Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
المحاضرة الخامسة عشرة:
مولانا جلال الدين الرُّوميّ
مفَكِّر مبتكر ، ومؤسِّسُ علم كلامٍ جديد
((المَثْنَويُّ المعنوي)» مَوضُوعه وأغْراضُه:
تدلُّ ترجمة حياة ((جلال الدين)) على أنه كان قويَّ العاطفة ، وجدانياً ،
مُلتَهبَ الزُّوحِ وَلوعَ القلب ، صاحب استعداد كبير ومواهبَ عظيمة ، قد
عُجنت طينتُهُ بالحبِّ ، وقد غطّى هذه الشرارة الانهماكُ في العلوم الظّاهرة ،
والاشتغالُ الزائد بالعقليات.
وجاء شمسُ الدين التبريزي - وهو شعلة حب ووجدان - فألهبَ هذه
الشرارة الكامنة ، وأثارَ الطبيعة المطمورة في ركام البيئة والعادة ، والثقافة
والتربية ، فإذا بجلال الدين عُودٌ مُلتهب ، ومَجْمَرة مشتعلة ، وعَينٌ بصيرةٌ
مفتوحة ، ونفسٌ حسّاسة تواقة ، قد اشتعلتْ حاسته الباطنة ، وارتفعتْ عن
عينه الحُجُب، وانكشفتْ له الحقائق المستورةُ وراءَ الألفاظ، وانهالتْ عليه
المعاني ، وتوارث على قلبه وضميره العلومُ الصحيحة؛ فأُتْرِعَتْ كأسه
وفاضت ، وكلُّ من كان هذا شأنُه يصعب عليه السكوت والهدوء ، ويَعِزُّ عليه
ألا يجد أنيساً أو جليساً يرى فيه صورة نفسه ، ويُفضي إليه بذات صدره ،
ويشكو إليه آلامه وآماله، ويَبُُّ إليه أسرارَه وأفكاره.

٣٨٢
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
وكلُّ من كان هذا شأنه يُقبل على السماع يتسلَّى به ، ويتغذّى ويتعالج به
ويتداوى ، وأقبلَ على الشعر - إن كان صاحب قريحة - يُعَبِّرُ به عن علومه
الدقيقة ، وخواطِره الرقيقة، ويُخَفِّف به عن نفسه وبُرَحَائِه، وغَلبه الشِّعر
والتغني؛ فما يستطيع له دفعاً ، وأنشد معتذراً:
سَقَوني وقالوا لا تُغنِّ ولو سَقَوا جِبال سُلَيْمى ما سُقِيْتُ لَغَنَّتِ
واتَّجه هذا الشعر الفائض المرسل؛ الذي هو فيض الخاطر ورَشْح القلب
إلى الموضوع؛ الذي يشغل الشاعر ، أو يَشغل العصر ، فتناوله واشتغل به .
واستخدم الشاعرُ رِقَّةَ الشعر ولطف التعبير ، وحلاوة الجرس وموسيقا
الوزن والقوافي ، وفكاهة الأدب؛ لتأدية فلسفته الدقيقة العميقة ، والمعاني
اللطيفةِ الغامضة ، والمبادىءِ الرفيعة التي تَشْغَلُ فِكرَهُ وتجيش في خاطره؛
فكان كلامه أوقَع في النفوس ، وأحلى في القلوب ، وأسهل فهماً وأيسر
تناولاً ، وأكثرَ نفوذاً وتغلغلاً في المجتمع والآداب.
وكذلك فعل الحكيم (السَّنائي) (١) في ((الحديقة)) و(فريد الدين العطَّار) (٢)
في ((منطق الطير)) فكان لهما تأثيرٌ لم يكن لكتابٍ فلسفةٍ جاف ، أو بحث علمي
دقيق؛ فكان هذان الكتابان السائران المقبولان في الأدب الفارسي؛ بل الأدب
الإسلامي ، حافِزَين لجلال الدين إلى تأليف ((المثنوي)) وقدوةً ومثالاً له ، كما
حكاه صاحبُه حسام الدين الشَّلبي.
ولمَّا كان عِلْمُ الكلام هو الشغل الشاغل لعصر جلال الدين ، وأصبحت
الحقائق من عقائدَ ومباحثَ إلهية وحقائق غيبية؛ كالألوهية وصفاتها ، والنُّوَّةِ
وأحكامها ، والغيب والوحي ، والجنة والنار ، إلى غير ذلك أصبحت هذه
الحقائق موضوع البحثِ والجدال ، وحديثَ النوادي والمجالس ، وانَّجهتِ
(١) هو أبو المجد ابن آدم السنائي الشاعر الصوفي المشهور كان معاصراً لبهرام شاء الغزنوي
توفي سنة ٥٢٥هـ.
(٢) ولد سنة ٥١٣ وتوفي ٦٢٧هـ وكان معاصراً لخوارزم شاه.

٣٨٣
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
النفوس إلى التشكك فيها أو نفيها ، وظهر في الأوساط العلمية الاضطرابُ في
العقيدة ، كان ذلك موضوع ((المثنوي)) والقُطبَ الذي يدور حوله.
لقد عاش جلال الدين في وَسَطِ الأشاعرة ومدرستهم الفكرية ، وكان قبل
أن يُقابل شمس الدين أستاذاً كبيراً وعالماً جدلياً؛ ولكن بعد ما جذبته الجاذبة
الربانية ، وانتقل من القيل والقال ، إلى حقيقة الحال ، ومن الخَبَر إلى النّظر ،
ومن الألفاظ إلى المعاني ، وبَطلِ عنه سِحر المصطلحات والتعريفات التي
يتبجَّح بها المنطق ، ووصلَ إلى لُبِّ اللباب وغاية ما في الباب؛ انكشفتْ له
مواضعُ غلطهم في الاستدلال والقياس والاعتماد في تقريرها أو نفيها على
العقل والحواس ، وعرف أنَّ بضاعَتَهُم مُزْجاةٌ في هذا الموضوع ، وَمِن هنا
تناول علم الكلام والفلسفة بالنَّقد والتزييف.
نَقْدُه للاعتماد على الحواسّ في تقرير الحقائق الدينية:
لقد كان أكبرَ اعتماد الفلسفة والعقليات في هذا العصر على الحَواسِّ
الظاهرة ، وقد كانتِ الحواس الخمسُ تُعْتَبَرُ الميزانَ الصحيح لثبوت
((الحقائق))، وكانت تُعتبر أوثقَ مصدر وأقواهُ لحصولِ العلم الصحيح واليقين ،
وقد كان ((المثقَّفون)) - كما ذكرنا - يميلون إلى نَفْي كل ما لا يُدرك بالحواس
الخمس ولا يأتي تحتَ الحِسِّ، ويُشْرعون إلى إنكاره ، ويتحاشون تقريره
والاعتراف به ، وكانت هي النزعة السائدة في المدارس والمجالس.
وقد كان المعتزلةُ - ومن نحا نحوَهم - أكبرَ الدعاة إلى هذه الفكرة التي
نُسميها ((الحِسِّيَّة)) وقد أضعفتْ هذه الفكرةُ الإيمانَ بالغيبِ، وضَعُفَتْ بتأثيرها
الثقةُ بالحقائق الغيبية التي جاءت بها الشرائع، وألَّكَّتْ عليها الأديانُ
السماوية .
وقد انتقدَ جلال الدين هذه النَّزعة وأنصارها في ((مَثْنويه)) بقوة وصراحة ،
يقول في موضع :
إنَّ ((الحِسِّيَّةِ)): (الاعتماد على الحواس في تقرير الحقائق الدينية) يتزعمها

