به الليث، وإِنما يرويه عن هشام كتابة .
وقد علقه البخاري في «صحيحه))(٣) فقال: وقال الليث: كتب إلي هشام،
فذكره. وقد سمعه ابن إِسحاق من هشام.
(١) سقطت ((بن)) من المطبوع.
(٢) سقط من المطبوع من قوله فيأخذها إلى هنا.
(٣) (٣٨٢٨) في المناقب: باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل. ووصله الحاكم ٤٤٠/٣
وصححه ووافقه الذهبي، وابن سعد ٢٧٧/١/٣. وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٤١٨٧٩، ونسبه إِلى
الطبراني وقال: يحسن إِسناده. وعنده زيادة ليست عند البخاري والحاكم، وأخرجه ابن هشام
٢٢٥/١ من طريق: ابن إسحاق، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه عن أسماء، وهذا سند قوي.
١٢٨
:

وعندي بالإِسناد المذكور إلى الليث، عن هشام(١) نسخة، فمن أنكر ما
فيها: عن أبيه عروة أنه قال: مرَّ ورقة بن نوفل على بلال وهو يُعَذَّبُ، يُلصَقُ
ظهره بالرمضاء وهو يقول: أَحدٌ أَحد، فقال ورقة: أَحد أُحد يا بلال، صبراً يا
بلال. لمَ تعذبونه؟ فوالذي نفسي بيده، لئن قتلتموه، لأتخذنَّه حناناً. يقول:
لاتمسّحَنَّ به. هذا مرسل. وورقةُ لو أدرك هذا، لعُدَّ من الصحابة، وإِنمامات
الرجل في فترة الوحي بعد النبوة وقبل الرسالة كما في الصحيح(٢).
يونس بن بُكَّير: عن ابن إسحاق، حدثني هشام، عن أبيه، عن أسماء أَنَّ
ورقة كان يقول: اللَّهُمَّ إِني لَوْ أَعْلَمُ أَحَبَّ الوجوه إِليك، عَبَدتُك به، ولكني لا
أعلم، ثم يسجد على راحته(٣).
يونس بن بُكَير، وعدة: عن المسعودي، عن نُفَيل بن هشام بن سعيد بن
زيد، عن أبيه، عن جدِّه قال: مرَّ زيد بن عمرو على رسول الله، وَّر، وزيد
ابن حارثة، فدعواه إِلى سُفْرةٍ لهما، فقال: يا ابن أخي، إني لا آكل مما ذُبح
على النّصب، فما رؤي رسول الله وَ بعد ذلك اليوم يأكل مما ذُبح على
النصب. المسعودي ليس بحجة.
أخرجه الإمام أحمد في («مسنده))، عن يزيد، عن المسعودي، ثم زاد في
آخره: قال سعيد(٤): فقلتُ: يا رسول الله! إِن أَبي كان كما قد رأيتَ وبلغك
[ولو أُدركك لآمَنَ بك واتبعك] فاستغفر له. قال: «نعم، فأستغفرُ له، فإِنه
(١) سقط لفظ ((هشام)) من المطبوع
(٢) انظر ((فتح الباري)) شرح الحديث رقم (٣) وفيه: أن ورقة لم ينشبْ أَن توفي.
(٣) رجاله ثقات. وهو عند ابن هشام ٢٢٥/١ وانظر ((السيرة)) لابن كثير ١٥٤/١.
(٤) سقط من المطبوع عبارة: ((قال سعيد)»
١٢٩
سير ٢٠/١

يُبعث أمةً وحده))(١).
وقد رواه إبراهيم الحربي قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أبو قطن،
عن المسعودي، عن نفيل، عن أبيه، عن جدِّه قال: مرَّ زيدٌ برسول الله وَّ
وبابن حارثة وهما يأكُلان في سفرة فدعواه، فقال: إِني، لا آكل مما ذُبح على
النُّصُب. قال: وما رؤي رسول الله، وَّرَ، آكلاً مما ذُبح على النُّصُب(٢).
