Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ غارة التتار على العالم الإسلامي والهياكل مع التتار والحمد لله وحده)) (١). يقول أرنولد: ((إنَّ أخاه أولجاتيو Aljaytu الذي خلفه في سنة ١٣٠٤ م باسم محمد خدابنده (٢) Khudabandah كان على المسيحية دين أمه، وعُمِّد باسم نيقولا ، على أنه لم يلبث أن أسلم بعد موت أمه ، وهو لا يزال شاباً في مقتبل العمر ، وذلك بتأثير زوجته (٣). (١) البداية والنهاية: ج١٣ - ص ٣٤٠. (٢) ذكر ابن بطوطة ج١ ص(١٤٣) أن اسمه مختلف فيه، وقد قيل خُدا (بضم الخاء) ومعناها بالفارسية اسم الله، وبنده ومعناه غلام أو عبد ، وقيل خربنده بفتح الخاء ومعناها بالفارسية الحمار، وبنده ، معناها غلام أو عبد. فيكون عبد الله ، أو غلام الحمار، وقد قيل إن سبب تسميته بهذا الاسم الأخير ، أن التتار يسمون الطفل باسم أول داخل إلى البيت عند ولادته ، فلما ولد كان أول داخل الزمال (الزمال صاحب الزاملة ، والزاملة ما يحمل عليه من الحيوان) ، ولعله يريد هنا الحمار فسمي خربنده ، وذكر براون أن غازان لما تولى فر أولجاتيو وظل مشرداً يرعى الحمير في إقليم كرمان وهرمز ، ولذلك أطلق عليه اسم خربنده أو راعي الحمير ، وقيل أيضاً إن أبوي الطفل كانا يطلقان عليه اسماً قبيحاً حتى لا تؤثر فيه عيون الحساد ، ولذلك سمي خربنده كما يسمي العرب أبناءهم بفهر وكلب وصخر ومعاوية ونحو ذلك تفاؤلاً بأن يكون الولد في كبره صخراً أو كلباً على عدوه ، وقال ابن الوردي (تاريخ الوردي ص ٢٦٤) إن خربنده اسمه خدابنده ، وأن ملكه شمل بلاد العراق وخراسان والعراق العجمي وأذربيجان ودیار بکر . Hammer-Purgstall: Geschichte Der Iichanen Vol.11 p.182 (r) ولا يبعد أن تكون سبايا الإسلام قد قمن في تحويل المغول إلى الإسلام، ويظهر أن المرأة شغلت مركزاً من مراكز الشرف والكرامة بين المغول ، ويمكن أن نأتي بأمثلة كبيرة تؤيد أنه كان لها أثر ظاهر في الشؤون السياسية ، وقد تصدينا من قبل لذكر عدة حالات تبين مدى تأثير النساء في أزواجهن في المسائل الدينية ، ويحدثنا وليم روبرك أنه شاهد بنفسه تأثير إحدى النساء المسلمات ، وكيف وقف ذلك التأثير في سبيل نشر تعاليمه الدينية : ((وفي عيد العنصرة أتى أحد المسلمين عندما أخذنا نشرح تعاليم الدين في أثناء حديثه معنا ، فلما سمع عن نعم الله على الناس وعن التجسد وبعث الموتى ويوم الحساب ومحو الخطايا عن طريق التعميد رغب في أن يعمد، ولكن بينما كنا نعد العدة = ٣٦٢ غارة التتار على العالم الإسلامي ويذكر ابن بطوطة(١) ، أنَّ سيرة ذلك الأمير ، كان لها أثرٌ كبيرٌ في نفوس المغول ، ومن ذلك العهد غدا الإسلام الدينَ السائد في دولة إيلخانات (٢) فارس (٢). الفرع الثالث من هذه الأسرة كان يحكم البلاد المتوسطة ، وكان مؤسِّسها جغطائي بن جنکیز خان. يقول أرنولد: ((وإنَّ ما لدينا من المعلومات عن تقدم الإسلام وانتشاره في إمبراطورية المغول الوسطى ، التي كانت من نصيب جغطائي ، لا يزال ضئيلاً ، وكان كثيرٌ من أعقاب هذه الأسرة يستعينون في دولتهم بوزير من المسلمين على الرغم من أنه لم يُبد أي ميل إلى الإسلام. وقد ضيَّق ((جغطائي)) على رعاياه من المسلمين بما سنَّه من القوانين الشديدةِ الحرج ، التي ضيقت على شعائرهم الدينية ، فيما يتعلق بذبح الحيوانات للطعام وفرائض الوضوء. ويذكر الجوزجاني أنَّ جغطائي هذا كان ألدَّ أعداء المسلمين من بين خانات المغول كافة ، وقد بلغ من شدة عدائه لهذا الدين أنه لم يكن يرغبُ في أن ينطق أحد بكلمة مسلم في حضرته ، اللّهم إلا إذا أريد بها التحقير والحطّ من شأنها (٣). وقد ربَّتْ أرغنة (Orghana) زوجة ((قراهولاكو)) (Qara-Hulagu) حفيد جغطائي وخليفته ، ابنها على الإسلام ، وتقدم باسم مبارك شاه في لتعميده ، امتطى صهوة جواده على حين