٣٨٤
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
المعتزلةُ ، وهم عبيد مسخَّرون لها ، ويزعمون أنَّهم من أهل السنة؛ ولكن أهل
السنة لا يَتَقَيَّدون بهذه الحواس، ولا يعكُفون عليها عبادةً وخضوعاً)) (١).
إنَّه يُقَرِّرُ؛ أنَّ هناك حواسَّ باطنية وراء هذه الحواس الظاهرة ، كنسبةٍ
التراب والخزَف إلى الذهب الخالص والِّبر المسبوك. ويقول: ((إن الحَواسَّ
الظاهرة تستمدُّ غِذاءها وقُوَّتها من النفوس والأشباح ، أما الحواسُ الباطنية ،
فإنها تستمدُّ غذاءها وقُوَّتها من النفوس والأرواح، وإنَّ قُوتَ الأولى الظلامُ
الذي فُطِرتْ عليه الأجسام ، وقُوت الآخرة - الحواس الباطنة - النورُ الذي
فُطِرِتْ عليه الأرواح والقلوب))(٢).
إنَّه يُقرِّر أنَّه لا يكفي لنفي شيء أنه لا يُرى بالأبصار، ولا يُدرَك
بالحواس. إن الباطن دائماً كامِنٌ وراء الظاهر ، ومُضْمَرٌ فيه ، كالفائدة في
الدواء. يقول: ((إن المُنْكِرَ يقولُ دائماً: إني لا أرى إلا الظاهر، والظاهرُ دائماً
يُخْبِرُ بالحكم المُضْمَرَةِ ، ألا ترى إلى الأدوية النافعة كيف كَمُنَ فيها فائدتُها
وتأثيرها؟))(٣).
يقول: ((إنَّ الذين اعتمدوا على حواسِّهم الظاهرة واقتصروا عليها ، وأنكروا
كل ما عداها، ضيَّعوا حواسَهم الباطنة ، وفقدوا قُوَاهمٍ ومواهبهم التي مَنحهُم
الله إيَّاها وأصبحوا محجوبين عُمياناً ، لا يمشون إلا بعُكَّازة أو بقائد يَقُودهم ،
وأصبح كثيرٌ من الحقائق والدقائق مستورةً عنهم)) (٤).
وَظيفةُ العَقْلِ وحُدوده:
إنَّه لا يقتصِر - في نقده ـ على الحواس الظاهرة ، ولا يُقرّر قصورها
وعجزها عنِ الوصول إلى الحقائق الغيبية فحسب ، بل يشرك معها العقل
المثنوي: طبع لكهنؤ ص ١٠١ .
(١)
(٢) المصدر السابق: ص ١٠١ .
المصدر السابق: ص ٣٦٨.
(٣)
(٤) المصدر السابق: ص ٢٣٢.

٣٨٥
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
أيضاً ، ويقرر أنه عاجز عن الوصول إلى حقائق عالم الغيب ، وعلوم الأنبياء؛
لأنه لا يملك أساساً وقاعدةً للقياس في هذه المعلومات ، ولا عهدَ له بهذا
العالم الفسيح - عالم الغيب وعالم ما بعد الطبيعة فمثله كَمَثلٍ رجلٍ وُلد وعاش
في البحر المالح ، وليستْ عنده أية فكرة ولا تقدير للماء العَذْبِ الفُراتِ؛ يقول
في تَهَكُّم: ((يا من يعيش في البحر المالح ماذا تعرف عنِ الشَّطُ وجَيحونَ
والفُرات؟)) (١).
إنَّه يُسمِّي العقل الذي قيَّد نفسه بالمحسوسات والمقدمات المنطقية
بـ: ((العقل الجزئي المحدود؛ وهو عقلٌ ثَمَرتُهُ الأوهام والشكوك ، ووطنه عالمُ
الظلمات ، إنه عقل كان عاراً للعقل ، وسُبةً للعاقلِ ، والجهلُ أفضل من هذا
العقل ، ویُفضِّل أن يتحّر الإنسان من أسرٍه ويُحگِّم عاطفته وقلبه ولو سماه
الناس مجنوناً)) (٢).
ويقولُ: ((لقد جَرَّبْتُ طويلاً هذا العقل المحدود الذي لا يُبْصر إلا
المحسوسَ ولا يَعقل إلا الظاهر ، الذي يُسميه الناس («العقل الحكيم البعيد
النظر)). ومَن جَّب تجربتي ثارَ مثلي على هذا العقل، وفضَّل الانطلاق من
قُيُوده والخروجَ من حدوده)) (٣) .
((ولو كان هذا العقلُ كافياً في معرفة الحقائق الدينية لكان فخرُ الدين
الرازي - زعيم المتكلِّمين - أكبرَ العارفين، والغَوَّاصَ في أعماق الدين (٤)؛
ولكنَّ الأمر ليس كذلك ، فتفوُّقه في معرفة حقيقة الدين كان من تَشُعِه بالإيمان
واليقين.
((أولئك أصحابُ محمد بَّرِ أبُّ الناس قلوباً، وأعمقُهم علماً، وأقلُّهم
(١) المثنوي: ص ٩٦١.
(٢) المصدر السابق: ص ١٥٢ .
(٣) المصدر السابق: ص ٤٨٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٤٨٩.