فهذا اللفظ مليح يفسِّر ما قبله. وما زال المصطفى محفوظاً محروساً قبل
الوحي وبعده ولو احتمل جواز ذلك، فبالضرورة ندري أنه كان يأكل من ذبائح
(١) أخرجه أحمد ١٨٩/١ - ١٩٠، والحاكم ٤٣٩/٣ - ٤٤٠، والطبراني (٣٥٠)، وذكره الهيثمي
في «المجمع» ٤١٧/٩ ونسبه إِلى الطبراني والبزار باختصار، وفيه المسعودي وقد اختلط، وبقية
رجاله ثقات. كذا قال، مع أن نفيل بن هشام وأباه لم يوثقهما غير ابن حبان على عادته في توثيق
المجاهيل، وقد سقط من الأصل ((عن جده)) واستدركت من المسند. وانظر الصفحة (٢٢٢) التعليق
رقم (١). قال الخطابي: ((كان النبي، *، لا يأكل مما
يذبحون عليها للأصنام ويأكل ما عدا ذلك، وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه. لأن الشرع لم يكن
نزل بعد، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يذكر اسم الله عليه إِلا بعد المبعث بمدة طويلة)). وقال
ابن حجر معلقاً على هذا الكلام: وهذا الجواب أولى مما ارتكبه ابن بطال، وعلى تقدير أن يكون
زيد بن حارثة ذبح على الحجر المذكور فإِنما يحمل أنه إِنما ذبح عليه لغير الأصنام. وقال
الداوودي: كان النبي، ◌َّر، قبل المبعث يجانب المشركين في عاداتهم، لكن لم يكن يعلم ما
يتعلق بأمر الذبح، وكان زيد قد علم ذلك من أهل الكتاب الذين لقيهم. وقال السهيلي : فإن قيل:
فالنبي، وَّر، كان أولى من زيد بهذه الفضيلة، فالجواب أنه ليس في الحديث، أَنّه مَ ◌ّ، أَكل منها.
وعلى تقدير أن يكون أكل؛ فزيد إِنما كان يفعل ذلك برأي يراه لا بشرع بلغه، وإِنما كان عند أهل
الجاهلية بقايا من دين إبراهيم، وكان في شرع إبراهيم تحريم الميتة لا تحريم ما لم يذكر اسم الله
عليه، وإِنما نزل تحريم ذلك في الإِسلام، والأصح أن الأشياء قبل الشرع لا توصف بحل ولا
بحرمة. وقال ابن حجر معلقاً على هذا القول: وقوله: إِن زيداً فعل ذلك برأيه أولى من قول
الداوودي: إنه تلقاه عن أهل الكتاب، لا سيما وأن زيداً يصرح عن نفسه بأنه لم يتبع أحداً من أهل
الكتابين. وقال القاضي عياض: إنها كالممتنع، لأن النواهي إنما تكون بعد تقرير الشرع، والنبي،
وَ ي*، لم يكن متعبدأ قبل أن يوحى إليه بشرع من قبله على الصحيح. وانظر ((فتح الباري)) ١٤٣٨٧ -
١٤٤.
(٢) سنده ضعيف كسابقه .
١٣٠

قريش قبل الوحي، وكان ذلك على الإِباحة، وإِنما تُوصف ذبائحُهُم بالتحريم
بعد نزول الآية، كما أنَّ الخمرةَ كانت على الإِباحة، إِلى أَن نزل تحريمُها
بالمدينة بعد يوم أَحُد، والذي لا ريْبَ فيه، أنه كان معصوماً قبل الوحي،
وبعده وقبل التشريع من الزنى قطعاً، ومن الخيانة، والغدر، والكذب،
والسُّكْر، والسجودِ لوثن، والاستقسام بالأزلام، ومن الرذائل، والسَّفَهِ، وبَذَاءِ
اللسان، وكشف العورة، فلم يكن يطوفُ عُرياناً، ولا كان يقف يومَ عَرَفة مع
قومه بمردلفة، بل كان يقف بعرفة. وبكل حالٍ لو بدا منه شيء من ذلك، لما
كان عليه تبعةٌ لأنه كان لا يعرف، ولكنَّ رتبة الكمال تأبى وقوع ذلك منه،
صلى الله عليه وسلم تسليماً.