غفلة ، قائلاً: إنه لا بد من أن يذهب إلى داره = الاستشارة زوجته، وفي اليوم التالي قال لنا في أثناء حديثه معنا ، إنه لم يستطع أن يجرؤ على أن يعمد ، لأنه لا يستطيع عندئذ أن يشرب لبن الفرس)) (1-90.Rubruck p.p) (١) ابن بطوطة: ص ٥٧ . (٢) الدعوة إلى الإسلام: ص ٢٦٤ - ٢٦٥. (٣) الجوزجاني ص٣٨١ - ٣٩٧ 6-1145 ,Raverty, p.p. IIIo ٣٦٣ غارة التتار على العالم الإسلامي سنة ١٢٦٤ مطالباً بعرش خاقانية جغطائي ، الذي كان مثار النزاع بين أمراء المغول ، ولكن سرعان ما خلعه ابن عمه براق خان ، (Buraq Khan). ويظهر أنه لم يكن لإسلامه أيُّ أثر بين المغول ، فإننا لو رجعنا في الواقع إلى أسماء أبنائه ، لا نجد أحداً منهم قد دخل في دين أبيه (١) . وقد قيل: إنَّ براق خان نفسه «قد أدركته البركة بتلقيه نور العقيدة)» قبل موته في سنة ١٢٧٠ م بأيام قليلة، وإنه تسمَّى باسم السلطان غياث الدين (٢)، إلا أنه دُفن حسب طقوس المغول القديمة ، ولم يُدفن وفق شعائر الدين الإسلامي ، وأن من أسلموا في عهده ارتدوا إلى وثنيَّتهم الأولى. ولم يتم انتشار الإسلام بين المغول الذين اقتفوا أثر زعيمهم مُتمسكين في هذه المرة بدینهم الجدید. وعلى الرغم من ذلك ، لم يتأصَّل الميل إلى الإسلام بعدُ في نفوس المغول ، فإن بوزن الذي كان خان المغول في السنين العشر التالية (ولو أن صحة هذا التاريخ غير محققة) ، لم يلبث أن طرد طرما شيرين من العرش واضطهدَ المسلمين (٣)، على أننا لم نسمع عن ظهور أول ملك مسلم في كاشَغْر إلا بعد سنين قليلة ، وكان ضعفُ أسرة جغطائي قد أتاح لهذه المملكة أن تستقلَّ بحكم هذه البلاد. ويقول بعض المؤرِّخين إنَّ إسلام ((تغلق تيمورخان» (١٣٤٧ - ١٣٦٣) ملك كاشغر ، كان على يد رجل من أهل الورع والتقوى في مدينة بخارى ، يقال له الشيخ جمال الدين ، وكان معه جماعة من التجار ، وكانوا قد اعتدوا على الأراضي التي خصَّصها ذلك الأمير للصيد ، فأمر بأن تُوثق أيديهم وأرجلهم ، وأن يمثلوا بين يديه ، ثم سأله في غضب: كيف جرؤوا على دخول هذه (١) رشيد الدين ١٧٣ - ٤، ١٨٨. (٢) أبو الغازي: ج٢ ص١٥٩. (٣) رحلة ابن بطوطة: ج٣، ص٤٧. ٣٦٤ غارة التتار على العالم الإسلامي الأرض ، فأجاب الشيخ بأنهم غرباء ، ولا يعلمون أنهم يَجُوسون أرضاً محرمة . ولمَّا علم الأميرُ أنهم من الفرس ، قال: إن الكلبَ أغلى من أي فارسي ، فأجاب الشيخ: ((نعم قد كُنَّا أخسَّ من الكلب ، وأبخس ثمناً منه لو أننا لم ندِن بالدین الحق». ولمَّا راع الأمير ذلك الجواب أمر بأن يُقدَّم إليه ذلك الفارسيُ الجسورُ عند عودته من الصيد ، ولما خلا به سأله ماذا يعني بهذه الكلمات ، وما ذلك الدین؟ فعرض عليه الشيخ قواعد الإسلام في غيرة وحماس ، انفطرَ لهما قلب الأمير حتى كاد يذوب كما يذوب الشمع ، وصَوَّر له الكفر بصورة مروعة اقتنعَ معها بضلال معتقداته وفسادها ، وقال: ((ولكني إذا اعتنقت الإسلام الآن ، فلن يكون من السهل أن أهدي رعايايَ إلى الصراط المستقيم فلتُمهِلني قليلاً ، فإذا ما آلت إليَّ مملكة أجدادي ، فَعُد إليّ)). وبعد ذلك انقسمت إمبراطورية جغطامي إلى إمارات صغيرة ، وظلت على ذلك سنين طويلة حتى نجح تغلق تيمور في توحيد الإمبراطورية كلها تحت سلطانه ، وجمع كلمتها كما كانت من قبل، وفي هذه الأثناء كان الشيخ جمال الدين قد عاد إلى بلده حيث مرض مرضاً شديداً ، فلما أشرف على الوفاة قال لابنه رشيد الدين: ((سيُصبح تغلق تيمور يوماً ما ملكاً عظيماً، فلا تنس أن تذهب إليه وتُقرئه مني السلام ، ولا تخش أن تُذكِّره بوعده الذي قطعه لي)). ولم يلبث رشيد الدين إلا سنين قليلة حتى ذهب إلى معسكر الخان ، وكان قد استردّ عرش إمبراطورية آبائه ، تنفيذاً لوصية أبيه ، ولكنه لم يستطع أن يَظفرَ بالمثول بين يدي الخان برغم ما بذله من جهود ، وأخيراً