٣٨٦
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
تكلُّفا)) (١) ولم يقرؤوا كتابَ حكمة، ولم يتلقَّوا درسَ فلسفة (٢).
الاستدلالُ الفلسفي رِجْلٌ خشبية:
إنَّه يعتقدُ أنَّ العلوم التي اصطنعها الإنسانُ والحكمة التي نُسِبت إلى
اليونان ، لا تزيدُ الإنسانَ إلا بعداً عن الحقائق واشتغالاً عن الخالق ولا تُفيد إلا
((الجهل المركَّب))، وغروراً وصَلَفاً وإعجاباً بالنفس، وإدلالاً بالألفاظ
والقُشور؛ فمن كان حريصاً على سعادته فليَزْهد في هذه الفلسفة التي سماها
الناس - عن جَهْلٍ - حكمةً؛ فإن كُلَّ فلسفة هي وليدة الخيال ولم تَتَنوَّر بنور ذي
الجلال ، تُولِّد الظَّنَّ والشك، وتَحْجُبُ عن الَّبِّ ، أما الحكمة التي تُتَلَقَّى عن
الأنبياء؛ فإنها هي الحكمة التي من أُوتِيَها فقد أُوتِيَ خَيْراً كثيراً (٣).
ويُقَرِّر أن الاستدلال المنطقيّ والفَلسَفي ، وترتيبَ المقدمات والبراهين،
واستخراجَ النتائج طريقةٌ مصطنعةٌ لا تفي بكل غَرض ، ولا تُفيد في كل
موضوع ، ولا تُساير كل سالك ، إنها أسلوب ضيق محدود ، ومن اعتادها
وتقيَّد بها وعاش عليها ، كان كمن كانت له رِجلٌ من خشب لا تمشي بحُرية ،
ولا تنعطف بسهولة ، وقد ذهبَ قوله مثلاً ((إن رِجْل أصحاب الاستدلال
المنطقي مِنْ خشب، وإن الرِّجْل الخشبية صُلبةٌ خشبية لا مُرونة فيها
ولا تمكين)» (٤).
ويقولُ: ((إنَّ كلام هؤلاء المقلِّدين، الذين يُردِّدون دلائل الفلاسفة
والمنطقيين كالببغاوات ، ويستدلون استدلالهم ، كلامٌ جافٌّ مِيِّتْ
لا روح فيه ولا حياة، ولا تأثيرَ فيه ولا جمال؛ لأنه يصدر عن قلبٍ
(١) جملة مأثورة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وصف بها الصحابة رضي الله عنهم
[مشكاة المصابيح (١/ ٣٢)].
(٢) المثنوي: ص ٤٨٩.
(٣) المصدر السابق: ص ١٧١ .
(٤) المصدر السابق: ص ٥٥ .

٣٨٧
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
ميتٍ، وكيف يُؤثِّر ويُثمر كلامٌ مَيِّتٌ يَصْدُرُ عَنْ مَيِّتٍ (١)؟!)).
العَقْلُ الإيمانيُّ:
ويعتقد جلالُ الدين أنَّ هناك عقلاً إيمانياً ، هو نبراس ودليل العقل
الجسماني ، وهو مرشد هذا العقل ((الجزئي المحدود)» وقائدُه ، ويرشدهُ
ويبصره الطريق ، كما أنَّ هذا العقل ((الجزئي المحدود)» - مرشدُ الجسم
وقائده - ، يقضي حاجاته ويخدُمه في أغراضه المادية ، ويَصُّ أن يُسَمَّى هذا
العقل الإيماني ((عقلَ العقلِ)) لأن العقل يمشي بنُوره ويُبصر بعينه، ولا يُرزقُ
هذا العقل الإيماني إلا المؤمنُ (٢)؛ وإذا كان هذا العقل الجسمانيُ قد سوَّد
الأوراق (٣)، فالعَقْلُ الإيماني قد نوَّر الآفاق، وبزعَ نورُه على القلوب
والأرواح (٤).
((إنَّ العقل الإيمانيَّ هو خفيرُ ركب الحياة ، وكصاحبٍ شُرطة البلد ، يحكم
بالعدل ويُقيم الموازين القسط ، ويَردعُ الظالمَ ويَنْصُرُ المظلوم ، ويحافظ على
النظام، ويَقهر النفسَ عن شهواتها الجامحة، ونَزَوَاتها العاتية)) (٥).
((أمَّا العقلُ الجسمانيُ فإنه يُزيِّن الآثام، ويُثَبّطُ عن معالي الأمور ،
ويَعِدُ صَاحبه الفقرَ ، ويُهوِّل له الأمر (٦) ، وإنَّ العقل الإيماني يَحُلُّ عُقَدَ
العقل الجسماني ، ويُنْجده في المشاكل والأزمات ويفتح له الأقفالَ
المُعقَّدة، ويُحَقِّقُ له ما أعياه أمرُه بكل سهولةٍ وسرعةٍ)) (٧).
((إنَّ الفلسفيَّ يتحدَّث عن ((المعقولات)) التافهة التي لا قيمةً لها،
(١) المثنوي: ص ٤٤٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٤٦.
(٣) يشير إلى أنه كوَّن مكتبة ضخمة من الفلسفة والعلوم.
(٤)
المصدر السابق: ص ٢٤٦ .
(٥) المصدر السابق: ص ٣٤٧.
(٦) المصدر السابق: ص ٣٤٧.
(٧) المصدر السابق: ص ٢٣.