أبو معاوية: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. قال رسول الله وَّه: ((دخلتُ
الجنة، فرأيتُ لزيد بن عمرو بن نُفيل دوحتين)).
غريب. رواه الباغندي(١) عن الأشج، عنه.
عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء
قالت: رأيتُ زيدَ بنَ عمرو شيخاً كبيراً مُسْنِداً ظهره إلى الكعبة وهو يقول:
(١) الباغندي: هو محدث العراق أبو بكر محمد بن سليمان بن الحارث مترجم في تذكرة
المؤلف (٧٣٦). وذكره ابن كثير في البداية ٢٤١/٢ عن الباغندي، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي
معاوية، عن هشام، عن أبيه عن عائشة ... وقال: هذا إِسناد جيد وليس هو في شيء من الكتب،
وأخرج الطبري في ((تاريخه)) ٢٩٦/٢ من طريق محمد بن سعد، أخبرنا محمد بن عمر، قال:
حدثني علي بن عيسى الحكمي ، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة قال: فلما أسلمت، أخبرت رسول الله
وَ*، قول زيد بن عمرو، وأقرأته منه السلام، فرد عليه رسول الله وَير، وترحم عليه، وقال: «قد
رأيته في الجنة يسحب ذيولاً)) وهذا سند ضعيف، وذكره ابن حجر في ((الفتح)) ١٤٣٨، ونسبه إلى
محمد بن سعد، والفاكهي .
١٣١

ويحكم يا معشرَ قُرْيش! إِياكم والزنى، فإِنَّه يورثُ الفقر (١).
أبو الحسن المدائني: عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشَّعبي،
عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: قال زيدُ بن عمرو: شاممْتُ
النصرانية واليهودية، فكرهتهما، فكنتُ بالشام، فأتيتُ راهباً، فقصَصْتُ عليه
أَمْري، فقال: أَراك تريدُ دينَ إِبراهيم عليه السلام، يا أخا أهل (٢) مكة! إِنك
لتطلب ديناً ما يوجدُ اليوم، فالحق ببلدك، فإن الله يبعثُ من قومكَ مَنْ يأتي
بدين إِبراهيم، بالحنيفية، وهو أكرمُ الخلق على الله (٣).
وبإسناد ضعيف: عن حُجَيْر بن أبي إِهاب قال: رأيتُ زيدَ بن عمرو يُراقب
الشمس، فإذا زالت، استقبل الكعبة، فصلَّى ركعةً، وسجد سجدتين.
وأنشد الضحاك بن عثمان الحِزامي لزيد:
[و] أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عِذْباً زُلَالا
إذا سُقِيْتَ بَلْدَةٌ مِنْ بِلَدِ سِيقَتْ إِلَيْها فَسَحَّتْ سِجالا (٤)
وأسلمتُ نفسي لمن أسلمتْ له الأرض تحملُ صخراً ثِقالا
(١) ذكره ابن كثير في ((البداية)) ٢٤١/٢.
(٢) سقطت من المطبوع لفظة ((أهل)).
(٣) إِسناده ضعيف لضعف مجالد. وأبو الحسن المدائني هو علي بن محمد، ترجمه المؤلف
في ((ميزانه)) ونقل عن ابن عدي قوله فيه: ليس بالقوي في الحديث وسترد ترجمته في ((السير)).
(٤) رواية البيت في ((سيرة ابن هشام)) ٢٣١/١ :
إذا هي سيقت إلى بلدة أطاعت فصبت عليه سجالا
١٣٢

دحاها فلما استوَتْ شدَّها سواءً وأرسى عليها الجبالَا (١).
وروى هشام بن عروة فيما نقله عنه ابن أبي الزناد، أنه بلغه أَنَّ زيد بن
عمرو كان بالشام. فلما بلغه خبر رسول الله، وَّل*، أقبل يريده، فقتله أهل
مَيْفَعة بالشام(٢).