لجأ إلى هذه الحيلة الطريفة؛ ففي ذات يوم أخذ يُؤذّن في الصباح المبكر على مقربة من فسطاط الخان ، فأقلق ذلك الصوت نوم الخان وأثار غضبه ، فأمر بإحضاره ومُثوله بین يديه ، وهناك أدى رشيد الدين رسالة أبيه ، ولم ينس تغلق تيمور وعده وقال: ٣٦٥ غارة التتار على العالم الإسلامي ((حقاً ما زلت أذكر ذلك منذ اعتليت عرش آبائي، ولكنَّ الشخص الذي قطعت له ذلك الوعد لم يحضر من قبل ، والآن فأنتَ على الرحب والسعة)) ثم أقرَّ بالشهادتين ، وأصبح مسلماً منذ ذلك الحين. ((وأشرقت شمس الإسلام ومحتْ بنورها ظلام الكفر .... ولكي ينشر هذا الدين بين رعاياه اتفق تغلق تيمور ورشيد الدين على أن يستقبل الملكُ الأمراء واحداً بعد واحد، ويعرض عليهم الإسلام، فمن قبله جوزي الجزاء الحسن، ومن أباه ذُبح كما يُذبح الوثنيون وعُباد الأصنام)) (١). أمّا الفرع الرابع الذي ينتمي إلى ((اجتائي خان)) والذي برز فيه من الملوك والفاتحين أمثال منجوخان ، وقوبيلائي خان ، والذي كان يحكم الجزء الشرقي من إمبراطورية التتر ، فيقول فيه أرنولد: ((ولا بدَّ أن يكون هناك كثيرٌ من أنصار النبي قد انتشروا في طول إمبراطورية المغول وعرضها ، مجاهدين في طيِّ الخفاء لجذب الكفار إلى حظيرة الإسلام ، ففي عهد اجتائي (١٢٢٩ - ١٢٤١م) نقرأ عن إسلام بوذيٍّ يدعى Tangut وكان حاكماً على بلاد الفرس من قبل المغول (٢)، وفي عهد تيمورخان (١٢٢٣ - ١٢٢٨) كان آنندا Ananda حفيدُ قوبيلائي (١٢٥٧ - ١٢٩٤) وأميرُ كان سو مسلماً متحمساً ، كما دفع كثيراً من أهل تانجوت Tangut وعدداً كبيراً من الجنود الذين كانوا تحت إمرته إلى اعتناق هذا الدين ، وعلى الرغم من استدعائه إلى بلاط تيمور وبذل الجهد في ارتداده إلى البوذية ، أبى إلا التمسُّك بدينه الجديد ، فألقي به في غياهب السجن ، ولكنه لم يلبث أن أطلق سراحه بعد قليل خشية ثورة أهالي تانجوت الذين كانوا شديدي التعلُّق به))(٣). وهكذا دَخَلَ هذا الشعب (الذي دَوَّخ العالم الإسلامي كُلُّه ، وداس أطرافه (١) الدعوة إلى الإسلام : - ص ٢٦٥ - ٢٦٧. . C.D. Ohsson, Vol. III 121 (٢) (٣) الدعوة إلى الإسلام : - ص٢٥٨، رشيد الدين ص٦٠٠ - ٦٠٢ . ٣٦٦ غارة التتار على العالم الإسلامي بأقدامه ونِعال خيوله ، والذي لم تتماسك أمامه أي قوة) في دين الله - الإسلام - في بضع سنين ، وبدت هذه الحقيقة مرة أخرى ، واضحةً جليةً ، إنَّ الإسلام لا يزال يملك أكبرَ نفوذ ، ويتمتَّع بأغرب موهبة في تسخير الأرواح وكَسْب الأنصار والأصدقاء ، إن التتار لم يُسلموا رسمياً فحسب ، بل برز فيهم عددٌ كبير من العلماء والفقهاء والمجاهدين ، والدعاة والربانيين ، وأهل الصدق واليقين ، وأدّوا دورهم الثمين في حماية حمى الإسلام في ظروفٍ دقيقةٍ ولحظاتٍ عَصيبةٍ من التاريخ. مولانا جلال الدين الرومي عَصرُهُ وترجَمَةُ حیَاتِهِ. مُفَكْرُمُبتَكِومُؤَسَّسُ عِلْمِكَلَامٍ جَدِيْدٍ. دَاعٍ إلى الحُبِّ والعَاطِفَةِ واحترام الإِنسَانِ إلى الإنسانيّةِ. ٧ ٣٦٩ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته المحاضرة الرابعة عشرة: مولانا جَلالُ الدّينِ الرُّومي عصرُه ، وترجمة حياته ثورة عِلْم الكَلام العقلية ، ونتائجُها: خَضَعت الأوساطُ العلميةُ والحركاتُ الفكريةُ في القرن السابع للاستدلال والقياس العقلي خضوعاً زائداً، وأصبح المؤلِّفون والمتكلُّمون والباحثون والدعاة مضطرين إلى البراهين العقلية، والمقدمات الفلسفية ، في إثبات حقيقة غيبية ، أو تقرير عقيدة دينية. وجاء العلامة ((فخرُ الدين الرَّازي)) (٦٠٦°م) فجدَّد دولة علمِ الكلام، ووسَّعها بشخصيّته القوية ، ومؤلَّفاته العظيمة ، وبُحوثه الدقيقة. انتصر الأشاعرةُ على المعتزلة والفلاسفة في الحياة والمجتمع ، وفقد الاعتزالُ والفلسفةُ شيئاً كثيراً من سيطرتهما ونفوذهما؛ ولكنَّ رُوح الاعتزال والنزعة العقلية تغلغلت في أحشاء علم الكلام ، وسيطرت على تفكيره ومناهج بحثه ، وقد غلا المُتكلِّمون أنفسهم في الزمن الأخير في تقدير العَقل ، ووسَّعوا حدوده ، وسمحوا له أن يبحث في مسائل الذات والصفات؛ التي هي وراء طور العقل (١) بحثاً حراً. (١) إننا إذا قلنا: ((وراء طور العقل)) فلا نعني أنه يعارض العقل أو ينافيه والفرق بينهما كبير ، وقد يخلط بينهما من لم يدقق ولم يرسخ في العلم. ٠١ ٣٧٠ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته وكان إثباتهم للمسائل الدينية وحقائق الأشياء يعتمد دائماً على الاستدلال الفلسفي والقياس المنطقي ، كما كان يعتمد على ذلك في أدب المعتزلة وكُتب الفلاسفة باختلاف في التعبير والمصطلحات ، وقد حكّموا الظواهر والمحسوسات تحكيماً كبيراً. كانت نتيجةُ ذلك أن طغى على العالم الإسلامي ((الجَفافُ الفلسفي)) - إن صحَّ التعبير - وإذا كان الغلو في القياس والاستدلال قد أفاد العقول جدة ونشاطاً ، فقد أفقدَ القلوبَ إيماناً وحرارة. لقد استطاع المتكلِّمون بقوة استدلالهم وبراعتهم في المناظرة أن يقطعوا لسان المعترضين ويُفحموا المجادلين؛ ولكنهم لم يستطيعوا أن يبعثوا في القلوب سكينة وإيماناً ، وفي أهل الشكِّ يقيناً وإذعاناً. لقد خَلَقت مناهج بحثهم وأساليبُ استدلالهم عُقداً في القلوب والعقول ، عَجز علم الكلام عن حلها وفكها ، واستخفَّ عِلمُ الكلام وأصحابه بالوجدان الذي هو مَنْبعٌ فياض للعلم واليقين ، فنضب معينُه. كانتِ الفلسفة ، ومن سار سيرتها لا تقرر إلا بالحواس الخمس ، وأصبح كل شيء لا يُدرك بهذه الحواس الظاهرة ، ويتوقف على الحاسة الباطنة محلَّ الجدال والشك، ويميل ((المثقَّفون)) إلى نفيه وإنكاره؛ وقد ضَعُفت في الأمة - بتأثير علم الكلام والفلسفة - قوةُ العمل ولَوعة الحب التي كانت مصدراً من مصادر قوة هذه الأمة كبيراً ، وموهبةً من مواهب النبوة عظيمة . وقد حَوَّلت المباحثُ الفلسفيةُ والحروب الكلامية العالمَ الإسلامي إلى ((مدرسة)) يكثر فيها القيل والقال ، والنقاش والجدال؛ ولكنها بعيدةٌ عن الحياة والحب ، والإيمان الوثيق العميق ، والعاطفة القوية الرقيقة ، وقد كوَّن أهل ٣٧١ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته القلوب جُزراً روحية في هذا المحيط العقلي المادي ، يَسودُ فيها الحب واليقين ، والسكينة والطمأنينة. الحَاجَة إلى مُتكلّم جديد: كان العالمُ الإسلاميُّ حينئذٍ في حاجةٍ شديدةٍ إلى شخصيةٍ قويةٍ عبقريةٍ مُجدِّدةٍ ، قد وصلت بدراستها إلى أحشاء الفلسفة ثم خرجت منها سالمة ، وقد شاهدَ بتجاربه الواسعة أن الفلسفة سرابٌ يحسبه الجاهلُ ماء ، وأنَّ تدقيقاتها وما تزهى به من بحثٍ وتحقيقٍ طلاسمُ لفظية وطبولٌ فارغةٌ ، يرغب فيها من لم يختبرها ویتعمّق فيها . كان العالمُ الإسلاميُ في حاجة إلى شخصية تستطيعُ أن تنفخ بقلبها الولوع وعاطفتها القوية روحاً جديدة في المجتمع ، الذي طغى عليه العقل - على حساب العاطفة - وسادَ عليه الخمود ، شخصية تستطيع أن تؤسس كلاماً جديداً لا يُصارع العقول، ولا يكتفي بإفحام المجادلين، بل يَخُلُّ العُقَد النفسية والفكرية التي خلّفها علم الكلام ، ويملأ القلوب سكينة وإيماناً. لقد وُجِدَ هذا الرجلُ المطلوبُ في شخصية مولانا ((جلال الدين الرومي)). وقد كان ديوان شعره الذي يعرف عادة بـ ((المثنوي المعنوي)) (١) ثورة على علم الكلام الذي فقد جدَّته وقوته ، ونَقد الفلسفة في اتجاهها ومنهجها ، وعلى الفلسفة التي تجاوزت حدودها ، وبالغت في تقدير الحواس وتقديس العقل ، وكان أساساً لكلام جديد كان أكثر إقناعاً للعقول الجامحة الثائرة ، والنفوس المضطربة الحائرة من علم الكلام ، الذي تَزَّم ذلك وتكفَّلَ به طوال القرون. (١) تُرجم إلى العربية ترجمة