٣٨٨
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
لا يتجاوزها ولا يعرف غيرها ، لأنَّ عقله لم يخرجْ من الباب ، ولم يعرِف
العالَمِ الفَسيح وما خَلقَ اللهُ فيه من عجائبَ وبدائعَ ، إنَّ عقله طفلٌ رضيعٌ لم
يبلغ سنَّ الرُّشد وإن زَهْرَة فِكْرِهِ مکمومةً لم تتفتّح)» (١).
جَهْلٌ لِلنَّفْس وغَفْلَةٌ عن غاية الحياة:
((إنَّ الفلسفيَّ إنما جنى عليه عقلُه وفكره، وهو ذلك المسافر الشَّقيُّ الذي
ظَهْرُه إلى غايته؛ فَكُلَّما أمعن في السفر وجدَّ به السير ازداد بُعداً عن المنزل ،
وحُرِم الوصول)) (٢).
(إنَّ الفلسفيَّ قد أحاط بعلم الكائنات ، وجمعَ ثروة هائلة من المعلومات ،
ولكنه لا يزال يَجْهَلُ نفسه ، إنه يعرف خاصِّيَّة كل ((جوهر)) و((عرَضٍٍ)) ولكنه في
معرفةِ نفسه وقيمتها أجهلُ وأضلُّ من حمار أهله. إنه يعرف قيمةً كل شيء؛
ولكنه لا يعرف قيمة نفسه ، مع أن روح العِلم وجوهَرَ المعرفة ولُباب الحكمة
أن يعرفَ الرَّجل قيمةً نفسه وغايةَ خَلقه ، وموقفه من خالقه ومن هذا العالم
ومصيره بعد الممات)) (٣).
دَغوَةٌ إلى الحكمة الإيمانية:
وبَعد هذا النَّقد المرير والعِتاب الصريح ، يَدعو المشتغلين بالفلسفة وعلم
الكلام دعوةً مخلصة إلى دراسة الحكمة الإيمانية والاستفادة منها ، يقول زاجراً
ناصحاً: ((إلى متى العُكوف على الفلسفة اليونانية والحكمة المادية؟ دونكم
الحكمة الإيمانية التي يَحويها كلام الأنبياء ، وتُوجَدُ عند خلفائهم والعلماء
الربانیین ، فادرسوها وفگِّروا فیها)) (٤).
(١) المثنوي: ص ٨٢.
(٢) المصدر السابق: ص ٥٤٤ .
(٣) المصدر السابق: ص ٤٤٩.
(٤) المصدر السابق: ص ٨٦.

٣٨٩
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
ويقول: ((إنَّ المعرفة الصحيحة لا تتأتَّى إلا بتزكية النفس؛ فإذا تجَرَّد لَوْحُ
القلب عن نُقوشِ العلوم المرسومة وصَفَا ، تجلَّت فيه الحكمةُ الإيمانية ،
ووردتْ عليه علومُ الأنبياء الصحيحة ، وجَرت على لسانه ينابيع الحكمة)).
يقول: ((جَرِّدْ نَفسَك من صفاتك حتى تُشاهدَ نفسَك وحقيقتها ، إنك ترى
في قَلْبِكَ عُلُومَ الأنبياء من غير كتاب ومُعلم ومُعيد (١) ، فإن المرآة كُلَّمَا صَفَتْ
تجلَّتْ فيها الأنوار ، وإذا تفتَّحتْ نافذةُ نفسك دخلَ منها النور الإلهي من غيرِ
واسطة ومن غیرٍ حجاب)).
المباحثُ الكلامية وأسلُوب «المَثْنَويّ)) فيها:
ولم يَقْتَصِر جلالُ الدين على النَّقد الإجمالي للتفكير الفلسفي ومَنْهج علم
الكلام وخُضوعه للظاهر ، ولم يقتصر على التَّنويه بالحواس الباطنة والاهتمام
بالوجدان والروح؛ بل بحث في المباحث الكلامية ومُعضلاتها بأسلوبٍ طريفٍ
بديع، وعَرَض مُهمَّات مسائلها عرضاً جميلاً يقبَلُه القلب، ويُسيغه الذوق
السلّيم، ويَعْتَقِدُ السامع والقارىء أنَّها شيءٌ بَدَهيٌّ ، وحقيقةٌ من الحقائق
المعلومة لا تعقُّدَ فيها ولا غموض ، ولا جفافَ فيها ولا عُبُوسَ؛ فالمسائل
التي تَتعب فيها الفلسفة كأنما تصَّعَّد في السماء ، وتَقْبض على الهواء ، تتراءى
في شعره کالماء الزلال.
وهو لا يحرص - كالفلاسفة والمتكلِّمين - على أن يُعجز مخاطبه بالدلائل
الطويلة العريضة ، والمقدمات المرصوفة المنسَّقة ، ويُفْخِّمُها ، بل يحرص
على أن يَقْبَلَها قَلْبُه كأنه شيء محقق، وكأنه يُعَبِّرُ عن خواطره وأفكارهِ.
لذلك كان «المثنويُّ)» العظيمُ مصدرَ إيمانٍ جديد وإذعان مزيد في كل
عصر ، تَنشرح بقراءته الصدورُ الحرجة ، وتَطْمَئِنُّ بدراسته العقول المضطربة ،
ويَجِدُ فيه كثير من القراء خَلَّ لمعضلاتهم ، وشفاءً لدائهم ، وهو من هذه
(١) المثنوي: ص ٨٦.

٣٩٠
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
الناحية مؤسِّسُ علمٍ جديدٍ. وإذا كان لابدَّ من مصطلح الفلسفة فهو مؤسِّس
فلسفة جديدة ، وهو في ذلك إمامٌ مجتهد من أئمة الكلام ، لا يُقلِّد ولا يتبعُ
إلا القرآن الحكيم ، ولا يستوحي إلا فطرته السليمة .
وُجود الفاطِر الحَكِيم ودلائِلْه:
فهو في إثبات وجود الله تعالى مثلاً لا يتَّبع الطرق الفلسفية والمناهج
الكلامية المعروفة؛ بل يتّبع القرآن الحكيم في الاستدلال بالمصنوع على
الصانع ، والمتحرِّك على المُحَرِّك ، ويضرب لذلك الأمثال الحكيمة ، ويُثيرُ
في الإنسان الفطرة السليمة التي تأبى وُجود مصنوع من غير صانع ، ومُتحرِّك من
غير مُحَرِّك، ومتأثّر من غير مُؤثِّرٍ ، ويقول في بساطةٍ وَثِقَةٍ :
((إنَّك ترى قلماً كاتباً، واليَدُ التي تُحرِّكه من ورائه مَخْفيَّةٌ ، وترى جواداً
يَعدو ، ولا ترى فارساً، السَّهمُ يُصيبُ غرضه، والقوس غَائبةٌ عن العيون ،
النُّقوس موجودة وبارئها ومصدر وجُودها وحياتها مستورٌ ، لا يُرى
بالأبصار (١) ، ولكن أليس الحركة دليلاً على المحَرِّك؟ إذا سمعْتَ صريراً
للهواء وخريراً للماء ألا تستدل بذلك على وُجود الهواء والماء؟ إذا رأيت هواءً
يَهُبُّ ، والأوراق تَهفّ ، والأغصان تَهْتَزُّ ، فاعلم يقيناً أنَّ هنالك من يُحرِّكُ
الهواء ، فإنَّ مع كل مُتحرِّك مُحرِّكاً (٢).
وإذا عجزتَ أن ترى المؤثر فإنك لا تعجز عن أن ترى الآثار؛ فاستدلّ بها
على وجود المؤثر.
وإذا رأيت جسماً يتحرَّك ويعيشُ ، فإنك - ولو لم تَرَ الروح في حياتك -
تُبرهن به على وُجُود الروح التي هي مصدر الحركة والحياة في الجسم (٣)،
(١) المثنوي: ص ٣٠٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٣٠٥.
(٣) المصدر السابق: ص ٣٠٥.