وروى الواقدي أنه مات فدُفن بأصل حِراء، وقال ابن إسحاق: قُتل ببلاد
لخم.
عبد العزيز(٣) بن المختار: أَنبأنا موسى بن عقبة، أخبرني سالم، سمع ابن
عمر يُحدِّثُ عن رسول الله ﴿، أَنْه لقي زيد بن عمرو أَسفلَ بلدَح قبل
الوحي. فقدم إِلى زيد سُفرةً فيها لحمٌ، فأبى أن يأكل، وقال: لا آكلُ مما
تذبحون على أَنصابكم، أنا لا آكل إِلا مما ذُكر اسمُ الله عليه.
أخرجه البخاري وزاد في آخره: وكان يعيب على قريش ويقول: الشاة
خلقها الله، وأنزل لها من السماء، وأَنبتَ لها من الأرض، ثم تذبحونها على
غير اسم الله؟(٤).
أبو أسامة وغيره قالا: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحيى بن
(١) رواية البيت في السيرة لابن هشام ١ / ٢٣١ :
على الماء أرسى عليها الجبالا
دحاها فلما رآها استوت
(٢) ابن هشام ٢٣١/١، ومَيْفَعَة: من أرض البلقاء.
(٣) تحرفت في المطبوع إِلى ((الكريم)).
(٤) أخرجه البخاري (٣٨٢٦) في المناقب: باب حديث زيد بن عمروبن نفيل، و(٥٤٩٩) في
الذبائح: باب ما ذبح على النصب والأصنام. وابن سعد ٢٧٧/١/٣، وابن عبد البر في ((الاستيعاب))
١٩١/٤. وبلد ح: واد قبل مكة من جهة الغرب.
١٣٣

عبد الرحمن، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة قال: خرجتُ مع رسول
الله ◌َّ وهو مُردفي إِلى نُصُب من الأنصاب، فذبحنا له - ضمير له راجع إِلى
رسول اللّه ◌َ ﴿-شاةً، ووضعناها في التّنُّور، حتى إِذا نضجت، جعلناها في
سُفرتنا، ثم أقبل رسول الله ◌َّ يسير، وهو مردفي، في أيام الحر. حتى إِذا كنّا
بأعلى الوادي، لقي زيد بن عمرو، فحَّى أحدهما الآخر، فقال له النبي ◌ِّر:
مالي أُرى قومك قد شَيِفُوا لك، أي: أَبغضوك؟ قال: أما والله إِنَّ ذلك مني
لغير نائرة كانت مني إليهم، ولكني أراهم على ضلالة، فخرجتُ أَبتغي
الدِّين، حتى قدمتُ على أَحبار أيلة، فوجدتهم يعبدون الله ويُشركون به،
فدُللتُ على شيخ بالجزيرة، فقدمتُ عليه، فأخبرته، فقال: إِن كلَّ مَنْ رأيتَ
في ضلالة، إِنك لتسألُ عن دينٍ هو دينُ الله وملائكته، وقد خرج في أُرضك
نبي، أو هو خارج، ارجع إِليه، واتَّبعه. فرجعتُ، فلم أحسَّ شيئاً، فأناخ
رسولُ الله ◌َّ البعير، ثم قدَّمنا إِليه السُّفرة، فقال: ما هذه؟ قلنا: شاة ذبحناها
للنصُب كذا. قال: فقال إِني لا آكل مما ذُبح لغير الله، ثم تفرَّقا، ومات زيد
قبل المبعث، فقال رسولُ اللهِ وََّ: ((يأتي أمةً وحده))(١).
رواه إبراهيم الحربي في ((الغريب)) عن شيخين له، عن أبي أسامة، ثمّ
قال: في ذبحها على النصب وجهان: إما أن زيداً فعله عن غير أمر النبي ◌ِ له،
إلا أنه كان معه، فنسب ذلك إِليه، لأن زيداً لم يكن معه من العصمة والتوفيق
(١) إِسناده حسن. وذكره الحافظ في ((المطالب العالية)) (٤٠٥٧) ونسبه إلى أبي يعلى. وذكره
الهيثمي في ((المجمع)) ٤١٨،٤١٧/٩ ونسبه إِلى أبي يعلى والبزار، والطبراني، وقال: وأحد أسانيد
الطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن عمرو بن علقمة، وهو حسن الحديث. وابن سعد،
مختصراً ٢٧٧/١/٣ والنائرة: العداوة. وأيله: مدينة على ساحل البحر الأحمر، وهي العقبة.
