Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه ظَلمةٌ وخونةٌ في مال الله عز وجل في عباده ، اللَّهم اكسر شوكة المنافقين واخذلهم ، أو تُب عليهم واقمع الظلمة ، وطهر الأرض منهم أو أصلحهم ، آمين)» (١) . ويقول مخاطباً لفرد من أفراد هذه الطبقة: ((أمَا تستحي! قد حملك حرصك على أنَّك تخدم الظلمة وتأكل الحرام ، إلى متى تأكل وتخدم الملوك الذين تخدمهم؟ يزولُ مُلكهم عن قريب ، وتتولى عن خدمة الحق عز وجل الذي لا يَزول)) (٢). والظاهر أنَّه لا يجرؤ على هذا الكلام الصريح القوي إلا الصِّدِّيقون الذين أَخلصت قلوبهم لله تعالى ، وزال عنها الطمع والخوف من غير الله، وأصبح غيرُ الله - من أصحاب الحول والطول - مخلوقاً خسيساً لا قيمة له. وقد قال في مجلس له : ((إنِّي أقولُ لكم الحق ، ولا أخافُ منكم ولا أرجوكم ، أنتم وأهل الأرض عندي كالبق وكالذَّر؛ لأني أرى الضُّتَّ والنفع من الله عزَّ وجلَّ - لا منكم - المماليكُ والملوك عندي سواءٌ»(٣). ذَمُّ المُنافِقينَ: ويُشَنِّع في قوة وشجاعة على المنافقين الذين كَثُروا في المجتمع الإسلامي ، الذين عكفوا على شهواتهم، ونَبذوا الدين وتكاليفَه وراء ظهورهم ، واستغلُّوا اسم الإسلام والانتساب إليه للتمتع بالحقوق التي يُخولها الإسلام من غير قيام بحقوقه ، ومعرفة لفضله ، وخُضوع لشريعته. يقول في مجلس : (١) الفتح الرباني: المجلس الواحد والخمسون. (٢) المصدر السابق: المجلس الثاني والخمسون. (٣) المصدر السابق: المجلس الواحد والخمسون. ٣٢٢ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه ((يا منافقون! حَسبْتُم أن الدين سَمرٌ، أنَّ الأمر سُدى، لا كرامة لكم ولا لشياطينكم ، ولا لقُرنَائكم السوء ، اللهم تب عَلَيَّ وعليهم وخَلُّصهم من ذُلِّ النفاق، وقَيْدِ الشرك)» (١) . التَّوجّع لدين الله: كان الشيخُ في بغداد ، عاصمة الدولة العباسية ، وقبة الإسلام ، وكان يُشاهد ذلك الانحطاط الديني والخلقي ، الذي ابتلي به المجتمع الإسلامي في القرن الخامس الهجري ، وكانت بغداد مركزه ، وكان يرى تشاغل الناس بأنفسهم ، واشتغال العلماء لمصالحهم؛ فكان يحترق قلبه على ذلك بما أوتي من غيرة دينية وحسِّ مرهف، وحرص على صلاح هذه الأمة ، وشعور بالمسؤولية والأمانة؛ فكانت تفيض من لسانه وقلبه كلماتٌ مؤثّرةٌ، هي آية في الإخلاص والصدق والحميّة الدينية ، يقول في مجلس : ((دينُ محمدٍ بَّ تتواقع حِيطانُه ويتناثر أساسُه، هلمُّوا يا أهل الأرض، نُشَيِّدُ ما انهدم ، ونقيم ما وقع ! هذا شيء ما يتم ، يا شمس ويا قمر ! ويا نهار ! تعالوا)) (٢). ويقول : ((يا قوم! الإسلام يبكي، ويستغيثُ، يده في رأسه من هؤلاء الفجار، من هؤلاء الفساق ، من هؤلاء أهل البدع والضلال ، من الظَّلمة ، من اللابسين ثياب الزور ، من المُدَّعين ما ليس فيهم ، انظر إلى من تقدَّمك ، وإلى من كان معك آمراً ناهياً ، آكلاً شارباً ، كأن لم يكونوا ، ما أقسى قلبك ، الكلب ينصحُ صاحبه في صيده وزرعه وماشيته وحراسته ، ويبصبص عند رؤيته ، فإنَّما يُطعمه عند عشائه لقمة أو لقيمات ، أو يطعمه شيئاً يسيراً ، وأنت تأكل (١) الفتح الرباني: المجلس السادس والأربعون. (٢) المصدر السابق: ٦٤٨ - ٦٤٩ . ٣٢٣ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه نِعم الله ، وتشبع بها ، لا تعطيه منها مطلوبه ، ولا توفِّيه حقَّه ، تَردُّ أمره ، ولا تحفظ حدوده)) (١). البَيْعة والتَّربية: انتفَعَ أهلُ بغداد ومن أَمَّها من جهاتٍ بعيدة بهذه المواعظ الرقيقة المرقِّقة ، وبهذه الخطب المُجلْجِلة المدوية ، وتغيرت حياة ألوف من الناس ، ولكنَّ مجالس الدعوة والوعظ حلقاتٌ حرة مؤقتة يَؤُّها أناس ويحضرونها ، ثم يتغيَّون عنا ويهجرونها ، ويداوم عليها كثير من الناس، ثم يظلّون على ما هم عليه من تقاليد وعادات ، وأهواء وشهوات. اتَّسعَ العمرانُ في الحواضر والمدن ، وشَغلت الحياةُ وحاجاتها النفوسَ ، فقلَّ من يعتكف في المدارس وينقطع إليها ليدرس العلوم الدينية ويتوسع فيها ، وهكذا أصبحت هذه المدارس النظامية التي تخضع لقيود وتقاليد كثيرة ، قاصرةً عن إصلاح شعبي وتربية عامة ، وبقيت مُنحصرة في نطاق ضيق ، لا تُفيد ولا تسعف إلا العدد القليل الذي يلتحق بها وينتسب إليها؛ فلا صلة لها بالشعب ، ولا صلة للشَّعب بها إلا عند الاستفتاء أو ما يشبه ذلك ، وإنما تعيش في عُزلة عن الحياة ، وكذلك المؤلِّفون والمثقَّفون الكبار؛ فالفَجوة الثقافية والعقلية بينهم وبين الشعب واسعة وعميقة لا يَعْبُرها إلا الخاصة والشواذ، ثم إنَّ صلة الناس بالمدارس والعلماء والمؤلِّفين صِلةٌ علمية عقلية لا تخضع لها القلوب والنفوس ، ولا تنصبغ بها الحياة والأخلاق والطبائع إلا في النادر ، ولا يتقيَّد بها الناسُ ، ولا يرتبطون بها ارتباطاً روحياً إلا في النادر. كان المسلمون في حاجة إلى دُعاة ، وشخصيات قوية جامعة ، تجمع بين تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس (٢)، وهكذا تخلُّف (١) الفتح الرباني: ص ٦٦١ . (٢) ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِىِ الْأُمِّعِنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَّكِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] . ٣٢٤ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه الرسول وَّ في أمَّته بعد انقطاع النبوّة، وتُجدِّد صلتها بالله والرسول وتجدِّد الميثاق الذي دخلت فيه هذه الأمة والمسلمون جميعاً ، عن طريق الإيمان والنطق بالشهادتين ، وما عاهدت عليه وبايعتِ الرسول ◌َّ مع بُعد الزمان والمكان من السمع والطاعة ومُخالفة النفس والهوى والشيطان ، والتحاكم إلى الله والرسول ، والكفر بالطاغوت ، والمجاهدة في سبيل الله؛ فقد تغافلَ عن ذلك الخلفاء ، واقتصروا على الجباية والفتوح ، وأخذوا البيعة لأنفسهم وأولادهم ، وعجز عن ذلك العلماء؛ فاشتغلوا بالفتوى والوعظ والتدريس والعلم والتأليف ، وإذا أرادوا ذلك لم يَخضع لهم العامة؛ لأنهم لا يرون فيهم - إلا النادر القليل - الإخلاص والزهد وأثر الخلافة النبوية. وهكذا ضَعُفَ الشعور في العامة والسُّوقة والفلاحين والعَمَلة؛ حتى في كثير من الخاصة والمتعلُّمين بأن الإسلام عهدٌ وميثاق ، وبيع وشراء بين العبد وربه ، وأصبحوا أحراراً في تصرفاتهم ، جامحين عاتين في شهواتهم ، هملاً وقُطعاناً لا يضبطهم راع. وضعفت في كثير منهم الرغبة في الطاعات وبلوغ درجة الإحسان ، والحصول على نور اليقين وَبشاشة الإيمان ، وتقاصرتِ الهمم ، وخَمدت النفوس ، وأقبل الناس - إلا من عصم ربك - على اللذات والشهوات بِنَهَم وشَرَهٍ. ضَيَّعت الخلافةُ الإسلاميةُ - كما وصفنا سالفاً - روحَ الخلافة وأمانة النبوَّة ، وأصبحت مُلكاً وسياسة ، وإدارة وجباية ، فقام في نواحي المملكة الإسلامية الواسعة خلفاء الرسول ◌َّهِ والربانيون ، يُجدد الناس بدعوتهم وصحبتهم ميثاقَ الإسلام ، ويدخلون في السِّلم فقهاً وإرادة بعد ما دخلوا في الإسلام وِراثة وعادة ، ويستردُّون بتعليمهم وتربيتهم حلاوةَ الإسلام ولذة الإيمان ، ويخرجون من سلطان الهوى وَرقِّ الشهوات وعبادة الناس ، وينشطون في العبادات والطاعات ، والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله . مِن أشهر هؤلاء الدُّعاة والمربِّين: ((الحسن البصري)) و((الفُضَيْلُ بن عياض)) ٣٢٥ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه و ((معروفٌ الكَرْخِي)) و((الجُنيد البغدادي)) رحمهم الله تعالی. وانتهى الأمرُ إلى القرن السادس ، وقد تباعد الزمان عن النبوة وآثارها وبركاتها ، واتسعت الدنيا ، وكثرتْ أسبابُ الغفلة واللهو ، وطال على المسلمين الأمد ، فقست قلوبهم. هنالك نَهَضَ في بغداد - دار السلام وقلب عالم الإسلام - رجلٌ قويُّ الشخصية ، قوي