٣٩١
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
وهل لوجُود الشمس دليلٌ أكبر وأقوى من نورها الساطع وضيائها الباهر؟)) (١).
وليس هذا الكونُ موجوداً فحسب؛ بل هو في غاية النظام والانتظام ، كل
شيء فيه في مَحلُّه اللائق ، وكل شيء خُلق بقدر ، ولكل شيء نظام مرسوم
لا يتجاوزه ولا يخالفه؛ فالكواكب لها نظام ، والشمس والقمر لهما نظام ،
وليس الهواء والسحاب كالفيل الهائج والناقة العشواء لانظامَ لهما ولا قيدَ؛ بل
كلٌّ خاضع لنظام ، خاضع للأحكام ، فلا تمرُّد ولا عصيان ، ولا فوضى
ولا طغيان، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌ فِ فَلَئٍ
يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [البقرة:
١٦٤] .
يقول: ((إن فاتك أن ترى الأمر الإلهي والتدبير السماوي بعينيك ، فانظر في
نظام الكون؛ فالشمسُ والقمرُ نوران مسخرانٍ يدورانٍ ولا يتوقَّفان ، ويُطيعان
ولا يعصيان ، والكواكبُ لها دوائر مخصوصة ومجالاتٌ مرسومة ، والسحابُ
له سَوْطٌ من نار ، يُنْظُّم سيرهُ ويأمره وينهاه ، يأمُرُه بأن يَسقي الوادي الفلاني ،
وَيَتركَ الوادي الفلاني، وَيُنِّهه إذا غفا)) (٢).
غايةُ الخَلْق:
ثم يُقرّر أنَّ الله لم يخلق هذا الكون ، ولم يخلق هذا الخلق لفائدة تعود
عليه؛ إنما خَلَقه لفائدة الإنسان نفسه ، ولِيَبْلُغَ كماله المطلوب ، ويَستخدِم قواه
ويستعمل مواهبه ، يقول:
قال الأنبياءُ: إنَّ اللهَ يقول: غايتي في الخَلقِ الإحسانُ إليهِمٍ والمَنُّ عليهم ،
إنَّما خَلَقْتُهُم لِيَنْتَفِعُوا بي ويَنتفعوا بخيراتي ونِعمتي ، لم أُخْلَقْهم لأنتفعَ بهم
(١) المثنوي: ص ٣٠٥.
(٢) المصدر السابق: ص ٥١٣.

٣٩٢
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
وأقضيَ بهم حاجة لنفسي ، إنما خلقتُهم إفاضةً للوجود ، وإظهاراً للسخاءِ
والجود)) (١).
الثّبؤة والأنبياء:
إنه يَدَعُ الأنبياء - عليهم صلوات الله وسلامه - يُعرِّفون نفوسهم بأنفسهم ،
يقول على لسانهم «نحنُ أطباء الروح ، تلاميذُ الرحمن ، انفلقتْ لنا البحار ،
وتفجَّرت لنا العُيُون من الأحجار ، إنَّ أطباء الجسم يَجُسُّون النَّضَ ، ويتعرَّفون
المرض ، ولكننا ننظر بنور الله ، ونتكلّم بوحي الله ، أولئك أطباء الغذاء
والثمار ، يعرفون منافع الأغذية والأدوية ومضارَّها وتأثيرها في جسم
الإنسان ، أما نحنُ فأطباءُ الأقوال والأفعال ، والعقائد والأخلاق ، نُخبر
الخلق بعواقب الأعمال والأخلاق وتأثيرها في الحياة ونتيجتها بعد الممات ،
ونقول: إذا عملتَ كذا سَعدتَ ونَجوتَ ، وإذا عملت كذا شَقيتَ وهَلَكْتَ ،
وإن الخُلق الفلاني دواءٌ نافع ، وإنَّ الخلُق الفلاني سُمِّ ناقع ، إن العقيدة
الفلانية مُسعِدة مُنجية ، وإن العقيدة الفلانية مُهلكة مُرديةٌ ، إن دليلَ أطباء
الجسم الرائحةُ واللونُ والطعمُ ، أما دليلنا فكلام الله وأعلامُه وإلهامُه)) (٢).
النَّبُّ مُعجزَةٌ كامِلَةٌ وبُرهانٌ على نبُوَّته:
ولا يستدلُّ جلال الدين على صدقِ نبوَّة الأنبياء بالدلائل الخارجية
والمعجزات والبراهين الكلامية؛ إنَّه يقول:
((إنَّ كلَّ شيءٍ في النبي ◌َّهِ يَدل على أنه نبيٌّ مرسلٌ من اللهِ، إنه يكون في
سيرته وخلقه وشمائله ومخايله معجزةً كاملةً وبُرهاناً صادقاً على نبوته؛ ولذلك
لما وقع بصر عبد الله بن سلام ـ عالِم اليهود - على وجه الرسول هتف قائلاً:
((واللهِ ليسَ هذا بوجْهٍ كذَّاب)).
(١) المثنوي: ص ١٥٩.
(٢) المصدر السابق: ص ٢٥٠.