١٣٤

ما أعطاه الله لنبيه، وكيف يجوز ذلك وهو عليه السلام قد منع زيداً أن يمسَّ
صنماً، وما مسَّه هو قبل نبوّته، فكيف يرضى أن يذبح للصنم، هذا محال.
الثاني: أن يكون ذبح لله واتفق ذلك عند صنم كانوا يذبحون عنده.
قلتُ: هذا حسن، فإنما الأعمال بالنية، [أما] زيد، فأخذ بالظاهر، وكان
الباطن لله، وربما سكتَ النبي، ◌َّ، عن الإِفصاح خوفَ الشّرِّ، فإِنا مع علمنا
بكراهيته للأوثان، نعلم أيضاً أنه ما كان قبل النبوة مجاهراً بذمِّها بين قريش،
ولا معْلِناً بمقتها قبل المبعث، والظاهر أنَّ زيداً رحمه الله توفي قبل المبعث،
فقد نقل ابن إِسحاق(١) أَنَّ ورقةَ بنَ نوفل راه بأبيات، وهي :
رَشَدْتَ وأَنْعَمْتَ ابنَ عَمْرو وَإِنَّمَا تَجِنِّبْتَ تَنُوراً مِنَ النَّارِ حَامِيَا
وتَرْكِكَ أَوْثَانَ الطَّاغِي كَما هِيا(٢)
بدينك رباً لَيْسَ رَبِّ كمثله
ولم تَكُ عَنْ توحِيدِ رَبِّك سَاهيا
وإدراكِكَ الدِّينَ الذِي قَدْ طلبتَهُ
تُعلَّلُ فيها بالكَرَامَة لاهِيا (٣)
فَأَصْبَحتَ في دَارٍ كرِيمٍ مُقَامُهَا
وقد تُدرِكُ الإِنسانَ رحمةُ رَبِّهِ ولو كانَ تَحْتَ الأَرْضِ سبعينَ واديا
نعم، وعَدَّ عروةُ سعيدَ بن زيد في البدريين فقال: قدم من الشام بعد بدرٍ،
فكلم رسولَ الله، وَرَ، فضرب له بسهمه وأجره (٤)، وكذلك قال موسى بن
(١) انظر ابن هشام ٢٣٢/١، وجمهرة نسب قريش ص ٤١٨ للزبير بن بكار.
(٢) في الأصل ((رب)) والتصويب من ((سيرة ابن هشام)).
(٣) بعد هذا البيت بيت خامس عند ابن هشام هو:
تلاقي خليل الله فيها ولم تكن
من الناس جباراً إِلى النار هاوياً
وانظرٍ ((تهذيب ابن عساكر)) ٣٢/٦، و((البداية)) لابن كثير ٢٣٨/٢.
(٤) أخرجه الحاكم ٤٣٨/٣، والطبراني (٣٣٨) و(٣٣٩)، وابن عبد البر في ((الاستيعاب))
١٨٧/٤، وابن سعد ٢٧٩/١/٣، والحافظ في ((الإِصابة)) ١٨٨/٤.
١٣٥

عقبة وابن إسحاق.
وامرأته هي ابنةُ عمه فاطمة، أخت عمر بن الخطاب.
أسلم سعيد قبل دخول النبي، وَ#1، دارَ الأرقم(١).
وأخرج البخاري من ثلاثة أوجه، عن إِسماعيل، عن قيس بن أبي حازم
قال: قال سعيد بن زيد: لقد رأيتُني، وإن عمر لموثقي على الإِسلام وأخته،
ولو أَنَّ أَحداً انقَضَّ بما صنعتُم بعثمان لكان حقيقاً (٢).