الإيمان ، قوي العلم ، قوي الدعوة ، قوي التأثير؛ فجدَّد دعوة الإيمان والإسلام الحقيقي ، والعبودية الخالصة ، وأخلاق المؤمنين المخلصين ، وحارب النفاق الذي اجتمع في المجتمع الإسلامي بقوة منقطعة النظير في تاريخ الإصلاح والتجديد ، وفتحَ باب البيعة والتوبة على مصراعيه ، يدخل فيه المسلمون ، من كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي يُجدِّدون العهدَ والميثاق مع الله ، ويُعاهدون على ألا يشركوا ولا يكفروا ولا يَفسقوا ، ولا يبتدعوا ، ولا يظلموا ولا يتناسوا الآخرة. وقد دَخَلَ في هذا الباب - وقد فتحه الله على يد الشيخ عبد القادر - خلقٌ لا يحصيهم إلا الله، وَصلُحت أحوالهم، وحَسُن إسلامهم، وظل الشيخ يربيهم ويحاسبهم ، ويُشرف عليهم وعلى تقدُّمهم ، وأصبح هؤلاء التلاميذ الروحيون يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتَّوبة وتجديد الإيمان على يد عبد مخلصٍ ، وعالم ربانيّ شعوراً جديداً ، وظل بينهم وبين الشيخ رباط وثيق عميق ، أقوى من رباط التلاميذ بالأساتذة والشيوخ ، ومن رباط الجند بالقائد ، ومن رباط الرعية بالراعي ، إنما هو رباط روحي ديني ، لا يَهنُ ولا ینحلُّ ، وإنما هو میثاق لا يُنقض ولا يُنکث. ثم يُجيز الشيخُ كثيراً منهم - ممن يرى فيه النبوغ والاستقامة والمقدرة على التربية - فينتشرون في الآفاق يدعون الخلق إلى الله ، ويُربُّون النفوس ، ويحاربون الشرك والبدع ، والجاهلية والنفاق ، فتنتشر الدعوة الدينية ، وتقوم ثكناتُ الإيمان ، ومدارس الإحسان ، ومَرابطَ الجهاد ، ومَجامع الأخوة ، في أنحاء العالم الإسلامي. ٣٢٦ الإمام عبد القادر الجيلانى: دعوته ، إصلاحه وقد استطاع الشيخُ عبد القادر أن يستمر في دعوته وجهاده أكثر من نصف قرن ، في بيئةٍ اشتدَّ فيها الاستبداد ، وكثُرت فيها الوساوس ، وشاعت فيها الوشايات والسعايات ، وأخفقتْ فيها الدعوات السياسية ، وحورب فيها المعارضون للحكومة بقساوة وشدة ، واحتمل الخلفاء والأمراء نقده الشديد ، وإنكاره على تصرفاتهم ومناهج حياتهم ، وما كان ذلك إلا لإخلاصه الذي لا يتطرق إليه الشك ، ولا ترتقي إليه شبهة ، وزُهده في كل ما يحرصون عليه ويَضِنُّون به ، وبذله النصيحة والشفقة لكل من يدين بالإسلام؛ بل يتحلى بالإنسانية ، وانقطاعه إلى الدعوة إلى الله ، والإرشاد إلى معالم الحق. دُعاة الإسلام ومشَاعِلُ الإيمان: وقد كان لخلفائه وتلاميذه ، ولمن سار سيرتهم في الدعوة وتهذيب النفوس من أعلام الدعوة وأئمة التربية في القرون التي تلته ، فضلٌ كبير في المحافظة على روح الإسلام وشُعلة الإيمان ، وحماسة الدعوة والجهاد ، وقوة التمرد على الشهوات والسلطات ، ولولاهم لا بتلعتِ الماديةُ التي كانت تسير في ركاب الحكومات والمدنيَّات هذه الأمةً ، وانطفأتْ شرارة الحياة والحب في صدور أفرادها. وقد كان لهؤلاء فضل كبير لنشر الإسلام في الأمصار البعيدة التي لم تَغْزُها جيوش المسلمين ، أو لم تستطع إخضاعها للحكم الإسلامي (١) ، وانتشر بهمُ الإسلام في إفريقية السوداء ، وفي أندونيسية وجزر المحيط الهندي ، والصين ، وفي الهند. ولما زحف التَّتار على العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري ، وأثخنوه جراحاً وقتلاً ، ولم يتركوا فيه إلا روحاً ضعيفة ونفَساً خافتاً ، وَفُلَّ سيف الجهاد والمقاومة؛ فأصبح لا يؤثر ولا يعمل ، وأغمده المسلمون يأساً وقنوطاً ، وآمن (١) راجع كتاب: ((الدعوة إلى الإسلام)) لتوماس أرنولد الإنكليزي Preaching of Islam. ٣٢٧ الإمام عبد القادر الجيلاني: دعوته ، إصلاحه الناس بأن التتار لا يمكن إخضاعهم ، وأن العالم الإسلامي قد كتب عليه أن يعيش تحت تحكم هؤلاء الهمج ، وأن الإسلام لا مستقبل له ، قام هؤلاء الدعاة المخلصون الذين لا يزال تاريخ الدعوة والإصلاح - على إحصائه واستقصائه ــ يجهلُ أسماء كثير منهم ، يتسرَّبون