٣٩٣
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
((إنَّ كل من رُزق العقل السليم والطبع المستقيم شعر بالإعجاز في صوت
النبي ووجهه ، ولم يحتج بعد ذلك إلى دليل وبرهان)).
بَين النَّبِيِّ ◌َّر وضمير الأمَّة مناسَبة وصلةٌ:
ثم يُقرِّر أنَّ بين النبي ◌َُّ وضمير أمته مناسبةٌ خفيةٌ وصلةٌ روحيةٌ؛ فلا يتكلم
النبيُّ بشيء إلا وأسرع ضميرُ المستمعين الأصحاء من أمته إلى تصديقه
وإجابته ، ويهتز لسماعه ويطرب؛ لأنه صوتٌ بريء لا يتطرّق إليه الشك ،
وصوتٌ غريب لم يطرُق الآذان من قبلُ ، وليس بينه وبين أصوات الخلق
وما ألِفَهُ العالم من أدبٍ وفلسفة وعلم مُشابهةٌ يقول:
((إذا رفعَ النبيُّ صوته بالأذان ودعا إلى اللهِ سجدتْ له أرواحُ أمته وطَرِبَتْ؛
لأن هذا النداء لم تسمَعْهُ الآذان من قبل؛ فلا يعلو هذا الصوتُ الغريب إلا
وأسرعَ السعداءُ إِلى إجابته قائلين: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى لِلْإِيمَانِ أَنْ
ءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ فَامَنًا﴾ [آل عمران: ١٩٣])) (١).
ويقول: ((إنَّ المؤمن ليسَ بحاجة إلى دليل خارجي على صِدق النبي إذا كان
صحيحَ المزاج مُستقيم الطبع؛ إنَّ دليله في نفسِ المستمع ، وعلى ذلك يقوم
نظام الحياة .
فهل إذا دعوتَ عطشانَ إلى الماء وقلتَ له إنَّ في هذا القدح ماءً ، هل يقول
لك: أين الدليل؟ وكيف أُؤمن بدعوتك وأصدق كلامك؟
وهل إذا دَعتِ الأمُّ الحنون طفلَها الرَّضيع ليرتضع من ثديها ، قال الطفل:
هاتي الدليل يا أمي حتى أروي نفسي وأشبعها؟ إنَّ وجود العطش في نفس
العطشان وَوُجُود الجوع في الرضيع ، ووجود الإخلاص في الداعي لكفيلٌ
بالتصديق مُغْنٍ عن كلِّ دليلٍ)) (٢).
(١) المثنوي: ص ١٨٠.
(٢) المصدر السابق: ص ١٨٠ .

٣٩٤
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
ويَعتقِد مولانا جلال الدين: أنَّ المعجزات لا تُوجب الإيمان؟ لأنها لقَهر
العدو وإسكات الخصم وإعجاز العنيد.
إنَّ الذي يُولِّد الإيمان في القلب ويُخْضِع الإنسان للمحبة والطاعة هو
المجانسة والمناسبة الروحية، إنَّ المعجزة تَقْهَرُ، والمقهُور لا ينشرح
صدره ، ولا يَتَفَتَّحُ قلبه)) (١) .
ويَذْكُرُ من صفات الأنبياء وخصائصهم الأنفة والإباء والغيرة ، فلا بدَّ
للاستفادة منهم من الخضوع والأدب والتذلُّل ، يُريدون حسن الاستماع وتمام
الالتفات ، فيهم ◌ِزة الملوك وإباؤُهم وكبرياؤهم ، شأنُهم أن يتكلَّموا ويستمع
الجميع ، ويأمروا ويُطيعَ الجميع ، فمن أخلَّ بالأدبِ معهم حُرم الاستفادة
منهم، وشَقي)) (٢).
وقال: ((كيف تستغرب هذا الخضوع لهم والأدب معهم وقد جاؤوا من
محل رفيع، وحملوا رسالةً من العليِّ الكبير؟)) (٣).
الحكمة في المعَاد وحَشْرِ الأجساد:
أمّا المعاد وحشرُ الأجساد ، فإنَّ جلال الدين ينظر إليه بغير النظر الذي ينظر
به إليه عامة الناس ، إنه ليس متشائماً ينظر إلى الموت بالمنظار الأسود ، إنه
لا يعتبرهُ نهايةً لحياة سعيدة ثمينة عزيزة؛ بل بالعكس من ذلك ، يعتبرُه مقدِّمة
لحياةٍ خالدة باقيةٍ ، وعيشةٍ سعيدةٍ راضيةٍ ، ومقدِّمةٍ لرقيِّ دائمٍ وازدهارٍ
مستمرّ، إنَّ العمران لا يكون إلا بعد الخراب ، وإنَّ الرِّكاز أو الكنز الثمين
لا يُعثر عليه ولا يُستخرج إلا بعد حفر الأرض وإثارتها ، فإذا رأيتَ بيتاً يُهدم
ويخرب ، فاعلم أنَّ هناك تصميماً جديداً وبناءً جديداً ، كذلك الملك
(١) المثنوي: ص ٥١٩ .
(٢) المصدر السابق: ص ٢١٧ .
(٣) المصدر السابق: ص ١١٢ .

٣٩٥
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
يخرب الأجسام ليعمرها ويَبنيها بناءً جديداً ، إنما يُخرب البيت ليستَخرج منه
الكنز الدَّفين، ويُعمر عمارةً جديدة)) (١) .
إنَّ الشجرة لا تُعطي الأثمار حتى تتفَتَّح وتَسقطَ الأزهار ، كذلك الروح
لا تقوى ولا تجدَّ ولا تَلِسَ كِسوة جديدة قشيبة حتى يتهدَّم الجسم الفاني ،
ويَخلع العُمُرَ البالي (٢) .
إنَّ الله - وهو الجواد المطلق - لا يسلبُ نعمة أنعم بها إلا ويُعطي نِعمةً أكبرَ
منها؛ فلا يَسلبُ هذه الحياة الضعيفة السقيمة ، التي لا تَستحقُّ أن تُسمَّى الحياة
الباقية ، إلا ويعطي حياةً أوسع منها وأبقى؛ وأجملَ وأفضل؛ فمن رأى هذا
الملك الكريم يقتل أحداً من مُقَرَّبيه ، فليعلم أنه يَخْلَعُ عليه خِلَعاً سنية ،
ويُعطيه ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سَمِعَتْ، ولا خطر على قلب بشرٍ))(٣).
ويقولُ في شرح وتفصيل: ((إنَّ كُلَّ بناء يسبِقُه خَراب وكل إثبات يسبقه
مَحْو؛ إن الكاتب إذا أراد أن يكتبَ على لوح محا النقوش السابقة والكتابات
الماضية ، وإذا أراد الإنسان أن يستخرج الماءَ أثار الأرض وحفرها ، إذا أراد
الزارعُ أن يزرع اختار للفلاحة أرضاً لا زَرْعَ فيها ولا نبات ، وكلما كان الفناء
أتمّ ، والمحوُ أقوى؛ كان الإثبات أكثرَ وأبقى)).
ويقولُ في بلاغةٍ وحكمةٍ: ((إنَّ الفقرَ التام أجلبُ لصفة الجود ، إن الأغنياء
والأسخياء؛ تَرِقُّ قلوبهم ، ويجيش جُودهم على الفقراء الذين لا يملكون
شیئاً».
لا داعي إلى الإشفاق من الموت:
ويقولُ: «لماذا هذا الإشفاقُ من الموت؟ ولماذا هذا الفِرارُ من الأجل؟ إنك
(١) المثنوي: ص ٢٧١ .
(٢) المصدر السابق: ص ٤٧ .
(٣) المصدر السابق: ص١٠.

٣٩٦
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
لم تزلْ في انتقالٍ من مرحلةٍ إلى مرحلة ، ومن عَدَم إلى وجود ، ثم من
وُجُود إلى عدم ، ولم تزل تخلع لباساً وتلبس لباساً حتى وصلت من
العناصر الأربعة إلى القالب الإنساني؛ فإذا تَشَبَثْتَ بحالة وعضَضْتَ عليها
بالنواجذ ، وأصررتَ على أن تبقى فيها ، وأبيتَ الانتقال منها إلى حالة
أخرى ، بَقِيْتَ على بدايتك ، ولم تصل إلى أوج الإنسانية وقِمة الكمالات
العلمية والروحانية. إنك لم تَنل البقاء إلا عن طريق الفَناء؛ فلماذا تَفُّ يا هذا
من الفناء الجديد الذي هو مُقدّمة للبقاء الجديد المزيد ، ولماذا تتشبّثُ بهذه
الحياة وتلتصق بها ، مع أنها تخلفُ حياة لا زوال لها ولا خوفَ فيها
ولا حزن؟!(١).
ويقول: ((تحقَّقتُ أن الموت كائن في هذه الحياة ، فإذا فارق الإنسان هذه
الحياة نالَ الحياة الخالدة التي لا موت فيها))(٢).
ويقولُ: ((إنَّ هنالك فرقاً بين مَوْتٍ وموت؛ فالعارفون لا يُقاس موتهم على
موت الجُهلاء والعامة ، إن العارفين لا يتوجعون ولا يحزنون لمفارقتهم هذه
الدنيا الفانية، ويستقبلون الموت مسرورين فرحين ، إنَّ الموت في حقهم نفحةٌ
حياة ، ورسالة فوز ونجاة ، لقد كانت الريح التي أرسلها الله على أمةِ هودٍ لفحةً
وجحيماً على الكافرين ، ونفحةً ونعيماً على المؤمنين ، كذلك الموتُ للكفار
سموم وبلاء ، وحرمان وشقاء ، وللمؤمنين نَسيم عليل ، وهَواء بليل ، وكوثر
وسَلسبيل))(٣).
﴿ فَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِيِنّ
وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبٍ
فَرَوْعٌ وَرَتْجَانٌ وَحَتَّتُ نَعِيمٍ ﴾
(٨٨
الْيَمِينِّ
فَسَلَهُ لَّكَ مِنْ أَصْحَبِ اَلْيَمِينِ () وَأَمََّ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٦َ فَنُزُلٌ مِّنْ
[الواقعة: ٨٨ _ ٩٤] .
وَتَصْلَِةُ حَمِيمٍ ﴾
٩٣
جَميعٍ
(١) المثنوي: ص ٤١٠.
(٢) المصدر السابق: ص٢٧٦ .
(٣) المصدر السابق: ص٢٥.

٣٩٧
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
الجَبْر والاختيار:
إِنَّ الجبر والاختيار من المسائل المُهمَّة العويصة التي شغلت حيزاً كبيراً من
كُتب علم الكلام ، وذهبتْ فرقة إلى نفي الاختيار المطلق وإثبات الجبر
المحض ، وسُمِّيت في تاريخ الملل والنحل بالجَبرية ، يردُّ عليها جلالُ الدين
رداً واضحاً معقولاً ، يقول:
(لو كان الجَبْرُ، لما توجَّه الأمر والنهي إلى الإنسان، وما كُلف الإنسان
بالشرائع والأحكام ، فهل سُمع إنسانٌ يأمرُ حَجَراً وينهاه)) ويقول: ((إن القرآن
كلَّه أمرٌ ونهيٌّ ووعيدٌ، ولم نسمع عاقلاً يأمر الرُّخام أو يَنهى الحديد)) (١).
عَقيدةُ الاختيار في الإنسان والحيوان:
يقولُ: ((إنَّ الإنسان مفطورٌ على عقيدة الاختيار ، وهو يمثل هذه العقيدة
ويطبقها في حياته اليومية ، ويُقرر بعمله وسلوكه الاختيار ، ويُنكر الجبر ،
فلا يعاقب الجماد ، ولا يغضب على الحجر والخشب والسيل والنار والريح ،
مهما لحِقّه الأذى والعنتُ من هذه الأشياء.
ويتساءلُ: إذا سقط عليك جَذع من السقف وجرحَك جُرحاً شديداً
وأدماك ، فهل يثور غضبك على هذا الجذع؟ وإذا عاتَبْتَه ، وقلت له: لماذا
کسرت یدي أو أدميت رأسي؟
كذلك إذا جاء سَيلٌ أو فيضان وفاض بأثائِك ومتاعك ، أو هاجتِ الريح
وطارت بعمامتك ، اشتعلتَ غضباً على السَّيل أو الريح ، وتصديت لهما
بالعتاب أو العقاب؟!)).
أُمَّا إذا تعرَّضَ إنسانٌ لإهانتك أو هتكِ عرضك ، تُرتَ عليه ، وعاقبته عقاباً
شديداً ، فدلَّ ذلك على أنك تُميز بين المجبور والمختار ، وتعتقدُ أن الإنسان
(١) المثنوي: ص٤٦١ - ٤٧٢.