وقد ذكرنا في إِسلام عمر فصلاً في المعنى.
وذكر ابن سعد في ((طبقاته)) عن الواقدي، عن رجاله قالوا: لما تحيَّن
رسولُ الله، ﴾﴾، وصول عیر قریش من الشام، بعث طلحة وسعيد بن زيدٍ قبل
خروجه من المدينة بعشر، يتحسَّسان خبر العير، فبلغا الحوراء، فلم يزالا
مقيمين هناك، حتى مرَّت بهم العير، فتساحلتْ، فبلغ نبي الله الخبر قبل
(١) أخرجه الحاكم ٤٣٨/٣، وابن سعد ٢٧٨/١٣، والحافظ في ((الإصابة)) ١٨٨/٤.
(٢) أخرجه البخاري (٣٨٦٢) في مناقب الأنصار: باب إسلام سعيد بن زيد و(٣٨٦٧) فيهما،
و(٦٩٤٢) في الإكراه: باب من اختار الضرب، والقتل، والهوان على الكفر. والحاكم ٤٤٠/٣
وصححه ووافقه الذهبي، ورواية البخاري الأولى: قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن إسماعيل،
عن قيس، قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في مسجد الكوفة، يقول: والله لقد
رأيتني، وإن عمر لموثقي على الإِسلام، قبل أن يسلم عمر. ولو أن أحداً ارفض للذي صنعتم
بعثمان لكان محقوقاً أن يرفض)» وفي الرواية الثانية ((انقض)» بالنون والقاف. وقال الحافظ في
((الفتح)» ١٧٦٧: لموثقي على الإسلام: أي ربطه بسبب إسلامه إهانة له، وإِلزاماً بالرجوع عن
الإِسلام. ((ولو أن أحداً ارفض)): أي زال من مكانه. ورواية ((انقض)) أي: سقط. ((لكان ذلك
محقوقاً» أي: واجباً.
وفي رواية الإسماعيلي: ((لكان حقيقاً)). وإنما قال سعيد ذلك لعظم قتل عثمان، رضي الله
عنه .
١٣٦

مجيئهما، فندب أصحابه، وخرج يطلب العير، فتساحلتْ وساروا الليل
والنهار، ورجع طلحة وسعيد ليخبرا، فوصلا المدينة يوم الوقعة، فخرجا
يُؤْمَّانه، وضرب لهما رسول الله وَليل بسهمهما وأجورهما. وشهد سعيد أحداً
والخندق والحديبية، والمشاهد(١).
وقد تقدَّمت عدة أحاديث في أَنه من أَهل الجنَّة، وأنه من الشهداء.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الشهادة لأبي بكر وعمر أنهما في
الجنة، فقال: نعم، أذهب إِلی حدیث سعید بن زيد.
هشام بن عروة، عن أبيه أَنَّ أَروى بنت أويس ادَّعت أَنَّ سعيد بن زيد أَخذ
شيئاً من أرضها، فخاصمتْه إِلى مروان، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها
شيئاً بعد الذي سمعتُ من رسول الله، سمعتُه يقول: ((مَنْ أَخَذَ شيئاً من
الأرض طُوَّقَه إِلى سبع أرضين)) قال مروان: لا أسألك بيّنةً بعد هذا، فقال
سعيد: اللهم إن كانت كاذبةٌ، فأعمِ بصرها، واقتلها في أرضها (٢)، فما ماتت
حتى عميتْ، وبينا هي تمشي في أرضها، إِذ وقعت في حفرة فماتت.
أخرجه مسلم (٣). وروى عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد
(١) ابن سعد ٢٧٩/١/٣ وانظر ((مستدرك الحاكم)) ٣٦٩/٣، ٤٣٨، وابن هشام ٦٨٣/١،
و («الاستيعاب)) ١٨٨/٤. وانظر الخبر في الطبري ٤٧٨/٢، و((الكامل)) في التاريخ ١١٦/٢-١٣٧،
وانظر الصفحة (٢٥) التعليق رقم (٣).