في هؤلاء الغلاظ الشداد. يفتحون قلوبهم للإسلام؛ حتى تفتَّحت له وأحبّته ، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجاً ، ولم يمض على زحفهم على العالم الإسلامي وإذلالهم له كثيرُ زمان حتى أسلم جُلُّهم أو كلَّهم ، وصاروا حماة الإسلام وحملة رايته وكان منهم فقهاء وزمَّاد ومجاهدون. هكذا أخضعوا للإسلام من أخضع العالم الإسلامي بالأمس من شَرقه إلى غربه ، وأدخلوا أمة قهرت الأمم كلها في عصرها في دين لا يحميه سيف ولا يدافع عنه جيش ، وقد كانت ثلاث ديانات - هي أعظم ديانات العالم - تتنافس في اكتساب هذه القوة القاهرة للعالم: ((البوذية)) و((المسيحية)) و((الإسلام)) وكانت البوذية أقرب إلى فطرتها وبيئتها ، وكانت النصرانية أرفعَ مكانة وأقرب زُلفى في مجالس سلاطينها؛ ولكن الإسلام - بفضل دعاته المخلصين انتصر على منافسيه - البوذية والنصرانية - وأسلم التتار أمة وجنساً ، وكوَّنوا دولاً إسلامية كان لكثير منها مآثر إسلامية يتجمَّل بها تاريخُ الإسلام ، وكان انتصار الإسلام على الديانتين المنافستين - البوذية والنصرانية - حادثة غريبة لا تُعَلَّل إلَّ بمشيئة الله تعالى وتأييده ، وتفوَّق دعاة الإسلام في الإخلاص والروحانية على دعاة البوذية والنصرانية ، وإليك التفصيلُ في الصفحات التالية . غارة التتار على العالم الإسلامي وظهور معجزة الإسلام ٣٣١ غارة التتار على العالم الإسلامي المحاضرة الثالثة عشرة: غارة التّتار على العالم الإسلامي وظهورُ مُعجزَة الإسلام (١) غارَةُ التَّتار وأسبابُها الحقيقيّة في ضوء القرآن: واجَهَ العالمُ الإسلاميُ في القرن السابع الهجري كارثةً يَندُر نظيرها في تاريخ العالم ، وكادت تقضي هذه الكارثة على شخصية العالم الإسلامي ، وهو زحفُ الوحوش التتار الذين تقدَّموا نحو الشرق كجراد منتشر ، وسيطروا على العالم الإسلامي كلِّه. والمعروفُ أنَّ السبب في هذه الكارثة ، هو خطأ ارتكبه السلطانُ علاء الدين محمد خوارزم ، وذلك أنه أمر بقتل التُّجار التتار الذين دخلوا بلاده لممارسة التجارة ، ولما أرسل إليه جنكيز خان سفيراً يسأله عن سبب قتل التجار ، قتله أيضاً ، فاشتعل جنكيز خان غضباً ، وقام بحملة هوجاء على مملكة خوارزم شاه ، ثم على عالم الإسلام کله. (١) فصلٌ كتبه المؤلف في الأردوية لكتابه (تاريخ دعوت وعزيمت)) ونقل أكثره الأستاذُ سعيد الأعظمي إلى العربية. وأُضيف إلى الطبعة الثالثة من هذا الكتاب عام ١٣٨٩ هـ - ١٩٦٩ م. ٣٣٢ غارة التتار على العالم الإسلامي ولكن إذا تدبّرنا في ضوء ذلك القانون العام الخالد لنتائج الأعمال والأخلاق ، وازدهار الأمم وانحطاطها الذي أشار إليه القرآن ، ولا سيما ما ذكره في بدء سورة ((الإسراء)) من تدهور بني إسرائيل وإفسادهم في الأرض ، وعُلوّهم وتمردهم وما جرَّ ذلك إلى زحف الملوك الظالمين ، وتسلّطهم على بني إسرائيل وخراب المسجد الأقصى ، يبدو لنا أن السبب الحقيقي في هذه الفتنة الكبرى ، والمِحنة التي أصيب بها العالمُ الإسلاميُ ، ليس أن يقترف ملك أو حاكم من خطأ في التدبير والسياسة ، فيتدفّق سيل عَرِم من المِحَن والبلاء ، ويفاجىء العالم الإسلامي ، وتُصاب الأمة الإسلامية بهذه الفتنة العمياء - التي لم تكن تتوقَّعها ولا تستحقها - لمجرَّد أن يُخطىء فردٌ من أفرادها . إذا حملنا نِبْراس القرآن في يدنا ، واستعرضْنا أوضاعَ المسلمين الخُلقية والدينية ، والمدنية والسياسية في ذلك العصر تحقَّق لنا كالشمس في رائعة النهار: أن هذه الحادثة المشؤومة لم تكن مفاجأة ، وإنما هناك أسبابٌ أكثر عمقاً وأصالة مما ظنَّ الناس وذكروه ، ولكي نبحث عن هذه الأسباب العميقة الأصيلة يجب أن نتأخر إلى سنين عديدة من وقوع هذه الكارثة ، وندرس بإجمال أوضاع الدول الإسلامية ومراكز الثقافة والمدنية والمجتمع في ذلك العصر . أوضاعُ العالم العَربيّ ومَركز الخلافة في هذا العصر: إنَّ المملكة الأيوبية توزَّعت بعد وفاة السلطان صلاح الدين الأيوبي في سنة ٥٨٩ هـ بين أولاده وأفراد أسرته ، ولكن هؤلاء لم يستخدموا مؤهّلاتهم وكفاءاتهم في أداء هذه الأمانة التي آلتْ إليهم ، شأن كثير من أولاد الولاة ، وأولي العَزْم من الحكام ، فقد ظل الصراع قائماً بينهم إلى مدَّةً طويلةً ، حتى إنَّ بعضهم لم يتلكؤوا في الاستعانة بالصَّليبيين بتدبير المؤامرة ضد إخوانهم وأصحابهم ، وقد أنتج هذا الوضع الشاذ اضطراباً سياسياً ، وانحلالاً خُلقياً ، ٣٣٣ غارة التتار على العالم الإسلامي وفوضى في سائر الولايات التابعة لهذه المملكة ، وكان الناس يعيشون في جوّ من القلق والخوف. هذا وكانت الغارةُ الصليبيةُ الإفرنجيةُ تتعاقب على تلك الحواضر الإسلامية ، التي كان السلطان صلاح الدين قد استردَّها بعد تضحيات ضخمة. وقد فشتْ أمراضٌ وأوبئة ومجاعات شديدة نتيجةً لهذا الانحطاط الخلقي ، والانحراف الإداري. وفي سنة ٥٩٧هـ حدثت مجاعة في مصر فما فاض فيها النِّيل ، وتزلزلت أرض مصر بمنازعات الملكين العادل والأفضل ، حتى ((اشتدَّ الغلاء بأرض مصر ، فهلَك خلق كثير جداً من الفقراء والأغنياء ، ثم أعقبه فناءٌ عظيمٌ ، حتى حكى الشيخ أبو شامة في ((الذيل)): ((إنَّ العادل كَفَّن من ماله في مدة شهر من هذه السنة نحواً من مئتي ألفٍ وعشرين ألفٍ مَيِّتٍ ، وأُكلت الكلابُ والميتات فيها بمصر ، وأكل من الصغار والأطفال خلقٌ كثيرٌ ، يشوي الصغيرَ والداه ويأكلانه ، وكثر هذا في الناس جداً حتى صار لا ينكر بينهم ، فلما فرغَتِ الأطفال والميتات؛ غلب القويُّ الضعيف فذبحه وأکله)» (١) . واستمرَّت هذه الحالُ وفقاً لسنَّة الله في الأرض ، وظلّت الإنذارات السماوية ، والأحداث الجسام تُحذر الناس ، وكانتْ كفيلة بأن تبعث الناس على التوبة والإنابة إلى الله ، وإصلاح أحوالهم ((وحدثت في نفس هذه السنة زلزلة عظيمة ابتدأت من بلاد الشام إلى الجزيرة والروم والعراق ... وأخربتْ محال كثيرة من طرابلس ونابلس ، ولم يبق بنابلس سوى حارة السامراء ، ومات بها وبِقُراها ثلاثون ألفاً تحت الردم ... ومات أممٌ لا يُحصون ولا يعدون ، حتى قال صاحب ((مرآة الزمان)): ((إنه مات في هذه السنة بسبب (١) البداية والنهاية: ج١٣، ص٢٦. ٣٣٤ غارة التتار على العالم الإسلامي الزلزلة نحو من ألف ألف ومئة ألف إنسان قتلاً تحتها (١) والله أعلم)). هذا، وقد تفاقَمَ الشَّرُّ في مركز الخلافة (دار السَّلام - بغداد) ، وسيطرت عليه مظاهر الأبَّهة الملوكية والسلطان الأعمى ، وتغلغل نفوذ الخدم والحشَم في قصور الخلفاء ، وبلغت الثروةُ والمدنيةُ ذروتَهما ، ولا يُمكن أن نتصوَّر ما كان يمتلكه الخدم والمماليك الذين كانوا لدى الخلفاء من المال والعقار. ويكفي أن نذكر على سبيل المثال، أنَّ علاء الدين الطبرسي الظاهريَّ، وهو ممَّن اشتراهم الخليفة الظاهر، كان يحصل له من أملاكه التي استجدَّها نحو ثلاثمئة ألف دينار سنوياً، وكانت له دار لم تكن ببغداد مثلها . وكذلك مجاهد الدين أيبك الدُّويدار المستنصري ، وقد ملك جزيل الأموال من العين، والرقيق ، والدواب ، والعقار ، والبساتين ، والضياع ، ويتعذَّر وصفُ ما أنفقه من قناطير مقنطرة من الذهب والفضة ، والجواهر التي جهز بها أولاده وبناته في ليالي الزفاف. كما أنَّ الفرّاش الصلاح عبد الغني بن فاخر المتوفى ٦٤٨ هـ ، وكان شيخ الفرّاشين بدار الخلافة ، كان يعيش مع خُلُوّهِ من العلم عيشة الملوك ، بينما كان مُدرسو المدرسة المستنصرية في هذا العصر ، وهم من كبار علماء بغداد بوصفهم يُدرسون في أكبر جامعة إسلامية فيها ، لا يتقاضى الواحد منهم أكثر من ١٢ ديناراً شهرياً. وبجانب ذلك نجد أنَّ ٤٠٠٠ دينار ينثرها خادم للشَّرابي علي مجد الدين أيبك المستنصري ، المعروف بالدويدار الصغير عند زواجه من ابنة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ، وأن ٣٠٠٠ دينار أعطاها الشرابي للأشخاص الثلاثة الذين أتوا بطائر من الموصل. ولكي نُدرِكَ مدى نفوذَ هذه المظاهر الكاذبة والتظاهر بالفخفخة والأبهة (١) البداية والنهاية: ص ٢٧. ٣٣٥ غارة التتار على العالم الإسلامي الملوكية يجب أن نعرف أن المواكب التي كانت تخرج في مناسبات العيد والتتويج كانت تشغل الناس ، حتى إنهم كانوا يتناسون أنفسهم ، ويتشاغلون عن أداء الصلوات ، ونستطيع أن نقيس ذلك بالموكب الملكي ، الذي خرج يوم عيد الفطر سنة ٦٤٠ هـ استمر إلى الليل، وصلَّى الناس صلاة العيد قبل نصف الليل قضاء (١) ، وذكر في ((العسجد المسبوك)) أنَّ العساكر في عاشر ذي الحجة سنة ٦٤٤ هـ خرجوا إلى ظاهر البلد ، وصلوا صلاة العيد وقت غروب الشمس. وأمّا تقبيل الأرض بحضرة الخليفة مرات عديدة ، فمن الأمور المألوفة ، وكذلك تقبيل اليدٍ وعتبة باب النوبي ، وحافِر الخيل والأرض والرغام. وقد تميَّزَ هذا العصر بكثرة المصادرات ، وتفشي الرشوة وعزل كبار الموظّفين ، وإلقاء القبض عليهم ، وبيع ممتلكاتهم ، وتفاقم أمر الباطنية والشُّطَّار والعيَّارين ، واشتداد النزاع الطائفي والتفكك الخلقي ، والانصراف إلى الملاهي والقِيان والتكاثر في الأموال (٢). وفي نفس هذه الأيام كان التَّتار يعبثُون بكرامة فارس وتركستان ، ويأتون عليهما من كل جانب وكانت أبصارُهم شاخصةً إلى بغداد ، أكبر مركز إسلاميّ في ذلك العهد ، يتحدَّث المؤرِّخ الشهير ابن كثير عن استهلال سنة ٦٢٦ هـ بما يأتي : ((اسْتُهلَّت هذه السنةُ وملوك بني أيوب مفترقون، مختلفون))، وظلَّت بغداد دار الخلافة الإسلامية مركزاً للاضطراب والفساد ، ولم يتمكن الناس من السفر للحج ، ولا استطاع الخليفة تغيير كسوة الكعبة الشريفة ، التي قد جَرتْ عادةٌ خلفاء الإسلام من قديم بتغييرها ، بين ٦٤٠ هـ و٦٤٣ هـ ، وبقيت جُدران (١) الحوادث الجامعة: أخبار سنة ٦٤٠هـ. (٢) استفدنا في هذا الفصل من مقال ((عصر الشرابي ببغداد)) للأستاذ ناجي معروف المنشور في مجلة ((الأقلام)) عدد محرم سنة ١٣٨٦ هـ. ٣٣٦ غارة التتار على العالم الإسلامي الكعبة عارية عن الكسوة إلى ٢١ يوماً ، فتشاءم به الناس. في سنة ٥٧٥هـ جلس الخليفةُ الناصر لدين الله على عرش الخلافة ، وطالت أيام خلافته إلى أكثر من ٤٦ سنة ، وهي مدة طويلة لم تتيسر لأحد من الخلفاء العباسين ، ولكنها أظلمُ عهدٍ في تاريخ الخلافة العباسية ، وقد ذمَّه المؤرخون وتناولوا أعماله وأخلاقه بالنقد اللاذع ، يتحدَّث عنه المؤرِّخ ابن الأثير ، فيقول: ((وكان قبيحَ السيرة في رعيته ظالماً ، فَخَرَب في أيامه العراق ، وتفرَّق أهله في البلاد ، وأخذ أملاكهم وأموالهم ، وكان يفعل الشيء وضدّه ، فمن ذلك أنه عمل دور الضيافة ببغداد ليفطر الناس عليها في رمضان ، فبقيت مُدَّة ثم قطع ذلك، ثم عمل دور الضيافة للحجاج ، فبقيت مُدة ثم أبطلها ، وأطلق بعض المكوس التي جدَّدها ببغداد خاصة ، ثم أعادها ، وجعل جُلَّ همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة ، فبطّل الفتوَّة في البلاد جميعها ، إلا من يلبس منه سراويل يُدعى إليه ، ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة ، فأجابه الناسُ بالعراق وغيره إلى ذلك ، فكان غرامُ الخليفة بهذه الأشياء من أعجب الأمور ، وكان سببُ ما ينسبه العجم إليه صحيحاً من أنه هو الذي أطمع التتار في البلاد وراسلهم في ذلك فهو الطامة الكبرى)) (١). توقِّي الخليفة الناصر لدين الله سنة ٦٢٢ هـ ، وخلفه المستنصر بالله ، وكان جميل الصورة حسن السريرة جيّد السيرة كثير الصدقات والبر والصلات ، مُحسناً إلى الرعية بكل ما يقدر عليه ، فكان نموذجاً للخلفاء الصالحين في كثير من خصائصه وعاداته ، ولكنَّه - مع الأسف - لم يجد فُرصة للتنظيم والإصلاح ، وخلَفه ولدُه المستعصم بالله في سنة ٦٤٠ هـ. وكان المستعصم صحيح العقيدة متديناً يظهر عليه خشوعٌ وإنابة ، لم