٣٩٨
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
صاحبُ اختيار وإرادة ، فتحاسبُه وتعاتِبُه وتعاقبه وتشكوه وتَلُمْه ولا تقبل لهُ
عذراً؛ لأنه مخيّر ليس مجبوراً))(١).
ولا يَقْتَصِرُ جلال الدين على ذلك؛ بل يقرِّر أنَّ الحيوان يعرف ذلك ، ويُميز
بين المجبور والمختار ، وتهديه إلى ذلك فطرته ، فإذا ضربتَ كلباً بحجر هجم
عليك وأراد أن يَعضَّك ، ولم يُقبل إلى الحجر وينتقم منه ، كذلك إذا ضرب
السائق بعيراً هاج البعير ، ولم يثر على الهراوة التي ضُرب بها ، إنما يثور على
الجمَّال المُسرف في ضَرْبه ، فعارٌ عليك أيها الإنسان العاقل أن تَنْسُب الجبر إلى
الإنسان ، ويَفوقك الحيوانُ غيرُ العاقل في فَهم هذه الحقيقة وإدراكها))(٢).
ويقولُ: ((إنَّ الإنسانَ لا يَجهلُ هذه الحقيقة؛ لكنه يتعامى عنها لأجل
مَصلحته وهواه وشَهوته ، شأنَ الصائم الذي يتحقَّق طلوع الصبح الصادق؛
لكنه يصرف وجهَه عن النُّور ويُغلق عليه الباب فيستمر في التَّسُر والأكل
والشُّرب))(٣).
العلّة والمعلول:
وَقَعتْ فرقٌ إسلاميةٌ في مسألة الأسباب والعلل في إفراط وتفريط ، فمذهبُ
الحكماء أن العالم خاضعٌ خضوعاً تاماً لسلسلة العِلة والمعلول ، والمعلولُ
لا يتخلَّف أبداً عن العلة ، والمسبَب لا ينفكُّ حيناً عن السَّبب.
ويميلُ المعتزلةُ إلى هذا الرأي فإذا قرروا عِلَّة لشيء ، أو اعتقدوا خاصيَّة
وتأثيراً في شيء ، رأوا ذلك ضربَة لازب لا يقعُ خلافه إلا في نادر النادر ،
ولذلك تراهم يستبعدون وقوعَ شيء خلاف خاصته ، ووقوع حادثة من غير
سبب ، ويجتهدون في تعليل ما ثبت في القرآن والحديث ، وتواتر نقلُه من
المعجزات والخوارق ، وردها إلى الأسباب العادية والعِلَل الطبيعية ، فإذا
(١) المثنوي: ص٤٦٣.
(٢) المصدر السابق: ص ٤٦٣ .
(٣) المصدر السابق: ٤٢٧ .

٣٩٩
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
أخفقوا في ذلك - وهو نادرٌ جدًّاً - اعترفوا بالمُعجزة مضطرين.
والأشاعرةُ بالعكس من ذلك على طرف آخر ، فيُقرِّرون أنه لا شيء علَّةٌ
لشيء آخر ، ولا خاصَّة في شيء ولا تأثيرَ ، وقد أضرَّ هذا التطرُّف أيضاً
وأحدث فوضى ، واستطاع كلُّ أحد أن يقول ما شاء ويُنكر ما شاء ، وتطرّق
كثير من الناس من هذا إلى إنكار الأسباب ورفضها ، والتعطّل والبطالة.
الأسبابُ حَقيقةٌ ، ولكنَّ خالقها لم يُعْزل ولم يُعطّل:
والشيخ جلال الدين مذهبه وسَطُ بين الطرفين؛ فهو يقرِّر أنَّ الأسباب
حقيقةٌ ، وأنَّ العِلَل والمعلولات والأسباب والمسببات مربوطة بعضُها ببعض ،
ليس من الإنصاف ولا من المعقول إنكارُها ، ولا يمكن ذلك، وسنةُ الله
السائرة أن يُخضع المُسببات لأسبابها ، ويُظهر من الأشياء خواصَّها؛ ولكنَّ
خرق العادة ممكنٌ وواقعٌ؛ فإنَّ الذي خَلق الأسباب وبرأ العلل لم يُعزَل - بعدَ
خَلْقه الأسبابَ - من قُدرته وفعلهِ ، إنه لا يزال رَبَّ الأسباب والقادر المطلق.
فإذا شاء ترك المسبّبات مرتبطة بأسبابها ، خاضعةً لنواميسها وعِلَلها ، وذلك
هو الغالب الأكثر، وإذا شاء جرَّدها من أسبابها وخَلَقها من غير سببٍ أو خلافَ
سَببٍ ، وهذا هو الخارق للعادة. يقول:
((إنَّ عامة الأحوال والحوادث على السُّنة الإلهية الجارية؛ يَخرقُ هذه العادة
ويخالف هذه السُّنة بقدرته ومشيئته أحياناً لأنبيائه وأوليائه ، فإذا رأينا الأسباب
مؤثرة عاملة في غالب الأحوال ، فلا ينبغي لنا أن نعتقدَ أنَّ القُدرة الإلهية عاجزة
مشلولة ، وأن الإرادةَ الإلهيةَ معطّلةٌ معزولةٌ ، لا نستطيع عزل المسببات عن
أسبابها، وفكّ المعلولات عن عِلَلِها)) (١).
الأسبابُ الباطنة وسَبّب الأسباب:
وليست الأسبابُ مقصورةً على ما عرفناه وجرَّبناه، وعلى ما نشاهده ونعرفه،
(١) المثنوي: ص ٤٢٧ .

٤٠٠
مولانا جلال الدين الرومي: مفكر مبتكر
بل هنالك أسباب خفية مستورة عن عيوننا ، وهذه الأسباب الباطنة سَبَبٌ
ومحرك للأسباب الظاهرة ، كما أن هذه الأسباب الظاهرة سَبَبٌ ومحرك
لمسبباتها تحرك هذه الأسباب الظاهرة؛ ولكن كثيراً ما يجهل السببُ الباطن ،
فيلاحظ مثلاً إذا قُدح الزّند بالزند اشتعلت النار؛ فيدرك أن القَدْح سببٌ
للشُّعلة؛ ولكن لا يعرف السَّبب الباطن(١).
وسببُ الأسباب الذي تنتهي إليه ، والسببُ الحقيقي الأصيل ، هو الأمر
الإلهي والإرادة الإلهية التي هي فوقَ كل سبب ، وأصلُ كلِّ حادث،
إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: ٨٢] .
والأنبياء يعرفون الأسبابَ الباطنة ، ويَرونَها كما نعرف الأسباب الظاهرة
ونراها ، ثم هم يؤمنون بأن السبب الحقيقي الذي تنتهي إليه جميع الأسباب
والعلل ، والذي هو مصدر كل حادث وعلم إنما هي الإرادة الإلهية.
إنَّهم يشاهدون هذه الإرادة الإلهية تتصرف في الكائنات ، وتتحكّم في هذا
العالم ، وتعلو كل إرادة وكل قانون ، وهي التي يخضع لها نظام الكون ، وهي
التي تخلق في الأشياء خاصيَّتها ، ثم تُجرِّدها منها إذا شاءت ، وتُغير طبائع
الأشياء وفطرها ، فتجعل من النار برداً وسلاماً.
ويرون الأسبابَ الظاهرة ضعيفة حقيرة تافهة أمام الأسباب الباطنة ، ثم
يَرون الأسباب الباطنة ضعيفة حقيرة تافهة أمام السبب الحقيقي ((المشيئة
الإلهية)) ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾
[الأنعام: ٧٥] .
وَثَنْيَّةُ الأسباب ومحاربةُ الأنبياء لها:
ويُبَالِغُ الناسُ قصيرو النظر - بتأثير الجاهلية والمادية - في تقديس
(١) المثنوي: ص٢٥ .