(٢) تصحفت في المطبوع إلى ((الأرض)).
(٣) أخرجه مسلم (١٦١٠) (١٣٩) في المساقاة: باب تحريم الظلم وغصب الأرض.
والبخاري (٣١٩٨) في بدء الخلق: باب ما جاء في سبع أرضين والرواية فيه ((شبراً)) بدل ((شيئاً))
و(٢٤٥٢) من طريق أخرى مختصراً في المظالم: باب إِثم من ظلم شيئاً من الأرض. وأحمد
١٨٨/٨، ١٨٩، ١٩٠، مختصراً ومن طرق عن سعيد بن زيد. وأبو نعيم في ((الحلية)) ٩٦/١، ٩٧،
بروايات متعددة. وهو كذلك في ((الاستيعاب)) ١٩١/٤، و((الإصابة)) ١٨٩/٤.
١٣٧

الرحمن(١) نحوه، عن أبيه وروى المغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن
عمر، عن نافع، عن ابن(٢) عمر، نحوه.
وقال ابن أبي حازم(٣) في حديثه: سألتْ أَروى سعيداً أن يدعوَ لها،
وقالتْ: قد ظلمتك. فقال: لا أَردُّ على الله شيئاً أعطانيه.
قلتُ: لم يكن سعيد متأخراً عن رتبة أهل الشورى في السابقة والجلالة،
وإِنما تركه عمر، رضي الله عنه، لئلا یبقی له فيه شائبة حظ، لأنه ختنه وابن
عمه، ولو ذكره في أهل الشورى لقال الرافضي : حابى (٤) ابن عمه. فأخرج
منها ولده وعصبته. فكذلك فليكن العمل(٥) لله.
خالد الطحان: عن عطاء بن السائب. عن مُحارب بن دِثَار قال: كتب
(١) العلاء بن عبد الرحمن هو ابن يعقوب الحرقي أبو شبل المدني، مولى الحرقة، وأبو عبد
الرحمن بن يعقوب يروي عن الصحابة. وذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ١٩٢/٤ عن الزبير بن
بكار، حدثني إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن
أبيه: أن أروى ... وذكره. والحديث بهذا السند عند ابن عساكر في تاريخه. وأخرجه أحمد
٣٨٨/٢، ومسلم (١٦١١)، وأبو داود الطيالسي ٢٧٧/١ من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه،
عن أبي هريرة.
(٢) سقطت ((ابن)) من المطبوع. وذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) ١٩١/٤ ونسبه إلى الزبير
لبن بكار. وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) ٩٦/١ من طريق: العمري، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه البخاري ٧٦/٥ في المظالم، من طريق: مسلم بن إبراهيم، عن ابن المبارك، عن موسى
ابن عقبة، عن سالم، عن أبيه .
(٣) في الأصل ((حاتم)) والصواب ما أثبتناه كما جاء في هامش الأصل: صوابه: قال ابن أبي
حازم بالزاي)) وهو عبد العزيز المتقدم ذكره. وكنيته أبو محمود.
(٤) تحرفت في المطبوع إِلى ((خلف)).
(٥) تحرفت في المطبوع إِلى ((العهد)).
١٣٨

معاوية إِلى مروان، والي المدينة، ليبايع لابنه يَزِيد، فقال رجلٌ من جند
الشام: ما يحبسك؟ قال: حتى يجيء سعيد بن زيد فيبايع، فإِنه سيِّد أَهل
البلد، وإِذا بايع، بايعَ الناس، قال: أَفلا أُذهب فآتيك به؟ وذكر الحديث(١).
أنبئنا وأُخبرنا عن حنبل سماعاً، أنبأنا ابن الحصين، أنبأنا ابن المذهب،
أنبأنا القطيعي، حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن
حصين ومنصور، عن هلال بن يساف، عن سعيد بن زيد - وقال حصين: عن
ابن ظالم، عن سعيد بن زيد - أن النبيَّ ◌َرَ، قال: ((اسكن حراءُ فما عليك إلا
نبيِّ أَو صِدِّيقٌ أَو شهيد))، وعليه النبيُّ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ،
وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن، وسعيد بن زيد(٢).