دقيقة من قبل أحد أساتذة جامعة بيروت العربية، وطبع في جزءين فاخرين عام ١٩٦٩ . ٣٧٢ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته تَرْجَمَة حَياته: وُلِدَ(١) جلال الدين محمد الرُّومي ، في سادس ربيع الأول ، سنة ٦٠٤ هـ في ((بلْخ)) من أعمال أفغانستان، وكان والده محمد الملقَّب ((بهاء الدين ولد)) من كبار علماء بلاده ومشائخ عصره ، وقد لقِّب بسلطان العلماء ، ينتهي نسبه إلى سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه . بدَأَ جلال الدين دراسته عند الشيخ ((برهان الدين المحقق الترمذي)» الذي كان من تلاميذ والده ، ونبغ على يده ، وقد كان والده الشيخ ((بهاء الدين)) ينتقد علماء العصر لعكوفهم على دراسة العلوم العقلية وتعليمها ، وانصرافهم عن القرآن والحديث. وكان الشيخ مُهاباً جليلَ القدر يُجِلُّه العامة والخاصة ، وتأتيه الفتاوى من أقاصي البلاد؛ فحسَده العلماء ، وأوغروا صدر الملك عليه ، وقد هاله التفاف الناس حوله وصدُورهم عن رأيه؛ فأوعزَ إليه بالخروج من البلاد ، وهاجرَ الشيخ بأهلِه ، وأقام في مدن كثيرة كان فيها موضع حفاوةٍ بالغة وإجلال؛ حتى استقر في ((قونية)) سنة ٦٢٦ هـ بدعوة من ((علاء الدين كيقباد)» سلطانِ الروم ، الذي احتفى به ، وبالغ في إكرامه ، وبايعه. مكّثَ الشيخُ ((بهاء الدين)) سَنتين في قونية وتوفي سنة ٦٣٨ هـ، وخلفه ولده النابغة مولانا ((جلال الدين)) وبنى له الأمير بدر الدين ((كهرتاش)) أستاذُ السلطان ، مدرسةً عرفت بمدرسة ((خداوندكار)) ووقفَ لها أوقافاً واسعة؛ ولاَّه رئاستها . واستمرَّ جلال الدين في التدريس والوعظ والإرشاد على نمط والده (١) اعتمدنا في تلخيص ترجمته وأخباره على كتاب ((صاحب المثنوي)) للأستاذ المحقق القاضي تلميذ حسين الهندي ، وهو خير ما كتب في هذا الموضوع ومن أوثق المصادر، واستفدنا قليلاً من كتاب ((زندكاني مولانا جلال الدين)) للأستاذ بديع الزمان فروزانفر أحد أساتذة الأدب في جامعة طهران. جم٦ ٣٧٣ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته العظيم ، ولم يمنعه هذا الجاه العريض والمكانة المرموقة من التوسع في الدراسات ، والتبّر في العلوم. وسافَرَ سنة ٦٣٠هـ إلى بلاد الشام، ومكثَ في المدرسة ((الحلاوية)) بحلب ، واستفاد من كمال الدين ابن العديم ، وقد أقرَّ له علماء حلب بالنبوغ والاطلاع الواسع. ومِن حلبَ توجَّه جلال الدين إلى دمشق ، حيث أقام بالمدرسة ((المقدسية))، وكانت له مجالسُ لطيفةٌ مع الشيخ محيي الدين بن عربي ، والشيخ سعد الدين الحموي ، والشيخ عثمان الرومي ، والشيخ أوحد الدين الكرماني ، والشيخ صدر الدين القونوي ، وقد اجتمعوا في دمشق في ذلك العصر . رَجَعَ جلال الدين في سنة ٦٣٤هـ إلى قونية، وعكفَ على التدريس والإفتاء ، وقد نزح إلى ((قونية)) كثيرٌ من العلماء والأشراف الذين هاجروا من بلادهم في فتنة التتار؛ فأصبحت مدينة العلم وملجأ العلماء والفضلاء ، واستقرَّ بها أصحاب الشيخ محيي الدين بن عربي بعد وفاته ، منهم الشيخ صدر الدين القونوي . کان جلال الدین یُدرِّس ویُفید ویعیش کعالم ومدرِّس؛ حتی حدثت له حادثةٌ قلبتْ تيارَ حياته واتجاهه ، وفتحَتْ قريحته وأشعلت مواهبه ، وكانت سبب شُهرته وتأثيره وخلوده. في جمادى الآخرة سنة ٦٤٢ هـ وصل إلى ((قونية)) رَجلٌ من الصوفية من (تبريز)) في إيران ، اسمه ((محمد بن علي بن ملك داد)) ويعرف بشمس تبریز ، يعرف الناس عن نسبه وأحواله قليلاً ، وخرج جلال الدين يوماً في موكبه من التلاميذ والعلماء ، والناس حوله يسألونه ويستفيدون منه ، وتقدم شمس الدين إلى الراكب المحتفَل به وقال: ما المقصود من الرياضيات والعلوم؟ قال جلال الدين: الاطلاع على آداب الشرع. ٣٧٤ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته قال شمسُ الدين في هدوء وثقة: لا؛ بل الوصول إلى المعلوم ، وأنشد بيت الحكيم ((السَّنائي)) الذي يقول فيه: ((إنَّ العلم إذا لم يُجرِّدك من نفسك فالجهلُ خير منه)) وتحيَّر جلال الدين ، وأصاب شمس الدين هدفه ، وأضمی رميته. ورَجَعَ جلال الدين مع أستاذه الجديد ، وبَقيَ معه في حُجرة أربعين يوماً ، وفي رواية أنه اعتكف معه ستة أشهر في حُجرة صلاح الدين زركوب ((الدقاق)) لا يدخلها إلا صلاح الدين ، وامتلأ جلال الدين بروح جديدة ، وانكشف له عالمٌ جديد من الحقائق والأذواق ، وإلى ذلك أشار جلال الدين في بيت له بقوله: ((إنَّ الشَّمسَ التبريزي هو الذي أراني طريقَ الحقيقة ، هو الذي أدينُ له في إيماني ويقيني)) ويقول ((سلطان ولد)) ابن جلال الدين: ((إن الأستاذ الكبير أصبح تلميذاً صغيراً للشيخ التبريزي يتلقى منه الدروس كلَّ يوم ، إنَّه وإن كان نابغة في العلوم ، ومقدماً في الزهادة؛ ولكنه رأى عنده علماً جديداً لا عهد له به)) . وخَضَعَ جلال الدين لشيخه الجديد خضوعاً كاملاً ، وانصرف إليه انصرافاً كُلِّياً، وتشاغل عن تلاميذه ومريديه؛ فكبُر ذلك عليهم ، وثاروا ، وقالوا: ((لقد صرفنا أعمارنا في خدمة الشيخ ، شاهدنا كراماته ، وبنا طار ذكره في الآفاق ، وجاء رجل غريب مجهول وقطعه عنا ، واستولى عليه؛ فلا سبيلَ لنا إلى لقائه ورؤيته. ووقفتِ الدروس والمحاضرات؛ فلا شكّ أنه رجل ساحرٌ أو داهية باقعة ، جرف هذا الجبل الراسي من العلم كَتِبْنةٍ حقيرة وورقة خفيفة)). واشتدَّتْ عداوتهم لشمس الدين ، وعزموا على إقصائه من ((قونية)) ليخلو لهم وجه أستاذهم ، ویکونوا من بعده قوماً صالحین. وتحمَّل ذلك شمس الدين في صبر وحلم؛ حتى تجاوز الحد ، وخاف شمسُ الدين الشر والفتنة؛ فخرج من قونية مستخفياً ، وكان ذلك غرة شوال عام ٦٤٣ هـ بعدما أقام في ((قونية)) عاماً وأربعة أشهر. ٣٧٥ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته وحزِنَ جلال الدين لغيبة أستاذه حزناً شديداً ، واعتزل جميع تلاميذه ومريديه ، ولم يتحقق ما أَقَّلُوه من إقصاء شمس الدين ، وحُرم أصحاب الصدق والوفاء من أصحابه الاستفادة من شيخهم الجليل. وبقي الشيخُ منقطعاً عن الناس ، مُنصرفاً عن أشغاله؛ حتى فاجأته رسالة للشيخ شمس الدين من دمشق ، فطابت نفس جلال الدين ، وأقبل إلى مجالس السماع كعادته ، وأقبل على من لم يُساهم في إيذاء شمس الدين وإقصائه بعطف ، وكتبَ إلى شمس الدين رسائل حنين وغرام يقول في إحداها: غَاية الوَجْدِ والمُراد تَعالَ أيُّها النُّورُ في الفُؤاد تَعالَ ــكَ مَصدوقةُ الوداد تعالَ أيُّها السَّابق الذي سَبَقت منْ جون نيائي، زهى كسادَ تعال)) (١) «جون بيائي ، زهى كشاد ومراد يا قريباً على البِعَاد تعَالَ أنتَ كالشَّمس إذْ دَنتْ ونَأتْ وهَدأت ثائرة الناس ، وعرف جلال الدين أنَّ الناس أقلعوا عن عداوة شمس الدين وإيذائه؛ فأرسل ولده ((سلطان ولد)) مع هدايا نفيسة ينثرها على قدميه ، ويطلبُ منه العفو عمن آذاه ، وأن يصرف عنان عزيمته إلى ((قونية)) وكتب رسالةً رقيقة منظومة. ورَجَعَ شمس الدين إلى ((قونية)) وابتهج بقدومه جلال الدين ، وسُرَّ سروراً عظيماً ، وطابتْ مجالسه مع شمس الدين ، وصفَتْ له الأوقات. وازدادَ جلالُ الدين إجلالاً لشيخه وحبّاً له واتحاداً معه؛ ولكنَّه لم يمض على هذا النعيم زمنٌ طويل؛ حتى ثارت الفتنة من جديد ، وكان من ساهم في هذه الفتنة ولدُه الأوسط ((شلبي علاء الدين)) وغاب شمس الدين ثانية. وقامتْ قیامةُ جلال الدین وجُنَّ جنونه ، وأقصى جلال الدين كلَّ من تسبب في إيذاء شمس الدين ، وطردهم من عنده؛ ولكنه شغل نفسه في هذه المرة (١) معنى البيت بالعربية: يا سروراً وسعادة إذا قدمت ، ويا حزناً وكساداً إذا غبت ٣٧٦ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته بمجالس السماع ، وكان