ينقل عنه أنه عصى الله بفَمه، ولا بفَرجه ، ولا شرب مُسكراً ، ولا أخلَّ بصيام (١) تاريخ الكامل: ج١٢، ص ١٨١ . ٣٣٧ غارة التتار على العالم الإسلامي الإثنين والخميس من كلِّ أسبوع ، وكان يصوم شهر رجب من كل سنة ، وكان يحفظ القرآن مواظباً على الصلوات في أوقاتها ، إلا أنَّ المستعصم لم يكن بصيراً بتدبير الملك على ما رواه ابن كثير ، وكان فيه لينٌ وعدم تيقُّظٍ ، ومحبةٌ للمال و جمعه . وفي سنة ٦٤٢ هـ استوزر الخليفةُ المستعصمُ بالله محمدَ بنَ العَلْقمي ، ولكنه لم يكن وزيرَ صدق ولا مرضيَّ الطريقة ، فاضطرب نظام الحكومة ، ولما وقعت الحرب العظيمة بين أهل السنة والرافضة في سنة ٦٥٥ هـ ((نُهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة ، حتى نُهبت دور قرابات الوزير ، فاشتد حِنقه على ذلك ، فكان هذا مما أهاجه على أن دبّر على الإسلام وأهلِه ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يُؤرخ أبشعُ منه منذ بُنيت بغداد)) (١). وبالرّغم من أنَّ التتار كانوا يتقدّمون نحو بغداد ، وكان الخطر التتاري يقرعُ الأبواب ، كانت ((جيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة لا يبلغون عشرة آلاف فارس ، وهم بقية الجيش كلهم ، قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعصى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد ، وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله ، وذلك كلُّه عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي)) (٢). كان المستعصم رجلاً صالحاً حَسنَ السيرة والفكر ، وكان يحرص على إصلاح الأوضاع ورفاهية البلاد ، ولكنَّ فساد الناس واضطرابهم وفساد رجال الحكومة ، بلغ مبلغاً لا يؤثر فيه إلا من رُزق الإرادة القوية ، والشخصية العبقرية ، ومن يستطيع أن يقف سداً منيعاً في وجه الفساد ، ويتغلّب على الأوضاع السيئة ، ولم ينفع في مثل هذه الحال إلا العظماء الذين افتتحوا عهداً جديداً ، وأسسوا حكومات جديدة في التاريخ. (١) البداية والنهاية: ج١٣، ص ٢٠١. (٢) المصدر السابق: ح ١٣، ص ٢٠١. ٣٣٨ غارة التتار على العالم الإسلامي لقد تكرّر في التاريخ أنَّ آخر أفراد أسرةٍ حاكمة ، وآخر حاكم في مملكة آخذة بالانحطاط كان يتَّصف بالصلاح والتقوى ، غير أن تلك الأسرة أو المملكة كانت قد وصلت إلى آخر نقطة من الانحلال والتدهور، وكان الفساد قد تفاقم والكأس قد طَفحت ، فلم يكن هنالك من يحول بين هذه الحكومة وبين نهايتها الأليمة التي كان يفرضها قانون السماء ، وتقتضيها طبائع الأشياء ، وشاءت الأقدار أن يُعتبر ذلك الرجل الأخير مسؤولاً عن نهاية الحكومة في أسرته الحاكمة بالرغم من أنه كان أكثر صلاحاً وديانة ، وأحرصَ على إصلاح الفساد من سَلفه الماضين. وقد كان عددٌ من الصالحين مشتغلين بالعلم والتدريس والعبادة ، كما كان عدد منهم معتزلين في الزوايا والمساجد ، ولكنَّ الفساد كان قد استحوذَ على طبقة الحكام والمترفين ، يقول المؤرخ أبو الحسن الخزرجي يَصف أهل العراق يومئذ: ((واهتمُّوا بالإقطاعات والمكاسب ، وأهملوا النظر في المصالح الكلية ، واشتغلوا بما لا يجوز من الأمور الدنيوية ، واشتدَّ ظُلم العمال ، واشتغلوا بتحصيل الأموال، والمُلك قد يدوم مع الكفر، ولا يدوم مع الظُّلم)) (١). القِسْمُ الشَّرْقِيُّ من المَمْلَكَةِ الإسْلاَمِيَّة: وكان مُلوك الخوارزم مُنفردين بالحُكم في الجزء الشرقي للعالم الإسلامي، قامتْ دولتهم ذاتُ الشوكة على أنقاض المملكة السَّلْجُوقيّة في آخر القرن الخامس الهجري ، وكان العالمُ الإسلاميُ كلُّه خاضعاً للحكم الخوارزمي باستثناء مصر والشام، والعراق والحجاز، والمنطقة السَّلْجُوقِيَّة الصغيرة الواقعة في الشمال الغربي لآسيا الصغرى ، وكان علاءُ الدِّين محمد خوارزم (١) مقال الأستاذ ناجي معروف ((عصر الشرابي ببغداد))، مجلة ((الأقلام))، عدد