ابن سعد: أنبأنا أبو ضمرة، عن يحيى بن سعيد، أخبرني نافع، عن ابن
عمر أنه استُصرِخَ على سعيد بن زيد يوم الجمعة بعد ما ارتفع النهار، فأتاه ابن
عمر بالعقيق، وترك الجمعة(٣). أخرجه البخاري (٤).
وقال إسماعيل بن أمية: عن نافع قال: مات سعيد بن زيد وكان يَذْرَبُ.
(١) أخرجه الحاكم ٤٣٩/٣ وسَكَتا عنه، والطبراني (٣٤٥) في (الكبير))، وأخرجه البخاري في
((التاريخ الصغير)) ١١٢/١ من طريق: حسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن
عطاء بن السائب، به .
(٢) أخرجه أحمد ١٨٧/١، ١٨٨، ١٨٩، وأبو داود (٤٦٤٨) في السنة: باب في الخلفاء.
والترمذي (٣٧٥٨) في المناقب: باب مناقب سعيد بن زيد، وابن ماجه (١٣٤) في المقدمة : باب
فضائل العشرة. وهو حديث صحيح.
(٣) أخرجه ابن سعد ٢٧٩/١٣ - ٢٨٠. وأخرجه الحاكم ٤٣٨/٣ من طريق محمد بن الصباح،
عن هُشيم، عن يحيى بن سعيد، به ... ورجاله ثقات.
(٤) برقم (٣٩٩٠) في المغازي، وهو في ((المصنف)) (٥٤٩٧)، و((سنن البيهقي)) ١٨٥/٣.
١٣٩

فقالت أم سعيد لعبد الله بن عمر: أتحنِّطه بالمسك؟ فقال: وأَيُّ طيب أَطيب
من المهك! فناولته مسكاً(١)
سليمان بن بلال حدثنا الجُعيد بن عبد الرحمن، عن عائشة بنت سعد
قالت: مات سعيدُ بن زيد بالعقيق، فغسَّله سعد بن أبي وقاص، وكفّنه،
وخرج معه(٢).
وروى(٣) غير واحد، عن مالك قال: مات سعيد بن زيد، وسعد بن أبي
وقاص بالعقيق. قال الواقدي: توفي سعيد بن زيد سنة إحدى وخمسين،
وهو إبن بضع وسبعين سنة، وقُبر بالمدينة. نزل في قبره سعد، وابنُ عمر،
وكذا قال أبو عبيد، ويحيى بن بكير، وشهاب. قال الواقدي: كان سعيد
رجلًا، آدم، طويلاً، أَشعر. وقد شذَّ الهيثم بن عدي فقال: مات بالكوفة.
وقال عبيد الله بن سعد الزهري: مات سنة اثنتين وخمسين رضي الله عنه.
فهذا ما تيسر من سيرة العشرة. وهم أَفضل قريش، وأفضل السابقين
المهاجرين، وأفضل البدريين، وأفضل أصحاب الشجرة، وسادةُ هذه الأمة!
في الدنيا والآخرة. فأبعد الله الرافضة، ما أغواهم وأشدَّ هواهم، كيف اعترفوا
بفضل واحد منهم وبخسوا التسعة حقَّهم، وافتروا عليهم (٤) بأنهم كتموا النص
في عليٍّ أنه الخليفة. فوالله ما جرى من ذلك شيء، وأنهم زوَّروا الأمر عنه
بزعمهم، وخالفوا نبيهم، وبادروا إِلى بيعة رجل من بني تيم يتجر ويتكسب،
(١) أخرجه ابن سعد ٢٨٠/١/٣. والذَّرَبُ: داء يعرض للمعدة فلا تهضم الطعام
ويفسد فيها ولا تمسكه.
(٢) أخرجه ابن سعد ٣ / ١ / ٢٧٩ .
(٣) تحرفت في المطبوع إِلى ((قال)).
(٤) تحرفت في المطبوع إِلى ((عليه)) ..
١٤٠