ذلك في سنة ٦٤٥ هـ. وبَحَثَ جلال الدين عن شيخه في كل مكان ، ولما لم يجد له أثراً تغيرت حالته ، وأصبح لا يَصْبِرُ عن مجالس السماع لحظة ، وكان يدور في مدرسته كالهائم ، ويَنُّ ويُرسل زفراته ، ويقول في الحنين إلى شيخه الشعر الرقيق ، وينظم القصائد الطوال ، وكان إذا حدّث أحدٌ بأنه رأى شيخه أو لقيه في مكان خلعَ عليه لباسه شُكراً. وخَرَجَ جلالُ الدين إلى الشام ليبحث عن شمس الدين ، ورافَقهُ أصحابُه، ووصل إلى دمشق وأشعل قلوب أهل دمشق حباً وغراماً ، وتعجّب الناس وقالوا: من هذا الرجل الذي هام به نابغةُ عصره ونادرةُ زمانه هذا الهيام؟ !. ولمَّا لم يَرَ للشمس عيناً ولا أثراً سكنت نفسه ، وقال: لا فرق بيني وبين شمس الدين ، إن كان هو شمساً فأنا ذَرَّةٌ، وإن كان هو بحراً فأنا قطرةٌ ، ونورُ الذَّرةِ من الشمس ، وحياة القطرة من البحر ، ورَجع إلى ((قونية)). وأقامَ في ((قونية)) بضعَ سنين ، وثار الحبُّ مرةً ثانيةً ، ورجع إلى دمشق مع جماعة من أصحابه ، ثم رجع إلى ((قونية)) مقتنعاً بأنَّه عين ((الشمس))، وقال: إنني لم أكن أبحث عن ((شمس الدين)) إنما كنت أبحث عن نفسي ، وإنَّ كل ما في ((شمس الدين)) هو في نفسي، وأصبح يشاهد في نفسه ما كان يشاهده في «شمس الدین)». واتخذ الشيخَ ((صلاح الدين الدقاق)) صاحب سِرِّه ، وخليفة له ، وجليسَه الخاص ، وصار لا يسكن إلا إليه ، وعاش صلاح الدين في هذه الحال عشرَ سنين ، وتوفي سنة ٦٥٧ هـ. واتخذ جلال الدین «حسام الدین شلبي» جلیساً له بعد صلاح الدين ، وكان السَّبب في تأليف ((المثنوي)) ، فقد سالتْ له قريحته بهذا الشعر الخالد ، ولما ٣٧٧ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته تُوفيت زوجة حسام الدين الشلبي وتشاغل حسام الدين ، جمُدت قريحتُه وتوقفَ تأليف ((المثنوي)). وكان جلالُ الدين - كما وصفنا من حاله ــ لا يسكن ولا يرتاح إلا إلى صاحب موافق تنسجم نفسه مع نفسه ، وكان أستاذه السيد ((بهاء الدين)) أول صاحب له؛ فلما مات بقي الشيخُ خمسَ سنوات يشعُر بفراغ في نفسه وفي حياته ، وجاء ((شمس الدين التبريزي)) فملأ هذا الفراغ وزاد ، ولما غاب؛ شعرَ جلال الدين بفراغ هائل ، وبقي في قلق دائم حتى ملأه بِصلاح الدين ((الدقاق)) و((الشلبي حسام الدين)) بعده؛ وكأنما كانت المواهب المُودَعة في ضميره وفطرته في حاجة إلى من يُثيرها ويحرِّكها ، ولم يكن تأليف ((المثنوي)) إلا استجابة روحية لهذا النداء الخفي. ولمْ يكن اختيار جلال الدين لأصحابه وجلسائه كصلاح الدين وحسام الدين بفضل علم وزهد أو كشف وكرامة ، وإنما كان لمجانسةٍ بين الأرواح والخواطر ، والنفوس والقلوب. وقد ذكر أنَّ سبب إيثاره لصلاح الدين على غيره واستئثاره به مجانسة بينهما لا غير. وقال: إنَّ الحبَّ الذي يقوم على المجانسة لا يعقبه ندامة في الدنيا والآخرة؛ ولذلك يتمنَّى من لم يلاحظ هذه المجانسة ﴿ يَوَيِلَ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٨] ؛ أما المحبُّون المتجانسون فلا فرقة بينهم ولا عداوة ، ولا ندامة ولا ملامة ﴿الْأَخِلَّءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] . ويقول: ((إنَّ هذه المجانسة هي التي خلقت الإيمان في الصحابة ، وجذبت النفوس إلى الرسول ، وإليها يرجع الفضل في إيمان كثير من السابقين الأولين ، لا إلى المعجزات ، فإنَّ المُجانس يجذب صفات المجانس ، وینصبغ بصبغته)). ٣٧٨ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته وفاته: شَهِدَتْ ((قونية)) - بلد جلال الدين - زلزالاً سنة ٦٧٢ هـ ، ودامتِ الرجفة أسبوعاً كاملاً ، وكان جلال الدين مريضاً رهين الفراش ، وزاره الناسُ وطلبوا منه الدعاء؛ فقال: ((إن الأرض جائعةٌ تطلب لقمة دسمة ، وستنالها عن قريب ، ويرفع عنكم البلاء)) وقال أبياتاً وقصائد يَحنُّ فيها إلى لقاء الحبيب ، ويستقبل الموتَ بنفس منشرحة وثغر باسم. وعاده صديقُه ((صدر الدين)) فدعا له بالشفاء القريب؛ فاعتذر وقال: ((هنَّاك الله بالشفاء وما يضرُّك إذا رُفع الحجاب بين الحبيب والحبيب)»؟. وقال وهو في سياقة الموت: ((إن كُنت مؤمناً وحلواً طاب الموت ، وكان الموت مؤمناً ، وإن كنت كافراً ومرّاً ، كان موتاً كافراً ومراً)). ولم يزل مشغولاً ببيان الحقائق والمعارف؛ حتى فاضت روحه عند غروب الشمس ، لخمس خَلَوْنَ من جمادى الآخرة ، سنة ٦٧٢ هـ. ولمَّا خرجت جنازتُه ، ازدحم عليها أهلُ البلد ازدحاماً كبيراً ، وشيَّعها أتباعُ كل ديانة وهم يبكون. وكان اليهود والنصارى يَتلُون التوراة والإنجيل ، وكان المسلمون يُنَخُونَهم فلا يَتَنَخَّون ، وبلغَ ذلك حاكمَ البلد، فقال لقساوسَتِهِم ورُهبانهم: مالكم ولهذا الأمر؟ وإنها لجنازة عالمٍ مسلم ، فقالوا: ((به عرفنا حقيقة الأنبياء السابقين ، وفيه رأينا سيرة الأولياء الكاملين)) وكانتٍ الجنازة قد خرجتْ في الصباح الباكر ، ووصلتْ إلى مقبرة البلد عند المساء ، ودُفنت في الليل. أخلاقُه وصِفَتُه: كان جلالُ الدين (١) شديدَ الرياضة والمجاهدة، كثيرَ التَّعبد، قال ((سِبَهْ (١) أكثر معلومات هذا الفصل مستفادة من كتاب ((سوانح مولانا روم)) باللغة الأردوية للعلامة المرحوم شبلي النعماني. ٣٧٩ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته سالار)) وقد كان صاحبه أعواماً طوالاً: ((لم أره قَطَّ في لباس النوم ، ولم أر عنده فراشاً ولا وسادة ، فإذا غلبه النوم نام جالساً)) ويقول في بيته: كيف ينام من يتقلَّب على حَسكِ السَّعْدان؟ ! . وكان إذا حانت الصلاةُ توجّه إلى القبلة وتغيَّر لونه. وكان كثيرَ الاستغراق في الصلاة يقول ((سبه سالار)): ((رأيته مراراً دخل في الصلاة وقت العشاء ، وقضى الليلَ كُلَّه في رَکعةٍ)). وقد وصف جلالُ الدين صلاتَه في شعره وصْفَاً جميلاً بليغاً يَدُلُّ على أن صلاتَه صلاة محبّ مستغرقٍ هائمٍ ، يغيب عن نفسه ويشتغلُ بربِه؛ فلا يشعر بمكان ولا زمان، وإمامٍ وركوع وسجودٍ ، يسيل دموعاً ويذُوبُ محبة ، ويحترق . وقد بكى مرّة في الصلاة وابتلَّ الوجه واللَّحية بالدموع الغزار ، وكان الزَّمن زمنَ شتاء ، والبردُ في ((قونية)) شديد ، فجمدتِ الدموعُ على الخدِّ واللحية وهو في صلاته . وكان زاهداً متقلِّلاً قَنُوعَاً ، يقسِّم كُلَّ ما يأتيه من هدايا الملوك والأمراء والأغنياء ، وقد يكون في خصاصة ، وكان يفرح إذا كان في فاقةٍ أو جوع ، ويقول: ((الآن أَشُمُّ رائحة التجرَّد والافتقار إلى اللهِ)). وكان عظيمَ السَّخاء ، كثيرَ البذلِ والإيثار ، إذا جاء سائلٌ وليس عنده شيء خلعَ له قميصَه أو عباءتَه ، لذلك كان يلبس قميصاً ليسهل عليه خلعه ، وكان عظيمَ الصبر والاحتمال. مَّ في طريقه بكلبٍ نائمٍ في عرض الطريق ، فوقف ينتظر انتباهه ، وكَره إزعاجه ، ومرَّ به رجل يعرفُه ، فزجر الكلب وخلَّى له الطريق ، وكره ذلك جلال الدين ، وقال: قد آذيتَه. ومَرَّ برجلين يتَسابَّان، وقال أحدُهما للآخر: إنَّك إذا أسمعتني واحدة ٣٨٠ مولانا جلال الدين الرومي: عصره وترجمة حياته أسمعتُك عشراً ، فقال: دونكما نفسي فإن أسمعتماني ألفاً لم أُسْمِنْكُمَا واحدةً، وخرّ الرجلان على قدميه وتصالحا. وكان حريصاً على كسب الحلال ، يكره البطالة والرزق الذي يأتيه من غير شغلٍ ، وكانت له جِراية خمسةَ عشر دينارٍ من الأوقاف ، فكان يكتُب الفتاوى مقابل ذلك ، حتى يستحلَّ ويستحقَّ هذه الجراية ، وكان قد أوصى تلاميذه أن يُخبروه إذا جاء استفتاءٌ ، حتى لا يتأخر عن إجابته. وكان محتجباً عن الناس ، زاهداً في لقاء الأمراء والسلاطين ، اعتذر إليه أميرٌ عن عدم الزيارة ، فقال: ((لا داعي إلى الاعتذار، فالغَيبة أحبُّ إليَّ من الحضور)). ٥٠