محرم ١٣٨٦ هـ. ٣٣٩ غارة التتار على العالم الإسلامي شاه (٥٩٦ - ٦١٧) أعظم ملوك الأسر طموحاً، وأعلاهم همَّة، وأكثرهم فتحاً وانتصاراً ، وهو أكبر ملك مسلم وأقواهم في عهده ، يتحدَّث عنه المؤرِّخ «هیرلد لیمب) في كتابه «جنكيزخان)» فيقول: ((كان السلطانُ محمد خوارزم شاه متربعاً على عرش الملك في قلب البلاد الإسلامية ، وكانت رقعةُ مُلكه تمتد من ثغور الهند إلى بغداد ، ومن بحر الخوارزم (آرال) إلى خليج الفُرس ، وكان مسيطراً على الممالك الإسلامية كلِّها عدا دولة الأتراك السلاجقة الذين انتصروا على الصَّليبيين ، وأسرةٍ السلاطين من مماليك مصر . وكان محمد إمبراطوراً بالنظر إلى مكانته ، بالرغم من أن الخليفة العباسي الناصر لدين الله سَخِطَ عليه ، ولكنه كان يعترف بقوته ، إن الخليفة في بغداد بعد ما تجرَّد عن كلِّ سلطانٍ دُنيويٍّ عاد مجرَّد رمزِ دينيٍّ، شأن البابوات في رومة)) (١) . أمَّا المؤرخون العرب، فإنَّهم لا يُشيرون إلى موضع ضَعْفٍ وعيبٍ شخصيٍّ كبير في سلوك محمد خوارزم شاه وأخلاقه ، بل إنهم يعترفون بتديُّنه ، وحسن عقيدته وشجاعته وتصلَّبه بوجه عام ، ولكن الذي لا خلاف فيه ، أنه بذل جميع مواهبه وطاقاته في القضاء على الحكومات الإسلامية الصغيرة والكبيرة ، حيثما وُجِدت في هذا الجزء الشرقي الواسع إنه اضطر السلاجقة إلى التأخر والانسحاب إلى آخر حدودهم في جانب ، كما أنه ظلَّ يحارب الغُوريين في الشرق والجنوب في جانب آخر ، واضطرهم إلى الانحصار في جُزءٍ محدودٍ ، وإنَّ خيرةَ عناصر الفروسية والنضال في إيران وتركستان ، قد أثخنتها الحروب الطاحنة المتواصلة ، التي لم تكد تنتهي ، فكان الجو الحربيُ يسود على المدن والأقاليم الخصبة الغنية وعلى مشاعر أهلها في كلِّ حين ، وقد اجتمعتْ غنائمٌ البلاد المفتوحة ، وحاصلاتُ الأقاليم الخصبةِ ، وتأنَّق الصُّناع في الصناعات ، (١) جنكيز خان: ص ١٤٧ . ٣٤٠ غارة التتار على العالم الإسلامي وأدوات الزينة ، فبلغت بذلك كله المدنيّة أوْجَها ، واجتمعت جميع عوامل الغنى والجِدة والرفاهية والانتصارات وما يتبعها من تَرَفٍ وبطر. ومن الصَّعب العسير أن يُوجد حديثٌ عن الأدواء الخُلقية ، التي كانت تُعانِيها الحضارةُ والمجتمع ، في كتب التاريخ التي تدور حول البلاط الملكي ، والسراري ، ورجال الحكومة ، وإنَّ مظنة هذا الحديث هي كتب المشائخ الصوفية ، والمصلحين الاجتماعيين ، وكُتب المواعظ ، التي اكتسح معظمَها السيلُ التتاري ، ولا يسعُنا أن نحمل ما صرَّح به المؤرخ المسيحي ((هيرلد ليمب)) في كتابه ((جنكيز خان)) على مُجَّد التعصب الديني والمبالغة ، إنه يقول: ((إنَّ العالَم الذي كان يعيش فيه المسلمون كان عالم الحرب والجلاد ، وكان لا يخلو من شغَفٍ بالغناء والموسيقا ، ومن الطرب والاهتزاز ، لكنَّه رغم هذا الظاهر كان يعيش في قَلَقٍ واضطراب ، فكان المماليك والعبيد يحكمون مكان الملوك والسلاطين ، وقد بالغ الناس في جمع الأموال والثروات ، وقد انتشرت الأدواء الخُلقية والمؤامرات السياسية ، وكان زِمام الأمور في يد أولئك الذين كانوا يَنْهَبُون الرعية ، ويترفَّهون على حسابها ، وكان حِراسة الحرم والإشراف على السراري للخصيان)) (١). خَطَأُ المُلوك الخوارزمية: وقد صدَرَ عن الملوك الخوارزمييِّن نفسُ الخطأ الكبير الذي وقع فيه الحكام العرب في الأندلس ، ولم يَعْفُ عنهم قانون المكافأة الإلهي ، وذلك أنهم بذلوا كل قواهم في توسيع رقعة الملك ودعمه. وقمع الخصوم، ولم يبذلوا أي اهتمام بتبليغ رسالة الإسلام إلى ذلك القسم البشريّ الذي كان يعيش بجوار حُدودهم ، وكان بنفسه عالَمَاً مستقلاً، وبصرف النظر عن الدافع الديني والواجب الإسلامي ، كان مُقتضى الحزم السياسي وبعد النظر أن يُعْنَوا بإيجاد الانسجام العقائدي مع هذه الدنيا الإنسانية الواسعة ، وبذلك يكونون قد أقاموا (١) جنكيز خان: ص١٤٣ .